لقاء نيروبي التشاوري حول مسودة الدستور الإنتقالي

كمال الجزولي

 


· بدعوة من منظمة (أفريقيا العدالة ـ Justice Africa)، انعقد بنيروبى ـ كينيا، خلال الفترة من 18 إلى 21 أبريل 2005م، لقاء تشاوري ضم أربعة وعشرين من السياسيين وخبراء الدستور والقانون وناشطى منظمات المجتمع المدني، نساءً ورجالاً، ومن مختلف المدارس الفكرية والاتجاهات السياسية في شمال السودان وجنوبه وجبال النوبا والنيل الأزرق، حيث تداولوا مسودة الدستور الانتقالي الذى أعدته لجنة (7 + 7) المشتركة بين ممثلي حكومة السودان والحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان على أساس اتفاقية السلام الشامل CPA المبرمة بين الطرفين في 9 يناير 2005م ودستور السودان لسنة 1998م.


 

 

· قدمت في اللقاء أوراق عمل ومداخلات تناولت، في حدود الحيز الزمني المتاح، أبرز الجوانب المثيرة للجدل في المسودة، على خلفية الخبرات الدستورية السابقة والحراك السياسي والاجتماعي الراهن. وجرى، على وجه مخصوص، بحث قضايا حقوق الإنسان، والنوع (الجندر)، والمجموعات القومية والسكانية، ومصادر التشريع، وهيكل الدولة، ومستويات الحكم، واستقلال القضاء، وسيادة حكم القانون، وما إلى ذلك. كما أولى المشاركون اهتمامهم للمشكلات المتعلقة بالمشاركة في (لجنة الدستور) التي ستطرح أمامها هذه المسودة لتشكل أساس عملها بعد أن تمت إجازتها في مجلسي طرفي الاتفاقية.

 

· لاحظ المشاركون، ابتداءً، المفارقة الصارخة في هذه المسودة، والتي انتقلت إليها من الاتفاقية نفسها، رغم قيمتها الكبيرة لجهة وقف الحرب والتبشير بالسلام والتحول الديموقراطي. فلقد كان الهدف الأساسي المعلن من المفاوضات برعاية الإيقاد وشركائها هو (حل مشكلة الجنوب)، مما فرض علوية المنطق الذى اقتصرت بموجبه عملية التفاوض على الطرفين المتحاربين: الحكومة والحركة، لأجل إحلال السلام، وقد تحقق ذلك في معنى وقف الاقتتال بين هذين الطرفين. غير أن القضايا المتفاوض عليها اتسعت لتشمل، عملياً، قضايا السودان كله، فكان لا بد للاتفاقية، وفي إثرها مسودة الدستور التي انبنت عليها، أن تتسعا أيضاً لتشملا هذه القضايا، ولكن بين الطرفين المذكورين وحدهما، وفي غياب ممثلي غالبية أهل السودان الآخرين في شماله وجنوبه وشرقه وغربه، والذين لم تقنعهم بعدُ لا الاتفاقية ولا هذه المسودة، بكفايتهما لحل ما يعانون من مشكلات، بما في ذلك المجابهات الحربية، كما في دارفور مثلاً، والمرشحة الآن لأن تندلع في مناطق أخرى. هذه المفارقة بالتحديد هي ما نجمت عنه الوضعية الذهنية الملتبسة لدى غالب قطاعات الشعب بين الترحيب بترتيبات السلام على أساس الاتفاقية، بما في ذلك هذه المسودة، وبين الإحساس العميق بعدم كفايتها لطمأنتهم على جدارتها بإيجاد الحلول لقضاياهم الأخرى.

 

· لاحظ المشاركون كذلك المفارقة المتمثلة في كون المسودة، بصورتها الحالية، ليست مجرد قانون أساسي مؤقت يراد له أن يحكم علاقات الفترة الانتقالية أو السنوات المحدودة السابقة على الانتخابات بأجهزة حكمها التي يعينها طرفا الاتفاقية وحدهما، كترتيب استثنائي فرضته الضرورة التاريخية المعلومة، وإنما دستور متكامل ودائم، رغم تسميته بالانتقالي، حيث يُراد لإلزاميته أن تسرى حتى على فترة ما بعد الانتخابات التي يفترض أن تعبر نتائجها عن الارادة الشعبية الغالبة، مما ينعكس في سلطة تشريعية منتخبة وحكومة مكونة ديموقراطياً. بل يراد لهذه الإلزامية أن تمتد إلى أبعد من ذلك لتظل سارية حتى خلال المرحلة التي سوف تعقب انتهاء فترة السنوات الست الانتقالية والاستفتاء على تقرير المصير، بصرف النظر عما إذا جاءت نتيجته لصالح الوحدة أو الانفصال.

 

· كما لاحظ المشاركون أيضاً أن نِسَب المشاركة في (لجنة الدستور)، والتي تم تبنيها وإعلانها من جانب الطرفين ففجرت خلافاً واستقطاباً حاداً بين أطراف العملية السياسية، ليست أصلاً في الاتفاقية، وإنما تم إقحامها لاحقاً باتفاق الطرفين بعد توقيعهما النهائي عليها.

 

· ونظر المشاركون في (المادة/3/1) من (بروتوكول مشاكوس) التي تنص على أن تحكم الفترة الانتقالية بموجب "قانون أساسي basic law"، وكذلك (المادة/2/12/4/2) من (بروتوكول قسمة السلطة) التي تنص على أن تتولى مفوضية قومية تمثيلية مهمة إعداد "الإطار القانوني والدستوري ـ نص دستوريlegal & constitutional frame work – constitutional text"، كما نظروا في (المادة/2/12/4/5) من (بروتوكول قسمة السلطة) التي تنص على أن المهمة الأولى المسندة إلى هذه المفوضية هي "إعداد نص الإطار القانوني والدستوري".

 

· ومن ثم رأى المشاركون أن المطلوب والممكن، في الوقت الراهن، ليس دستوراً متكاملاً ودائماً لحكم السودان على حالي الوحدة أو الانفصال، وإنما (إطار دستوري) أو (نص إطار قانوني ودستوري) مبسط اقترح المشاركون:

(1) أن يحكم فترة السنوات الثلاث الأولى من الاتفاقية، وهى الفترة التي تسبق الانتخابات بموجب (المادة/2/8/3) من (اتفاقية قسمة السلطة)، وما يُفهم من (المادة/3/3) من (اتفاقية حسم النزاع في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق)، علاوة على ما اتفق عليه بشأن موعد الانتخابات ضمن مفاوضات الحكومة مع التجمع بمشاركة الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان.

(2) أن يشمل كل ما ورد في الاتفاقية من ترتيبات خاصة بالإقليم الجنوبى والمناطق الثلاث.

(3) أن يتضمن نصاً يتواثق الأطراف كافة بموجبه على خوض الانتخابات في نهاية السنة الثالثة بالالتزام التام بأن تعمل الهيئة التشريعية المنتخبة، والحكومة المنتخبة، والمفوضية التي سوف يناط بها وضع الدستور الدائم، وسائر الأجهزة التي سوف تشكل ديموقراطياً، على مواصلة التقيد بتنفيذ ما ورد في الاتفاقية من ترتيبات خاصة بالإقليم الجنوبى والمناطق الثلاث حتى نهاية الفترة الانتقالية وإجراء الاستفتاء على تقرير المصير. كما ويتواثقون بموجب هذا النص الملزم على تضمين كل ما ورد في الاتفاقية من ترتيبات خاصة بالإقليم الجنوبى والمناطق الثلاث في صلب أي دستور دائم يوضع لاحقاً في ظل سلطة منتخبة ديموقراطياً.

 

· هذا من جهة، وأما من الجهة الأخرى فقد رأى المشاركون ضرورة تشكيل (لجنة الدستور) أو (مفوضية الدستور) بأوسع مشاركة من كل أطراف العملية السياسية في البلاد، وبنسب عادلة ومعقولة تعكس التنوع والتعدد الذى يذخر به السودان، حيث أثبت الدرس الأساسي لخبرة التاريخ الوطني المتراكمة أنه لا يمكن أن تقوم قائمة لأي ترتيبات دستورية بدون هذه المشاركة الواسعة، وأن أي نص دستوري يصدر بالتجاوز لهذا الدرس البسيط أو إغفاله لن ينتج عنه في النهاية سوى جهد مهدر، بل لن يكون حظه من احترام المواطنين بأفضل من حظوظ غيره من النصوص الدستورية التي سعت الأنظمة الشمولية المتعاقبة لفرضها دون جدوى.

 

· وانتقد المشاركون نقص المسودة نفسها وقصورها في ما يتعلق بالحريات الأساسية والحقوق العامة، وعدم دقة وكفاية الضمانات اللازمة لتأكيد سيادة حكم القانون واستقلال القضاء، علاوة على الإجحاف بمطالب وحقوق التكوينات القومية والمجموعات السكانية في حكم أقاليمهم، والمشاركة في أعلى مستويات الحكومة الاتحادية، وغيرها من القضايا.

 

· كما انتقد المشاركون اعتماد المسودة للمنهج الشمولي في التبويب بتقديم الجهاز التنفيذي على التشريعي مثلاً، على عكس تبويب اتفاقية السلام نفسها، ورأوا أن ذلك لا يقتصر على الإخلال من حيث الشكل، فحسب، بأحد أهم أهداف الاتفاقية المتمثل في إنجاز (التحول الديموقراطي)، وإنما يرقى إلى المساس بالمضمون نفسه.

 

· وناقش المشاركون أيضاً مخالفة المسودة للقواعد الواجبة الإتباع في الدساتير والقوانين، وتكرارها لبعض الأحكام، واكتظاظها بالكثير من الركاكة اللغوية، والتعابير الغامضة، والصياغات الفضفاضة غير المنضبطة لجهة الاصطلاح الدستوري ووجوب توحيده، كما في عبارة (تتجسد سيادة الأمة في شعبها)، ضمن المادة/2، حيث لا يكاد يُعرف ما المقصود (بالأمة) وما المقصود (بشعب الأمة)، وذلك بالمفارقة للنص المستقيم المجمع عليه في الفقه الدستورى وهو (السيادة للشعب يمارسها وفق الدستور). كما يتبدى هذا الاضطراب أيضاً في استخدام لفظ (الإزاحة) غير المعتاد في الاصطلاح القانوني بدلالة (العزل)، وفي المراوحة بين مفهوم (الديموقراطية) ومفهوم (الشورى)، وبين استخدام كلمة (ناخب) مرة، و(ناخب مؤهل) مرة أخرى، وكذلك بين عبارة (مؤسسة الرئاسة) حيناً، و(رئاسة الجمهورية) حيناً آخر، والاكتفاء بلفظ (الرئاسة) في بعض الأحيان. وإلى ذلك أيضاً الاستخدام المتطابق لمصطلحي (السلطة القضائية القومية) و(الهيئة القضائية القومية)، وكذلك (السلطة التشريعية القومية) و(الهيئة التشريعية القومية)، والإشارة لأحزاب بعينها بالمخالفة لعمومية النص الدستوري صياغة وتطبيقاً، وارتباك بعض النصوص، مبنى ومعنى، في ما يتعلق، مثلاً، بخلو منصب رئيس الجمهورية والنائب الأول لرئيس الجمهورية قبل الانتخابات، وما إلى ذلك.

 

· ولاحظ المشاركون أن من شأن مثل هذه الصياغات أن تفضي إلى الكثير من اللبس واختلال المعاني والمقاصد، مما يرتب، في الممارسة العملية مستقبلاً، لنزاعات غير مرغوب فيها حول التفسير والتأويل.

 

· وبالنتيجة خلص المشاركون إلى جملة أفكار وتوصيات ضمنوها الإعلان التالي:

 

أولاً: مبادىء عامة

· أكد المشاركون أن أمر الدستور يهم شعوب السودان كافة، وبكل قطاعاتها وقواها الفاعلة في مفاصل حياتها الأساسية. ولهذا فإن استئثار طرفي اتفاقية السلام الشامل وحلفائهما بالثقل الغالب في إعداد وإجازة الدستور الانتقالي لا يوفر الاحترام اللازم لهذه الوثيقة، ولا يضمن تنفيذ ما يرد فيها من أحكام. ومن ثم أجمع المشاركون على ضرورة الاشتراك الواسع لكل القوى السياسية والاجتماعية السودانية في صياغة الإطار الدستوري الانتقالي بنسب عادلة ومعقولة يتفق عليها، تحقيقاً للإجماع الوطني، ووفقاً لمعايير الديمقراطية.

 

· أكد المشاركون تأييدهم بوجه عام لاتفاقية السلام الشامل بالتركيز المخصوص على إنجازها الأبرز في وقف الحرب في الجنوب، مما اعتبروه خطوة نوعية متميزة نحو وقف كل المجابهات الحربية في مناطق البلاد الأخرى وفتح الطريق أمام تطورها السلمي. كما أكدوا التزامهم التام بكل الحقوق والمكتسبات التي حصل عليها الجنوب والمناطق الثلاثة (جنوب كردفان + النيل الأزرق + أبيي ) بموجب الاتفاقية، وبضرورة تضمينهاالإطار الدستوري للفترة الانتقالية. وأكدوا، في الوقت نفسه، على أن هذا الالتزام لا يحجب حق القوى السياسية السودانية في رسم هياكل السلطة وتحديد مستويات الحكم في الشمال، والإسهام في وضع المبادىء والموجهات التي تحكم الدولة السودانية.

 

· أكد المشاركون على ضرورة أن تقوم سياسات الدولة كافة على مراعاة التنوع العرقي والديني والثقافي واللغوي، من جهة، والتعدد السياسي والحزبي من الجهة الأخرى، والحريات والحقوق وسيادة حكم القانون والفصل بين السلطات من الجهة الثالثة، وذلك كأساس لا غنى عنه لتكريس الممارسة الديموقراطية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي وقبول الآخر.

 

· شدد المشاركون على أهمية تعزيز الروح الدستورية (constitutionalism) كقيمة لا تقل عن الدستور نفسه في ما يتصل بتأكيد حقوق المواطنة والمشاركة. وأكدوا في هذا الاتجاه على ضرورة نشر ثقافة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والسلام، والوحدة، بحيث يعتبر انتهاك أي من هذه القيم عملاً مداناً، ليس من الناحية القانونية فحسب، وإنما الأخلاقية والسياسية أيضاً.

 

· شدد المشاركون على أهمية أن يعكس الدستور الانتقالي الفهم المترابط وغير القابل للتجزئة في ما يتعلق بحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الفردية والجماعية، مع التشديد على الحق في التنمية الشاملة المتوازنة في جميع أقاليم البلاد، ودور الدولة في رسم السياسات القصدية المنحازة للفقراء، علاوة على إدماج منظور النوع، والمقاربة القائمة على حقوق الإنسان.

 

· رأى المشاركون عدم تضييق عملية صياغة الدستور أو تقييدها بأية قيود، وتوسيع الخيارات فيها بحيث تسترشد بحصيلة الحوار الديمقراطي بين الأطراف الوطنية على أساس التكافؤ، وعلى خلفية التجارب الدستورية السابقة وخبرات الشعوب الأخرى. كما رأوا عدم النص في الدستور على أي مصدر للتشريع، إذ أن التشريع من حق الشعب يمارسه ممثلوه المنتخبون ديموقراطياً في السلطة التشريعية، بحيث يتركز النظر على موضوع التشريع وليس على مصدره.

 

· ورأى المشاركون، انطلاقا من أهمية الدفع باتجاه جعل الوحدة خياراً جاذباً لعموم أهل السودان، ضرورة الامتناع عن إصدار أي تشريعات تفرق بين المواطنين على أساس الدين أو الثقافة أو النوع أو ما إلى ذلك، وتجميد ما هو نافذ من هذه التشريعات في الوقت الراهن إلى حين قيام هيئة تشريعية منتخبة ديموقراطياً ووضع دستور دائم للبلاد.

 

· أكد المشاركون على أهمية تهيئة المناخ السياسي من أجل ممارسة صحية ومعافاة من كل آثار الماضي ومراراته الناجمة عن الانتهاكات المنهجية لحريات وحقوق الإنسان والمجموعات المختلفة، وذلك باعتماد منهج الحقيقة والإنصاف والمصالحة الوطنية الشاملة، استهداءً بالوازع الأخلاقي والروحي في الثقافات السودانية وبتجارب الشعوب الأخرى.

 

ثانياً: الحريات العامة والحقوق الأساسية

· لاحظ المشاركون أن ما ورد بشأن الحريات العامة والحقوق الأساسية في مسودة الدستور الانتقالي لا يشمل كل الحريات والحقوق التي يجب النص عليها . كما لاحظوا أن بعض الحريات والحقوق المنصوص عليها وردت بطريقة مبتسرة وغير منضبطة الصياغة، مما يفتح الأبواب واسعة أمام التأويلات التي تتهددها بالإهدار في الممارسة العملية أو عن طريق الانتهاك التشريعي.

 

· أجمع المشاركون على وثيقة متكاملة للحريات والحقوقBill of Rights كما ينبغي أن ترد بوضوح ضمن الإطار الدستوري المطلوب، بما يحمى تمتع جميع الأفراد والجماعات بها، ويوفر لها الضمانات الكاملة والكافية ضد تغول السلطة التنفيذية، بما في ذلك الحماية القضائية المستقلة. وتتكون الوثيقة من 37 مادة شاملة لسيادة حكم القانون ـ حق المحاكمة العادلة ـ حق الكرامة الإنسانية ـ حظر التعذيب ـ حق الحياة ـ حظر الحجز والاعتقال ـ حظر الرق والسخرة ـ حق المساواة ـ حرية الرأي والتعبير والإعلام وتلقى المعلومات ـ حرية التجمع والتنظيم الاجتماعي ـ حرية تكوين الأحزاب السياسية ـ حرية التنقل ـ حرية العقيدة والعبادة ـ حق التقاضي ـ حق التعليم ـ حق الرعاية الصحية ـ حق العمل والأجر المتساوي والإضراب ـ حرمة الخصوصية ـ الحقوق السياسية ـ حقوق المجموعات الثقافية ـ حق الملكية ـ حق الجنسية ـ حقوق ذوى الحاجات الخاصة ـ حقوق الطفل ـ حق المصاب بمرض عقلي ـ حق الأسرة ـ حق الأم ـ حق المرأة ـ حق التحرر من الجوع ـ حق معاملة المتهم والمحكوم ـ حق اللجوء السياسي.

 

· وشدد المشاركون، بالإضافة إلى ذلك، على ضرورة النص بشكل آمر على التزام السودان بكل معاهدات واتفاقيات ومواثيق وإعلانات حقوق الإنسان الدولية التي صادق عليها، وأن يتم تضمينها في القوانين المحلية، وأن تراجع هذه القوانين وفقاً لهذه المعاهدات والاتفاقيات والمواثيق والإعلانات.

 

· شدد المشاركون على ضرورة توفير وسائل حماية الحريات والحقوق المشار إليها، وأول ما ينبغي النص عليه في هذا الاتجاه ليس، فحسب، تكوين مفوضية وطنية مستقلة لحقوق الإنسان، وإنما تكوينها وفق المعايير الدولية.

 

· كما شددوا على ضرورة النص الصريح على حظر صدور أي قانون لتقييد أصل أي من هذه الحريات والحقوق، وأن أي تشريع في هذا المجال إنما يصدر بغرض تنظيم ممارستها وفق ما ورد في المواثيق الدولية، وليس الانتقاص منها.

 

· وشددوا كذلك على ضرورة النص في الدستور على حظر تعديل أية مادة من مواد الحريات والحقوق إلا وفق المعايير الدولية وبموافقة ثلاثة أرباع كل من مجلسي التشريع على حدة.

 

· وشددوا أيضاً على ضرورة النص، بوجه خاص، على حظر تعطيل حق الحياة، وحق الكرامة الإنسانية، والحماية من التعذيب، وحق المحاكمة العادلة، والحماية من الرق والسخرة، وحق المسـاواة، وحق تكوين الأحزاب السياسية والتنظيمات الاجتماعية، وحرية العقيدة والعبادة، وحق التقاضي، وحماية الحريات والحقوق بوجه عام، وعلى بطلان أى تشريع يصدر بالمخالفة لما ورد في الوثيقة.

 

· كما شددوا على أنه من الضروري، حتى بالنسبة للقيد المؤقت الذى لا مناص من ضربه على بعض هذه الحريات والحقوق في حالات الطوارئ التي تهدد حياة البلاد، النص صراحة على أن يكون هذا القيد في الحدود اللازمة لمواجهة ما استدعى حالة الطوارئ فقط، وأن ينص عليه في القانون، وأن تخضع حالة الطوارئ نفسها، علاوة على القيد المترتب عليها، للرقابة القضائية المستقلة.

 

ثالثاً: استقلال القضاء وسيادة حكم القانون

· لاحظ المشاركون أن الأنظمة الشمولية المتعاقبة، بما فيها نظام الإنقاذ، قد أهدرت بصورة منهجية مبادىء استقلال السلطة القضائية في السودان، وخرقت الأسس الموضوعية للحيدة والنزاهة والمقدرة، وانتهجت سياسات الإقصاء للكفاءات والإحلال لأهل الولاء على أسس سياسية. ولذلك رأى المشاركون ضرورة مراجعة وإجراء تغييرات جذرية في هذا المرفق من القمة إلى القاعدة لإعادة بنائه على أساس الكفاءة المهنية البحتة.

 

· وشدد المشاركون، في هذا السياق، على ضرورة أن يكفل الدستور استقلال السلطة القضائية، بما في ذلك المحكمة الدستورية، لجهة الإدارة والمال وتصريف العدالة، مما يعنى أيضاً استقلال كل قاضى على حدة، وحمايته من تغول أجهزة الدولة الأخرى، واحترام أحكامه وقراراته، وتنفيذ ما يصدر منها بصفة نهائية.

 

· أوصى المشاركون أن يتم تعيين رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية ورئيس القضاء وأعضاء المحكمة العليا بعد سماع علني public hearing في مجلس الولايات، وموافقة ثلثي الأعضاء.

 

· رأى المشاركون أيضاً ضرورة أن يشترط في من يرشح لتولى القضاء توفر الكفاءة والنزاهة والاستقامة وعدم ممارسة النشاط الحزبي الصارخ والتقيد بأحكام القانون دون تمييز أو ميل أو هوى، وأن يتوفر فيه، بخاصة، شرط المنعة الأخلاقية وقوة الشخصية بما يضمن حصانته ضد أي مؤثرات خارجية.

 

· أوصى المشاركون بأن يضمن الدستور والقانون للقضاة تمضية المدة المقررة لتوليهم وظائفهم، وتوفير شروط العمل المجزية لهم، وعدم تعريضهم للإيقاف أو العزل إلا لدواعي العجز أو السلوك المشين، على أن يجرى ذلك من خلال إجراءات تراعى فيها قواعد العدالة ومعايير الشفافية.

 

· أمن المشاركون على أن تختص المحكمة الدستورية بمحاكمة رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس مجلس السلطة التشريعية القومية وقضاة المحاكم العليا في الشمال والجنوب، على أن تكون أحكام المحكمة الدستورية في هذا الشأن نافذة وغير خاضعة لموافقة السلطة التشريعية أو أية سلطة أخرى.

 

· أمن المشاركون على إنشاء مفوضية للخدمة القضائية (مجلس القضاء سابقاً). وأجمعوا على أن مهمة هذه المفوضية ينبغي أن تشمل مراجعة المظالم الناجمة عن سياسات الإقصاء والإحلال التي ظلت متبعة طوال السنوات الماضية، مما أفقد هذا الجهاز الحساس خبرات وكفاءات نادرة، وإلى ذلك وضع الضوابط واللوائح التي تخدم الانضباط في الأداء والتعيين والترقيات وفق أسس عادلة وشفافة، مع مراعاة التمييز الايجابي في التوظيف بالنسبة للنساء ومواطني الجنوب والمناطق التي عانت تاريخياً من التهميش، دون الإخلال بالشروط الواجب توفرها في من يرشح لتولى القضاء.

 

· أجمع المشاركون على ضرورة الإعلاء من مفهوم النيابة العامة لتركيز واجبها الأساسي في النيابة عن المجتمع، وليس الدولة فقط، ومراقبة وضمان تحقق المساواة وسيادة حكم القانون. وعلى حين رأى بعض المشاركين ضرورة الفصل بين منصبي وزير العدل والنائب العام، رأى البعض الآخر ألا ضرورة لهذا الفصل.

 

· أمن المشاركون على استقلالية المحاماة، وضرورة تنظيم ممارستها المهنية وهيكلها النقابي بقانون مستقل يضمن لها الكفاءة اللازمة، ويزيل كل ما يمكن أن يعيقأداءها لواجبها الأصلي في الدفاع عن الحريات العامة والحقوق الأساسية وسيادة حكم القانون.

 

رابعاً :هيكل الدولة ومستويات الحكم

· لاحظ المشاركون أن المسودة قد انتهت إلى شكل فدرالي غير متوازن asymetrical بين الشمال والجنوب خلال الفترة الانتقالية، حيث رتبت لإقليم في الجنوب بدستور وهيئة تشريعية وحكومة، شاملاً عشر ولايات، كل بدستورها وهيئتها التشريعية وحكومتها، علاوة على المشاركة في أجهزة الحكم الاتحادي، بينما جعلت الشمال كله، وبكل ولاياته، خاضعاً مباشرة للحكم الاتحادي. ولاحظ المشاركون أن المسودة بهذا قد أجحفت بحقوق أقاليم الشمال، لا من حيث الشكل فحسب، وإنما من حيث المضمون أيضاً، إذ جحدت تطلعات ومطالب عادلة لمختلف تكويناته القومية ومجموعاته السكانية.

 

· وخلص المشاركون من هذا النقاش إلى:

(1) التأمين على نظام الحكم اللا مركزي في كل أنحاء البلاد خلال الفترة الانتقالية.

(2) التأمين على نظام الحكم الإقليمي في الجنوب بكل ولاياته ودساتيره وهيئاته التشريعية وأجهزته التنفيذية وإمتيازاته الأخرى كما تنص عليها اتفاقية السلام الشامل خلال الفترة الانتقالية، وكذلك على أنصبة ونسب مشاركة الإقليم الجنوبى في مستوى الحكم الاتحادي خلال الفترة المذكورة، بما في ذلك تولى رئيس حكومة الجنوب لمنصب النائب الأول لرئيس الجمهورية.

(3) ضرورة إنشاء ستة أقاليم في الشمال لكل منها دستوره وهيئته التشريعية وحكومته، وهى: (الشمالي + الشرقي + الأوسط + الخرطوم + كردفان + دارفور)، بعدد من الولايات في كل إقليم لكل منها دستورها وهيئتها التشريعية وحكومتها، علاوة على مستويات الحكم المحلى في كل ولاية، وفق ما يرى ذلك ويقرره مواطنو كل إقليم، بحيث يتوازن الحكم الاتحادي بين الشمال والجنوب، ويقصر الظل الإداري بحسب كل إقليم وولاية ومستوى أدنى للحكم المحلى، بما يوسع من قاعدة المشاركة في الحكم ويعزز من الممارسة الديمقراطية.

(4) أن يتولى رئيس كل حكومة إقليمية، ما عدا الإقليم الذى ينتخب رئيس الجمهورية منه قومياً، منصب نائب رئيس الجمهورية خلال الفترة الانتقالية بصلاحيات يتفق عليها، مع عدم الإخلال بما ضمنته الاتفاقية لرئيس حكومة الإقليم الجنوبى بتولي منصب النائب الأول في ما عدا الحالة التي ينتخب فيها رئيس الجمهورية من الجنوب.

 

· ورأى المشاركون في ذلك تعميماً مطلوباً على بقية أقاليم البلاد للمبادىء والمناهج التي رتبت لمستويات الحكم في الإقليم الجنوبى خلال الفترة الانتقالية وفق اتفاقية السلام الشامل، مع الأخذ في الاعتبار ببعض الحقوق التي رتبتها الاتفاقية للإقليم الجنوبى بشكل مخصوص، ولأسباب سياسية تاريخية، كحق تقرير المصير، والجيش المنفصل، وبعض العلاقات الخارجية المستقلة، مما لا يجرى تعميمه على بقية الأقاليم خلال الفترة المذكورة.

 

· كما لاحظ المشاركون أنه، وبما أن الامتياز بمفوضية الأراضي والمشورة الشعبية popular consultation هو أبرز العوامل التي رتبت أوضاعاً متميزة لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، فإن تعميم هاتين الميزتين على بقية أقاليم وولايات السودان المقترحة يوسع من قاعدة الممارسة الديموقراطية ويجعل من غير اللازم تخصيص المنطقتين وحدهما بهاتين الميزتين، مما يبيح، بالتالي إدماج جنوب كردفان كولاية ضمن إقليم كردفان، وكذلك النيل الأزرق كولاية ضمن الإقليم الأوسط. وهكذا فإن المنطقتين لا تفقدان حقوقهما المكتسبة، من جهة، كما وأن من شأن هذا الترتيب، من الجهة الأخرى، تقليل رقعة التمايز بين المناطق والسكان خلال الفترة الانتقالية، مما هو مرغوب فيه لتوسيع وترجيح فرص الوحدة.

 

· وشدد المشاركون في نفس الوقت على ضرورة صون أي إمتيازات أخرى رتبتها الاتفاقية لهاتين المنطقتين أو أية منطقة أخرى، كميزات الاستفادة من الصناديق الإنمائية أو وضعية الجيوش أو ما إلى ذلك، وأن هذه الامتيازات لن تخل بوضعية المنطقتين أو غيرهما في إطار الترتيب المقترح للحكم الاتحادي ضمن هذا الإعلان.

 

· لاحظ المشاركون أيضاً أن الترتيبات الخاصة بمنطقة أبيي في اتفاقية السلام الشامل قامت على مبادرة أمريكية قدمها السناتور جون دانفورث للطرفين في 19/3/2004م، ووافق عليها الطرفان أساساً لحل نزاع أبيي، حسبما ورد ضمن (الهامش/2) على (مبادىء الاتفاق بشأن أبيي)، ص /73 من النصالعربي للاتفاقية. ومع تأمينهم على هذه الترتيبات فقد شدد المشاركون على ما ورد بشأن حقوق المسيريةوالبدو الرحل في رعى ماشيتهم والتحرك عبر منطقة أبيي بما يصون حقوقهم المكتسبة خلال قرن من الزمان، لا كحقوق مؤقتة تمارس خلال الفترة الانتقالية فحسب، وإنما كحقوق دائمة وملزمة لطرفي الاتفاقية بصرف النظر عن نتيجة الاستفتاء على تقرير المصير في نهاية الفترة الانتقالية.

 

· لاحظ المشاركون أن المسودة، وهى سابقة على قيام الهيئة التشريعية المنتخبة، تنص على أن تعين مؤسسة الرئاسة المشتركة بين الطرفين سلطة تشريعية (مجلس وطني) سابق أيضاً على الهيئة التشريعية المنتخبة، وأن يكون ذلك بنسبة 70% للشماليين + 30% للجنوبيين، بحيث يمثل المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم حالياً) بنسبة 52% (49% شماليين + 3% جنوبيين)، وتمثل الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان بنسبة 28% (21% جنوبيين + 7% شماليين)، وتمثل القوى السياسية الشمالية الأخرى بنسبة 14%، والقوى السياسية الجنوبية الأخرى بنسبة 6%. ورأى المشاركون أن هذا وضع خاطىء وظالم وينطوي على الرغبة في تكريس أوضاع شمولية تفرض نفسها حتى على الهيئة التشريعية التي سيجرى انتخابها لاحقاً.

 

· لاحظ المشاركون أن هذا الدستور المسمى (بالانتقالي) إنما هو في الواقع دستور (دائم) بموجب (المادة /222/2/أ) التي تطابق بين التصويت للوحدة والتصويت لهذا الدستور في نهاية الفترة الانتقالية، وكذلك (المادة/226/7) التي تفرض مقدماً، في حالة التصويت للانفصال، سحب المواد ذات الصلة بالجنوب فقط، واستمرار سريان بقية الدستور على الدولة الجديدة في الشمال! ورأى المشاركون في ذلك تأبيداً بغير استحقاق لترتيبات مؤقتة بطبيعتها، وقد تم وضعها بين طرفين فقط من أطراف العملية السياسية، بحيث تظل سارية بشكل دائم حتى في ما بعد نهاية الفترة الانتقالية، بل ـ وللمفارقة ـ حتى في ما بعد خروج أحد طرفيها، ليس من العملية السياسية وحدها، وإنما من إطار السودان نفسه الذى يراد لهذه الترتيبات أن تحكمه بشكل دائم!

 

· ولاحظ المشاركون أيضاً أن القاعدة الحاكمة لتوزيع السلطة بين الشمال والجنوب كما أتفق عليها بين الطرفين بالنسبة (للحكم الاتحادي) هي أن يكون نصيب العناصر الشمالية 70% والعناصر الجنوبية 30%. وقد اعتمدت اتفاقية السلام الشامل هذا التقسيم بالنسبة للهيئة التشريعية ضمن (المادة/2/2/5) لفترة ما قبل الانتخابات، وذلك بتخصيص الأنصبة بنسبة 52% للمؤتمر الوطني ـ 28% للحركة الشعبية /الجيش الشعبي لتحرير السودان ـ 14% للقوى السياسية الشمالية الأخرى ـ 6% للقوى السياسية الجنوبية الأخرى، الأمر الذى سوف ينعكس على السلطة التنفيذية بالضرورة. كما أعتمدت القاعدة الحاكمة لتوزيع هذه النسب ضمن (البند/12) من (اتفاقية وسائل التنفيذ ـ modalities) بحيث تقسم جملة نسبة الـ 52% المخصصة للمؤتمر الوطني بنسبة 49% لشمالييه ونسبة 3% لجنوبييه، وتقسم نسبة الـ 28% المخصصة للحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان بنسبة 21% لجنوبييها ونسبة 7% لشمالييها. وتبقى على حالها نسبة الـ 14% المخصصة للقوى السياسية الشمالية الأخرى، ونسبة الـ 6% المخصصة للقوى السياسية الجنوبية الأخرى.

 

ورأى المشاركون أن هذا التقسيم اعتباطي، وأن هذه النسب جزافية، وأنه لا منطق ولا مرجعية واضحة لهما. والأخطر من ذلك أن من شأنهما الإضرار بقضايا السلام الشامل والتحول الديمقراطي، إذ تنقسم البلاد بموجبهما على أساس ديني إلى شمال مسلم وجنوب غير مسلم. ومع ذلك فقد لاحظ المشاركون أن التقسيم يتلخص في أن نصيب المؤتمر الوطني من السلطة في ولايات الشمال يساوى 70%، ونصيب الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان يساوى 10%، ونصيب كل القوى السياسية الأخرى يساوى 20%، وتلك قسمة لن تقبل بها القوى السياسية الأخرى، وبعضها حركات مسلحة في الغرب والشرق، مما سيفتح الأبواب على مصاريعها أمام عدم الاستقرار، وربما إعادة إنتاج أزمة المجابهة الحربية في مناطق أخرى من البلاد.

 

· كذلك لاحظ المشاركون أن التقسيم المعتمد لنسب السلطة في الإقليم الجنوبى يتلخص في أن نصيب الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان يساوى 70%، ونصيب المؤتمر الوطني يساوى 15%، ونصيب القوى السياسية الجنوبية الأخرى يساوى 15%. أما في الولايات الجنوبية فإن نصيب الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان يساوى 70%، ونصيب المؤتمر الوطني يساوى 10%، ونصيب القوى السياسية الجنوبية الأخرى يساوى 20%. وأما في جنوب كردفان والنيل الأزرق فإن نصيب المؤتمر الوطني يساوى 55%، ونصيب الحركة يساوى 45%. أى أنه لا نصيب للقوى السياسية الشمالية الأخرى في السلطة في الجنوب، ولا نصيب لهذه القوى ولا للقوى الجنوبية الأخرى في السلطة في جنوب كردفان والنيل الأزرق! ورأى المشاركون هنا أيضاً اعتباطية وجزافية هذا التقسيم وهذه النسب، وعدم وجود أى منطق أو أية مرجعية مما يمكن أن تفسرها.

 

· ورأى المشاركون، بدلاً من ذلك كله، أن يتم الاتفاق ضمن الإطار الدستوري المبسط المؤقت المطلوب خلال الفترة الانتقالية، على النحو الآتي:

(1) تقسم الفترة الانتقالية، ومدتها الإجمالية ست سنوات حسب الاتفاقية، إلى فترتين، مدة كل منهما ثلاث سنوات، أولاهما قبل الانتخابات وثانيتهما بعد الانتخابات.

(2) السند لوجوب اكتمال الانتخابات بنهاية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية، وليس السنة الرابعة كما ورد ضمن (البند/9) من (وسائل التنفيذ modalities)، هو:

أ/ أن النص الأصلي ضمن (المادة/2/8/3) من الاتفاقية يحدد الفترة الأولى من الفترة الانتقالية بثلاث سنوات.

ب/ أن (المادة/3/3) من (اتفاقية حسم النزاع في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق) تنص على إجراء المشورة الشعبية popular consultation في المنطقتين المذكورتين بحلول السنة الرابعة من بدء تنفيذ اتفاقية السلام الشامل، على أن يكون ذلك عبر هيئة تشريعية منتخبة، مما يعنى بوضوح وجوب إجراء الانتخابات قبل حلول السنة الرابعة، أي بنهاية السنة الثالثة.

ج/ أن التاريخ الذى اتفق عليه لإجراء الانتخابات ضمن مفاوضات الحكومة مع التجمع، بما فيه الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، هو نهاية السنة الثالثة.

(3) ينص في الإطار الدستوري الحاكم لفترة ما قبل الانتخابات (السنوات الثلاث الأولى) على تعهد كل القوى التي تخوض الانتخابات بعدم المساس بالمكتسبات التي ضمنتها الاتفاقية للجنوب وللمناطق الثلاث، وأن تعتبر الاتفاقية نفسها جزءاً لا يتجزأ من هذا الإطار الدستوري، ترفق به، وتقرأ معه، وتعتبر مرجعية بالنسبة لأي شأن يخص الجنوب والمناطق الثلاث في حالة نشوء أي تعارض في النص أو التفسير أو التأويل. كما وتلتزم القوى التي تخوض الانتخابات بمواصلة أي حكومة منتخبة تنفيذ الاتفاقية حتى إجراء الاستفتاء على تقرير المصير في نهاية فترة السنوات الثلاث التالية، بما في ذلك ضمان نسب وأنصبة الجنوب في مستوى الحكم الاتحادي. ورأى المشاركون في ذلك ضمانة دستورية لاستمرار تنفيذ الاتفاقية، بما يزيل أي أساس لاعتبار المؤتمر الوطني هو الضمانة ويستوجب حذف الإشارة إليه من الإطار الدستوري.

(4) تراجع النسب الواردة أعلاه بين جميع الأطراف ليتم التراضي عليها بصورة عادلة دون الإخلال بما نصت عليه اتفاقية السلام بالنسبة لأنصبة الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، ويُضمن هذا في الإطار الدستوري لفترة السنوات الثلاث الأولى (ما قبل الانتخابات).

(5) بالعدم، حتى لا تنغلق السبل نهائياً أمام العملية السياسية والدستورية برمتها، مما يتهدد السلام والوحدة والتحول الديمقراطي بمخاطر جدية، فقد رأى المشاركون:

أ/ أن ينفرد طرفا اتفاقية السلام، بكل تحالفاتهما، بتشكيل السلطة التنفيذية خلال السنوات الثلاث السابقة على الانتخابات، وفق نسبة الـ (70% ـ 30%) المتفق عليهما بينهما، دون المساس بما ضمنته الاتفاقية للحركة.

ب/ أما في ما يتعلق بالهيئة التشريعية، خلال نفس الفترة، فعلى حين رأى بعض المشاركين تخصيص نسبة 42% لتركيبة الحكم الحالية، بكل تحالفاتها السياسية (المؤتمر الوطني والأحزاب المتوالية معه) ونسبة 28 للحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، ونسبة 24% للقوى السياسية الشمالية الأخرى، ونسبة 6% للقوى السياسية الجنوبية الأخرى، على ألا تتخذ القرارات في القضايا الكبرى (يمكن تحديدها نصاً) إلا بأغلبية 75% من الأصوات، رأى البعض الآخر ضرورة تغيير نسب المشاركة بدون تحديد، بحيث تخصص للقوى السياسية الأخرى نسبة عادلة ومعقولة بإزاء النسب التي تخصص لتركيبة الحكم الحالية بكل تحالفاتها (المؤتمر الوطني والأحزاب المتوالية معه)، إلى جانب الحركة الشعبية/الجيش الشعبي لتحرير السودان، وأن يشترط لإجازة القرارات في القضايا الكبرى (يمكن النص عليها تحديداً) الحصول على نسبة مقدرة من الأصوات، بما يبيح للقوى السياسية الأخرى إمكانية التأثير الملموس داخل المجلس الوطني المعين، من خلال دوره الرقابي والتشريعي، خلال فترة السنوات الثلاث السابقة على الانتخابات.

ج/ وإلى ذلك رأى المشاركون تمثيل كل طرف للمجتمع المدني في الشمال والجنوب، والنساء بالأخص، بصورة عادلة ومعقولة.

(6) ورأى المشاركون، بالنسبة للمفوضيات الاتحادية المستقلة:

أ/ أن تشكل ثماني مفوضيات (مفوضية حقوق الإنسان + مفوضية الدستور + مفوضية القضاء + مفوضية الخدمة المدنية + مفوضية الحقيقة والإنصاف والمصالحة + مفوضية الانتخابات + مفوضية متابعة الاستفتاء + مفوضية مراقبة الإيرادات)، وأن تكون المشاركة فيها بنسب تمكن القوى الأخرى من التأثير داخلها على غرار الوضع في الهيئة التشريعية، مع مراعاة تمثيل كل طرف للمجتمع المدني أيضاً، والنساء بالأخص، في الشمال والجنوب بصورة عادلة ومعقولة.

ب/ أن تسرى هذه النسب في ما يتصل بكل المفوضيات ما عدا (مفوضية حقوق الإنسان) بالذات، حيث رأى المشاركون أن ترجح نسبة القوى السياسية الشمالية والجنوبية الأخرى فيها على نسبة (حكومة الشراكة)، وأن تتخذ القرارات فيها بالأغلبية العادية، وذلك باعتبار أن من يتوقع منه انتهاك حقوق الإنسان هو الحكومة وليس المعارضة.

ج/ بالنسبة (لمفوضية القضاء)، وعلى حين رأى بعض المشاركين أن تشكل على أساس سياسي ضماناً لتواثق أطراف العملية السياسية على مراعاة استقلال القضاء، رأى البعض الآخر أن تشكل من شخصيات مستقلة على أساس مهني بحت، كضمان لعدم تسييس القضاء.

د/ وبالنسبة (لمفوضية الخدمة المدنية) رأى المشاركون أن تعنى بمراجعة المظالم التي وقعت منذ مطلع التسعينات ونجم عنها إقصاء جيوش جرارة من الموظفين والعمال بدعوى (الصالح العام)، وأن تعنى كذلك بإعادة بناء هذا الجهاز على أسس الاستقلال والكفاءة، مع مراعاة التمييز الايجابي بالنسبة للنساء ومواطني الجنوب والمناطق التي عانت تاريخياً من التهميش.

(7) أما بالنسبة (لمفوضية الحقيقة والإنصاف والمصالحة) فقد رأى المشاركون أن سند إنشائها هو ما ورد ضمن (المادة/1/7) من (اتفاقية قسمة السلطة)، حيث اتفق الطرفان على "بدء عملية مصالحة وطنية شاملة، وتضميد الجراح في جميع أرجاء القطر، كجزء من عملية بناء السلام". وقد رأى المشاركون، على خلفية الخبرات الوطنية السابقة، أن من غير الممكن لمثل هذه (المصالحة) المأمولة أن تنطلق من قاعدة (عفا الله عما سلف)، بل ينبغي أن تتأسس على المساءلة والمحاسبة، تسوية للمظالم، ورداً للحقوق، وجبراً للخسائر والأضرار، مادية كانت أم معنوية، وفردية أم جماعية، وخاصة أم عامة. ولهذا فلا بد من انتهاج منهج جديد يمكن الاستفادة فيه من تجارب الشعوب الأخرى، وبالأخص تجربتي جنوب أفريقيا (الاعتراف والمصالحة) والمغرب (الحقيقة والإنصاف).

(8) خلال فترة السنوات الثلاث التالية للانتخابات، والمتبقية من الفترة الانتقالية، فإن الهيئة التشريعية والحكومة المنتخبتين ديموقراطياً يلتزمان بمواصلة تطبيق اتفاقية السلام الشامل، حسب الرؤية التي طرحها المشاركون والسالف بيانها أعلاه.

 

ختاماً

توجه المشاركون بالشكر لمنظمة (أفريقيا العدالة ـ Justice Africa) على كريم تفضلها بدعوتهم، وحسن تنظيمها لهذا اللقاء التشاوري الذى أتاح لهم فرصة طيبة لعصف أدمغة مفيد حول قضية محورية كقضية الإطار الدستوري للفترة الانتقالية، مشيدين بالجهد الذى ظلت تطلع به هذه المنظمة المرموقة في تأكيد وتعزيز دور المجتمع المدني بالنسبة للتحولات الكبيرة التي تشهدها بلادنا، ومقترحين عليها العمل لتوطين نفسها خلال الفترة القادمة داخل السودان، وإطلاق نشاطها من عاصمة البلاد القومية وتأسيس فروع لها في المدن الأخرى