الإلتزام بالوحدة: رؤية السودان الجديد

كوش الجديدة/ أغسطس/ 2001

 

 

 

 

الإلتزام بالوحدة: رؤية السودان الجديد

د. جون قرنق دى مابيور

محاضرة ألقيت فى القاهرة 1979 ونشرت ضمن:

"جون قرنق: رؤيته للسودان الجديد، قضايا الوحدة والهُويَّة، ترجمة وتحرير د. الواثق كمير، تقديم د. محمد صبحي ود. ميلاد حنا، الشركة الإعلامية للطباعة والنشر، الجيزة، القاهرة 1998"

 

 

  الوحدة فى التنوع

  التنوع التاريخى

  التنوع المعاصر

  مشكلة السودان وليست مشكلة الجنوب

  الدين والدولة

  الحاجة الى بقاء دولة قومية (أمة- دولة)

 

 

 

 

 

الوحدة فى التنوع

أود أن أطرح رؤيتنا، رؤية الحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان، الطريق الذى نرى أنه سيقودنا الى الأمام. وأعتقد أنه نفس اتجاه التجمع الوطني الديمقراطي. وسمينا هذه الرؤيَّة رؤيَّة السودان الجديد. وهى ترتكز على تحليل علمي للأوضاع وتستند على تقويم متماسك لها فى واقعنا التاريخى والمعاصر معاً. وأنا لا أفتعل هذه الأشياء، فهي حقائق. هذا هو الموجود فعلاً ولا بدَّ من تأسيس السودان الجديد على الواقع وليس على الخيال. فى عام 1983 اجتمعنا فى الغابة، بعد حوادث بور، والبيبور، وفشلا، وأيوت، وكان السؤال الذى واجهنا هو: نقاتل من أجل ماذا؟ ما هو هدفنا؟...ومنذ اليوم الأول- وقد أشرنا الى ذلك فى مانفستو الحركة- وقفنا مع وحدة بلدنا. ولكن، كان هنالك تشويش إذ بدا لنا وقتها غريباً لحركة تنطلق من جنوب السودان أن تدعو لوحدة البلاد. ارتبك الجنوبيون وهم يتساءلون: ولكن، كيف نتحد مع الشماليين؟ فهم المشكلة. بينما تساءل الشماليون: كيف يأتي التحرير من الجنوب؟ ونحن نقول ولما لا؟ كما تشكك الشماليون فى معنى هذا التحرير، تحرير ممن "من منو؟" وقد رددنا بدورنا على ذلك: فهو ليس تحرير ممن بل تحرير من ماذا "من شنو؟" لذلك، أود أن أشدد من البداية على أن الحركة ظلت ثابتة على أهدافها الأربعة عشر عاماً الماضية، بالرغم من الاضطراب الذى يطرأ من وقت لآخر نتيجة لما يحدثه الخارجون على هذه الأهداف من بلبلة.

 

الوحدة التى نتحدث عنها فى الحركة الشعبية، وأتمنى أن يكون هذا ما نتجه نحوه فى التجمع الوطني الديمقراطي، هى نوع جديد من الوحدة. لا يمكن أن نكون قد حملنا السلاح ودخلنا الأحراش فى عام 1983 لنأتي بوحدة تضطهدنا، فهذا ليس طبيعياً، ولم يك ممكناً أن نفعل ذلك. فالوحدة التى ننادى بها مختلفة تماماً، وهى ليست الوحدة نفسها التى يتحدث عنها الآخرون. هنا يكمن مصدر الخلط والتشويش. فلام أكول مثلاً، عندما تحدث الى راديو بى بى سى وطرح سؤالاً بلاغياً (طرحه لمجرد التأثير فى النفوس لا ابتغاء الحصول على جواب): "جون قرنق يتحدث عن الوحدة والبشير يتحدث عن الوحدة، فما هو الفرق بينهما؟" نقول له: هناك عالم من الفرق بين الاثنين، فالوحدة التى نعنيها تقوم على واقعين، أولهما أسميه الواقع التاريخى أو التنوع التاريخى، والثاني أطلق عليه التنوع المعاصر أو الواقع المعاصر. هذان التنوعان أو الواقعان يمثلان عناصر تكويننا وتشكلنا ولا بدَّ من تأسيس الوحدة عليهما. فالأساس الأول للوحدة هو التنوع التاريخى، فكتب العصور القديمة، بما فى ذلك الكتاب المقدس، زاخرة بذكر السودان، إن كان تحت اسم كوش أو السودان أو مصر، وأنا لا أختلق هذه الأشياء.

 

التنوع التاريخى

هذا هو الكتاب المقدس، وهو بين يدي وليس فى رأسي، فى سفر التكوين، الإصحاح الثانى، الله بحكمته المطلقة خلق كل شئ، "غرس الرب الإله جنة فى عدن شرقاً ووضع هناك آدم الذى جبله، وكان نهر يخرج من عدن ليسقى الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس. إسم الواحد فيشون، وهو المحيط بجميع أرض الحويلة حيث الذهب، وذهب تلك الأرض جيد، هناك المقل حجر الجزع (العطور النادرة والأحجار الكريمة). واسم النهر الثانى جيحون، وهو المحيط بجميع أرض كوش. واسم النهر الثالث حداقل، وهو الجاري شرقي أشور. والنهر الرابع الفرات". للناس فكرة مبسطة عن جنة عدن إذ يعتقدون أنها قطعة صغيرة من الأرض. فى الحقيقة أن جنة عدن مساحة كبيرة وممتدة من الأرض- فهى تنبسط من قيهون (قحيون) جنوباً الى الفرات شمالاً. وفيهون وفيشون اللذان يجريان فى أرض كوش هما نهرى النيل الأبيض والنيل الأزرق. وتقع كوش، وفقاً لتفسير إحدى الحواشي، فى السودان. فالسودان مذكور بالحرف فى الكتاب المقدس بينما يعتقد الدكتور حسن الترابي أن تاريخ السودان لم يبدأ إلا فى عام 1989 عندما استولى على السلطة.

 

ذكر السودان أيضاً فى سفر الملوك الثانى، الإصحاح التاسع عشر، "فرجع ريشاقى ووجد ملك أشور يحارب لبنة لأنه سمع أنه ارتحل عن لخيش، وسمع عن تهارقا، ملك السودان، قولاً قد خرج ليحاربك قائداً لجيش المصريين فعاد وأرسل رسلاً الى حزقيا ملك يهوذا". ونلاحظ هنا عمق الروابط التاريخية بين مصر والسودان وأنهما كانا بلداً واحداً. ويذكر سفر أخبار الأيام الثانى، الإصحاح الرابع عشر، أنَّ حرباً وقعت بين الإسرائيليين وجيرانهم، وكان السودان أحد هؤلاء الجيران، "وكان للملك آسا جيش يحملون أتراساً ورماحاً من يهوذا ثلاثة مائة ألف ومن بنيامين من الذين يحملون الأتراس ويشدون القسي مائتان وثمانون ألفا. كل هؤلاء جبابرة بأس. فخرج إليهم زارح السوداني بجيش ألف ألف وبمركبات ثلاث مئة وأتى الى مريشة، وخرج آسا للقائه واصطفوا للقتال فى وادى صفاتة عند مريشة. ودعا آسا الرب إلهه وقال يا أيها الرب ليس فرقاً عندك أن تساعد الكثيرين ومن ليس لهم قوة".

 

يتضح من ذلك أنه كان لنا حاكم يدعى زارح استطاع أن يعد جيشاً قوامه مليون رجل. إذن، حينما يصرح البشير بأنه سيجهز جيشاً من مليون مقاتل فهو لن يكون أول سوداني يفعل ذلك، فهذا ما تم فعله قبل آلاف السنين. أيضاً، فى سفر زكريا، الإصحاح الثامن عشر، كما يعلم الكثيرون منكم، ورَّد أن الله سيعاقب السودان، ويبدو أن هذا العقاب قد وقع علينا بالفعل. هذا هو تاريخنا وهذا ما صنعنا نحن. لا بدَّ من الرجوع الى الماضى حتى ندرك الحاضر ونمهد الطريق الى المستقبل. فقد ازدهرت حضارات كوش، ومصر الفرعونية، والممالك القروسطية منذ آلاف السنين قبل الميلاد. ومن ثم، ومع بداية الحقبة المسيحية، قامت فى السودان حضارات قوية تمثلت فى ممالك النوبة المسيحية والتى دامت لأكثر من سبعمائة عام. وتبع ذلك، ومع ظهور الإسلام وتدفق المهاجرين من شبه الجزيرة العربية، إقامة ممالك إسلامية قوية. وبعدها جاء الحكم التركي-المصرى، ثم المهديَّة، ثم الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري الى أن نال السودان لاستقلاله فى 1956. هذا هو ما أطلق عليه التنوع التاريخى، وهو جزء منا. فالناس الذين ورَّد ذكرهم فى الكتاب المقدس، والذين غزوا يهوذا بجيش مكون من مليون فرد، من ناحية أحفادهم، حاضرون بينكم هنا، فإلى أين تعتقدون أنهم قد ذهبوا؟ فالأرض لم تنشق لتبلعهم بل هم موجودون فى السودان. كذلك هؤلاء الذين أقاموا الممالك النوبية المسيحية، والذين أسسوا الممالك الإسلامية أيضاً، موجودون فى السودان. هذا جميعه ما زال حتى وقتنا الراهن، يشكلنا ويكون جزءاً من هُويتنا. يجب أن نكون فخورين بتاريخنا ويجب أن ننقله لأولادنا، كما يجب تضمينه فى المناهج التعليمية وتدريسه للطلاب لكي ندرك ثقافتنا وثراء ماضينا. فالتاريخ لم يبدأ مع د. الترابي ولكنه يرجع طويلاً جداً الى الوراء. هذا هو التنوع الذى أقصده.

 

التنوع المعاصر

الشكل الآخر من التنوع هو التنوع المعاصر. يتكون السودان من قوميات متعددة، من مجموعات اثنية متعددة، أكثر من 500 مجموعة تتحدث أكثر من مئة لغة مختلفة، ومن قبائل كثيرة. هذا هو الموجود وأنا لم أختلقه. فالدناقلة ما زالوا يتكلمون "بالدنقلاوى"، والبجة ظلوا يتحدثون "بالبجاوية". وحدث لى شئ غريب عندما ذهبت الى شرق السودان، فى منطقة همشكوريب، لأتفقد قواتنا الموجودة هناك. كنت أخاطب شباب البجة، وهم لا يعرفون العربية إنما يتكلمون لغة البجة فقط، وأنا قادم من الجنوب وأتحدث معهم بالعربية، فكان لا بدَّ لى من الاستعانة بمترجم، كدكتور الواثق وهو معي الآن، ليترجم حديثى من اللغة العربية الى لغة البجة. هذا هو التنوع المعاصر. نجد العديد من القبائل فى الجنوب، مثل الدينكا، والنوير، والشلك، والزاندى، واللاتوكا، والفرتيت، والمورلى وغيرها من القبائل. وفى الشمال أيضاً توجد قبائل كثيرة غير عربيَّة، فهناك النوبةأ والفور، والزغاوة، والمساليت، والعديد من القبائل العربية كالبقارة، والكبابيش، والرزييقات، والجعليين وغيرهم. لدينا كل هذه القبائل وغيرها. هذا هو التنوع، وهو أيضاً هناك ولم أفتعله أنا. ولدينا أديان مختلفة، فهناك المسلمون، وهناك المسيحيون وأصحاب كريم المعتقدات الأفريقية. أما مفهوم الإله الواحد فهو شائع بغض النظر عن دين الفرد. فالدينكا، مثلاً، يؤمنون بإله واحد يسمونه نيالج، ويشيع مفهوم الإله الواحد أيضاً وسط كل القبائل الأخرى، إذ ينطبق هذا على النوير والشلك كما ينطبق على القبائل الأخرى فى جنوب السودان. إذن، لدينا أديان مختلفة كلها متعايشة منذ زمن بعيد، باختصار هى الإسلام والمسيحية والديانات الأفريقية التقليدية.

 

هكذا، فإن هذا التنوع المعاصر، "قومياً" واثنيا وثقافياً ودينياً، يشكل جزءاً من، وكما أراكم أمامي الآن فأنتم مختلفون ولكنكم واحد، والتحدي الذى يواجهنا فى السودان هو أن نصهر جميع عناصر التنوع التاريخى والمعاصر لكي ننشئ أمة سودانية، نستحدث رابطة قومية تتجاوز هذه "المحليات" وتستفيد منها دون أن تنفى أي من هذه المكونات. إذن، وحدة بلادنا، الوحدة التى نتحدث عنها، لا بدَّ أن تأخذ هذين المكونين لواقعنا بعين الاعتبار حتى نطور رابطة اجتماعية سياسية لها خصوصيتها، وتستند على هذين النوعين من التنوع، رابطة اجتماعية سياسية نشعر بأنها تضمنا جميعاً، وحدة أفخر بالانتماء إليها، وأفخر بالدفاع عنها. يجب أن أعترف بأنني لا أفخر بالوحدة التى خبرناها فى الماضى وهذا هو السبب الذى دفعنا للتمرد ضدها. إذن، نحن بحاجة الى وحدة جديدة، وحدة تشملنا كلنا بغض النظر عن العرق أو القبيلة أو الدين، بحيث انه إذا حضر أى شخص الى الخرطوم، سواء كان قادماً من الجنينة أو من كادوقلى أو من جوبا أو من نمولى، فهو مواطن سوداني جاء الى العاصمة، "وحدث ذات مرة وأنا قادم من جوبا الى الخرطوم، وفى القيادة العامة وكنت وقتها عقيداً ومحاضراً فى جامعة الخرطوم، كلية الزراعة، أن سألني زميلي فى القيادة العامة: جون، متى حضرت الى السودان؟ فالسودان بالنسبة له هو الخرطوم".

 

مشكلة السودان وليست "مشكلة الجنوب"   

نحن ننظر الى السودان بلداً سيظل موحداً وترتكز هُويته على هذين النوعين من التنوع، التاريخى والمعاصر. وهكذا فإنه منذ عام 1983، عندما أسسنا الحركة، قمنا بهذه التحليلات وطرحن هذه القناعة، ثم انطلقنا بعيداً عن النضال التقليدي فى الجنوب من أجل الاستقلال. فهذا ما كان عليه الحال دوماً منذ عام 1955 حين بدأت حرب حركة الأنيانيا والتى جاهرت بأن هدفها هو استقلال جنوب السودان. هذا، بالرغم من أنَّ هذا الهدف لم يتحقق إذ تمت تسويتة فى عام 1972 فى اتفاقية أديس أبابا والتى منحت الحكم الذاتي لجنوب السودان. انتقلنا بعيداً من منظور "مشكلة الجنوب" وحل "مشكلة الجنوب" وماذا نعطى للجنوبيين، وبهذا ينظر للسوداني الجنوبي وكأنه شخص مختلف عن السودانيين الآخرين وله مشكلة خاصة، فمفهوم "مشكلة الجنوب" الذى درج السياسيون والمراقبون على استخدامه يعنى- ولو ضمنياً- أن أهل الجنوب هم وحدهم أصحاب المشكلة، وهذا ليس صحيحاً. فالسودانيون لهم مشكلة فى كل مكان، فى الغرب ، والشرق، وفى الوسط وفى أقصى الشمال.

 

إذن فتعريف المشكلة وكأنها "مشكلة الجنوب" فقط هو محاولة لتهميش البعض. وقد وقع الجنوبيون بدورهم فى هذا الفخ وأصبحوا يرددون "لنا مشكلة"، مشكلة "جنوب السودان"، ومن هنا يبدأ البحث عن حلول وعما يقدم لهم حتى يصمتوا. انطلقنا بعيداً من هذا الطرح وقلنا بأن السودان ملكنا كلنا وبالتساوي وأننا جميعاً يجب أن نشترك فى تقرير مصيره. إن دعوتنا لوحدة البلاد قامت على هذا الأساس، وكانت هذه مفاجأة للكثيرين فى الجنوب والشمال على حد سواء. ففي الجنوب يقول الناس "إنه من السخف أن نحارب من أجل الوحدة، إذ كيف نحارب من أجل وحدة لا ننتمي إليها". فمن الناحية المنطقية، فإنه من غير الطبيعي أن يتوقع أحد منى أن أقاتل من أجل وحدة لا أنتمي إليها.

 

هكذا فإننا نقصد وحدة جديدة تقوم على ما أطلقت عليه "التنوع التاريخى" و"التنوع المعاصر". نحن نعتقد بأن الحكومات التى تعاقبت على الحكم فى الخرطوم منذ 1956 قد أقامت وحدة البلاد وتنميتها على أسس ضيقة وعلى تعريف منقوص للسودان استبعد حقائق أساسية فى واقع بلادنا. هذا الاستبعاد هو الذى تسبب فى الحرب، فالسودان كما نعلم، ومنذ 1956، يقوم على شوفينية اثنية ودينية، وأي شكل من الشوفينية يقود الى الفاشية فى كل مكان. مثلاً، الشوفينية الآرية العنصرية فى ألمانيا النازية، والفاشية فى إيطاليا، والشوفينية الاثنية فى جنوب أفريقيا فى شكل أبارتيد وهكذا. والحال دائماً، أن يفضى أي شكل من أشكال الشوفينية الى الفاشية وهذا ما حدث فى السودان، فظاهرة الجبهة الإسلامية ليست بمنقطعة مما سبقها.

 

وتحضرني هنا واقعة طريفة لها صلة بهذا الموضوع. فعندما صعدت الى قمة الهرم ونزلت، قال لي المرشد المرافق: "الأهرام هى إحدى عجائب الدنيا السبع"، وقلت له "إنما عجائب الدنيا ثمان والمعجزة الثامنة لدينا فى السودان" فسألني :"وما هى؟" فأجبته "رجل معتوه اسمه الترابي" فهذا الرجل يعتقد بأنه شئ خارج هذا العالم، ولكن أوضاعنا هى التى أنتجته، فهو محصلة تراكم وذروة ما تمَّ حدوثه من قبله. وهكذا فهذه هى رؤيتنا. نحن نقاتل من أجل وحدة بلادنا ونرى هذه الوحدة شاملة للجميع، كل قوميات بلدنا من عرب وأفارقة، كل الأديان من إسلام ومسيحية ومعتقدات أفريقية، حتى نستحدث رابطة اجتماعية سياسية سودانية على وجه التحديد تنتفع من الحضارات الأخرى.

 

ولأولئك الذين يميلون نحو منهج علم الرياضيات، إذا أردت أن أعرف السودان فسأقدمه فى شكل معادلة رياضية بسيطة كالآتي: س = (أ + ب + ج) حيث (س) هى السودان أو الهُوية السودانية وهى دالة مرتبطة بالمتغيرات أ، و ب، و ج. يمثل أ التنوع التاريخى، ويمثل ب التنوع المعاصر، وج تأثيرات الحضارات الأخرى علينا، فنحن لا نعيش فى جزيرة معزولة إنما فى مجتمع إنساني. أما المتغير الثابت (س) والذى يمثل الهُوية السودانية، فهو المحصلة النهائية لهذه المتغيرات أو المكونات.

 

الخطأ الذى ارتكبناه فى السابق هو تقييد هذه المكونات وحصرها مما أفضى الى تشويه نمونا الطبيعي وإعاقته ودفعنا نحو الفاشية، وفى هذه الحالة فإن فاشية الترابي فى السودان تأخذ اسم الأصولية الإسلامية. نحن نحتاج لتمكين هذه الوحدة حتى نصبح دولة عظيمة، وشعباً عظيماً وحضارة عظيمة، ونتواصل مع الحضارات الأخرى، ومع الشعوب الأخرى خصوصاً شعوب وادى النيل والتى تجمعنا معها روابط تاريخية منذ الأزل. العالم يقترب من بعضه، وهو يتشكل من أسواق وتكتلات مثل الإتحاد الأوربي والذى يطلق عليه الأوربيون الآن "البيت الأوربي"، فى الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية يخلقون سوقاً واسعة، والشئ نفسه يفعلونه فى دول آسيا، فحتى أولئك الذين لا يجمع بينهم شئ مشترك أضحوا يقتربون من بعضهم البعض لكي يخلقوا لأنفسهم قوة تنافسية فى المجال العالمي، ونحن فى وادى النيل نتمتع بفرص أفضل، نسبة لما بيننا من روابط تاريخية تتيح لنا أن نؤسس مجتمعاً رحيباً. ولكن لكي يكون لنا نصيب فى بناء هذا النموذج فإنه من الضروري لنا فى السودان أن نرتب بيتنا من الداخل أولاً إذ لا يمكن، دون ذلك، أن نسهم وبيتنا فى حالة اضطراب.

 

هذا هو التزامنا بالوحدة، قلنا ذلك فى عام 1983، ونقوله الآن، كما قلناه فى عام 1991 ونحن نمر بظروف عصيبة عندما انشق نفر على الحركة، رياك مشار وآخرون، واستغلتهم الحكومة فى الخرطوم لمصلحتها. رفع هؤلاء شعارات انفصال الجنوب واستقلاله وللتشديد على الأمر كونوا تنظيماً أطلقوا عليه اسم "حركة استقلال جنوب السودان". استغلت الجبهة الإسلامية بانتهازية هذا الموقف وحاولت أن تسحب البساط من تحت أرجلنا باستمالة السودانيين الجنوبيين بالإيحاء لهم بأنها مستعدة لمنحهم كل ما يطلبونه بما فى ذلك الاستقلال. هكذا نحن نعيش الآن حالة شاذة، فبينما نحن الوحدويون فى صدام مع حكومة الجبهة، نجد الانفصاليين "حركة استقلال جنوب السودان" فى تحالف مع الحكومة فى الخرطوم. هذه هى حقيقة وضعنا، وقد ارتبكت قواعدنا مما استوجب علينا الدعوة الى مؤتمر وطني ناقشنا فيه وتحاورنا حول مصير حركتنا لفترة استمرت عدة أيام. وبعد مداولات طويلة توصلنا الى قرار أكدنا فيه وحدة بلدنا. لذلك، حينما أتحدث عن وحدة السودان فأنا لا أنطق عن قناعة فحسب بل من تفويض قواعدنا فى المؤتمر الوطني الأول الذى عقدناه فى عام 1994.[أركامانى:الجدير بالملاحظة أن رياك مشار بعد أن اكتشف عدم جدية حكومة الجبهة الإسلامية عاد للاقتناع بصحة الخط الوحدوي للحركة فكان توقيع الاتفاق فى نيروبي فى 28 مايو 2001 مع الحركة الشعبية بإسم تنظيمه الجديد الذى صار يعرف "بالجبهة الشعبية السودانية للديمقراطية".

 

هذه هى الوحدة التى نقاتل من أجلها. كان من الصعوبة بمكان على الكثيرين، فى عام 1983، أن يفهموا مقصدنا. كان ذلك صعباً لأن العقول قد تكيفت وفقاً للماضي، وفقاً للتقاليد ووفقاً لما هو معروف فى وقته. ولكن، إن أردنا بناء سودان عظيم ومجتمع عظيم فهذا يستوجب أن يكون لنا تفكير جديد، فلا يمكن أن نستمر فى التفكير بالأسلوب القديم نفسه. فقد حصلنا على استقلالنا فى عام 1956، أي منذ واحد وأربعين عاماً، وشهدت هذه الفترة حربين، حرب الأنيانيا الأولى وحرب الأنيانيا الثانية، إضافة الى الحرب الحالية للحركة الشعبية والجيش الشعبي لتحرير السودان والتى انضمت لها باقي فصائل التجمع الوطني الديمقراطي. دامت الحرب الأولى لمدة سبعة عشر عاماً وتدخل الحرب الراهنة عامها الخامس عشر. هكذا فنحن نخوض حرباً مع أنفسنا لمدة واحد وثلاثين عاماً من عمر استقلالنا البالغ واحد وأربعين عاماً. هذا شقاء بالغ إذ ليس من المعقول أن يعرض شعب نفسه لمثله إلا إذا كانت هناك قضايا مصيرية يهددها خطر داهم. وهكذا، فإن هذا الشكل من السودان، القائم على الظلم وعدم العدالة وعلى الاستعباد، هو الذى أفرز الأزمة الراهنة. فالشوفينية، وإقامة وحدة السودان على أسس ومكونات محدودة، هى التى أوقعتنا فى أبارتيد نظام الجبهة الإسلامية الذى يعيشه شعبنا الآن. ويمكن للمرء أن يتخيل ويتصور بعين عقله أنه لو اتبعنا الاتجاه الصحيح فى عام 1956، وكان تطورنا طبيعياً خلال الواحد وأربعين عاماً الماضية، لكان لنا شأن آخر الآن، خصوصاً بما لدينا من موارد مائية، ومعدنية، وزراعية، ونفطية. وبنظام صحيح للحكم، وبقبولنا لأنفسنا سودانيين، وبخلق هذه الرابطة السودانية الاجتماعية السياسية، وبواحد وأربعين عاماً من التنميَّة، كان يمكننا أن نصبح الآن فى مصاف نمور شرق آسيا. ولكن قيدنا أنفسنا وقزمنا نمونا بتأسيس وحدتنا على الاستعباد والعزل.

 

الدين والدولة

دعونا ننفتح وذلك لأن أي مجتمع يقوم على مكونات مبتسرة لا يمكنه أن يصمد أو يعيش طويلاً. هذا هو ما ينبئنا به تاريخ البشرية، فالمجتمع المفتوح والذى يضم ويستوعب جميع مواطنيه هو القابل للحياة والنمو والقادر على التكيف بسهولة وعلى أن يستمد أسباب القوة لاستمراريته وبقائه، فهناك أشياء صغيرة تفرق بيننا، أشياء ليس من الصعب أن نجد لها حلولاً. ويمكننا أيضاً معالجة الأمور الكبيرة، فهناك، مثلاً، موضوع العلاقة بين الدين والدولة والذى أفضى الى شروخ فى نسيج المجتمع السوداني. الترابي ومن معه يصرون على أن يكون للدولة دين، ونحن نقول، فى ظل ما نتميز به من تنوع، أن ذلك لا يجوز، ولا يمكن أن نتوحد على هذا النهج، فليس كل السودانيين بمسلمين، حتى بين المسلمين أنفسهم لا يوجد اتفاق حول نموذج "الشريعة" التى فرضها نميرى فى عام 1983. وكيف يجوز "لشريعة نميرى" أن تمثل، بأى حال من الأحوال، شيئاً مقدساً؟

 

مفهومنا فى الحركة الشعبية والجيش الشعبي، إن الإنسان بطبعه روحاني، ولدينا جميعنا معتقدات، وإن اختلف شكلها، سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو نعتقد فى نيالج (الإله الواحد) فهذه هى الروحانية. وبهذا، لا يمكن حظر الأديان من أي مجتمع، فهي جزء من التركيبة الإنسانية. وبالتالي، فإن القضية تتلخص فى كيف يمكننا أن نربط بين الدين وهياكل المجتمع الأخرى.

 

نحن نقول بأن الدين هو علاقة بين الإنسان وخالقه وأن هذه العلاقة تحكمها التشريعات الدينية. بينما العلاقة بين الإنسان والأشياء التى صنعها بيديه، كالعربة والفندق والدولة، مختلفة. ذلك لأن الدولة مؤسسة اجتماعية سياسية خلقناها نحن، ولم يخلقها الله ولكن الله هو الذى خلقنا نحن. فالعلاقة، إذن، بين أنفسنا وبين ما خلقناه تختلف عن العلاقة بيننا وبين الذى خلقنا، وهو الله. هاتان علاقتان متمايزتان.

 

دعونا نتحقق من ذلك بضرب بعض الأمثلة المنطقية. لم أر أبداً دولة- الدولة أصفها بالمؤسسة الاجتماعية- مجرد كيان، تذهب للكنيسة فى يوم الأحد، فالفرد هو الذى يذهب للكنيسة يوم الأحد. كذلك لم أر مطلقاً دولة تذهب للجامع فى يوم الجمعة، فالفرد هو الذى يفعل ذلك. لم أر أبداً دولة تذهب الى مكة لأداء فريضة الحج، فالأفراد هم الذين يحجون. وعندما نموت ونقابل الخالق، فالفرد هو الذى يقف أمام ربه ويتم حسابه وفق ما اقترفه من أفعال فى دنياه وليس على ما فعلته الدولة. إذن، لماذا نغرق أنفسنا فى خلط المواضيع ونفرق بين شعبنا نتيجة ذلك. الترابي والجبهة الإسلامية يصرون على أن تكون الشريعة والعرف مصدر التشريع، بينما نقول نحن انه فى مجتمع ديمقراطي- ونحن فى التجمع نسعى الى إقامة مجتمع ديمقراطي- يجب أن يكون مصدر التشريع هو الدستور، وليس الدين، وأن يكون دستوراً ديمقراطياً. هذا أمر فى غاية البساطة، دعونا نعتمد دستوراً يكفل حرية الأديان بحيث نخصص فيه قسماً للدين والعرف. وسيشمل الدستور فصلاً عن الحقوق الأساسية والذى سيتضمن حرية الأديان والعبادة، فيمكن أن يتوافر للمرء أي شئ يرغب فيه، فالجميع يصادفون ترحيباً إن كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يؤمنون بمعتقد آخر. هذا هو ما يحدث فى مناطق السودان الجديد. فالقائد يوسف كوة (رحمة الله عليه- أركامانى)، مثلاً، مسلم ومتزوج من مسيحية، وهو ليس مثالاً وحيداً أو فريداً.

 

الحاجة الى بناء دولة قومية(أمة - دولة)

إذن دعونا نتفق على أن هدفنا هو وحدة البلاد وأن هذه الوحدة يجب أن تقوم على حقائق الواقع، فأى وحدة خلافاً لذلك غير قابلة للتطبيق ولا يعوزنا برهان. لهذا السبب ظللنا نقاتل بعضنا البعض لواحد وثلاثين عاماً من سني الاستقلال الإحدى والأربعين. من المهم أن ندرك ذلك، فهناك استياء فى الجنوب والبعض، طبعاً، يعبر عنه بالقول: "د. جون، الوحدة بتاعك ده ما شغال، الجماعة ديل (الشماليين) نحن ما ممكن نقعد معاهم". كان هذا هو الكلام الشائع فى 1983 كما هو شائع الآن. هناك انتقادان موجهان لنا، فالجنوبيون يقولون: لماذا نقاتل من أجل كل السودان "ذنبنا ايه، كدى خلينا نشيل الجنوب بتاعنا ده وخلاص وكفى". بينما الشماليون يقولون: "كيف يمكن للجنوبيين أن يحررونا؟" ولكن هذه بمثابة النظر الى الأشياء بشكل جامد وكأنما الأمور لا تتبدل، وأن الأشياء لا تتغير. وكانت إجابتي دائماً صريحة، فقد قلنا للجنوبيين فى عام 1983، وربما سمع هذا الكثيرون منكم فى راديو الجيش الشعبي وقتها "أنه طالما أنمكم تقاتلون- بالنسبة للجنوبيين- من أجل كل السودان، من أجل بلد موحد، وأنتم بدأتم من الجنوب وأنتم متقدمين شمالاً، وأنكم بدأتم من نمولى، استولوا على نمولى، وعلى ياى، وعلى جوبا، وأنت الانفصالي هذا قاتل بجانبي حتى تصل الى ما تعتقد انه حدود الجنوب وتوقف من ثم عند تلك الحدود، أما بقيتنا المؤمنون بوحدة بلدنا فسنواصل القتال حتى نستولي على الخرطوم ونقيم السودان الجديد.

 

هناك أيضاً الذين يقولون: لماذا نذهب ونموت فى الشمال، لماذا نقاتل من أجل وحدة لا ننتسب اليها؟ .. مرة أخرى، هذه نظرة جامدة وثابتة للأمور. وحينها أقول: عندما تنتقل الحرب الى الشمال فإنها ستستغرق الشماليين أنفسهم والذين سيقاتلون من أجل حريتهم، وليس أنتم (الجنوبيين) الذين ستقاتلون فى الشمال، وهذا هو ما يحدث الآن. وهكذا جيش يوسف كوة فى جبال النوبا جله يتكون من النوبا، وجيش مالك حقار فى جنوب النيل الأزرق يتشكل من أهالي منطقة الأنقسنا. وقد كونا هيكلاً جديداً أسميناه "لواء السودان الجديد" وهو ينسجم تماماً مع وصف البوتقة التى تنصهر فيها كل قوميات السودان. هذه هى الكيفية التى نطور بها أوضاعنا. الآن كل فصائل التجمع الوطني الديمقراطي تحمل السلاح كما نوهت الى ذلك آنفاً. فهناك جيش تحرير الأمة التابعة لحزب الأمة (الذى سحبته قيادته مؤخراً بعد تخليها عن التجمع وعودتها الى الخرطوم- أركامانى)، وقوات الفتح التابعة للحزب الإتحادى الديمقراطي، وقوات التحالف السودانية، وقوات البجة، وقوات التحالف الفيدرالي وغيرها من القوات والتى ستنصهر جميعها فى جيش السودان الجديد. وهكذا، مقاربتنا للمسائل ليست جامدة، فهى تكفل حقوق الجميع، حقوق الجنوبيين، وأهل الوسط، وأهل الغرب، وأهل الشرق والشماليين، وذلك لأنَّ كل هؤلاء سيشتركون فيما يحدث من تغيير، فليس هناك من سيقوم بتحرير الشعب السوداني غير الشعب السوداني نفسه. وهكذا نعتقد أن رؤيتنا علمية لأنها تقوم على حقائق علمية. فهي لا تستند الى تهيؤات وتخيلات أو انتهازية، ولكنها ترتكز على الواقع وهذا هو الطريق الى الأمام. يجب أن نقاتل من أجل وحدة بلادنا ويجب أن نغير الأوضاع جذرياً فى بلادنا. أنا واثق من أننا ستفعل ذلك، وكما قلت فى بداية حديثي فإنني مصمم لأثبت لكم بأننا سننتصر.

 

نحن لسنا متفردين فى ذلك، فالأمم تتكون نتيجة للتحركات التاريخية للبشر. فالناس يتحركون ويتنقلون لأسباب متعددة، فهم يتحركون للبحث عن فرص اقتصادية أفضل، كما يتحركون هرباً من الاضطهاد الديني، أو حتى بدافع حب الاستطلاع لمعرفة ما يقع خلف التل أو المحيط. فى نهاية الأمر، يجدون أنفسهم فى مساحة جغرافية بعينها يعيشون فيها، فالحياة يجب أن تستمر. تتفاعل هذه المجموعات البشرية فى المجال الاقتصادي، وفى المجال الاجتماعى، وفى المجال السياسي، وفى المجال الروحي.. وبمرور الزمن تنشأ رابطة اجتماعية وسياسية بينهم لها خصوصيتها.

 

هذا هو ما حدث هنا فى مصر، وما حدث فى أمريكا وما حدث فى كل مكان من العالم. فأنتم المصريون هنا فى مصر، مثلاً، أصبحتم مصريين فى المقام الأول، قبل أن تكونوا أى شئ آخر، أنتم مصريون أولاً وأخيراً. وعندما زرت البانوراما بالأمس شاهدت توثيقاً لحرب أكتوبر والتى اشتركتم فيها جميعاً كمصريين سواء كنتم مسلمين أو مسيحيين. فأنتم تنعمون بالوحدة، فى إطار دولة قومية والتى تحاربون من أجلها وتفخرون بها. أنا أفتقد هذه الأمة-الدولة فى السودان. فالسودان القديم، الذى نال استقلاله فى 1956، عمل على تهميش الآخرين فلماذا، إذن، أقاتل من أجل ذلك السودان؟ وهكذا فإن مهمتنا، وواجبنا، أن نخلق سوداناً ننتسب له كلنا، رابطة اجتماعية سياسية ننتمي إليها جميعاً وندين لها بالولاء الكامل بغض النظر عن العرق أو الدين أو القبيلة أو الجنس حتى يستطيع المرء أن يسهم بفاعلية. هذا هو السودان الذى تهدف الحركة الشعبية الى إقامته ونحن نناشد الشعب السوداني أن يعي أن هذا هو اتجاه المستقبل، لكي نصبح أمة عظيمة وشعباً عظيماً، يجب أن نسير فى هذا الطريق.

 

ثقافة أم مثاقفة

 

ثقافة أم مثاقفة : السـودان وحرب الهُويات

عاطف عبدالله قسم السيد 

سبق نشر هذا البحث في صحيفة الاتحاد وأعيد نشره في سودانايل

 

 

 

 

تقديم
حملت مفاوضات ماشاكوس التي عُلقت من قبل والتي ستستأنف خلال الأيام القادمة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان طيه من الملفات والأوراق السودانية الساخنة إلى طاولة المفاوضات.

 

مادة هذه الأوراق هي المواجع والمظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي أرهقت الوطن وقضت مضاجعة زهاء ما يناهز الخمسة عقود من الزمان هي عمر استقلال السودان. فالحرب الدائرة الآن والتي اشتعل أوارها في عام 1983 إنما تضرب بجذورها إلى عام 1955، وهو العام الذي سبق إعلان الاستقلال.

 

وإذا كانت المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتهميش الآخر وعدم الاعتراف به هي الوقود الذي ظل يشعل نار تلك الحرب، فإن الوجه الثقافي المرتبط بحقوق الهوية والاعتراف بالتعدد اللغوي والثقافي والاثني يمثل هو الآخر مكوناً رئيساً من مكونات تلك الحرب ووقودها ومادتها.

 

وفي رصيد الفكر السوداني تراث غني ومتصل من الكتابات والإسهامات المكرسة لتناول قضايا التعدد اللغوي والثقافي والديني والعرقي وديمقراطية الثقافة وحقوق المواطنة المرتبطة بالهوية. من بين هذه الإسهامات المتصلة تبادر الاتحاد إلى نشر هذه الدراسة الماثلة بين يدي القارئ الآن حول حرب الهُويات السودانية. وقد عمد فيها الكاتب عاطف عبد الله إلى التعريف بأهم التيارات والرؤى الثقافية المتصارعة فيما بينها. ضمن ذلك وفي سياقه يقدم الكاتب خلفية تاريخية عامة تطرح من الأسئلة أكثر مما تقدم من الإجابات عن مكونات الشخصية السودانية وفسيفساء التكوين العرقي اللغوي الثقافي المتعدد للمجتمع السوداني.

 

كما يطرح في السياق نفسه كيف تحول هذا التعدد كله من نعمة إلى نقمة، وكيف أصابت لعنة حرب الهُويات جسد المجتمع بسهام وسموم الاستعلاء العرقي والديني والثقافي. وغض النظر عن النتائج التي ستنتهي إليها (ماشاكوس) كخطوة من الخطى على طريق الحل فإن هذه القضايا ستظل مطروحة على بساط التأمل والبحث والعمل حتى تضع حرب الهُويات أوزارها ذات يوم في بلاد السودان.


تمهيد
ورد في تقرير أعد على أعتاب الاستقلال أن السودان يتكون من 570 قبيلة تنقسم إلى 56 أو 57 فئة اثنية على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والاثنوغرافية و تتحدث 114 لغة منطوقة منها المكتوبة، 50 منها في جنوب السودان. هذه المجموعات الاثنية الـ 57 أعيد تجميعها في ثماني مجموعات رئيسة 39 % عرب أو من أصول عربية، 30 % جنوبيون أو من أصول أفريقية، 12 % بجة، 15 % نوبيين، كما أن هناك مجموعات أخرى مثل الفور والنوبا والأنقسنا  والأجانب المولدون قد تم تصنيفهم ضمن المجموعات أعلاه. 51 % يتحدثون اللغة العربية، 49 % يتحدثون لغات ولهجات أخرى و60 % مسلمون، 10 % مسيحيون، 30 % وثنيون وأصحاب ديانات أفريقية مختلفة.

وقد تم تقسيم المجموعات أعلاه إلى مجموعتين ثقافيتين رئيسيتين هما الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي ذو القيادة المسيحية. (1)
 

بعد مضي قرابة النصف قرن على هذا التقرير و الصراع ما زال متأججاً حول الهوية والانتماء الثقافي في السودان، نجد أنفسنا مازلنا نعدو وراء الوطن الحلم و نطمح بأن تكون لنا دولة قومية موحدة، و بناء وعي بهوية مشتركة، تضمن بناء وحدة وطنية حقيقية ومستدامة. تكمن الصعوبة  في هذه التعددية والتنوع اللغوي والاثني في شبه القارة السودانية وفي ذلك المحيط الخارجي المتداخل معه حدودياً وشعوبياً، الأمر الذي يصعب معه الحلم بتحقيق وحدة لهذا التنوع ووطن يلم الشمل ويجمع هذه الأضداد وتتعايش فيه هذه الثقافات المختلفة، والأصول العرقية المتنوعة، والمعتقدات الدينية والاثنية المتعددة في سلام ووئام.

 

لست بصدد تقديم دراسة منهجية للهوية الثقافية في السودان بقدر ما سأحاول تسليط الضوء على وجهات النظر الثقافية المختلفة والتعريف بها  بقدر ما توفر لي من مصادر، وفتح باب للحوار حول الهُوية الثقافية في السودان. ولكن تسليط الضوء على الرؤى الثقافية المتناحرة وتجاهل الهُوية العرقية في السودان بتشعيباتها العديدة أمر فيه استحالة .. لذا لا بدَّ أن نمر أولاً عبر الهُويَّة.

 

ما يميز الإنسان عن سائر المخلوقات الأخرى هو العقل الذي منحنا الوعي بالتميز، حتى تكتمل إنسانيتنا لا بدَّ لنا من الانتماء إلى جماعة "الإنسان كائن اجتماعي"، وتبدأ الجماعة من الأسرة والقبيلة لتنتهي بالأمة والإنسانية جمعاء. و يعرف الأستاذ طه إبراهيم المحامي معنى الهُوية بأنها شعور الانتماء إلى جماعة محددة، ويقول في ذلك ان شعور الفرد بالانتماء إلى جماعة معينة أو مجتمع معين هو الذي يحدد وطنيته، وبمعنى ما مدى إخلاصه لذلك المجتمع. أما الوجه القانوني للهُويَّة فقد تبلور فيما يعرف بالحق في الجنسية حيث تتطابق الهُوية هنا مع معنى الجنسية(2). وأيضا تعرف الهوية بأنها ما يميز أية جماعة من حيث خصائصها المادية والوجدانية والروحية والاثنية عن سواها.

إن طرح أي سؤال حول هوية الشخصية السودانية لا يمكن أن يكتمل إلا بطرح المزيد من الأسئلة، وسيبدو الأمر وكأن لا نهاية له لأن الأسئلة لا تنفد. إلا أن مستلزمات البحث العلمي والتمسك بالموضوعية والعلمية بعيداً عن التعصب، يمكن أن يقدما رؤية وصورة نركز فيها على ما يجمع، ونقلص فيها ما يفرق؛ وسيكون المدخل  لموضوع هذه الدراسة هو طرح الأسئلة التالية:

 

ما هي مكونات الشخصية السودانية؟ ما الذي يميزها عن سواها؟ ما هي الخصائص المادية والروحية التي جمعت السودانيين ووحدتهم، أو تلك التي فرقتهم وتصالحوا وتحاربوا من أجلها لأكثر من نصف قرن؟ ما هو تأثير الإسلام والعروبة في تلك المكونات؟ وما هي المعالجات التي طرحتها وجهات النظر المتباينة في مسألة الهُوية الثقافية؟ على ماذا يا ترى استندت ثقافياً ثنائيات (الغابة والصحراء) و(الحراز والمطر) و (رجل سنار والأفريقي النبيل)؟ وما هي الحاضنة الثقافية للشخصية السودانية؟ أهي العروبية أم الإسلاموية والدعوة إلى التأصيل الثقافي كما يراها البعض؟ أم هي الأفروعربية كما نادى بها حمزة الملك طمبل ورواد مدرسة الفجر في ثلاثينيات القرن الماضي؟ أم الرعوية وزهد الصوفية كما يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل، أم الزنجية الأفريقية كما يتمنى بعض مثقفي الشمال الباحثين عن الخلاص من قيود الالتزام الاجتماعي و الديني وبعض الجنوبيين الذين يتنكرون للثقافة العربية والإسلامية في السودان، أهي خليط من كل ذلك أم هي سودانوية فقط لا غير؟

 

المكونات التاريخية
(أيثيوبيا) الاسم الذي أطلقه قدماء الإغريق على الأرض التي امتدت من الشلال الأول عند أسوان إلى أقاصي الحبشة شمالا وجنوبا ، ومن سواكن ومصوع على البحر الأحمر إلى صحراء ليبيا شرقاً وغرباً، وتعني الكلمة (أيثيوبيا) الوجه المحروق أو الأسود. وقد ذكر المؤرخ  نعوم شقير بأن أول من سكنها هم السود. أما تسمية (كوش) فقد وردت في التوراة، سفر التكوين الإصحاح الثاني
"وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقا ...
وكان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة.
ومن هناك ينقسم ليصير أربعة رؤوس ، اسم الواحد فيشون .
وهو المحيط بجميع ارض الحويلة حيث الذهب .
وذهب تلك الأرض جيد . هناك المقل وحجر الجزع ،
واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش
واسم النهر الثالث حداقل وهو الجاري شرقي أشور والنهر الرابع الفرات "

[للمزيد من إشكاليات تسمية السودان القديم انظر في أركامانى]

مملكة كوش وعاصمتها الأولى نبتة ثم ولأسباب حياتية بعد أن توسعت في الزراعة انتقلت العاصمة لمروي  وأهرام البجراوية ستظل شاهد  على حضارة عظيمة والكوشيين أكثر ما عرف فيهم أنهم حاميي و أمناء على الحضارة المصرية القديمة ، اعتنقوا ديانة آمون وأول من وحدوا القطرين لفترة من الزمن عندما فتحوا مصر بقيادة بعانخي في 751 ق.م.

 

(بلاد بونت) والبوانيت الاسم الذي أطلقه قدماء المصريين على الأرض والسكان الذين أقاموا بين طريق بربر وسواكن وجبال الحبشة " وأرسل الملك متوفيس (من الأسرة السادسة) القائد هرخف لغزو بلاد البوانيت فعاد بغنائم البخور والأبنوس والعاج والجلود حملها على 300 حمار .. إلخ "

 

(الممالك المسيحية) نوباديا وعاصمتها فرس- المقرة وعاصمتها دنقلة العجوز- علوة وعاصمتها سوبا. (بلاد السودان) هذا الاسم الذى أطلقه العرب على المنطقة الأفريقية شبه الصحراوية التي تمتد  من المحيط الأطلنطي حتى البحر الأحمر، والتي تمت أسلمتها ، هي ليست في حقيقة الأمر موطن للزنوج ، ولكنها المنطقة المتوسطة التي تقع بين المجموعة الحامية لشمال أفريقيا، والمجموعة الزنجية لوسط أفريقيا، وهي التي تم تقسيمها فيما بعد إلى "السودان الغربي" للمنطقة التي تشمل حوض السنغال وجامبيا وفولتا العليا والنيجر و"السودان العام" الذي يضم حوض بحيرة تشاد، و "السودان الشرقي" الذي يقصد به السودان الإنجليزي المصري وهو المعني في هذه الدراسة.

السودان بلد المليون ميل مربع ، بحدوده الحالية يعد تكويناً حديثاً أو مستحدثاً في بداية القرن المنصرم، فقد ضمت دارفور عام 1916 حيث كانت مملكة مستقلة لأكثر من ثلاثة عقود، كما كانت دار مساليت هي الأخرى سلطنة مستقلة تم ضمها كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي ثم أصبحت جزء مما صار يعرف بالسودان الإنجليزي المصري، أما بحر الغزال فقد كانت جزءاً من أملاك الملك ليوبولد ملك بلجيكا وأهداها للبريطانيين في مطلع القرن العشرين في إطار تبادل المستعمرات.  
 

جغرافية وتاريخ السودان. إن ما يميز السودان عن سواه هو هذا الواقع الجغرافي المتفرد والطبيعة المتميزة التي أحاطت به والمناخات المختلفة، من مناخ السافنا الاستوائي الممطر في الجنوب إلى مناخ البحر الأبيض المتوسط في أقصى جبل مرة في الغرب، والمناخ الصحراوي الجاف في الشمال، إلى السهل البحري وجبال البحر الأحمر في الشرق الممطر شتاءً.

 

كما أسهم أيضا المحيط الخارجي حيث يحاط السودان بتسعة أقطار من مصر في الشمال وليبيا وشاد وأفريقيا الوسطى في الغرب إلى كينيا وأوغندا وزائير وأثيوبيا في الجنوب وإرتريا والبحر الأحمر الذي يفصلها عن المملكة العربية  السعودية في الشرق، الأمر الذي يميز السودان عن أي قطر آخر. أضف لذلك الإرث التاريخي المتنوع والتفاوت الحضاري والاقتصادي والأثني بين كل منطقة وأخرى وبين كل إقليم وآخر.


تأثير الهجرات الخارجية والداخلية
كان تكوين السكان الأصليين لأرض السودان الشمالي والأوسط قبل الهجرات يتكون من النوبة وهم شعب هجين من سلالات قوقازية وزنجية تسكن على ضفاف النيل من دنقلا إلى أسوان، والنوبيين في الشمال الوسيط والبجة في شرق السودان، والفور والمساليت في غرب السودان وفي الجنوب الغربي والقبائل النيلية في الجنوب عدا قبيلة الشلك التي كانت حدودها تمتد حتى ملتقى النيلين.

 

بدأت الهجرات لأرض السودان قبل الإسلام وكانت هجرات المسيحيين الأوائل من مصر، كما كانت هناك هجرات للعرب قبل ظهور الإسلام لكنها لم تكن مقننة كالهجرات التي تلت ظهور الإسلام عندما تواترت هجرات العرب المسلمين لأرض السودان بعد القرن السابع الميلادي. لم يتوغل المهاجرون العرب جنوبا لصعوبة التضاريس، حيث السافنا الكثيفة والحيوانات المفترسة.

 

واستمرت عملية تعريب السكان الأصليين زهاء ما يربو على الألف سنة وأفرزت لنا هذا الهجين الذي يعرف بالشمال العربي المسلم. كان التعريب يتم في سلاسة وتأني وذلك بالتمازج العرقي والثقافي ، أما عمليات الأسلمة فلم تتم (للشمال المستعرب) إلا بعد ذلك بعدة قرون وقد تم ذلك على أيدي الفقهاء الصوفية بعد القرن الخامس عشر الميلادي أيام السلطنة الزرقاء.


المؤثرات العربية الإسلامية
بعد أن فتح العرب مصر في القرن السادس الميلادي عقد الفاتحون المسلمون اتفاقيتين منفصلتين الأولي مع النوبة (اتفاقية البقط أيام الخليفة عمر بن الخطاب) والثانية مع البجا (أيام الخليفة المأمون) وذلك بعد فشل الحملات العسكرية لفتح بلاد السودان أو الممالك المسيحية فيه (علوة والمقرة).

 

بالرقم من فشل الحملات العسكرية العربية الإسلامية وتكبدها خسائر فادحة إلا أن تفوق العرب في السلاح والعتاد أجبر السودانيين على طلب الهدنة والتفاوض لإقرار سلام. وكانت هاتين الاتفاقيتين اللتين نظمتا العلاقة بين الطرفين وأن كانتا مجحفتين بحق السودانيين إلا أنهما حافظتا على استقلال ممالكهم التي أعتبرها العرب دار صلح وهي منزلة بين منزلتين دار الحرب ودار السلم ، أمنت الاتفاقيتان على مصالح العرب ومددتا نفوذهم و وطدتا مراكزهم السياسية بعد أن تمكنوا من الاقتصاد كتجار ومنقبين عن الذهب والزمرد والياقوت في أرض المعادن بشرق السودان وأخيراً تميز هويتهم مكنّهم من الوصول للسلطة والحكم وذلك مع نهاية القرن الرابع عشر ومطلع القرن الخامس عشر الميلادي.

 

أما في ما يتعلق بالهجرات الداخلية فقد شهد السودان عدة هجرات خاصة للقبائل النيلية الجنوبية التي توغلت نحو العمق الأفريقي جنوبا، أما أكبرها فقد كان تهجير الشلك (من القبائل النيلية) من ضفاف النيل الأبيض حيث كانت حدودهم تتاخم الخرطوم إلى غابات الجنوب العصية هربا من الاسترقاق بعد تحولوا لأهداف سهلة للنخاسه وتجار الرقيق . ثم توج ذلك السلطان بادي أبو دقن (أحد ملوك الفونج) بطردهم من مركزهم وحاضرتهم مدينة أليس (الكوة) حالياً.

 

كما هو معروف أيضاً أن العرب الأوائل وفدوا البلاد دون نسائهم ومن المعروف أن الإسلام لا يسمح بزواج المرأة المسلمة من غير المسلم لذلك كان هذا التصاهر من اتجاه واحد.  أما وصول العرب المسلمين للسلطة فقد تم بتزاوجهم ومصاهرتهم للأسر الحاكمة مستغلين نظام الوراثة الأمومي الذي كان متبعاً حينها فوصل أحفادهم لأروقة الحكم والمراكز القيادية في الدولة على أساس تفوقهم الثقافي والمالي والحضاري.

 

هكذا تأسست مملكة الفونج (السلطنة الزرقاء) في الجنوب الأقصى على أنقاض مملكة العنج أو علوة المسيحية  في 1505 م. وانتقلت العاصمة من سوبا إلى سنار وهيمنت السلطنة على عموم الأراضي السودانية وشاركتها مملكة دارفور في الغرب. وأصول الفونج مختلف حولهم فمن يقول أ ن أصلهم من الشلك  ومن قائل أنهم من سكان دارفور الأصليين، وهناك رواية تنسبهم لبني أمية. وبالرقم من أن حكام هذه السلطنة من المسلمين إلا أن أنظمتها كانت مستمدة من عادات وأعراف ضاربة في القدم مثال رابطة النسب والمصاهرة والملك المقدس عند الفونج  (3) حيث يعد الملوك مقدسين ليس باعتبارهم آلهة وإنما باعتبارهم حارسين لقيم وتقاليد الأسلاف . وحتى بعد أن صار الإسلام دين المملكة الرسمي واللغة العربية هي لغة الرسمية إلا أن انتشار الإسلام كان أسميا في مطلع الدولة (السلطنة الزرقاء) وبالتالي غيابه عن الأصعدة القانونية والتشريعية والأيديولوجية للدولة (4)ولكن الانتشار الفعلي للإسلام وتغلغله في حياة السكان تم على أيدي الفقهاء والمتصوفة الذين وفدوا من مصر والحجاز والمغرب أمثال الشيخ إبراهيم البولاد الذي قدم من مصر ودرس في دار الشايقية والشيخ تاج الدين البهاري الذي قدم من بغداد وأدخل طريقة الصوفية في بلاد الفونج ثم التلمساني المغربي .. الخ.  كما جاء في كتاب الطبقات لود ضيف الله (5).

 

أن تعريب وأسلمة شمال السودان قد تمت بالتدريج عبر فترة طويلة من الزمن وفي إطار تلاقح ثقافي سلمي. فمنذ أن فتحت مصر كان هناك امتصاص تدريجي للعرب من قبل النوبيين في الشمال والسود في الوسط (6) ومن ذلك يتضح أن الأسلمة في السودان قد بدأت وانتشرت بالجهد الشعبي وارتكزت على قاعدة المجتمع ويعود الفضل في انتشاره للدعاة الصوفيين وللطرق الصوفية ، ثم بعد قرنين أو أكثر وجد الإسلام طريقه لمؤسسات المجتمع وقمته (7)  كما يتضح لنا بأن الأسلمة والتعريب قد تما داخل الإطار الذي كانت تهيمن فيه التقاليد حيث تمكن الصوفيون من دمج الممارسات الوثنية السائدة ضمن أسلوب معتقداتهم الإسلامية الخاصة (8).  يقدم ج. سبنسر تريمنجهام في مؤلفه الثمين الإسلام في السودان في تحليله للتحول الديني للسودانيين من المسيحية إلى الإسلام ومظهر هذا الدين الذي وصفه الدكتور منصور خالد (إسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...) هذا التحليل .. لقد كانت عمليات الاستيعاب في السودان متقدمة مع خلوها من عيوب العملية الطبيعية التي كانت من جهة تحولاً للثقافة الإسلامية– التي فيها العوامل الدينية أقل حسما من النظام. وكانت من جهة أخرى عملية امتصاص العناصر الدينية الثقافية الأرواحية (الوثنية والديانات المحلية) المحلية وإلباسها الأشكال والصياغات الإسلامية، وتوجهها نحو الاستشراف العالمي، لذا فقد حدثت بشكل بطئ عملية استيعاب متبادلة، إذ كانت العناصر الأرواحية  تتشبث بعناد شديد خلال الامتصاص داخل النظام الإسلامي. لقد كان الإسلام نفسه يحمل في داخله شكلا من أشكال التأمل اللاعقلاني المملوء بالخرافة وسير الأولياء عندما قام "الفقرا"(9) بتدريسه لأول مرة في مملكة الفونج. لقد تدرب هؤلاء الرجال بشكل لا يمكن تصوره على المذهب المالكي الذي قصد من جهة في أن لا يكون للإسلام القويم تأثير على الحياة، ومن جهة أخرى تأثر بشكل عميق بالصوفية وطرق الدراويش، وهكذا فقد كان لهؤلاء الرجال وسط شعب ليست لديه أي خلفية ثقافية – والـحديث ما زال لسبنسر تريمنجهام - السلطة الكاملة لقيادته نحو الخرافات التي تؤمن بها الجماهير ودمجها في شخصيتهم "الفقرا"(10) ويعلل تريمنجهام أسباب البعد عن الإسلام القويم باضطراب الأحوال  السياسية لدولة الفونج ، وبعدها عن أي اتصال مع المراكز الإسلامية، التي كانت راكدة هي الأخرى، لم تؤد إلى تطور مدارس تعليمية / أو ثقافية .. وهكذا كان الإسلام الذي تطور بهذه الطريقة قد تشرب بشكل قوي بالنزعات الأفريقية التي كانت عواملها المميزة العاطفة والخرافة (11).

 

والسودان الحديث أو أفريقيا المصغرة يجمع كل ألوان الطيف اللغوي في أفريقيا، عدا لغة الخويسان في جنوب أفريقيا (توصل عالم اللسانيات جوزيف قرينبرج إلى اكتشاف أربع مجموعات لغوية في القارة الأفريقية المجموعة الأولى هي النيجيرية – الكونغولية – الكردفانية نسبة إلى نهر النيجر ونهر الكونغو وإقليم كردفان بالسودان) والمجموعة الثانية هي النيلية الصحراوية والثالثة الحامية السامية والأخيرة هي الخوسية وهي لغة الجنوب الأفريقي. وكما ذكر الدكتور منصور خالد في الجزء الأول من كتابه جنوب السودان في المخيلة العربية أن السودان هو موطن ثلاثة من هذه المجموعات اللغوية الأفريقية وهي الثلاث مجموعات الأولى ، فاللهجات الكردفانية (غير العربية) تمت بسبب إلى لغات أهل وادي النيجر والحامية السامية تنتسب إليها الكوشية والنوبية كما تنتسب إليها الأمهرية والتقرينية (12).  كل ذلك يجعل من السودان بلدا محوريا في أفريقيا ليس فقط من الناحية الجغرافية، بل من الناحية الثقافية أيضاً، وبالنسبة للغات السودانية حيث بينا في بداية هذه الدراسة وحسب تعداد 1956 وكان عدد السكان حينها حوالي العشرة ملايين نسمة 51 في المائة منهم يتحدثون اللغة العربية 17.7 في المائة يتحدثون اللغات النيلية منهم 11 في المائة يتحدثون لغة الدينكا ما يدلل على أن السودان ليس فقط منطقة تعدد لغوي بل أيضا منطقة ازدواج لغوي (13) لا شك أن هذه الخارطة اللغوية قد اعترتها تغيرات كثيفة بعد مضي قرابة نصف القرن عليها وذلك بسبب الهجرات الداخلية وسياسات التعريب للحكومات المتعاقبة الأمر الذي أدى لانحسار لغات عديدة وظهور لغات جديدة أبرزها ما يعرف محلياً بلغة (عربي جوبا) التي ازدهرت في الجنوب خاصة في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية. والسؤال الكبير هو هل يمكن أن يكون هذا التنوع والتعدد مصدر ثراء ووحدة بدلاً أن يكون أساس بلاء وفرقة وتفكك؟ سؤال يبدو سهل الإجابة نظرياً ولكن يصعب طرحه في الواقع!!

 

الإسلاموية والعروبية ودعاة التأصيل الثقافي
هناك كثير من دعاة تطبيق الأحكام والتشريعات الإسلامية والتعريب في السودان الحديث بحجة أن الإسلام دين الأغلبية، هذه الدعوات فجرت أسباب الصراع العرقي وأذكت نار الفتنة، وصيرت الدين ولأول مرة في تاريخ السودان كمشكل سياسي ومزقت نسيج الوحدة الثقافية الهش القائم في السودان.

 

فمنذ مطلع ستينيات القرن المنصرم أيام عبود (بداية سياسة تعريب الجنوب) مروراً بعهد الإمام نميري (إصدار القوانين الإسلامية أو تشريعات سبتمبر) انتهاء بهوس الإنقاذيين (إعلان الجهاد) وحتى مراحل الحكم الديمقراطي تخللته الكثير من المساومات والمزايدات السياسية باسم الدين. وقد أتت دعوات الأسلمة والتعريب القسري بأسماء وثياب مختلفة. فمن إسلام الصحوة إلى البعث الإسلامي و دعاة الدستور الإسلامي أو دعاة التأصيل والعودة إلى الجذور،  ولكن من بين كل هؤلاء نجد أن برامج الأسلمة والتعريب الذي فاقم المشكل السوداني وأجج أتون الحرب الأهلية وحولها إلى حرب جهادية، وحول جنوب الوطن إلى دار حرب، البرامج الماضي تطبيقا وتنفيذا في أرض الواقع حتى تاريخه، هو برنامج الجبهة القومية الإسلامية الذي يعد البرنامج السياسي الوحيد الذي وجد سبيلاً للتطبيق والتجريب في الحياة العامة منذ 1976 تاريخ المصالحة الوطنية التي أبرمها النميري مع الأخوان المسلمين، واستطاع الأخوان من خلاله أن يشقوا طريقهم إلى السلطة، ولم يألوا جهدا في تنفيذ مخططهم و برامجهم السياسية، لم توقفهم الانتفاضة ولا الديمقراطية الثالثة عما بدأوه، وعندما لاحت الفرصة لإيقاف نزيف الدم ووقف الحرب بادروا للاستحواذ على السلطة عنوة في يونيو 1989.

 

ولكي نصل لرأي (الجبهة القومية الإسلامية) في مسألة الهُويًّة السودانية نعود لمنظر الجماعة الدكتور حسن الترابي الذي يقول في هذا الشأن:"لا تنشأ حياة سياسية إلا بقيام جماعة توحدها أواصر الموالاة ويعينها من دون الناس بذاتية مستقلة ثم تقوم عليها سلطة مركزية ترعى شئونها وترتب علاقاتها العامة بمقتضى نظام جامع . ولكن نماء العاطفة الموحدة واستتباب النظام الحاكم تطور عسير يكلف كثيراً من الرهق والاضطراب في مرحلة بناء الأمة ، إذ تكون الوحدات الاجتماعية الأولية التي تأتلف في تكوين الأمة لا تزال مشربة بروح العصبية الاعتزالية ومقيمة على حال الحرية الساذجة التي تستعصي على الانضباط . ثم أن الأمة قد يعترها الهرم بعد تمام التكوين فتطرأ في وسطها نزعات التجزئة التي تهدد سلطانها الواحد. ولا ينفك التاريخ يشهد دورات نشوء الأمم وانحلالها وتوارثها لولاء الناس وأقاليم الأرض. إلا الإيمان فإنه يبني الأمة بأيسر وأسرع وأثبت ما يكون لأن الإيمان مفعول اختيار حر. فأيمّا طائفة من الناس اختارت الإيمان أصبحوا  لفورهم أمة واحدة تظلهم جامعة الدين ، ثم تقوى جامعتهم من بعد بفعل عوامل التوحيد التي تنشأ على التراخي في تطور الأمم الأخرى كانتشار اللغة الواحدة واختلاط الدم ونشوء المصلحة الواحدة والتاريخ المشترك" (14)

 

لقد أوردت هذا المقطع بأكمله من فكر د. الترابي حتى تتضح النظرية الإسلاموية في تكوين  هوية الأمة، وهي تتلخص في نقطتين الأولى تتركز في الدين (المعني هنا الإسلام) والإيمان بهذا الدين كمصدر أساسي للحكم والثانية انتشار اللغة الواحدة (المعنية هنا اللغة العربية) الذي يليه أخيرا عاملا اختلاط الدم وتوحد المصالح . 

 

من يتابع التطور العقائدي والثقافي في السودان من المنظور التاريخي يجد أن التعريب الأسلمة لشماله قد انطلقت بعكس هذه النظرية تماما فلقد كانت البداية الهجرات العربية قبل اتفاقية (البقط) وبعدها وكانت الأولوية تأمين المصالح التجارية (أي المصلحة المشتركة)  ثم تلاها بعد استقرار أولئك  المهاجرين المصاهرة مع السكان الأصليين (عامل اختلاط الدم) وبعد وقت كاف عمت اللغة الوافدة "اللغة العربية" تلاها انتشار الدين الجديد "الإسلام" وامتزج بالثقافات والأعراف النوبية والبيجاوية وكان الناتج إنسان سنار المسلم المستعرب.  لكن هذا التعجل في الأمور واستباق الزمن جعل الوطن والمواطن في آخر سلم الأولويات لدى السلطة الحاكمة وذلك بحثا عن انتصار آني للخيار الحضاري أو الشهادة من أجل الخيار المصيري.  يري كثير من الباحثين الإسلامويين ولا أقول الإسلاميين للفرق بينهم، بأن الخيار الإسلامي خيار حضاري (المشروع الحضاري لحكومة الإنقاذ الوطني) ويراه آخرون خياراَ مصيرياَ بعد أن أثبتت الخيارات الأخرى فشلها، الإسلامويون والعروبيون يرون أن رسالة الثورة الإسلامية (انقلاب الإنقاذ) هي إقامة دولة نموذجية يحتذى بها في أفريقيا.  ويري منظروها أن السودان هو بوابة العبور للإسلام والعروبة في أفريقيا، وهم على قناعة بأن السودان ليس سوى جسر لإيصال الرسالتين (الإسلام والعروبة) لأفريقيا. وهنا ومن منطلق هذه الرسالة التاريخية نجد أولوية العمل هي استكمال أسلمة و تعريب السودان في المقام الأول فجحا أولى بلحم ثوره، والمعني هو إلغاء الثقافة الأفريقية و تعريب الجنوبيين، ثم يمتد هذا الواجب المقدس للدول المجاورة ومن ثم إلى العالم. ولهذا نجد أن السودان هو مقر منظمة الدعوة الإسلامية ومعهد الخرطوم الدولي للغة العربية، والمركز الإسلامي الأفريقي، ومؤسسة دان فوديو  والعديد من منظمات جامعة الدول العربية والمؤتمر الشعبي الإسلامي العالمي التي تعني بهذا الشأن.

 

ولو نظرنا في خطة إقامة الدولة الدينية في السودان لوجدنا أن نظام الجبهة القومية الإسلامية  الحاكم كان يرى الجاهلية في شعب السودان قبل أن يتسيدوا السلطة فيه، لذا بدأوا بالادعاء بإنقاذ الشعب السوداني من الضلالة والخطيئة الكبرى التي كانت ستكلل بإلغاء قوانين سبتمبر، وإعمال المصالحة الوطنية بعد أن وافق البرلمان والحكومة على تفعيل اتفاق الميرغني – قرنق. لذا بدأ أهل الجبهة القومية الإسلامية عندما دانت لهم السلطة دون شريك في يونيو 89 من نفس النقطة التي انطلق منها قبل أكثر من أربعة عشر قرناً القائد الإسلامي عبد الله أبن أبي السرح وذلك بإطلاق يد العرب والمسلمين في أرض السواد (ممالك النوبة) فأطلقوا العنان لتجارهم ليتمكنوا من اقتصادها المنهك (سياسة التمكين)  وتسيدوا وسيسوا جميع الوظائف الإدارية التكنوقراطية (مزيداً من التمكين) وأذكوا أتون الحرب. وأرسلت الجبهة الإسلامية  مهووسيها ليطأوا بخيلهم بطون شعب الجنوب وحولوا  دارهم إلى دار حرب، فحرقوا الزرع والضرع وشردوا وقتلوا من الأرواح ما لم تفعله كل الحروب السابقة، وأرسلوا الشباب ليكونوا وقوداً لحربهم الجهادية فلم ينج من وبالهم أحد، دون أن يحفلوا لما جرى ويجري لأحفاد رماة الحدق، الذين ضاق بهم الحال فتنازلوا عن قيم الآباء والأجداد والدين القويم  بعد أن فسدت الذمم وضاق الحال وصاروا بالملايين يتسولون اللجوء السياسي في أي موطئ يقبل بهم بعد أن ضاقت دونهم أرض المليون ميل مربع.


الثقافات الأفريقية وهوية أبناء الجنوب
في يوليو الماضي وفي إحدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي وتحت مظلة دول الإيقاد، وقعت الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على ما صار يعرف ببروتوكول السلام أو (بروتوكول مشاكوس). وقد نص البند الثالث من البروتوكول آنف الذكر على حق تقرير المصير لمواطني جنوب السودان. و جاء نص الفقرة رقم 4 فيه كما يلي : بنهاية الفترة الانتقالية التي تبلغ مدتها ست سنوات تجري الحكومة السودانية والحركة الشعبية استفتاء مراقبا دوليا، يطلب فيه من مواطني جنوب السودان أما تأكيد وحدة السودان بالتصويت لصالح نظام الحكم الذي أقر في اتفاقية السلام، أو بالتصويت بالانفصال. قبل ذلك بعدة سنوات في 1995 بالعاصمة الإرترية أسمرا وفيما يعرف بمؤتمر القضايا المصيرية أو (مقررات أسمرا) وقعت الأحزاب الشمالية والحركة الشعبية وتجمع الأحزاب الوطنية الأفريقية وبعض الشخصيات الوطنية المنضويين تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي قرارا حول قضية تقرير المصير جاء في البند العاشر ما نصه (أن شعب جنوب السودان – بحدوده القائمة في أول يناير 1956 م – سيمارس حقه في تقرير المصير قبل انتهاء الفترة الانتقالية).

 

كل ذلك يوضح بأن كافة الأطراف السودانية من شمال وجنوب . حكومة ومعارضة، أضحت متفقة على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان وبات احتمال انفصال الجنوب قائما، ليس الجنوب فحسب بل يمكن أن تنضم إليه فيما بعد منطقة أبيي (تقع إداريا في إقليم جنوب كردفان) ومناطق جبال النوبة والانقسنا (جنوب النيل الأزرق) حيث وافق التجمع في مؤتمر القضايا المصيرية  على استفتائهم حول مستقبلهم السياسي.

 

هناك عامل رئيسي ركن إليه كثير من الساسة والمحللين السياسيين العرب و الكثير من السودانيين الشماليين، راهنوا على خيار وحدة السودان بعد المرحلة الانتقالية في الاستفتاء الذي سيجري للجنوبيين  ليس بسبب قناعات الجنوبيين بضرورة الوحدة،  إنما بسبب "حسب رؤية هؤلاء الساسة والمحللين" عدم وجود المكون الأساسي للدولة الجنوبية الوليدة إلا وهو الهويَّة، حيث يرون انه لا يوجد أي أساس يوحد القبائل التي تسكن الجنوب تحت راية الدولة المستقلة ، ولدى هؤلاء كثير من الأسئلة وأيضا الإجابات الجاهزة عليها، لأنه ووفقاً للمسلمات القديمة والمعلومات المعلبة منذ عشرات السنين فإنه لا توجد عناصر مشتركة بين سكان الجنوب، وأنهم مجموعة من القبائل الوثنية تعيش حياة بدائية وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. وهكذا استسلم هؤلاء لهذه القناعات حتى يكفوا أنفسهم عناء البحث والتقصي في الواقع الجنوبي المتغير، وعما أحدثته وتحدثه الحركة الشعبية من تغييرات جوهرية في الواقع الجنوبي أرضا وشعبا وأيضا ما أحدثته الحرب والتصعيد المستمر لها من هجرات وتداخل بين مختلف القبائل داخل معسكرات المتمردين واللاجئين.

 

من حق الجميع  أن يتساءلوا وأن يثيروا الشكوك عما هو الذي يمكن أن يجمع ويوحد سكان هذه الدولة الوليدة؟ هل هي الثقافة الأفريقية؟  وهل هناك هوية جنوبية موحدة يمكنها أن توفر الانتماء لهذه الدولة، وتوفر لها السلام والأمن وتحميها من شر التحارب والتقاتل بين قبائلها المتباينة؟ ففي حالة انفصال الجنوب وقيام دولة مستقلة في أراضيه وقد تضم هذه الدولة الوليدة جبال النوبة والانقسنا. لن أذهب بعيدا لكني سأعيد صياغة الأسئلة و طرحها ليس  بحثا عن تأكيد قناعات واهية، بل من أجل التقصي للوصول للحقائق. يقول الأستاذ والباحث الجنوبي جون قاي نوت يوه "لاشك أن مثل هذه الأسئلة قد تثير الشكوك عند بعض القبائل السودانية عن جدوى المناداة والقتال من أجل الانفصال لقيام دولة في جنوب السودان بمجرد أن القبائل القاطنة هناك وجدت نفسها في منطقة جغرافية واحدة .. الخ". (15) ويواصل مبحثه عن وحدة الهُوية السياسية والاجتماعية للدولة الجديدة، شارحا التركيبة القبلية لمجتمع جنوب السودان. التركيبة القبلية لمجتمع الجنوب مثلها مثل تركيبة بقية القبائل الأفريقية المجاورة من حيث ترابط الجذور التاريخية بين القبائل. فإذا أخذنا الجذور اللغوية للقبائل في الجنوب نجد أن القبائل النيلية تتحدث اللغة نفسها تقريباً وتشارك بعضها في الكثير من العادات والتقاليد المشتركة، وكذلك الأمر بالنسبة للقبائل النيلية الحامية، والقبائل الحامية إذ تتحدث اللغات نفسها تقريباً وتتشابه تقاليدها وطرق عيشها، والأهم من ذلك أن هذه القبائل الجنوبية فقدت الاتصال بجذورها التاريخية مع نظيراتها في شرق وجنوب غرب أفريقيا، منذ أن هاجرت إلى مناطقها الحالية في جنوب السودان منذ أكثر من ألفي سنة (16). ويواصل الأستاذ جون قاي نوت معددا العناصر التي تجعله متفائلا في إمكانية إبقاء مستوى التعايش السلمي القائم بين القبائل الجنوبية وتوظيفها في الدولة المرتقبة ومن أهم هذه العناصر التي وحدت الجنوبيين التزاوج خاصة بين الشلك والنوير والدينكا وأنوك من جهة أخري، هذا التزاوج خلال الخمسة وعشرون سنة الماضية أنتج علاقات أسرية إيجابية بين أسر كثيرة. ثم هناك عنصر آخر هو التعايش السلمي بين أفراد الثوار الجنوبيين داخل المعسكرات في الأحراش، وأيضا المدارس الداخلية في رمبيك ولوكا وعطار وملكال الثانوية، بالإضافة إلى مدرسة الشيخ لطفي الثانوية للنازحين الجنوبيين برفاعة، ومدرسة سانت أوغستين الثانوية بالخرطوم التي خرجت العديد من الطلاب والطالبات، هذه المدارس لعبت دورا مهما منذ الستينات في رفع مستوى التعليم في الجنوب ويشكل خريجوها الطبقة المتعلمة في الجنوب الآن وقد ساهم السكن الداخلي في تعارف معظم القيادات السياسية للجنوبيين مع بعضهم البعض. ثم يضيف الأستاذ جون قاي نوت عنصرا ثالثا في تحليله ويعد كأهم العناصر الموحدة للقبائل الجنوبية وهو عنصر الدين المسيحي الذي جمع صفوف الجنوبيين داخل وخارج البلاد خلال الخمسة وعشرين سنة الماضية فيما أطلق عليه اسم "النهضة الروحية" التي اجتاحت كل الكنائس السودانية بعد عام 1985 ومهدت لخلق روابط اجتماعية جديدة بين أبناء الجنوب الذين يعيشون في معسكرات ومخيمات اللاجئين في أوغندا وإثيوبيا وكينيا وإريتريا، وفي المناطق التي تقع تحت سيطرة الحركة الشعبية وفي مخيمات النازحين في ضواحي الخرطوم وفي داخلها، وفي مدن جنوبية وشمالية أخرى. أصبحت الكنيسة بالنسبة لكثيرين الملجأ الوحيد والأمل في الحياة بسبب استمرار الحرب ونتائجها المدمرة وأهم من ذلك أصبحت الكنيسة الوسيلة الوحيدة للتعليم في الجنوب، لأن الدولة أغلقت كل منافذ التعليم هناك. وبالتالي أصبح جيل (النهضة الروحية) في الجنوب نموذجا للتعايش بين القبائل الجنوبية، وقامت علاقات وصداقات حميمة بين هؤلاء الشباب وتزوجوا من بعضهم دون تميز قبلي (17)ثم يضيف عنصرا لا يقل أهمية في خلق الوحدة السياسية والاجتماعية المنشودة ألا وهو عنصر اللغة.  لغة (عربي جوبا) وهي عبارة عن لغة محلية مشتقة معظم مفرداتها من اللغة العربية مخلوطة باللغات المحلية في المحافظات الاستوائية مع بعض المفردات الإنجليزية، وهي أشبه باللغة السواحلية بشرق أفريقيا، وقد ذكر الدكتور منصور خالد بأن القائد الجنوبي الدكتور جون قرنق عندما يخاطب قواته التي تربوا على الثمانين ألفا يحدثهم بهذه اللغة أي (عربي جوبا). كما تستخدم أيضاً في تأليف الترانيم الكنسية في كل كنائس الجنوب تقريباً. وهي لغة ليست وليدة هذه الظروف، فقد سبق استخدامها في الشمال حيث كان يبث من إذاعة أمدرمان برامج (ركن الجنوب) بلغة عربي جوبا وذلك منذ الستينيات. وأيضا إذاعة صوت الحق في مرحلة الديمقراطية الثالثة التي كانت تبث من مدينة ملكال بالجنوب وأخيرا إذاعة جوبا. وقد أسهمت هذه الإذاعات في نشر لغة عربي جوبا وانتشرت كثير من الأغاني العاطفية والأناشيد الوطنية التي تخاطب الجنوبيين وتحثهم على الوحدة ونبذ الحرب مثال أغنيات الفنان يوسف فتاكي:
     ياي بليدنا.... سوداني وطننا
     وكلنا إخوان ..
     وين يا لوا  أمسك بليدي كويسيا
     أنا بقى حرية  باكر نكرجو لوبيا
     في بليدنا
(وياي هي أحدى مدن الجنوب وبليدنا أي بلادنا ووين يا لوا أي أين يا لواء وهي رتبة عسكرية والمعني بها الحاكم العسكري خلال حكم عبود ، أمسك بليدي كويسة أي أحكم بلدي بطريقة كويسة أي صحيحة، أنا أبقى حرية أنا أتتطلع لحريتي ، باكر نكرجو لوبيا أي غدا نزرع اللوبيا في بلدنا ونكرجو معناها بلغة الزاندي الزراعة).
 

وأيضا أبدع  الشعراء الشماليون  في استخدام هذه اللغة أمثال محجوب شريف الذي أجادها وعبر من خلالها قائلا :
     كل طلقة بينا نحن تبقى وفرة
     سمسما وبفره
     سكرا وشاي
     تتراسايكلين
     جاي وجاي وجاي
     مافي حاجة ساي
     كلو عنده دين
     كلو عنده راي
     بور وبورسودان
     بارا والجنينة
     عبري ولا واو *
     حاجة مش كويسة
     كل زول براو
     هي سودان بكرة
     من سودانا ناو
*(  بور وبوتسودان ... إلى واو -  كلها أسماء مدن سودانية في الجنوب والشمال والشرق والغرب )
 

ومن لغة الفن السياسي إلى لغة الخطاب السياسي المباشر في استخدامات عربي جوبا حيث درج الساسة الشماليون في استخدام عربي جوبا عند مخاطبتهم للجنوبيين والساسة الجنوبيون كذلك يستخدمون لغة عربي جوبا في خطابهم السياسي وفي اللقاءات والمقابلات الإذاعية والتلفزيونية وكنموذج أقدم مقتطفات من خطاب د. جون قرنق في لقاء جماهيري مع الجالية السودانية في القاهرة في 2 ديسمبر 1997 بقاعة المؤتمرات الدولية: "أنا بقول ، أنا بخاطبكم  زي ما أنا بخاطب ناس في الغابة هناك. أنا ببدأ نقول أنا أكب السلام ليكم ، أنا أكب السلام ، سلام كتير ليكم أنتم السودانيين جماهير بتاع السودان في كايرو ، في مصر عامة ، أنا بقول ليكم سلام عليكم أنتم كله، نساء ورجال، صغير وكبير , بلسان بتاعكم امشو كلم الناس الماجاي وقول ليهم دكتور جون قرنق بسلم عليكم .. أنا عاوز نقول ونكب الشكر الكتير لحسني مبارك رئيس بتاع البلد دي..."

 

كما أن هذا الانتشار لعربي جوبا أدى لاستخدامه في مناطق أخرى عديدة أهمها جبال النوبه كما نجدها في بعض الأغاني والأناشيد النوباوية. التي رددتها فرقة عقد الجلاد ونشرتها في كل ربوع السودان. مما يعني قدرة اللغات المحلية في التمازج مع اللغة العربية وأيضا مرونة اللغة العربية في قدرتها على التعبير والاستخدام في كل بقاع السودان المختلفة الألسن والمزاج اللغوي.
 

وهناك عامل آخر سيسهم في تثبيت دعائم الدولة الجديدة "في حالة الانفصال" ألا وهو العامل الخارجي الذي لا يقل أهمية حسب الظروف العالمية الآنية "خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر" وقد أضحى النفط عاملاً رئيسياً في توحيد الدولة الناشئة والمحافظة عليها من شر نفسها ومن شر خصومها. فلأمريكا والاتحاد الأوروبي مصالح اقتصادية وإستراتيجية في هذه المنطقة، فأرض الجنوب بها من الثروات المعدنية  خاصة النفط الذي أصبحت الحاجة له لا تخفي على أحد بعد إعلان الحرب على الإرهاب، ووجود دول بعينها مقصودة بهذا الجهاد الأمريكي كإيران والعراق كلتاهما موجودتين في مواقع احتياطي النفط الأمر الذي يستدعي البحث عن مصادر جديدة  والمحافظة على السلام والأمن في تلك المناطق حتى تتمكن الشركات الغربية من القيام بدورها. وهناك أيضا العامل الإنساني لتلك الدول والضغوط التي تتعرض لها الحكومات الغربية من مواقع الضغط الكنسية داخل مؤسسات اتخاذ القرار ومن المؤسسات الأهلية التي ملت نزيف الدم في الجنوب. وهي الآن تفعل كل ما بوسعها لوقف الحرب واستتباب الأمن في الجنوب غير عابئة بحل مشكلة الحكم في السودان أو وحدة أراضيه.
 

هناك أيضا بعض الشماليين الداعين  لتأطير الثقافة الأفريقية وذلك كرد فعل لاستغلال الدين في شئون السياسة وفشل الحكومات المتعاقبة في حل المشكل السوداني وهؤلاء الشماليين أصيبوا باليأس والقنوط من عدم  حسم مسألة فصل الدين عن الدولة وإلغاء القوانين الإسلامية التي شرعها النميري، كما فقدوا الأمل والثقة في قياداتهم السياسية الممثلة في الأحزاب الشمالية التي مزقتها حكومة الإنقاذ الوطني وشرذمتها، ووجدوا أنفسهم خارج حلبة  النضال من أجل إلغاء القوانين المقيدة للحريات سواء على المستوى الفردي والجماعي، وأيضا خارج حسبة معادلات التسويات السياسية التي تجري على الساحة،  فتعلقوا بأهداب الثقافة الأفريقية بحجة أن السودان وطن يشمل الجميع دينيين وغير دينيين، مسلمين وكنسيين، وهذه الفئة لا تخفي أملها وطموحاتها بأن يحكم السودان زعيم جنوبي مسيحي حتى يتمكن من إحداث التغيرات اللازمة ، وأصبح أملهم في المكاسب السياسية والعسكرية التي يمكن أن يحققها الوحدويين الجنوبيين في قيادة الحركة الشعبية، لذا فهم ومعظمهم يقيمون بالخارج كلاجئين سياسيين في أوروبا وكندا وأمريكا والخليج وجدوا أنفسهم ينتظرون أن تحارب الحركة الشعبية بالنيابة عنهم لتحقق لهم أجندتهم الخاصة في الدولة العلمانية والحريات.

 

كما أن هناك بعض المناطق المهمشة الأخرى (مثال جبال النوبة والإنقسنا) ملت التعالي العرقي والتخلف التنموي الذي تعيش فيه فأخذت تبحث عن جذورها الأفريقية وتشبثت بأصولها الثقافية مقابل النعرات العرقية من أصحاب الأغلبية المستعربة من دعاة التأصيل والتعريب.

 

الأفروعربية أو مدرسة الغابة والصحراء
في مطلع الستينات، وكانت حركات التحرر الوطني في أوج عنفوانها، تأسست مجموعات ثقافية عديدة أسست رؤيتها الشعرية والثقافية على الأفروعربية كمشروع حضاري يمثل التصالح بين الثقافة العربية والثقافة الأفريقية في السودان  وقد كانت "أبادماك" أحدى افرازات هذا المد الثوري مثل عديد من التنظيمات الأدبية المشابهة "رابطة سنار" و"أولوس" في كسلا وقد تبنى بعض أعضاءها الأفروعربية كحل لأزمة الهوية الثقافية في السودان.

 

كان من رواد مدرسة الغابة والصحراء الدكتور محمد عبد الحي ومحمد المكي إبراهيم والنور عثمان أبكر (الذي أبتكر التسمية) واسحق إبراهيم اسحق، على المك والشاعر الكبير مصطفي سند، الأفروعربية أو مدرسة الغابة والصحراء هي رمزية دلالية للعنصر الأفريقي الذي تمثله الغابة والعنصر العربي الذي تمثله الصحراء وهي مماثلة للواقع الجغرافي السوداني حيث نجد الصحراء الممتدة من الشمال حتى تخوم الوسط وجنوب الوسط حيث الغالبية للعنصر العربي أو المستعرب , وكلما توغلنا جنوباً حيث تبدأ السافانا المعتدلة، ثم السافانا الغنية والغابات المدارية نجد الغلبة للعنصر الزنجي، ولقد وجدت جماعة الأفروعربية ضالتها في نموذج إنسان سنار تلك السلطنة السوداء التي قامت بتحالف العبدلاب مع العنج أي تلاقح العنصر العربي والعنصر الأفريقي الذي شكل النواة للسودان الوسط القائم إلى يومنا هذا.

 

الأفروعربية كمصطلح لغوي ردها الشاعر الدكتور محمد عبد الحي إلى دعوة سودنة الشعر التي نادى بها الناقد حمزة الملك طمبل وإلى مدرسة الفجر (مجلة أدبية أصدرها عرفات محمد عبد الله خلال ثلاثينيات القرن الماضي) وقد جاءت دعوة طمبل لتأسيس واستحداث رؤية نقدية مميزة للأدب السوداني بعيدا عن مفاهيم الأدب الغربي التقليدي وموازية له في تلك الفترة كما جاءت دعوته لتنقض المسلمات الفنية لمدرسة الإحياء الشعري في العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي (شعر محمد سعيد العباسي وود البنا)، وقد كانت دعوته للشعراء السودانيين  ليعبروا عن البيئة السودانية والطبيعة السودانية بكل التنوع والتمايز الذي تحمله "حتى يقول قارئ شعرهم إن هذا شعر سوداني حق، فيه الحساسية والتضاريس السودانية". وقد كانت الدعوة كلها تمثل تسامي الصفوة ليعبروا عن السودان كله وكان البحث عن القاسم المشترك الأعظم بين الهجين العربي الأفريقي في السودان ليعبروا عنه.

 

وقد تم نقد هذه المدرسة بأن شعرائها وأدباءها لم يجدوا ما يشفي غليلهم من شغف التعبير سوي الهروب إلى الفردوس الأفريقي وقد عرف الباحث والمنقب في الثقافة السودانية الدكتور عبد الله على إبراهيم متعه الله بالصحة والعافية في بحثه "الأفروعربية أو تحالف الهاربين" "الأفروعربية كمدرسة فكرية لا تهدف إلى تحجيم الانتماء العربي الصريح وحسب، بل إلى إجراء تحسين جذري في المكون العربي الإسلامي من الذاتية السودانية. فاستعادة التراث الأفريقي في نظر الأفروعروبيين، ليست مجرد تصحيح لمعادلة مختلة، وإنما المقصود منها هو تهريب أجندتهم الاجتماعية والفكرية إلى الثقافة العربية الإسلامية الغبشاء المتشددة بقصد حملها على التلطف والسماحة" (18).

 

ويقول أيضاً في بحثه آنف الذكر و في إطار  نقده لجماعة الغابة والصحراء أو الأفروعروبيين في استخدامهم المكون الأفريقي في الثقافة السودانية وحقوق الجنوبيين في نصرة آرائهم في الحياة السياسية والاجتماعية وقد كان في قمة الشفافية في نقده "وعندي إجمالاً أن خلع أو تحجيم الهوية الثقافة العربية هو إما غش ثقافي أو يأس. فالطريق فيما أرى إلى اطمئنان الجنوبيين وغيرهم من حملة الثقافة الأفريقية إلى أمنهم الثقافي، يمر عبر تصدي العرب المسلمين للنعرات وأنواع التحريم التي تغص بها ثقافتهم تصدياً بالأصالة عن أنفسهم، لا نيابة عن أحد . ويستلزم ذلك وقفة مستنيرة إزاء الذات وقدرة على تحري النقد ، وتحمل تبعاته. ولا أحسب أن حملة الثقافة الأفريقية ممن يرغب في الزج بهم كلاعبين رئيسيين في أجنده تفتح وديمقراطية الثقافة العربية الإسلامية، فالأصح في نظري مثلاً أن يدعو من يزعم  أن تعاطي الخمر حرية شخصية إلى كامل حرياته الشخصية كعربي مسلم. لا أن يتخفى وراء نسبته في أفريقيا التي الخمر فيها بعض الماء أو الغذاء أو أنخاب الطقوس. والأهم من ذلك كله ألا يتأسى العربي المسلم لفقدان الجنوبي حريته في شرب الخمر، قبل أن يتأسى هو لفقدانه الحق ذاته. فحملة الثقافة الأفريقية قد يرغبون أن يرو العرب المسلمين في السودان متمتعين بحقوقهم في الاعتقاد والرأي وأنواع الشغف الأخرى أولاً ، قبل أن يصدقوا مشروع  الأفروعروبيين الحضاري". (19) ولاشك كما ذكر الدكتور في مقالته حول الأفروعربية أو تحالف الهاربين أن هذه الخطة باتت مكشوفة . وأظنها اليوم باتت مكشوفة أكثر مما مضي لكل من له علاقة بحل المشكل السوداني. وأصدق تعبير عن ذلك نجده في جنوبيات محمد المهدي المجذوب التي يقول فيها:
     وليتني في الزنوج ولي رباب تميد به خطاي وتستقيم
     وفي حقوي من خرز حزام وفي صدغي من ودع نظيم
     وأجترع المريسة في الحواني وأهذر لا أُلام ولا ألوم
     وأصرع في الطريق وفي عيوني ضباب السكر والطرب الغشوم
     طليق لاتقيدني قريش بأحساب الكرام ولا تميم

 

هذه النزعة للتحلل والتفكك من قيد الزواجر والنواهي التي تحيط بالثقافة العربية الإسلامية وجدت منذ أمد طويل في الأدب العربي وفي السودان وجدت طريقها للتعبير من بوابة الغابة والصحراء أو الأفروعربية.

وقد نحت النور عثمان أبكر في  رائعته صحو الكلمات المنسية التسمية التي أصبحت تمثل التيار الرئيسي لشعراء تلك الحقبة والتي يقول فيها :
     مولود الغابة والصحراء
     من هذا الطافر كالجبل الأسمر
     كمنارة ساحلنا الأزرق

أما رمز مدرسة الأفروعربية وعنوانها فهو ما يتجلى في  قصيدة د. محمد عبد الحي العودة إلى سنار التي يقول في بعضها:
     سأعود اليوم يا سنار حيث الرمز خيط من بريق أسود بين الذرى والسفح، والغابة والصحراء
     والثمر الناضج والجذر القديم
     لغتي أنت
     وينبوعي الذي يأوى نجومي
     وعرق الذهب المبرق في صخرتي الزرقاء
     والنار التي فيها تجاسرت على الحب العظيم
     فافتحوا ، حراس سنار
     افتحوا للعائد الليلة أبواب المدينة
     افتحوا الليلة أبواب المدينة
     " بدوي أنت"
     لا "من بلاد الزنج "
     لا أنا منكم. تائه عاد
     يغني بلسان ويصلي بلسان

 

الأفروعربية وطريق النار  طريق النار مفروش بالنوايا الطيبة قول ينطبق على الأفروعروبيين الذين كان عندهم حسن القصد ويحدوهم الأمل في تمازج الثقافات العربية والأفريقية وإزالة العوائق بين الشمال والجنوب والدعوة للقاء في وسط الطريق بين هذا الجنوبي ذو الثقافة الأفريقية وذلك الهجين العربي الأفريقي ذو الثقافة العربية حتى ينتج إنسان سنار جديد . وأيضا للباحثين عن التفرد بعيدا عن طغيان الأدب العربي. لكن هذه الدعوة قد لا تختلف كثيرا عن دعوة الإسلاميين والعروبيين التبشيرية فالدعوة للتمازج القومي عند الإسلاميين ستنتهي بشكل مؤكد إلى تبني الجنوبيين الثقافة العربية والإسلام مقابل الرطانات والملل الوثنية. وأن يتحول ما تبقى لهم من ثقافة إلى شئ فلكلوري يشاهد على خشبة المسرح في الاحتفالات والمناسبات الرسمية.

 

وأخيرا فقد وجدت الدعوة الرفض والمقاومة من المثقفين الجنوبيين الذين رفضوا إعادة إنتاجهم كما ذكر الدكتور عبد الله علي إبراهيم "فقد تلزم الجنوبيين ضرورات التساكن القومي إلى اكتساب اللغة العربية أو عادة عربية إسلامية . غير أنهم سيقاومون كل ميل لجعلهم يتبنون النسبة العربية المقترحة من قبل الأفروعربيين إلى جانب نسبتهم الأفريقية المؤكدة. وستبدوا لهم الدعوة إلى إعادة إنتاجهم ، عبر التمازج الثقافي كطبعة لاحقة لإنسان سنار ، نوعاً من الغش الثقافي لا حوار. فالجنوبيون محاذيرهم كثيرة ، الصادق منها والمخترع ، حيال عرب الشمال" (20).


العودة إلى المرعى مؤسسة المسيد والبيئة الرعوية
يذكر الأستاذ محمد عبد القادر سبيل في بحثه (الميل إلى المرعى) النزعات الرعوية في الثقافة السودانية (21) "أن بنية ثقافة مجتمعنا تجد مرجعيتها في مصدرين أساسيين هما مؤسسة المسيد، والأهم من ذلك بيئة المرعى، وقد نزيد على ذلك نسبياً الثقافات الأفريقية". هنا يختزل الأستاذ/ محمد سبيل الثقافة السودانية في مرجعيتها إلى مصدرين أساسيين هما المسيد والمرعى، أما الثقافة الأفريقية فهي في مرجعيتها رعوية أيضا وذلك حسب طرحه.

 

يحدد سبيل مكونات الشخصية السودانية في مصدري المسيد أي الصوفية وهي تمثل الدين الحي الذي أستشف وأتبع من خلال مناهجها كما استدللنا في مكان آخر في هذه الدراسة. والمرعى أي الرعي  الذي يمثل النشاط الاقتصادي لأكثر من ثلثي السكان.

 

قد يكون هذا الحديث التنظيري غير مقبول لدى الكثير من الباحثين في أنثربولوجيا الثقافة السودانية ومكوناتها، ولكن حتى لا نتسرع بإصدار الأحكام لنرى كيف يدلل محمد عبد القادر سبيل على نظريته:  يقول في بحثه آنف الذكر: "من المسيد انحدرت قيم وسمات شخصية محددة تعد من مميزات السلوك السوداني ومن ذلك التواضع والتسامح والزهد وتمجيد الفقر والانحياز للضعيف وعدم الاعتراف بالتمايز أو النبوغ والتشكيك في مشروعية حالات النجاح اللافتة، وكذلك بساطة الطعام والملبس وتواضع العمران وغير ذلك كثير مما كان يتلقاه الفرد من أخلاقيات وقيم تحولت مع مر الأيام إلى أعراف ومحددات سلوكية (أي ثقافة بالمعنى الانثربولوجي) توارثتها الأجيال حتى لتجد تمظهراتها عند من لا صلة له بتربية (حيران) المسيد مباشرة. أما بيئة المرعى فقد طبعت الشخصية السودانية بمعظم السمات السلوكية الأخرى، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، ومن ذلك اعتماد الشفهية بدلاً من التوثيق، والتشبث بالحرية، دون أن يتلازم مع المسئولية بالضرورة، وأيضاً رفض السلطة من حيث المبدأ، والضجر من الرسوخ والاستمرارية، وبالتالي عدم التكيف مع روح المؤسسية كنظام ورسوخ ودقة وثبات مبادئ".

 

يستدل الأستاذ سبيل بالأمثال والحكم الشعبية كوجه ثقافي ومناهج التعليم التي تعكس الثقافة الرعوية ويطرح العديد من الاستدلالات من الواقع السوداني المعاصر كالملبس والمسكن والمأكل. كما يحمل النشاط الزراعي وبنيته الهشة وعدم استقراره في تأسيسه إرثا ثقافيا زراعياً متواصلاً.. يقول الأستاذ سبيل : مازلت أدعو وأطلب مؤازرة المبدعين والمفكرين نحو تأسيس مدرسة (العودة إلى المرعى) بدلا من (العودة إلى سنار) التي طرحتها مدرسة الغابة والصحراء، لأن الإجابة الشافية لجذور الهوية السودانية وبنية التفكير السوداني ومرجعية الثقافة وأسباب عدم الاستقرار وعدم النمو وفشل الممارسة الديمقراطية الليبرالية نجدها جميعا تعود إلى ثقافة المرعى، وهذا الكلام يخص كل القبائل السودانية بمن فيهم الجنوبيون غير المشمولين أصلا بنموذج سنار (الخلاسي) كما يخص النوبة والبجا والأنقسنا، كل هؤلاء رعويون ويعتزون بذلك وهذا من حقهم كما يواصل سبيل في موضع آخر من ورقته "من المهم جدا أن نذكر هنا مسألة غاية في الأهمية مفادها أن البداوة ليست صفة تخص العرب دون سواهم" وهو يرى أن هذا خطأ وقعت فيه مدرسة الغابة والصحراء في مرجعيتها الثقافية .. قصيدة محمد عبد الحي العودة إلى سنار بدوي أنت ..إلخ  ويؤكد سبيل أن ثقافة المجتمع الرعوي تضم حتى قبائل الجنوب التي يمارس معظمها هذا النشاط الاقتصادي (...أؤكد هنا أن أهم القواسم الثقافية المشتركة التي تربط بين القبائل السودانية كافة مرجعيتها الرعوية) إنتهى.

 

إذا علمنا بأن الإنسان هو أبن الأرض التي يعيش عليها فطقسها ومناخها وتضاريسها وناتجها وعلاقات إنتاجها هو الذي يشكل ملامحه الأساسية وسلوكه، مع علمنا بعدم الاستقرار الزراعي تاريخياً وطبيعة الزراعة المطرية وبداوتها . حيث تعرضت الزراعة لكثير من المحن عبر تاريخها أكبرها ما فعله الخليفة عبد الله بالمزارعين والقبائل المستقرة حول النيل. فلا غرو بأن نتفق مع سبيل في بعض ما طرحه ولكن أيضا  نختلف  معه خاصة بعد تحليلنا لمكونات الشخصية السودانية.. لأن حصر مكونات الشخصية الثقافية السودانية في إطاري المسيد والمرعى فيه كثير من التجني على المكونات الأخرى خاصة المكونات التاريخية والتداخل الثقافي الشعوبي والمناخ وأثره في المأكل والملبس والمسكن والمعتقدات الإثنية  والأرواحية السابقة للإسلام. عموما الدراسة هامة وحيوية وفيها الجديد وأتمنى أن تستكمل خاصة تركيبة الطرق الصوفية وأثرها في المكونات والممارسات الدينية لدى المسلمين. وأتمنى أن تجد الدراسة طريقها في البحث والتمحيص من قبل أهل الاختصاص.

 

السودانوية
عرفت السودانوية  كمصطلح تعريفي للهوية السودانية عندما أصدرت الحركة الشعبية لتحرير السودان منفستو إعلان قيامها في 1983، ويعرف الدكتور جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان "السودانوية" بأنها البوتقة التي ستأتي نتيجة انصهار التنوع التاريخي "أي التركيبات القديمة للسكان الأصليين منذ ما قبل التاريخ" والتنوع المعاصر "وهو التنوع الثقافي المعاصر بتركيبة السودان الحالية" دون أن يهمل المؤثرات الخارجية والتداخل الثقافي العالمي.  و يلخص الدكتور جون قرنق السودانوية بطريقة الرياضيات وذلك وفق المعادلة التالية (س= (أ + ب + ج) حيث أن س هي السودان أو الهوية السودانية، وهي دالة مرتبطة بالمتغيرات أ، ب، ج. أ يمثل التنوع التاريخي ب يمثل التنوع المعاصر وج يمثل تأثيرات الحضارات الأخرى علينا، أما المتغير الثابت (س) والذي يمثل الهُويَّة السودانية فهو المحصلة النهائية لهذه المتغيرات أو المكونات . وتعد السودانوية كهوية ثقافية بأنها أكبر من مجموع الأجزاء المكونة لها (22) .


كتب كثير من الباحثين في حقل الهُوية السودانية وعلى رأسهم المرحوم الدكتور أحمد الطيب زين العابدين عن السودانوية كبوتقة لصهر الثقافات السودانية المتنوعة وقد ذكر الدكتور منصور خالد في ذلك إن القاع الاجتماعي للوطنية السودانية ليس هو الاستعراب أو التزنج وإنما هو خليط من هذا وذاك ووأشار عليه بالسودانوية. و ويعرفها الدكتور منصور بأنها  نتاج عروبة تنوبت وتزنجت ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات وليست العبادات شبهة من وثنية ...
(23)  ويرى الدكتور منصور خالد أن العلاج الناجز لمسألة الهُويَّة السودانية هو المواطنة ويقول في ذلك: "السودانيون ليسوا قومية واحدة بالمفهوم الأنثروبولوجي أو السلالي، وإنما هم شعب واحد – بالمفهوم السياسي– تمازجت عناصره في فضاء جغرافي محدد، وأفق تاريخي معين، وكل واحد منها مزاج. وفي القانون ترتكز المواطنة على عمدتين، حق الدم Jus Sanguinis  وحق الأرض Jus Solis. السودانيون إذن نتاج لصدف الجغرافيا والتاريخ شأن شعوب كثيرة تخلقت نتيجة لمثل هذه الصدف (أمريكا، جنوب أفريقيا، بيرو، البرازيل، كندا) هذه الشعوب المتعددة المنابت والمتنوعة الثقافات أدركت بحسها الواعي بأن الرابطة الوثقى التي توحد بين أهليها هي الإحساس بالانتماء لوطن واحد (المواطنة)، والولاء لدستور واحد يؤطر هذه المواطنة. فالخيار أمام مثل هذه المجموعات هو أما الانتماء للوطن انتماءً مباشراً عن طريق المواطنة ودستورها، أو الانتماء له انتماءً غير مباشر عن طريق هوُياتها الصغرى، دينية كانت أم عرقية أو ثقافية. الانتماء الأخير وصفة لا تنجم منها إلا الكارثة لأن التحصن بالهوُيات الصغرى يفضي، بالضرورة، إلى إقصاء الآخر الذي لا ينتمي لتلك الهُويَّة، وإقصاء الآخر يقود بالضرورة أيضاً إلى تقوقعه في هويته المحلية المحدودة، وربما إلى إنكار كل ما هو مشرق في ثقافة من أقصاه وسعى للهيمنة عليه. فالفريق المقصى لن يرى- بمنطق رد الفعل- في إبداعات الآخر أكثر من إنها وجهة من وجوه الهيمنة والإلغاء"(24). كما تنطلق السودانوية بالاعتراف بواقع الأديان السماوية والتقليدية الأفريقية السودانية وأنه يجب التعامل معها كواقع حياة وأن يتم التعامل مع معتنقيها كأقوام أصيلة في البلاد وليس كأقليات لا يعتد بها ولا بدياناتها (25).

 

ما هو مطروح من سودانوية هو شكل آخر للعولمة على نطاق قطري. ولكن هل يحمل كل مساوئ العولمة أم أن اختلاف المصالح والأهداف يبرئها من الأدران وحسن القصد والنوايا الطيبة سوف ينجيها من مساوئ العولمة التي يفسرها البعض بأنها شكل آخر للاستعمار الجديد وهل تتحول السودانوية إلى استعمار داخلي؟ وذلك بعد الاحاطة على التعددية والتنوع والاختلاف بين منطقة وأخرى داخل شبه القارة السودانية.

 

تطرح السودانوية أمام  تنافس وصراع الهويات والثقافات سماءاً مفتوحتاً للجميع ، حيث تكون الغلبة والهيمنة في نهاية المطاف للأقوى، وحيث تذوب الثقافات الضعيفة في صهريج السودانوية وقد يتحول الأمر إلى بحر يأكل فيه السمك الكبير الأسماك الصغيرة، لكن هل هذا ما تصبوا إليه السودانوية؟ وهل يتحول اللهث من أجل ثقافة سودانوية إلى لهث من أجل تنمية الرأس مال وتكديس الثروات وتغليب الثقافات؟ لا شك أن التساؤل مشروع خاصة عندما يأتي الطرح من فصيل سياسي قوي ونافذ مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان، هناك عدة عوامل لتتوافق السودانوية ومكملة لطرحها من ضمنها إعادة توزيع الثروة والتنمية المتوازية وشكل الحكم وفصل الدين عن الدولة وأخيرا الديمقراطية اللبرالية التي ارتضتها كل أطراف الصراع السياسي أو الفرقاء السودانيون كما يحلو للصحافة العربية أن تدعوهم.


خلاصة
لا أظن أنه خافيا على أي أحد ما حاق بشعب السودان جراء السياسات المتعاقبة والتي تسيره بعكس عجلة التاريخ ، فمن  بين أصحاب الخيار الإسلامي والعروبيون إلى الباحثين عن التأصيل الثقافي في أضابير الماضي العتيق،  جميعهم أدمنوا الخيارات السهلة واستطابوا العيش في ظل الاستنتاجات الجاهزة والمعلومات المعلبة حتى أصيبوا بالخمول الفكري، ولا يودون أن يرهقوا عقولهم بالبحث في رد الظواهر الفكرية إلى مرتكزاتها أو في فهم الماضي في إطاره التاريخي، يبحثون عن حلول لمشاكل الحاضر في ذلك الماضي مع كل ما يمثله من سحر وبما له من تقديس وهالة جذابة تداعب أحلام الفقراء والبسطاء بإقامة العدالة الراشدة كما كانت في زمان الفاروق عمر، وتوصلنا بأسباب السماء وتبسط النعيم والرخاء ناسين أو متناسين أن الماضي لا يعيش في دواخلنا إلا بالقدر الذي يتيحه له الحاضر، والحاضر وحده هو الذي يشكل إطار حياتنا الراهنة، لذا لا يلبثوا أن يعودوا للحاضر الواقع بأيديولوجية يمينية فاشية تغرق البلاد في حمامات الدم و متاهات الجهل والظلام.

 

إن الثقافات السودانية متعددة الأشكال والسمات، ولكن أمر القائمين عليها أشبه بصاحب متجر ضخم يملك سلعاَ متنوعة.. لكنه يعرض لزبائنه سلعة واحدة، تاركا بقية بضاعته حتى تكسد وتفسد وتموت.. فلماذا لا نعرض ونستعرض ما نملك، نبحث عن الخير والجمال في أدب الدينكا والشلك والنوير وعن البطولة والفراسة في أدب الجعليين والمتعة في حكايات وأغنيات الشايقية والحكمة في آداب وفنون البجة والبني عامر ونبحث ما عند النوبة ونتعلم مما لدى البقارة والمساليت والرزيقات والفونج  والهمج في الجنوب الشرقي...الخ. وليكن اتجاهنا هو: نحو ثقافات سودانية متمايزة ومميزة.. ديمقراطية المحتوى متعددة الأشكال والأوجه.

 

وحتى نتمكن من تحقيق الحد الأدنى من الدولة القومية الموحدة، لا بدَّ من إجراءات عديدة تتم  وقرارات كبيرة تتخذ على كافة المستويات، على سبيل المثال لا الحصر يجب تقليص عدد الأقاليم في السودان إلى خمسة أقاليم  كما نادى الأستاذ محمود محمد طه عام 1955 قبل الاستقلال، وهي الإقليم الشمالي والشرقي والغربي والأوسط والجنوبي, بحيث يتألف الإقليم  الشمالي من الرقعة الممتدة من حدود أمدرمان الشمالية حتى الحدود المصرية، والشرقي من الرقعة التي تشمل مديرية كسلا وأرض ومنطقة البحر الأحمر, والغربي من كردفان ودار فور, والأوسط من منطقة النيل الأزرق والأبيض وارض الجزيرة, والجنوبي من كل الولايات الجنوبية، أي المناطق التي كانت تتألف منها الثلاث المديريات (بحر الغزال وأعالي النيل والاستوائية) عند الاستقلال عام 1956. مع إضافة أبيي إلى الإقليم الجنوبي وذلك بعد مراجعة رغبة أهلها، وهذا التقسيم يؤدي إلى  تقليص الصرف الحكومي على مؤسسات وهياكل المديرات المتضخمة وتأكيد معاني الوحدة القومية السودانية، وبينما تصبح الخرطوم بأجنحتها الثلاث عاصمة فيدرالية للسودان. ويجب أن يكون لكل إقليم صلاحيات واسعة في اصدار التشريعات واستنباط القوانين اللازمة لتسيير عجلة الحياة فيه على أن لا تتناقض مع دستور العام الذي يجب أن يراعى في وضعه حقوق المواطنة والدولة المدنية.

 

كما يجب أن تختصر المسافة بين بورسودان في أقصى الشرق  ومدينة الفاشر في أقصى الغرب  بحيث تكون المسافة بينهم أقرب من المسافة بين مدينتي بورسودان وجدة اللتان لا يفصل بينهما سوى البحر الأحمر، وكذلك المسافة بين  وادي حلفا في أقصى الشمال ونمولي في أقصى الجنوب يجب أن تصير أقرب من حلفا إلى أسوان المصرية وذلك بتوفير سبل المواصلات الرخيصة والنقل التجاري الأقل تكلفة والاتصال، يجب أن يتكامل السودان تجاريا واقتصاديا بحيث أن السلع التي تنتج في نمولي وجوبا تباع بنفس السعر في الخرطوم وكسلا والفاشر وفي وادي حلفا وهذا الأمر لا يحتاج لسحر ساحر بل قرار حكومي بسيط بحيث أن رسوم الإنتاج المقررة على السلع يجب أن يراعى فيها تكلفة النقل مما يجعل السوق المحلية في متناول كل أصحاب العمل والإنتاج بدون أي معوقات من الناحية الاقتصادية ونكون قد حققنا بذلك إحدى ركائز وحدة الهوية أي"تبادل المصالح" وهناك سياسات أخرى يمكن أن تساهم في خلق الروابط الاجتماعية والتزاوج وتقوية ركيزة أخرى وهي "رابطة الدم" وذلك بتشجيع الزواج بين الأعراق المختلفة ويمكن أن تسن تشريعات مثال أنه في حالة زواج أي جنوبي من بنت شمالية بأن يمنح الزوجين قطعة أرض  سكنية أو مزرعة أو ورشة صغيرة أو قيام صندوق تكافلي لتشجيع مثل هذه الزيجات وأن يمنح هؤلاء الأزواج  أولية في التعيينات للوظائف الحكومية وفي الترقي الوظيفي حتى يستقر تكوينهم الأسري. كما أن هناك مسألة رعاية الثقافات المتنوعة في السودان يمكن أن يتم ذلك بتدريس اللغات المحلية في مناطقها كجزء من المقررات المدرسية وأن تدرس بشكل اختياري في بقية أرجاء الوطن بحيث من حق الطالب في حلفا أن يتعلم لغة الدينكا لو أراد ، كما أن من حق الشلكاوي أن يتعلم اللغة النوبية وهكذا حتى نثبت لغاتنا التي تعبر عنا من نمولي إلى حلفا.. ثم فوق كل هذا وذاك يجب أن ننشأ دولة المواطنة التي لا يحس فيها أي  مواطن بالاضطهاد بسبب دينه أو عرقه أو لونه أوثقافته أولغته ، يجب أن نعمل جميعا لإعادة الثقة للجنوبيين فينا ،حتى يمنحونا الفرصة الثانية وذلك  بالتصويت لصالح الوحدة.

 

أفريقيا المصغرة أو هذا الواقع السوداني المتنوع ثقافيا المتعدد عرقياً ودينياً والسناً وأعرافا ومجاورة يتطلب جهد مؤسسي فعال من قبل جميع مؤسسات المجتمع أهلي و حكومي، رسمي وشعبي، وهي مسئولية تاريخية ونحن نمر بهذا المنعطف الخطير في أن نكون أو لا نكون.  حماية ورعاية ثقافات الاقليات الضعيفة وإبرازها ونشرها وتوثيقها واجب في أيدينا اليوم وبأيدي غيرنا غدا، وأن أي استعلاء من أي مجموعة عرقية أو ثقافية، مهما بلغ شأنها في أو أي محاولة لقمع وحجب ثقافة الآخر يكون مكمن ضعف قاتل للهوية السودانية كلها.. أن ديمقراطية الثقافة هي جوهر ديمومتها وتطورها وانطلاقها نحو العالم ، أنها البوتقة والسبيل الوحيد لدمج وصهر الثقافة في السودان الواسع حتى تخرج لنا في النهاية ثقافة سودانية تحتوي كل سمات هذا المجتمع المتعدد وتعبر عن همومه ووعيه وتكون رافد إيجابي في الثقافة الإنسانية ، ثقافة ذات ملامح محددة وخاصة،وهي حتما حين تأتي لن تكون عربية نجدية ولا  أفريقية نقية التزنج بل ستكون سودانية، قد لا نعيش حتى نراها ولكن من أجل أطفالنا القادمين فلنمهد لها  الطريق بالإيمان بالتعددية و بنبذ الاستعلاء العرقي والإقرار بالتنوع الثقافي وبديمقراطية الصراع الفكري وتطوره الطبيعي ، ومعافاته من اللعب الخشن والغير قانوني فكما يقول شاعرنا محمد الحسن سالم حميد:
بى كم قتيل تقدر تدوم عمراً طويل في السلطنة
بسم الله .. ولا الشيطنة
وارد حراق نص البلد في جنح ليل
بى فدّ قتيل
بس مستحيل التجبر الأبنوس غصب يصبح نخيل
والعكس
لا تتعب تجر خيط الفجر تالا الأصيل
خلى الوطن ياخد براحه
كما الخميل
من كل لون تابع جميل
 

هوامش
(1)  إحصاء 1955.
(2) طه إبراهيم، الهوية السودانية وعلاقة الدين بالدولة، مركز الدراسات السودانية، الرباط يناير
1992
(3)  د. عبد السلام سيد أحمد، الفقهاء والسلطنة في سنار، براغ
1991 ص 40.
(4) المرجع السابق نفسه، ص
60 
(5) كتاب الطبقات ص
43.
(6) ج. سبنسر تريمنجهام، الإسلام في السودان، ترجمة فؤاد محمد عكود، القاهرة، 
2001 ص. 15
(7) عبد السلام سيد أحمد، مرجع سابق، ص
60
(8) فرنسيس دينق، صراع الرؤى – نزاع الهويات في السودان، ص
42.
(9) الفقرا  المعني بهم الفقهاء، وهم مشايخ الطرق الصوفية، الذين وفدوا إلى البلاد من أجل نشر الدعوة الإسلامية.
(10) ج . سبنسر تريمنجهام، مرجع سابق، ص
111.
(11) المرجع السابق نفسه.
(12) منصور خالد، جنوب السودان في المخيلة العربية، دار تراث، لندن
2000 ص 53
(13) عبد الله علي إبراهيم، الثقافة والديمقراطية في السودان، دار الأمين للطباعة، ص 144.
(14) حسن عبد الله الترابي، من كتاب الإيمان وأثره في حياة الإنسان، منشورات العصر الحديث، ص
219.
(15) جون قاي نوت يوه، جنوب السودان آفاق وتحديات، الأهلية للنشر والتوزيع، ص
119.
(16) المرجع السابق نفسه، ص 119
(17) المرجع السابق نفسه، ص 122
(18) عبد الله على إبراهيم، مرجع سابق، ص18
(19) المرجع السابق نفسه، ص 25
(20) المرجع السابق نفسه، ص24
(
21) محمد عبد القادر سبيل، "محاولة لتلمس النزعات الرعوية في الثقافة السودانية"، دراسة مقدمة للمنتدى الثقافي، أبوظبي 2000
(22) جون قرنق، قضايا الوحدة والهوية، تحرير الواثق كمير، ص 39 -40
(23) منصور خالد، مرجع سابق، ص
8
(24) المرجع السابق نفسه، ص 341 - 342
(25) المرجع السابق نفسه، ص 352   

 

 

 

قصة التعاون طويل المدى بين النظام

السودانى والمخابرات الأمريكية

تيموثى كارنى ومنصور إعجاز

الواشنطون بوست

الأحد، يونيو30،2002

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

فى وقت مبكر من عام 1996، أقنع جون دويتش مدير المخابرات الأمريكية وزير الخارجية وارن كريستوفر بسحب الدبلوماسيين الأمريكيين من السودان خوفاً على سلامتهم. تأسس قلقه على معلومات إستخباراتية شملت الحكومة السودانية. ورغم أن السفارة الأمريكية لم تغلق كلياً، فإنها أخليت، وأصبحت العلاقات مع الخرطوم متحفظة الى درجة كبيرة.

 

بفترة قليلة بعدها، اعتقدت الحكومة الأمريكية بأن تحليلها كان خاطئاً.. مصدر رئيس كان إما وراء تزيين المعلومات أو فبركتها، وفى وقت مبكر من 1996 ألغت وكالة المخابرات الأمريكية أكثر من 100 من تقاريرها عن السودان.

 

هل قامت وزارة الخارجية الأمريكية عندها بإرجاع دبلوماسييها الى الخرطوم؟ لا. لقد نالت المعلومات الإستحباراتية حياة من ذاتها. ساد إحساس بعدم الثقة. إضافة، أصبحت السفارة كرة قدم سياسية ودبلوماسية بالنسبة لصانعى السياسة والنشطاء الذين أرادوا عزل الخرطوم لإجبارها على إنهاء الحرب الأهلية الدامية ضد الجنوب حيث الأكثرية المسيحية. الى هذا اليوم، فإن السفارة لا زالت تفتقر للموظفين.

 

هذه الحلقة تظل تحتاج الى إعادة نظر. إن إدارة بوش، سواء فيما يتعلق بمحاربة الإرهاب فى أفغانستان، أو الحكم على شرعية الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات، أوالتوسط بين الهند والباكستان، أو التأمل حول جدوى الهجوم على العراق، أعطت وزناً كبيراً للتقارير الإستخباراتية الأمريكية (أو الأجنبية). طالما أن الولايات المتحدة الأمريكية تقود حرباً ضد الإرهاب ويعيد الكونجرس ترتيب وكالات المخابرات الأمريكية ويسندها، فإن نفوذ المخابرات على السياسة الخارجية والسياسة العسكرية سيكون فى تصاعد.

 

لكن على صناع السياسة الأمريكية أن يكونوا أذكياء فى إستخدامهم للمعلومات الإستخباراتية. تظهر قصة السياسة الأمريكية فى السودان كيف تضر المعلومات الإستخباراتية الرديئة، أو المعلومات الإستخباراتية الجيدة التى يساء إستخدامها، بالمصالح الأمريكية. فى السودان، أربكتنا تلك المعلومات حول الإسلام السياسى، وأضعفت قدرتنا على التدخل فى حرب الـ 47 عاماً الأهلية، وفى 1996 قوضت أفضل فرصة لنا للقبض على أسامة بن لادن ولخنق تنظيمه، قبل أن يتم إستبعاده من السودان ليجد طريقه الى أفغانستان.

 

نكتب منطلقين من تجربة. كان أحدنا، كارنى، وهو دبلوماسى متقاعد، آخر سفير للولايات المتحدة الأمريكية فى الخرطوم. والثانى، إعجاز، مديراً لصندوق نقدى، قام بدور غير رسمى بحمل الرسائل بين الخرطوم وواشنطون بعد إخلاء السفارة.

 

يحتمل أن يكون الفشل الإستخباراتى الأكثر أهمية فى السودان ليس هو حماية سلامة الدبلوماسيين الأمريكيين، لكن هو فهم البيئة السياسية فى مجمل العالم الإسلامى. هذا جانب واحد من قصة السودان التحذيرية: خطر فقدان رؤية السياسة حين يكون التركيز على الإرهاب.

 

خلال التسعينات، حاول بعض المسلمين الملتزمين فى العالم كله صياغة حركة سياسية لتقريب الفجوة بين العالم الحديث والمقدس القروسطى. لكن الولايات المتحدة الأمريكية بدلاً عن إجتذاب هذه الحركة، كومت كل الجماعات الإسلامية فى سلة واحدة ونظرت اليها بوصفها كلها ذات خطورة، وتشبثت بعلاقاتها مع الأنظمة المتسلطة التى شعرت بالتهديد من جانب المجموعات الإسلامية ومن ثم جعلت الراديكاليون المنظمون تنظيماً جيداً يسيطرون على حركة الإصلاح فى العالم الإسلامى. 

 

كانت الخرطوم مركزاً هاماً للنشاط السياسى الإسلامى. استولت الجبهة القومية الإسلامية بقيادة الرجل النارى- خريج السوربون- حسن الترابى على السلطة بإنقلاب فى 1989. عقد الترابى مؤتمرات سنوية جذبت الاف الراديكاليين الإسلاميين الى الخرطوم ليصوغوا رؤيتهم ليوتوبيا إسلامية. وصف الترابى المؤتمرات بأنها جلسات تنفيسية تهدف الى تحديث خطاب التطرف الإسلامى فى حين أسمتها حكومة الولايات المتحدة الأمريكية جلسات تخطيط إرهابية، وبدلاً عن تنقية وتحليل أعمال تلك الجلسات، طالبت من الخرطوم إغلاقها.

 

أثار الترابى قلقاً خاصاً وسط حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية فى الرياض، والقاهرة، وأسمرا، وأديس أبابا، ونيروبى، وكمبالا. إعتمدت واشنطون على قرائتهم للأحداث فى السودان، بدلاً عن الإعتماد على عينيها وأذنيها.

 

كانت هناك أرضية للقلق. وسع قادة السودان الجدد علاقاتهم القديمة الأمد بالمجموعات الإرهابية الشرق أوسطية. وصل إبن لادن وأتباعه فى 1991. تحصل "الشيخ الضرير" عمر عبدالرحمن، وهو مصرى اتهم لاحقاً بالتآمر على نسف مبنى فى نيويورك، على تأشيرة دخول الولايات المتحدة الأمريكية من الخرطوم فى 1993.

 

بحلول أواخر 1995، على كلٍ، بدأ العديد من القادة السودانيين فى التفكير عما إذا كان إحتضانهم للراديكاليين الإسلاميين مدعاة لهزيمتهم، من ناحية تهديد الأمن الداخلى وكذلك من حيث إعاقة علاقاتهم بالعالم ككل.. ولكن عندما ساعد السودان فرنسا فى القبض على الإرهابى سئ السمعة المعروف بـ "كارلوس إبن آوى"، فإن المحللين الأمريكيين رأوا فى ذلك وقفاً للقلق الأوربى أكثر منه تحولاً فى سياسة السودان الإرهابية.

 

شملت المعلومات الإستخباراتية الرديئة إتهامات خاطئة، وكذلك تحليلات سياسية ضعيفة. دفعت تقارير خاطئة عن مؤامرات ضد أمريكيين بسفير الولايات المتحدة الأمريكية دونالد بيترسون للتهديد "بتدمير إقتصادكم (السودان)" و "تدابير عسكرية تجعلكم تدفعون ثمناً باهظاً". وأصدر السفير الذى أعقبه، وهو أحد كاتبى هذا المقال كارنى، تحذيراً مماثلاً فى أواخر 1995. التركيز على الإتهامات الكاذبة حولت الولايات المتحدة الأمريكية عن النداءات للإهتمام بالمظالم المشروعة للسودانيين الجنوبيين الذين يخوضون المعارك.

 

أضرت المعلومات الإستخباراتية السيئة بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية المضادة للإرهاب فى أغسطس 1998 عندما دمرت صواريخ كروز، كرد فعل لقصف سفارتى الولايات المتحدة الأمريكية فى كينيا وتنزانيا،  مصنع الأدوية فى الخرطوم الذى ادعت واشنطون بأنه ينتج أسلحة كيمائية. ولم يكن بيت كلنتون الأبيض يمتلك أية حقائق أساسية، مثل من إمتلك المصنع على سبيل المثال. بدلاً، اعتمد الرئيس على إفتراضات غير مؤكدة عن إمتلاك إبن لادن للمصنع.

 

الفشل الإستخباراتى كانت له جذوره فى المصادر الثانوية التى قدمها حلفاء معادين للخرطوم فى المنطقة، بخاصة فى ارتريا، واثيوبيا، ومصر. إذا ما كان موظفوا السفارة الأمريكية فى الخرطوم قد أبقى عليهم فى مواقعهم، لأمكن لمعلومات أولية مباشرة أن تحدد الأهداف الصحيحة أو أن تجنب شن ضربة أدت فى نهاية المطاف الى تقوية تعاطف الراديكاليين الإسلاميين المؤيد لمهاجمة الولايات المتحدة. وظهر الخطر مجدداً فى ألاونة الأخيرة، بقيام الولايات المتحدة الأمريكية بتحديد أهداف بعيدة، وفى حالات خاطئة، فى أفغانستان، معتمدة على معلومات إستخباراتية من مصادر مشكوك فيها.

 

تظهر قصة السودان كذلك أن السياسة يمكن أن تتجاوز المعلومات الإستخباراتية الجيدة كما ويمكن لصانعى السياسة إهمالها. بحلول 1996 ضعف إندفاع الخرطوم لبناء دولة أيديولوجية إسلامية. بدأ البراجماتيون يسودون على الأيديولوجيين. فى فبراير 1996، كما نشرته الواشنطون بوست، حاولت الخرطوم التعاون فى الحرب ضد الإرهاب. زار وزير الدولة للدفاع (حالياً سفير السودان لدى الأمم المتحدة) الميجور جنرال الفاتح عروة، الولايات المتحدة الأمريكية لعرض بضاعته- تسليم إبن لادن للسعودية مقابل تخفيف العقوبات السياسية والإقتصادية. رفضت السعودية.

 

بعد ثلاثة أشهر لاحقة، بعد عرض تسليم إبن لادن لسلطات الولايات المتحدة الأمريكية، قام السودان بطرده، رضوخاً لطلب  نائب المخابرات القومية المستشار صامويل "ساندى" بيرجر. فىيوليو، منح السودان السلطات الأمريكية التصديق بتصوير معسكرين للإرهاب. فشلت واشنطون متابعة ذلك. فى أغسطس، أرسل الترابى رسالة "غصن زيتون" الى الرئيس كلينتون عن طريق إعجاز. لم يكن هنالك رد عليها.

 

فى اكتوبر قدم قطبى المهدى، رئيس المخابرات المعين حديثاً وهو غربى التعليم، معلومات إستخباراتية حساسة للمتعقبين عبر الخرطوم الى واحد منا، إعجاز، ليمررها الى إدارة كلنتون. بحلول يوم الإنتخابات 1996، عرف مساعدو كلنتون الأساسيون، بما فيهم بيرجر، ماهى المعلومات المتوفرة من الخرطوم وعن قيمتها الكامنة للتعرف على الخلايا الإرهابية حول العالم ومتابعتها والقضاء عليها فى نهاية الأمر. مع ذلك لم يفعلوا شيئاً حيال تلك المعلومات.

 

تحول لاحق حدث فى التفكير السودانى فى ابريل 1997. ألغت الحكومة مطالبتها بأن ترفع واشنطون العقوبات نظير التعاون فى مسألة الإرهاب. قدم الرئيس السودانى عرضاً، فى رسالة عن طريق إعجاز سلمت للسلطات الأمريكية، لوحدات مكافحة الإرهاب التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالى FBI  ووكالة المخابرات الأمريكية CIA للوصول بحرية وبدون أية شروط الى المعلومات الإستخباراتية فى الخرطوم.

 

أثار التحول فى السياسة السودانية جدل فى وزارة الخارجية الأمريكية، حيث اعتقد ضباط مكتب الخارجية أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد إستقطاب الخرطوم. بنهاية صيف 1997، سعوا لإقناع وزيرة الخارجية الجديدة مادلين أولبرايت لتسمح على الأقل لبعض الدبلوماسيين بالرجوع الى السودان للضغط لإنهاء الحرب الأهلية ومتابعة العروض للتعاون ضد الإرهاب. صدر بيان رسمى فى أواخر سبتمبر.

 

اعترض شخصان، على كلٍ، أخصائى الإرهاب فى لجنة الأمن القومى ريتشارد كلارك، والمتخصصة فى الشئون الأفريقية فى لجنة الأمن القومى سوزان ريس، وأقنعا بيرجر، مستشار الأمن حينها، لينقض موقف أولبرايت. تمَّ حفظ السياسة الجديدة بعد يومين.

 

انقلبت العملية التى دارت داخل وكالة المخابرات على مدى شهر لتعوق مجهودات الولايات المتحدة الأمريكية فى مكافحة الإرهاب. فى محاولة أخيرة لإيجاد سبيل للتعاون مع سلطات الولايات المتحدة الأمريكية، كرر رئيس المخابرات السودانية العرض غير المشروط لتبادل المعلومات الخاصة بالإرهاب مع مكتب التحقيقات الفيدرالى FBI فى رسالة بتاريخ فبراير 1998 معنونة مباشرة الى المندوب الخاص المكلف فى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ديفيد وليامز. لكن البيت الأبيض وسوزان ريس اعترضا. وفى 24 يونيو 1998 كتب ويليامز الى قطبى المهدى قائلاً انه "لست فى وضع لأقبل عرضك السخى". نُسفت سفارتا الولايات المتحدة الأمريكية فى كينيا وتنزانيا بعد ستة أسابيع.

 

عدلت إدارة كلنتون موقفها فقط قبل هجوم كول بإرسال خبراء فى محاربة الإرهاب من مكتب التحقيقات الفيدرالى الى الخرطوم للتفتيش. لكن جاء ذلك بعد فوات الأوان.

 

لازلنا نعيش ما ترتب عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية والفشل الإستخباراتى فى السودان. عرضت الخرطوم لنا أفضل فرصة لجذب الراديكاليين الإسلاميين ووقف إبن لادن مبكراً. إذا كان للولايات المتحدة الأمريكية أن تحسب إخفاقاتها التى قادت الى هجمات الحادى عشر من سبتمبر، فإننا نحتاج الى فهم إخفاقاتنا فى السودان. المعلومات الإستخباراتية المتينة التى تغذى السياسة المعقولة يمكنها أن تفرز حكمة تساعد فى أن تميز أمريكا أولئك الذين يسعون الى تدميرها.

ــــــــــــــــــــ

تيموثى كارنى عمل كسفير للولايات المتحدة الأمريكية الى السودان من أغسطس 1995 حتى نوفمبر 1997. منصور إعجاز، مسلم أمريكى من أصل باكستانى، فاوض عرض السودان لمكافحة الإرهاب المقدم للولايات المتحدة الأمريكية فى ابريل 1997. آراء كارنى لا تعبر عن وجهة نظر الحكومةالأمريكية.

 

 

 

 

أغسطس/ 2002

 

 

 

 

 

 

جنوب السودان في المخيلة العربية الصورة الزائفة

والقمع التاريخى

د. منصور خالد

 

تصدير

 

 

 

يحتوى هذا الكتاب على جزأين؛ في الجزء الأول تتضام أفكار وردت في مجموعة من المقالات نُشرت في جريدة الشرق الأوسط ما بين 29 يونيو و3 أغسطس 1997 فى معرض الرد على ما نشرته تلك الصحبفة لكاتبين مرموقين. الرد، فى جوهره، كان مدخلاً لتناول مواقف بعض المثقفين والمحللين العرب العرب من القضية السودانية التى اختصرها أولئك المعلقون فى "قضية الجنوب"، وبخاصة قضية "الحركة الشعبية لتحرير السودان" ورئيسها الدكتور جون قرنق دى مابيور؛ وقرنق فى حد ذاته مشكلة استعصى فهمها على أولئك المعلقين لأسباب عددا. أهم هذه الأسباب، فيما نحسب، هو القراءة الزائفة للخارطة السودانية؛ زيفها مصدره اغفال تنوع التضاريس الإجتماعيَّة فى السودان، والتجاهل العمدى لتعدد النتوءات الثقافيَّة فى تلك الخارطة المعقدة.

 

أما الجزء الثانى فيتناول الإمتداد الداخلى لهذه النظرة "العربية" الزائفة للواقع السودانى. ومع أنّا سنقدم لذلك الجزء فى الموقع المناسب، إرتأينا الإشارة فى هذا التصدير الى القضايا المحورية التى سنتناولها فى الجزء الثانى لما بين الجزأين من ترابط فكرى. فى الجزء الثانى نتناول الصوامت فى الخطاب الشمالى- أى الأبعاد المكبوتة فى ذلك الخطاب- بإلقاء الضوء على الدلالات المغيبة فيه، وإزاحة الستار عما تصالح صانعو الراى العام السودانى أو تواطئوا على طيه وكتمانه. أهم ما نسعى لإستكشافه وتبيانه ظاهرة الإسترقاق؛ أصلها وإنعكاساتها ورواسبها المعاصرة. وبالرغم من أنّا لن نبلغ بالأمر مداه من الإستقصاء فى هذا المؤلف الصغير إلا أنّا نقبل عليه دون أدنى مداراة أو إستحياء. نزيد الأمر إيضاحاً بإبراز وجوه التحامل المريب ضد الحركة الشعبية من جانب شريحة كبيرة من مثقفى الشمال لا نستهين بأثرها، وردود الفعل التى يستدعيها ذلك التحامل كما تستدعيها النظرة الشمالية النمطية للجنوب، لدى شريحة نظيرة من نخب الجنوب. تلك الشريحة تنكبت الطريق فى تحليلها لمواقف أهل الشمال وكأنهم كل لا يتجزأ، أو فى إقترابها من ظاهرة الإسترقاق لأنها أقبلت عليها من منطلق دونى. لا محيص عن التعمق فى فكر هاتين النخبتين لأنَّ أفكارهما المهيمنة- ما يعلن منها وما يتسلل الى العقل بالإيحاء والإيماء- هى التى أوردت السودان موارد التيه حتى تزعزعت سواريه. هذا أثر لا تحمل عامة الناس وزره، لا لأنه لا مكان لهذه الأفكار الملوثة فى الخارطة الإدراكية للعامة وإنما لأن المسئولية عن تكريسها أو الإستهانة بها تقع كلها على عاتق النخب التى تحدد المسار، وتضبط وقع الخطى، وتملك القدرة- أوهكذا يفترض- على الوعى العقلانى بالتاريخ.

 

بوجه عام تدور موضوعات الجزء الأول فى محاور ثلاثة نوضحها بجلاء "تسويراً" للقضايا كما يقول المناطقة- أى تحديداً لها- حتى لا نتلاحى فيما هو غير ذى موضوع، أو نسدج فى الباطل. نخلص من بعد الى إنعكاسات هذه القضايا على حاضر السودان السياسى والثقافى بل والوجودى قبل النفاذ للحديث عن أثرها على مستقبله، ونحسب أن الإختباط الذى تقود اليه الرؤى الرومانسية للواقع السودانى، أو الذهول عن المعطيات التاريخية المحلية التى شاركت فى صياغتهأ أو التعامل الإستهتارى بالمتغيرات الخارجية التى لا معدى عن تأثيرها عليه، أو المغامرات الصبيانية التى تنجم عن هذا المنهج السطيح فى تناول القضايا المعقدة، لن يبقى للسودان مستقبلاً غير الإنشطار الأفقى والتمزق العمودى.

 

أثارت المقالات التى يتضمنها الجزء الأول ردود فعل متباينة من القراء فيها من القدح بقدر ما فيها من الإمتداح، وفيها من السجال بقدر ما فيها من لغو الرجرجة. وما لهؤلاء الأخيرين تجردنا للكتابة بالأمس، ولا لأجلهم نشد حزامنا اليوم للتعقيب. والرجرجة فى قول على أب الشهداء المبرور سيفه، هم "الذين إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا لم يعرفوا". لرواد السجال الهادف نقول مرحباً لأنَّ مسعانا من الكتابة دوماً هو تحريك بحر السكون الفكرى حتى لا يتشاج الناس فى الأمور بلا كتاب منير يضئ طريق البحث والإستقصاء، أو ينزلقون الى إصدار الأحكام بلا دليل رجيح أو برهان أكيد. ولعل من أكبر محننا فى العالم العربى- والسودان خاصة- هى أننا ما زلنا أسرى للثقافة الشفاهية فى عالم يحكمه منهج المعلوماتية التوثيقية والتكنولوجيا الرقمية. فى مثل هذا العالم لا مكان للقارئ الكسول ولا حياة للناقد العجول لأن كليهما لا يصبر على التملى فى جذور المشاكل، وكليهما يحتسب أن ترديد الشوائع يغنى عن الحقيقة.

 

المنهج التوثيقى أشد لزوماًعند تناولنا للقضايا الإجتماعية المعقدة التى لا ينبغى أن يبتنى الناس أحكامهم فيها على إفتراضات وساوس، وشوائع ملهوجة، وثوابت مزعومة يستوى إنكارها عند هؤلاء وإنكار المعلوم فى الدين. ولا ثوابت فى التاريخ الإجتماعى إلا عند الذين يتذرعون بيقين جاهل، أو الراغبين فى الهروب من التفسير البرهانى لـ"المسلمات" الإجتماعية. ومن المؤسى أنَّ الرد على كل من ينكر هذه "المسلمات" التالفة (وهى تالفة لتلف مقدماتها) يجئ دوماً فى أسلوب هستيرى متوتر لا يعين الناس للإصطلاح على الحقيقة. هذه "الهسترة" سنتجاوزها فى ردودنا، ولا غضاب، سائلين الله السلامة لمن آثروا إطاعة وساوسهم. نصحب إعادة نشرنا للمقالات أيضاً فى هذا التصدير بإلقاء مزيد من الضوء على القضايا المحورية التى تناولتها المقالات مستلهمين فى ذلك بعض ما أثاره النقاد؛ كما نضيف الى المقالات وهوامشها ما استجد من أحداث تؤكد صحة ما ذهبنا اليه، أو تدعيم ما لم نفه حقه من التحليل.

 

أول المحاور هو هُويَّة (بضم الهاء) السودان الثقافية وماهيته الوجودية. فالسودان ككائن حضارى، ليس هو ما ينبغى عليه أن يكون وفق رغائب بعض أهله، أو حسبما يتخيله أكثر المحللين العرب ابتناءً على مقايسات غير متوافقة أو إسقاطات خاطئة. الذى يحدد كينونة السودان هو واقع اثنى وثقافى شاخص لا ينكره إلا الأعشى، وإرث تاريخى متنوع ومتميز لا يتنكر له إلا دعاة قمع التاريخ. وفى الحالتين لا يحتاج المرء الى النفاذ الى الأبعاد المايكروسوسيولوجية أو الأنثروبولوجية ليستكشف حقيقة هذا التنوع والتميز. الهُويَّة أيضاً لا تفرض بقرار سياسى أو تفترض إنطلاقاً من مفهوم ذاتى إنغلاقى بل هى نتاج لسيرورة تاريخيَّة (historical process) فى إطار تمازج متنوع الوجوه، وصراع متعدد الأسباب، وهى بهذا مفاعلة ومثاقفة بين أكثر من طرف.

 

المحور الثانى هو طبيعة العلاقات العربية- الأفريقية بوجه عام وإسقاطات الواقع السودانى على هذه العلاقات بوجه خاص. وقد درج العرب (بما فيهم أغلب أهل شمال السودان) على نعت بلادنا بالجسر الذى يربط بين الكيانين العربى والأفريقى. هذا تعبير لا نستسيغه وقد ظللنا نتحاشاه فيما نكتب، ونستنكره فى مواقعنا الرسمية لأن الجسر كيان سلبى غير فاعل، وليس هذا هو دور السودان. السودان، فى يقيننا، هو البوتقة التى إنصهرت وتنصهر فيها العروبة والزنوجة، وتتمازج فيها الثقافة العربية بالثقافات الأفريقية، وينعكس فيها التفرد العربى والتنوع الأفريقى؛ ومن هنا جاء توصيف السودان عند بعض الكتاب بأفريقيا المصغرة (microcosm of Africa). فالحاضنة الثقافية للشخصية السودانية ليست هى العروبة ولا الزنوجة وإنما السودانوية. كما أن القاع الإجتماعى للوطنية السودانية ليس هو الإستعراب أو التزنج وإنما هو أيضاً السودانوية. السودانوية نتاج عروبة تنوبنت وتزنجت، ونوبة تعربت، وإسلام وشته على مستوى العادات لا العبادات شية من وثنية. دور السودان لكل هذا ليس هو تجسير فجوة بين كيانين قائمين بل إبداع كيان جديد متعدد الوجوه هو الآخر، أسميناه الوحدة الأفريقية، أو التكامل العربى- الأفريقى، أو وحدة الجنوب ضد هيمنة الشمال (الجنوب والشمال بمعناهما الكونى) بإعتبار أن الدول العربية والأفريقية تمثلان الكيان الأعظم فى مجموعة دول الجنوب. لهذا فإن أى مغامرة غير محسوبة تعمق من الصدوع العرقية والدينية والثقافية فى السودان لن تؤدى فقط الى تمزيق السودان، بل ستقود بلا محالة الى إجهاض الأحلام الكبرى التى تتجاوز حدوده بدءاً بالوحدة الأفريقية والتكامل العربى الأفريقى.

 

المحور الأخير هو دعاوى الإسلاموية السياسية فى السودان والتى أسست على تخيل لا يأبه للواقع المحلى ببعديه الإسلامى وغير الإسلامى؛ ولا يكترث لحقائق العالم الذى يعيش فيه؛ وتكاد لا تعنيه المهالك التى يتردى فيها السودان وأهله بسبب هذا الإستخفاف. هذه الإسلامويَّة تمتطى صهوة لا نجاة لراكبها لأنها تسير ضد الميل الفطرى لمسلمى السودان بل ضد إيكولوجيته الإجتماعية وأركيولوجيته الثقافية. سياسات الإسلاموية الجديدة لم تؤد الى تقليص هامش التسامح الدينى الذى عُرف به السودانيون فى الماضى فحسب، بل أصبحت نموذجاً فادحاً للإرتداد الى ماض سحيق رغم كل دعاواها عن البعث الحضارى. ولا مشاجة فى أنه من حق أهل أى ملة أن يستلهموا ماضيهم، بيد أنَّ إستلهام الماضى شئ والاستيطان فيه شئ آخر. ظن هؤلاء الإسلامويون بأنهم يملكون بديلاً يتحدون به الفكر القومى والأممى والليبرالى؛ والإجتهاد حق لكل من هو قادر عليه شريطة ألا يحسب أن إجتهاده هو محكم التنزيل أو يذهب به الإجتهاد الى أبلسة الآخر لما فى ذلك من إستئصال فكرى لخصومه. ولعل فيما حاق بالسودان من أمر أفقم فى عقد التسعينات ما يحمل أى مسلم مجتهد يملك الحد الأدنى من التواضع العلمى على الذهاب مذهب الإمام الشافعى رحمه الله مع من يخالفونه الرأى: "رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأيهم خطأ يحتمل الصواب". بيد أن هذه الخالفة- دون أن نغمطها أشياءها وحقها فى الرأى- أعطت نفسها فوق كنه إستحقاقها، أولاً بإحتكارها للحقيقة، وثانياً بتظنيها أن ما ترتأيه هو الصواب المحض، وأخيراً بإيهامها النفس بأن ما تدعو له بإسم الإسلام هو الجوهر المطلق. بل كادت هذه الخالفة تحسب وليها الفقيه- وهو من نعرف- استنساخاً سودانياً لزيد بن على بن الحسين الذى قيل عنه إنه لم يهتك لله محرماً منذ عرف يمينه من شماله؛ فمن مثل هؤلاء وحدهم يترجى الناس العصمة فى البشر.

 

وعلى كل فأكثر ما يستفز المرء فيما جاءت به الشريحة التى نتصدى لها من المعلقين العرب حول الشأن السودانى هو الإيحاء بأنهم أكثر دراية بشعاب مكة من أهلها، وفى هذا هم ضحايا نزعتين: الأولى ظنهم الثابت بأن وراء كل حدث داخلى مؤامرة خارجية، رغم أنَّ فيما يتواتر من الأسباب الداخلية ويتسرد من الوقائع المحلية ما يفضى دون ريب للحدث/المؤامرة. النزعة الثانيَّة هى إفتراض السذاجة فى أهل السودان لأنهم لا يفطنون لما يراد بهم من شر. حقيقة الأمر أنَّ هؤلاء المعلقين أسارى لنظرة طوباويَّة لما يجب أن يكون عليه السودان وفق منظور أيديولوجى محدد ولا يعنيهم، فيما يبدو، إن توافق هذا المنظور مع معطيات الواقع الموضوعى أو تعارض معها.

 

النزعة الأولى تكاد تكون ظاهرة مرّضية يقمن بمن أصابته اللواذ بأريكة طبيب نفسى شأنَّ كل من يعانى من الرهاب الفكرى (الفوبيا) إن لم يكن البارانويا التخيلية. بيد أن المرء يستشف فى هذه النزعة أيضاً محاولة باطنيَّة لإزاحة مسئولية نقد الذات عن الكاهل بالرغم من أنَّ النقد هو الوسيلة المعرفية الأساسية للنفاذ الى الحقيقة، بل هو- فى قول ايمانويل كانت- أهم أداة إبتدعها العقل البشرى للبناء المعرفى. فأصحاب هذه النزعة يعرفون- كما نعرف- أن للآخر أهدافاً ونوايا؛ ويعرفون- كما نعرف- أن نواياه نحونا قد تكون تخذيلية إن لم تكن عدوانيَّة؛ ويدركون- كما ندرك- بأنا لا نستطيع أن نغير الآخر أو نبدل من نواياه لأنها تخدم من منظوره ما يحسبه مصالح أساسيَّة. الأمر الذى يستطيعون ونستطيع أن نفعل هو إزالة الظروف الموضوعية التى تحيط بنا والتى تُمكن الآخر من التخذيل والهدم والصيد فى الماء العكر. والى أن نفعل هذا يصبح كل حديث عن "مؤامرات" الخارج هروباً الى الأمام، ويضحى كل صريخ منبرى عن المؤامرات التى تستهدف الوجود مصارعة لطواحين الهواء على نهج دون كيخوته. ومع ما فى الرهاب الفكرى من ثقة زائفة بالنفس إلا أنه فى الحقيقة تعبير عن رعب من الآخر يكاد بأخذ صفة العدوانية.

 

أما النزعة الثانية فتعبر عن تمركز فى الذات خاصة عندما يذهب أصحابها لإسقاط تجارب عربيَّة معينة وفق تحليل أيديولوجى محدد على الواقع السودانى الذى لا نعرف له نظيراً فى العالم العربى. فى هذا يستوى أرباب العقائد الدهرية مع أرباب العقائد الدينيَّة السياسيَّة. فما ورّد- مثلاً- حديث عن حرب الجنوب فى السودان إلا وأردف بحديث عن مؤامرات التمزيق فى العراق (بين العرب والأكراد)، وقضايا الأقلية "البربرية" فى الجزائر (الصراع اللغوى والثقافى بين العربيَّة والأمازيغية)، ووضع الأقباط فى مصر. نحن زعيمون أن ليست هناك أدنى صلة بين المشكل السودانى وتلك القضايا التى يتشاج عليها أهل العراق والجزائر ومصر. فالجزائريون والعراقيون يوثق عرى الوحدة بين عربهم وأكرادهم وأمازيغييهم فى عالم الغيب والشهادة رباط واحد هو الإسلام؛ تربط بينهم صلواته الجامعة، ويغذى أرواحهم كتابه الكريم، مأدبة الله فى الأرض. أما قبط مصر فقد توحد وجدانهم مع وجدان من جاورهم من المسلمين منذ أن جاءها هؤلاء الأخيرون يحملون ما قيل إنها وصاية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيراً فإن لكم منهم صهراً وذمة". هذه السماحة فى الدين وتلك الرعاية للذمم هى التى حملت قبطياً مرموقاً (مكرم عبيد) الى موقع الأمانة العامة لأكبر حزب وطنى فى بلاده (حزب الوفد)، وهى التى جعلته يقول ولا يألو: "أنا قبطى ديناً ومسلم وطناً"، وهى التى جعلت مواطنيها يخرجون فى تظاهراتهم وراء زعيمهم سعد يحملون رايات يعانق فيها الهلال الصليب. هذا أمر يستوى والكفر فى سودان اليوم الذى أنكرت فيه الغالبيَّة إرتفاع الصليب فى ميدان عام كُرم فيه بابا الكاثوليك.

 

السودان على غير هؤلاء، محشر أقوام أرادت لهم ظروف التاريخ، وقضى عليهم واقع الجغرافيا، التعايش مع بعضهم البعض فى رقعة محدودة من الأرض على إختلاف أديانهم وتنوع ثقافاتهم وتباين سحناتهم. وعبر سنوات طوال من التمازج والتصادم، والتحارب والتصالح، والتصاهر والتباين، بدأت تتخلق شخصية جديدة متميزة عن مكوناتها الأصلية. هذه السيرورة التاريخية كان من الممكن أن تمضى الى نهاياتها المنطقية دون قهر أو إملاء لولا أدلجة السياسة والدين معاً. ومحنة الأيديولوجيين جميعاً أنهم لا يرتابون كثيراً فى أنفسهم وأفكارهم، ولا يعقل المرء عن التورط فى المهالك غير الشك والتساؤل فى كل ما يبده فكره أو يتخلج نفسه.

 

فمن ناحية الأيديولوجيا الدهرية ينطلق العروبيون من يقين ثابت بإمكان "العودة" الى وحدة عربية شاملة. لو ترجح فكر هؤلاء بين الشك واليقين لتساءلوا متى كان هذا الحلم الذى يسعون للعودة اليه حقيقة؟ وفى أى مرحلة من مراحل التاريخ العربى؟ فثمة فرق بين أن يقول القائل إن للأوطان العربية التى يجمع بينها اللسان المشترك، والديانات ذات الأصل الواحد، والتماس الجغرافى، والطبائع المشتركة، وضرورات التكامل الإقتصادى، مصلحة فى التوحد فى عالم يتجه كله الى الوحدات الكبرى؛ وبين الزعم بمسلمات شائعة عن ميراث وحدوى متخيل لا يوضع أبداً موضع التساؤل. هذه الطوباوية الحالمة لا يمكن أن تكون بديلاً للواقع فى عالم السياسة، وما أكثر الذين أدموا أنوفهم فى الوطن العربى بسعيهم المكرور للقفز فوق الواقع التاريخى والوجودى لمكونات الوطن العربى من أجل الوصول الى الدولة/الحلم. فعلوا هذا بالقلم حيناً، وبالتآمر حيناً آخر، وبالغزو المشهود فى تجاربنا المعاصرة. مثل هذا النهج لا يمكن أن يكون هو السبيل الأمثل لإشباع الرغائب المشروعة لأنه- فى أحسن حالاته- إستئناس بالأوهام وإستسلام للظنون بغيَّة إرضاء النفس مما قال فيه الكتاب الكريم:" إن يتبعون إلاّ الظنَّ وما تهوى الأنفس"(النجم،23). هذه الرؤى فى واقع الأمر فانتازيا أيديولوجية وصائية يجدر بنا التخلص منها. كما يجدر بالمفكرين الطامحين فى الإرتقاء بمجتمعاتهم التملى فى الواقع الماثل فى هذه المجتمعات حتى لا يتدفقوا فى الباطل لأن أبجدية التدبير العقلانى تقتضى التثبت من الحقائق لا الفتل غير المحكم لحبال الأمانى.

 

مثل هؤلاء الطوباويين كمثل إخوة لنا فى مصر وفى شمال السودان يحسبون أن الرومانسية تغنى عن الواقع. هؤلاء ما هم إلا صدى لصوت مصطفى النحاس باشا فى الخمسينات: "تقطع يدى ولا يقطع السودان". وقد قطع السودان عن مصر فى مطلع يناير 1956 على يد داعيَّة الوحدة إسماعيل الأزهرى لا على يد الإستعمار. ولعل أكثر العروبيين السودانيين الذين يباهون بالزعيم الأزهرى لا يذكرونه كداعية الوحدة الأول فى السودان بل كـ"رافع العلم"، أى علم الإستقلال. من هؤلاء الرومانسيين أيضاً من يقول "لن نفرط فى وحدة السودان الذى ورثناه عن آبائنا"؛ أو "لن نسمح بتمزيق السودان". نحن كهؤلاء مع وحدة السودان نهب لها ما هو أكثر من القول، إلا أنا لا نفعل هذا إنطلاقاً من نظرة رومانسية أو ابتناءً على مفاهيم تبسيطية لواقع شديد التعقيد، وإنما بتوجيه أسئلة محورية للنفس تعين على إدراك جوهر الأزمة السودانيَّة.

 

الخطاب العربى، بصورة عامة، يوحى بأن وحدة السودان (ويقصد بها وحدة الشمال والجنوب) لا تتعرض للخطر إلا من مصادر ثلاثة؛ الاستعمار القديم و"ربيبته" الكنيسة، والاستعمار الجديد و"ربيبته" الصهيونية، ودعاة الإنفصال فى الجنوب وهم- فى نظر من يختصمونهم- ربائب الربائب. بيد أن هناك كما قلنا أسئلة محوريَّة لو وجهت للنفس لتبين أصحاب نظريَّة المؤامرة أن هناك من الأسباب ما هو أدنى إن أردنا حقاً الإحاطة بأسباب ما نحن فيه جميعاً من بلبال، وما يحمل بعض أهل الجنوب على الدعوة للإنفصال. من هذه الأسئلة: ما الذى يدفع أبناء الوطن الواحد للإحتراب قرابة نصف قرن من الزمان؟ أولا يعنى إستمرار هذه الحرب رغم كل محاولات تشخيص الأزمة وإبتداع الحلول لها خلال هذه الفترة أن هناك قصوراً فى التحليل يقضى بوضع الفرضيَّات المستهلكة موضع تقييم عقلانى؟ أولا يعنى تحقيق السلام على مدى عشر سنوات (1973-1983) أو إصطلاح كل أهل السودان فى الشمال والجنوب على منهاج جديد للحكم ورؤية جديدة للسودان يتحقق عبرها السلام والوحدة (أسمرا، يونيو 1995) أن للمشكل جذوراً داخلية نملك أن نسيطر عليها إن حسنت النيات وتوفرت الرؤية الصائبة؟ إنَّ الركون للإغواء السياسى والإستمساك بحبائل الأفكار المسبقة أمر مريح لمن لا يريد إستكشاف مواقع الخلل فيما يصدر عنه من أحكام، أو يسعى للإبقاء على ذلك الخلل صيانة لمصلحة مكتسبة أو تشبثاً بمفهوم متوارث؛ وليس بين كل مخلوقات الله ما هو أكثر مغالطة للنفس من الإنسان.

 

أطروحات دعاة تديين السياسة أشد وعورة لأن الدعوة للصحوة الإسلامية فى تجلياتها المختلفة (عهد نميرى، والعهد الديمقراطى، وعهد الإنقاذ) تعانى من إختلال منطقى كبير ومأزق بنيوى أكبر. فالدعوة فى نظر البعض هى تعبير عن إرادة أهل السودان بالرغم من أن ليس كل أهل السودان مسلمين. كما هى عند البعض الآخر تعبير عن إرادة أغلبية أهل السودان المسلمة وليس صحيحاً أن هذه الأغلبية تشارك النخبة المبشرة بالصحوة أو بالتوجه الحضارى نظرتها للإسلام. يصدق هذا بصورة أكثر على الدعاة الجدد (الجبهة القومية الإسلامية) لسببين؛ الأول هو أنها وصلت بالتطرف والإستقطاب الدينى أقصى تخومه، والثانى لأن منهج هذه النخبة الجديدة غريب على أهل السودان لأنها ليست إمتداداً للمفكر الإسلامى العضوى فى السودان (الفقيه المتصوف). ذلك المفكر ظل ينشر الإسلام بالحسنى، ويستألف الناس بما هو حبيب الى نفوسهم، ولا يقسر غير المسلم منهم على غير دينه، ويترك للناس أمور دنياهم. أما سبيل المبشر الجديد- مع إفتراض صدق رغبته فى أن يدخل أهل السودان جميعاً فى دين الله أفواجاً- هو السياسة بل السياسة الأميرية (الحكم) بكل ما يصحبها من عنفوان.

 

الدعوة للصحوة الإسلامية أضحت من جانب آخر، محاولة لإسترجاع الماضى والإنكفاء عليه حتى فى الرسوم والأشكال مما جعل منها ثورة مضادة للصحوة. فالصحوة تعنى إعادة صياغة أحكام الماضى حتى تتوافق مع متطلبات الحاضر لا الرحيل الى ذلك الماضى والتلبث عنده إستناداً على متن ضعيف وإعمالاً لقياس هش. أهم شرائط الإجتهاد- قبل الإلمام بالأصول، والإحاطة بالمقاصد، والإدراك للناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه- هو الوعى بمعطيات الحاضر حتى يكون هناك ترابط عقلانى بين الحدث المستجد والحكم التالد. فمن الأصول تتشعب الفروع، ومن الوعى بالحاضر تستمد الأحكام راهنيتها إذ ليس فى مقدور إنسان- كائناً من كان- أن يوجه التاريخ الى حيث يريد. من بين وجوه الحاضر الدولة القومية، ونظريات حقوق الإنسان بما فيها إحترام التعدد الدينى، والتعدد الحزبى بما فيه من أحزاب علمانية، والتعاون الدولى والإقليمى حتى مع دول المجوس، وقضايا أخرى حياتيَّة لا يفيد فى تناولها الإنكفاء على الماضى أو الترداد الساذج لشعار "لا بديل لشرع الله". فشرع الله لن يسعفنا فى قضايا الفيدرالية وتقرير المصير، ولا فى حل مشكلة الديون الخارجية والمديونية الداخلية، ولا فى قضايا التكامل الإقتصادى الإقليمى، ولا فى مفاوضاتنا مع صندوق النقد الدولى حول الإصلاح الهيكلى للإقتصاد. كل هذه القضايا تمثل ما ينبغى أن ينصرف الحاكم لعلاجه، والعلاج لا يكون بالشعارات وإنما ببرامج محددة اصطلح عليها العالم. وأقمن الحكام بذلك أولئك الذين يقتسرون الحكم فى سبيل تحقيق أهدافهم (أى أهداف المجتمع كله) بعنافة لا تبالى، ويبقون فيه بقساوة لا تستر عورتها. هذه العنافة وتلك القساوة يبررها مجترحوها بأنهم وحدهم يملكون الحل السحرى لكل ما اشتكل على أهل السودان، لا فى أمور معادهم فحسب وإنما أيضاً فى أمور معاشهم.

 

استقر فى وعى الدعاة الجدد أن ديار المسلمين- بل العالم كله- ينقسم الى قسمين: حزب الله الذى يناصرهم وحزب الشيطان الذى يتلاقى فى رحابه كل من يعاديهم وبهذا تطوعوا بتوفير أرضية لمن يتهمهم بالإرهاب. فما الحق الذى يملكه هؤلاء وأضرابهم فى العالم العربى ممن يطلق عليهم إسم الإسلام المستنير فى إستنكار أفكار صاموئيل هنتنجتون الحمقاء حول صراع الحضارات فى كتابه الذى يصنف الإسلام عدواً جديداً للحضارة الغربية بعد زوال الخطر الشيوعى. لا نخال هنتنجتون يتحدث عن خطر على الحضارة الغربية من دولة رفعت راية الإسلام قبل مائة عام على يد منشئها الملك عبدالعزيز آل سعود، أودولة فى المغرب تعاور فيها الحكم ملوك يطلق عليهم لقب أمير المؤمنين، أو دولة كمصر ظلت تؤصل قوانينها المستحدثة على نهج الشريعة الإسلامية منذ عهد عبدالرازق السنهورى وكامل مرسى باشا، أو دولة كباكستان اقتطعت من شبه القارة الهندية لتصبح أول دولة إسلامية فى الشرق الوسيط. الذى يعنيه، فيما نقدر، هو إسلاموية جديدة لا تجاهر فحسب بعدائها للغرب، وإنما تتبع المجاهرة بتدمير منشآته ومطاردة مواطنيه وتهديد دبلوماسييه. وليس لهذا المنهج المتطرف المعادى لحضارات الإنسان أدنى صلة بالإسلام أو بعصور التنوير الإسلامية؛ العصر العباسى فى المشرق أو الأموية الثانية فى المغرب. لهذا فإن التخليط الذى يلجأ اليه الإسلامويون الجدد بالحديث عن عدوانية الغرب على الإسلام كما يصورونه لا يعبر عن فقدان للأمانة الفكرية، وإنما أيضاً عن جبن عن مواجهة النتائج المنطقية التى تترتب على اطروحاتهم. وسنبين فى هذا الكتاب الضرر الذى ألحقه هذا الفكر العليل بالإسلام حتى فى أفريقيا التى أراد لها أن تكون أولى مراكز إقتحامه.

 

هذا الفكر المنكوب ببعديه الدينى والدهرى، والمأزق السياسى الذى قاد اليه، تجاوزهما أغلب السودانيين بوعى متأخر؛ تجلى ذلك الوعى فى إتفاق أديس أبابا (1972) الذى أجهضته الردة النميرية على الإتفاق بعد عشر سنوات من الوحدة والسلام، ثم إعلان كوكادام (1986) الذى أودى به إنخزال أهل الحكم فى الشمال وعجزهم- أمام تزيد الجبهة الإسلامية- عن إلغاء قوانين نميرى المنسوبة للإسلام، وأخيراً مبادرة السلام السودانى (1988) وإتفاق القصر (1989) اللذين كانا إنذاراً بالنهاية لدعاة تديين السياسة مما حمل هؤلاء على أن يجمعوا أمرهم عشاءً للإنقضاض عليهما. ثم جاء إتفاق أسمرا التاريخى (يونيو 1995) والذى يمثل أولى محاولات القوى السياسية الشمالية والجنوبية للحوار حول "المحظورات": "الدين والسياسة، ومقومات الشخصية السودانية المتنوعة المنابت، ولامركزية الحكم".

 

تلك هى أولى المحاولات الجماعية للعبور نحو سودان جديد، إلا أن العبور من السودان القديم- سودان الحروب والإضطراب والتمزق- الى سودان جديد لا يتم عبر رومانسية جديدة هى فى حقيقتها إغواء سياسى آخر لا يخلو من الغوغائية. السودان الجديد لا تعبر عنه الريطورطيقيا (rhetoric لغة خطابية منمقة تتسم بالمغالاة وعدم الصدق- كوش الجديدة) السائدة والتى لا تبتغى فى نهاية الأمر غير تسويق النبيذ القديم فى قنانى جديدة، أى تسويق السودان القديم بكل تراتبياته الإجتماعية، وإنحيازاته الثقافية، ورؤاه الملتبسة للآخر. العبور الى السودان الجديد يتطلب نقلة مفهومية وتحول نوعى فى العقل الإستراتيجى السودانى فى الشمال والجنوب؛ العقل الشمالى المتلبث عند النظرة الإستعلائية للآخر، والعقل الجنوبى الإنفصالى الذى توقفت عقارب ساعته الفكرية عند تجارة الرقيق فى القرن الماضى؛ ولكل واحدة من هاتين النظرتين عقد أورثتها لأصحابها. الثورة المفهوميَّة لا يغنى عنها أيضاً صوغ القوانين ووضع الدساتير، ولن تكون إعادة هيكلة مؤسسات السياسة بديلاً عنها. كما أن تراكم الزيف فى النظر للمشكل السودانى لا يقود إلا لتكاثف العقم الفكرى الفادح الذى أوردنا، وما زال يوردنا، فى المهالك.

 

 

 

 

 

Chairman's 19th  Anniversary Message:

 to all SPLA, SPLM and CANS

Units and to the Civil Population of the New Sudan

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1. Today, 16/5/2002, is our 19th anniversary. As we begin the 20th Year of our heroic struggle, I salute all our heroes and martyrs, who have fallen in the struggle for Sudanese dignity before and after independence and throughout our history and now in the struggle for the New Sudan of democracy, freedom, justice, human rights and prosperity for all Sudanese. I salute these heroes and martyrs as a reminder that they did not die in vain. The legacy and spirit of their struggle will always guide us and all generations to come.

2. On the occasion of this 19th anniversary, I congratulate all officers, NCOs, men and cadres of the SPLA, SPLM and CANS for successfully resisting and repulsing the enemy 2001/2002 Dry Season offensive that is now just ending.

3. As came in my various messages to all units, this year’s enemy Dry Season offensive was concentrated in Western Upper Nile (oil region) and Bahr el Ghazal. In Western Upper Nile the enemy mobilized up to 7,000 troops composed of regular forces, PDF and various tribal militias all supported by tanks, helicopter gun ships, MIG fighters and Antonov bombers. The aim was to push our forces and population far away from the oil fields and thus continue to exploit the oil to build their economy and military capacity. In Bahr el Ghazal, the enemy planned to captured all of Gogrial, Warrap, Thiet, Tonj, Rumbek and Yirol and thus to control the whole of the Region and also add more protection to the oil fields.

4. The enemy offensive in Western Upper Nile ended about two weeks ago in a major disaster with the enemy suffering over 2,000 men killed over the three-month period of the offensive, and a lot of equipment captured. Two Oil Companies, Lundin of Sweden and OMV of Austria, suspended their operations and pulled out their personnel to Khartoum as a result of the enemy defeat. In Central Upper Nile, the enemy sent a mixed force of 1,000 men under John Kulang Puot, a renegade former SPLA High Command member to establish a meaningless NIF provincial Government in Ayod, with him as Commissioner. The force was annihilated with John Kulang himself killed in battle defending the NIF regime. Meanwhile in Eastern Upper Nile our forces combined with forces of the 5th Front to make steady progress towards establishing control over the area and moving towards Nasir. Millions of congratulations to all the CDRs, officers, NCOs and men and to CANS and civil population of Western, the Central and Eastern Upper Nile for these great victories.

5. The most ambitious enemy Dry Season offensive was in Bahr el Ghazal. The enemy aimed at capturing the whole Region, beginning with Gogrial Town. Our gallant forces of the 3rd Front gave us a glorious 19th anniversary present and gave the NIF a lesson they will never forget. The enemy attack on Gogrial was finally and decisively repulsed yesterday, 15/5/2002, when the enemy was forced to withdraw back to Kuacjok, and this at the eve of our 19th anniversary. The enemy convoy, Shahiid Kakum and that which reinforced it will both be destroyed eventually, and that defeat will turn into the Mother of all disasters for the enemy. Millions of congratulations to all the CDRs, officers, NCOs and men, and to CANS and the civil population of Bahr el Ghazal for this magnificent victory of repulsing the enemy offensive from Gogrial.

6. In summary, our overall military situation is firm with great prospects in all the Fronts. Now that we have repulsed and defeated the Government Dry Season offensive, the enemy deserves a strong SPLA counter-offensive, and they will get it.

7. On the political side, we scored significant political victories as came in my various messages to all units. The past year was rightly declared as the year of peace, reconciliation and unity. We achieved merger and unity with the SPDF and SAF, and this process will continue, and will be translated into victories on the ground. At the international we launched a very successful diplomatic campaign in UK, Europe and USA. Everywhere we went, I delivered one and the same consistent message that consisted of five points as follows:

(a) The NIF regime in Khartoum has not changed, cannot change, and will not change despite their cooperation with the USA on issues of international terrorism. They are cooperating with the USA out of fear that after September 11th they might be hit like the Taliban. I argued that the NIF regime could not be reformed, that they were too deformed to be reformed and must therefore be removed not improved. I called them the “Taliban of Africa”, and this was all over in the media.

(b) The second message is that there is an alternative to the NIF regime, and this is the NDA, which consists of the SPLM/A and Northern opposition parties whose views of Islam are moderate. We therefore appealed for support to the NDA so that it is built into a robust and viable alternative to replace the NIF regime.  

(c) Thirdly, despite the above two messages, we as a Movement (SPLM/A) are willing and ready to negotiate with the NIF regime through the IGAD mediation and based on the DOPs. We suggested that the most viable solution is to have a confederation during an Interim Period as a form of Interim Unity to solve the problem of religion and state (Sharia), to be followed by exercise of the right of self-determination at the end of the Interim Period to choose between (a) maintaining the confederate union, or (b) full independence. In the Confederate Union there will be two constitutions, one for each state, and a third constitution for the Confederate Authority, and this is the constitution that shall be the subject of negotiations. The Confederal Model will be a fair and just solution, since we will not be required to accept some form of Sharia, e.g., “exemption from Sharia” or a so-called “Special Status” for the South. It would also be fair and just for the NIF because they will not be required to drop Sharia, except for the Capital, which must necessarily be secular. The confederate model also gives unity a chance during the Interim Period, as well as providing the option of separation at the end of the Interim Period, and so this model should satisfy all the stake-holders.

(d) The fourth message is our vision and program of Peace through Development. The argument is that while we negotiate with the NIF regime to achieve a political settlement (Track 1), and while we build up the NDA (Track 2) to replace the NIF government, we must start and continue with socio-economic development in the areas we control (Track 3). Our children cannot wait for peace to go school; they must go to school now. And considering that this war has gone on for 19 years while the Anyanya one lasted 17 years, we would lose more generations of our children to illiteracy if we wait for peace for them to go to school. USAID, through the STAR and other programs has accordingly committed 42.5 million US dollars, 20 million of this for education and 22.5 million for agricultural over the next five years, and this may double or triple, depending on developments. The EU may also commit half of the EU-ACP Contonou Agreement development assistance money.

(e) The fifth message is the growing unity and strength of the SPLM/A as exemplified in the South by the merger and unity with the SPDF, and in the NDA by the merger and unity with SAF. This growing unity further goes to show that the NDA as a viable alternative to the NIF regime. Related to this growing unity is the growing role of the Sudanese Diaspora, which I declared as the 7th Front. In the USA, we addressed during the visit not less than 20,000 Sudanese Diaspora in some dozen cities across the United States. The Sudanese Diaspora will need to be organized to play their full role in the struggle.

8. Finally, Dear Comrades, I am confident that major developments will happen in our struggle during this 20th year of our struggle, and I want to end by summarizing the SPLM/SPLA program over the next one year. This program is similar to the one I outlined in my last anniversary address. The SPLM/A program for the next 12 months consists of the following high-lights:

(a) The SPLM/SPLA will work hard to convene the Second National Convention before our next anniversary despite the difficulties. This should be an SPLM Convention with the primary aim of building the political wing of the Movement, so that the SPLM becomes firmly established all over the New Sudan.

(b) The SPLM/SPLA will continue to struggle to achieve reconciliation and unity of our people, to consolidate internal unity and cohesion within the SPLM/SPLA, to reach out to our brothers and sisters who left the Movement from 1991 and to welcome them and any others to re-join or join the Movement in the spirit of the Lafon Declaration, Wunlit, Liliir, May 2001 Agreement and the January 6th 2002 Agreement.

(c) The SPLM/SPLA will continue to pursue peace through all the three tracks, with special emphasis on Track (3), Peace through Development, so that we build a viable liberation economy by enhancing civil structures of good governance, and encouraging and empowering civil society, and by creating the necessary conducive environment of peace and stability in the countryside. The Third Track program should enable our people to produce sufficient food for themselves as well as cash crops, and thus generate incomes for themselves and their families. Ox-ploughing in particular will be a main pillar of peace through development, and all SPLA units and civil authorities must take this seriously.

(d) In the context of Peace through Development, the New Sudan should see its own currency during this its 20th year of struggle. Our currency the New Sudan Pound (NSP) should have been in circulation by this present anniversary, but this has not been possible due to technical difficulties including raising the necessary funds for printing the money. Our Economic Commission is working hard to solve these problems. I am aware of the controversy generated by the issue of the currency. I assure you that the decisions as to the use of the currency will not be made by a few people, but will involve broad-based discussions.

(e) The Movement will continue to build the Civil Authority of the New Sudan (CANS) in all the liberated areas, as the executive organ of civil society responsible for implementing polices of the SPLM and the New Sudan. This will develop into the Government of the New Sudan as we acquire more sovereignty.

(f) The SPLM/SPLA will continue to reorganize, restructure and qualitatively as well as quantitatively build the SPLA into an organic Liberation Army that will have sufficient capacity to achieve its mandate and participate in the building of the New Sudan during both war and peace. In this connection the Movement will continue with its policy of opening SPLA Fronts in any parts of the Sudan where this is feasible. The SPLA will develop into the standing army of the New Sudan as we acquire more sovereignty.

(g) We will continue to build the SPLM into an effective political Movement that will lead the struggle, now during the war as well as after the war in a peaceful and stable New Sudan. In this regard, we will operationalize SPLM political presence in Khartoum and other urban cities in all parts of the Sudan. In this context, Radio SPLA will finally be on air during the course of this year, and it will help greatly in the consolidation of the SPLM.

(h) We will continue to work in the NDA and its Unified Military Command (UMC) with our other partners to build these structures up into strong and robust organizations that will be able to coordinate and converge the two principal means of struggle, armed struggle and Intifadha, to remove the NIF regime and achieve fundamental change.

(i) At the international level, the SPLM/SPLA will continue to cultivate friendly relations with all the countries of the Region and with the wider international community in general. The Movement will continue to seek humanitarian relief assistance, while doing everything necessary to achieve food self-sufficiency in the New Sudan, as well as seeking development assistance and access to regional and international markets. We will continue to cooperate with the United Nations and other international organizations in the areas of human rights, humanitarian relief and other areas of benefit to the Sudanese people.

(j) The SPLM/A will continue to negotiate with the NIF regime in the various initiatives on the basis of the IGAD Declaration of Principles (DOPs), and we will continue to respect Senator Danforth’s four confidence-building measures on the basis of reciprocity.

9. Finally, on the occasion of this 19th anniversary, I once more salute our martyrs to whom this day belongs, and I greet and congratulate you all wherever you are for the victories achieved over the last twelve months. I assure you all that the Movement will be faithful and loyal to the objectives of the struggle. The SPLM/SPLA will never betray the cause of our people. I assure you that, while the SPLA wages armed struggle, the Objective is political, to achieve freedom and ensure justice and dignity for all, that is, to achieve the New Sudan. I assure you that the SPLM/SPLA is sincerely committed to peace and reconciliation among our people and to their unity, and to the unity of the Liberation Movement. I wish you well all as we begin the 20th Year of our struggle. God bless you all. SPLM Oye! SPLA Oye! NDA Oyee! New Sudan Oye! Victory to the SPLM/SPLA and NDA and to the people of New Sudan!