2001

 

SUDANESE NATIONAL CRISIS: an anthropological perspective

رؤية أنثروبولوجية لأزمة الســــودان الماثلة

أسامة عبدالرحمن النور

1999/11/25

 

 

 

 

مقدمة

تبذل في هذه الورقة محاولة لتتبع جذور الأزمة الحالية التي يمر بها السودان والتي تكاد تعصف بوحدته أرضاً وشعباً. و كان د. أسامة عبد الرحمن النور قد قدم هذه الورقة في الملتقى الثقافي الذى يقيمه دورياً المركز القومي للبحوث والدراسات القومي في طرابلس وذلك في إطار تفعيل المبادرة الليبية التي تمخض عنها إعلان طرابلس في أغسطس 1999. وكان من نتائج المحاضرة تشكيل لجنة تمهيدية للفاعليات الشعبية بالجماهيرية والدعوة إلى ملتقى جماهيري تحت شعار "الوحدة في التنوع" قدمت فيه أوراق عمل من قبل الأكادبمببن والباحثين والمثقفين السودانيين المتواجدين في الجماهيرية دعماً للسلام في السودان انعقد بقاعة الشعب في طرابلس في الفترة 25-26 نوفمبر1999  بحضور السادة سفراء مصر و يوغندا و اريتريا و السودان و أمين عام دول الساحل والصحراء والأخ سليمان الشحومى أمين الاتصال الخارجي بمؤتمر الشعب العام وما يزيد عن الألف من المواطنين السودانيين المتواجدين بالجماهيرية العظمى، وقد أصدر الملتقى بياناً ختامياً دعماً للمبادرة الليبية التي أصبحت لاحقاً الأساس القاعدي للمبادرة الليبية المصرية المشتركة.

 

السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان

في عام 1955 بدأ ما صار يعرف بتمرد الجنوب وهو التمرد الذى أصبح بداية لحرب الجنوب الأولى التي استمرت مشتعلة من حينها حتى عام 1972، وكان الصادق المهدي قد قدم، في محاضرة ألقاها في كمبالا ، قراءة لما أسماه حرب الجنوب مفترضاً أن أسبابها تكمن في السياسة الاستعمارية البريطانية. الحقيقة أنه لابدَّ من الاتفاق مع الصادق المهدي في افتراضه، ففي عام 1919 وبعد اندلاع الثورة في مصر قام البريطانيون بإضعاف الدور المصري وتقليصه في إدارة السودان وأصبحوا أكثر تشدداً في سياستهم الجديدة التي تبنوها بدءاً من عام 1920 باسم  سياسة الجنوب التي دعت فيها الإدارة الاستعمارية إلى ضرورة الفصل بين تطور شمال السودان عن جنوبه بما يؤدى إلى استبعاد إمكانية وصول عملية التمثل الكامل بين الشطرين وعرقلة انتشار المد الوطني، وهكذا بدأ تشجيع فرض اللغة الإنجليزية لغةً رسمية في الجنوب والاهتمام بالعادات والتقاليد المحلية الجنوبية، وفي هذا الإطار كتب ولسون كاش معبراً عن انزعاجه :"..تمثل الحكومة مرفقاً عادلاً ومناسباً لكل من المسلمين والوثنيين على حد سواء، وتتبنى في الجوانب الدينية موقفاً غير منحاز بشكل صارم، ولا يشكل النشاط التبشيري جزءاً من عمل الحكومة وإنما يقع عبئه على الإرساليات وحدها، وهى التي تحدد إذا ما كان أولئك الجنوبيون الوثنيون سيتركون للوقوع في قبضة الدين الإسلامي أم  يمكن كسبهم للمسيحية".

 

واكب إقرار سياسة الجنوب سّن إجراءات محددة: ففي عام 1921 تم إعفاء حكام المديريات الجنوبية البريطانيين (بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل) من حضور الاجتماعات السنوية التي تعقد في الخرطوم لحكام مديريات السودان المختلفة، وسمح لهم بدلاً عن ذلك أن يقيموا صلات مباشرة مع نظرائهم في كينيا و يوغندا. وفي عام 1922 صدر قانون الجوازات و الإجازات الذى حدد دخول الأجانب إلى السودان، وقانون المناطق المقفولة الذى حدد سفر السودانيين الشماليين إلى الجنوب بطريقة تربط التصديق بذلك بمزاج السلطة المخولة. نص قانون المناطق المقفولة، الذى تم توضيحه لاحقاً بصورة جلية في عام 1930 من قبل السكرتير الإداري بتوجيه من الحاكم العام على أن: "سياسة الحكومة في جنوب السودان تهدف إلى بناء مجموعة وحدات قبلية أو اثنية مستقلة بتركيب وتنظيم قائم على المعتقدات والعادات والتقاليد المحلية إلى المدى الذى تتطلبه احتياجات العدالة والمساواة وقيام حكومة محترمة. إن حكومة السودان ستشجع، بقدر ما أمكن، التجار اليونانيين والسوريين أكثر من الجلابة (التجار السودانيين الشماليين). السماح للمجموعة الأخيرة يجب أن يقرر دون مجاملة، ولكن بشكل تدرجي، وفقط لأفضل الجلابة الذين ترتبط مصالحهم بشكل واضح بالعمل التجاري ويلتزمون بالطرق التجارية المشروعة، ومن المهم جداً تحديد تجارتهم في المدن أو الطرق المعبدة، ويجب بذل الجهد لجعل اللغة الإنجليزية وسيلة الاتصال الرئيسة وسط السكان واستبعاد اللغة العربية كلياً".

 

هكذا أصبح للسلطات المفوضة الحق بمنح إذن السماح بمزاولة العمل التجاري في الجنوب بحكم القانون، ولها مطلق الحرية في رفض الإذن أو تجديده بعد انتهاء صلاحيته دونما تحديد للأسباب، وفي الحالات المماثلة لها الحق في إلغاء أي إذن دون إخطار وعلى المستفيد إنهاء أعماله في المنطقة المحددة في الإذن خلال وقت تحدده السلطات المختصة. وقد حاول الموظفون الاستعماريون تبرير منع السودانيين من أبناء الشمال الجغرافي مزاولة النشاط التجاري في الجنوب بالادعاء، كما عبر عن ذلك هندرسون، بأن: "الشمالي بالنسبة للإداري البريطاني أما تاجر أو تاجر رقيق، فحتى منتصف العشرينات كان البقارة مستمرين في جمع الرقيق في مناطق جنوب النهر ليبيعونهم في أسواق الشمال البعيدة، بالإضافة إلى صيد الأفيال والزراف ونهب الماشية، وعندما يعملون في التجارة البسيطة كانوا، في الغالب، يخدعون أبناء القبائل النيلية البدائية ويغشونهم ويتعاملون معهم بطريقة مزيفة. فالتاجر الجلابي كان في رأى البريطانيين شخصاً غير مرغوب فيه في الجنوب لأنه يثرى على حساب القرويين ويبيع سلعاً تافهة بأرباح عالية وينشر الأمراض الجنسية، وكان دائماً يقوم بالاحتيال على الجنوبيين، ويهدد الآن بالمضاربة تماماً كما كان يفعل الهنود في شرق أفريقيا عن طريق احتكار تجارة القطاعي والزراعة التجارية".

 

واضح بما لا يدع المجال للشك أن قانون المناطق المقفولة هدف إلى تلجيم عملية التثاقف بين شطري البلاد، غض النظر عن التبريرات التي يسوقها الإداريون البريطانيون الذين غادروا جزيرتهم البعيدة للإشراف على عملية استنزاف شعوب قارتنا الأفريقية.

 

وفي عام 1946 قدمت الإدارة الاستعمارية البريطانية مشروعاً بديلاً يستبعد سياسة الجنوب ليحل محلها سياسة يتم من خلالها بقاء سكان الجنوب الجغرافي للسودان في إطار سودان موحد على أن تتم تهيئتهم عبر الإدارة غير المباشرة والتعليم والتنمية الاقتصادية "ليقفوا أنداداً للشماليين" في المستقبل، ومن ثم جاء انعقاد مؤتمر جوبا في يونيو1947 ليُعلن بأن يكون الشمال والجنوب دولة واحدة على أساس الحكم الذاتي لجنوب السودان. وفي ديسمبر 1948 تم عقد أول اجتماع للجمعية التشريعية التي ضمت عشرة نواب منتخبين مباشرة عن المدن وعضوية اثنين وأربعين تم تعيينهم عن المناطق الريفية للشطر الشمالي واثني عشر عضواً من الشطر الجنوبي، وعين الحاكم العام عشر نواب، وتم اختيار مجلس تنفيذي من اثني عشر عضو سبعة منهم من البريطانيين.

 

اعتقادنا أن إدراك السياسة الاستعمارية البريطانية في السودان، كما هو الحال في بقية المستعمرات البريطانية، وإقرار سياسة الجنوب في عام 1920 ومن ثم الارتداد عنها وإحلال سياسة الحكم الذاتي في عام 1946 بدلاً عنها، لابدَّ ألا يكون بمعزل عن التطور الذى شهدته الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية، إذ من المعروف أن ذلك الفرع المعرفي كان قد حقق طفرة كبيرة في الفترة 1860-1880 بظهور مؤلفات المدرسة التطورية الرائدة مثل حق الأم لباخوفن، والمجتمع البدائي لتايلور، ونظم القرابة والمجتمع القديم لمورغان، وخلال سنوات قليلة بدأ الانقلاب على أسس الاثنوغرافيا أو ما صار يعرف في بريطانيا بالأنثروبولوجيا الكلاسيكية. في تلك الفترة بالذات، كما هو معروف، بدأ الاستعمار أيضاً.

 

قد لا يعنى مثل هذا التوافق الذى وددنا الإشارة إليه شيئاً في البداية، إلا أن ثمة مبادئ توحي بأن مثل هذا التوافق ما كان محض صدفة، ذلك أنه مما لاشك فيه أن ثمة توافق قد نشأ في تلك المرحلة بين الأيدولوجيا الاستعمارية والتوجهات الأيديولوجية لهذه الأنثروبولوجيا الناشئة، بمعنى أن هؤلاء المنظرين الأنثروبولوجيين كانوا بمعنى آخر بوعي أو بدونه منظرين للاستعمار، سواء ماين أو تايلور أو ليبوك، الاستثناء الوحيد هو مورغان الذى اختلف عنهم لا من حيث موقفه من التمدن بل من مجمل النظام البورجوازي كما تبلور في القرن التاسع عشر. أصبحت الأنثروبولوجيا الناشئة ممارسة جديدة، تماماً كالاستعمار العلمي، ولا معنى لها إلا من داخل الاستعمار العلمي، غرضها هو إما وصف شروط الوجود البدائي للشعوب المستعمَرة في المرحلة السابقة على وصول الاستعمار بحيث تقدم وصفاً لنمط هذا الوجود قبل أن يصار إلى القضاء عليه، أو أنها ستتناول وصف هذا الوجود كما خلقه الاستعمار، هكذا نجد ليبوك يكتب: "إن لدراسة الحياة البدائيَّة أهمية خاصة بالنسبة لنا نحن الإنجليز مواطني إمبراطورية واسعة لها مستعمراتها في كل ناحية من أنحاء العالم والتي  يشكل أبناؤها مختلف درجات المدنية."

 

ومن ثم ينقل ليبوك عن هونتر قوله: "لقد قمنا بدراسة شعوب الأراضي المنخفضة بشكل لم يقم به أي منتصر، وبشكل لم تدرس أو تفهم فيه قبيلة خاضعة للسيطرة ، فنحن نعرف تاريخهم وحاجاتهم وعاداتهم ونقاط ضعفهم بل وأحكامهم المسبقة، وهذه المعرفة الخاصة قد أتاحت لنا توفير قاعدة للإرشادات السياسية التي يمكن ترجمتها بالحذر الإداري والإصلاح اللازم في حينه". هكذا ستحاول الأنثروبولوجيا، بوصفها أحد موجودات الاستعمار، القيام بواجبات عملية، ثم عليها أن تستعمل كل مواردها وأن تتحول إلى أنثروبولوجيا تطبيقية في خدمة الشعوب، وفي كل الأحوال فان لحظة يقين الغرب من ذاته هي أيضاً لحظة يقين الممارسة الأنثروبولوجية من ذاتها، إنها لحظة الضمير الاثني الصادق.

 

الواقع أن الأنثروبولوجيا لم تصبح علماً مستقلاً إلا حين بدأت مرحلة الأبحاث الميدانية، وتفترض ممارسة الأبحاث الميدانيَّة وجود الاستعمار، لكن استطاعت الأبحاث الميدانية أن توجد مسافة بينها وبين الاستعمار وأن تسهم في تحويل الأيدولوجيا الاستعمارية ولو بدرجة نسبية. لاشك في أن دور الأنثروبولوجيا في الرؤية الاستعمارية للعالم من قبل الدول-المركز لم يتعد الدور الذى تقوم به كل بُنية فوقية، فالاستعمار ليس توسعاً وسيطرة اقتصادية، إنه سيطرة واثنية مركزية ثقافية ذلك أنه يفترض الإيمان بثقافة واحدة، وهو ما عبر عنه جاك بيرك بالقول " لقد فرضت الإمبريالية على العالم طريقة وعى في الوقت الذى كانت تفرض فيه شكل الإدارة.

 

في عام 1902 ظهر عمل سوسير "علم نفس الاستعمار" الذى حاول فيه إسناد سياسة التماثل الاستعمارية إلى مبادئ التطورية الخطية: "تقوم سياسة التماثل على حجج مغرية، إذ أظهر البدائيون مقاومة تجاه حسنات المدنية التي نحملها لهم، هكذا يقال لنا، وذلك يعود إلى أحكامهم المسبقة التي لا تسمح لهم بفهم الحسنات التي يمكنهم الاستفادة منها، والأحكام المُسبقة هذه باقية في حياتهم، وهى حصيلة وضعهم المتردي، حصيلة إيمانهم ولغتهم، فمن واجبنا أن نقضى إذاً على هذه المخلفات التي تعود إلى ماضي سحيق .. حتى نتمكن من تحقيق التماثل مع أعراق تختلف عن أعراقنا علينا أن نكون مقتنعين بقابلية تلك الأعراق للتماثل، أي علينا الاعتقاد بالوحدة التكوينية للطبيعة الإنسانية".

 

وعرَّف جيرولت، الذى انطلق من مواقف تطورية تنادى بالتماثل، التماثل باعتباره جعل الآخرين مشابهين له، ولكن التماثل عملية لا يمكن فرضها: "لأن البدائيين لا يريدون ذلك أولاً، ثم أنه لا مصلحة لنا في فرضه عليهم، ومن ثم فان فرض شكل وحيد ليس وارداً، إلا لأن لمؤسساتنا الأوربية قيمة العقيدة المطلقة التي يجب أن تنتصر مهما كانت الظروف، وبالتالي علينا أن نبرهن أولاً في العديد من الحالات على هذا التفوق".

 

وفي عام 1911 انعقد المؤتمر العالمي الأول للأعراق في لندن، وأبرزت إسهامات المشاركين مفهوماً جديداً تمثل في ما اصطلح على تسميته احتكاك الثقافات الذى مثلَّ محاولة لنفي فرضية تفوق الغرب تحت تأثير ما عُدَّ اكتشافاً لما في تعدد الثقافات من سحر وهو تعدد لابدَّ من الحفاظ عليه ما أمكن بإتباع سياسة أساسها احترام مؤسسات الشعوب الأصيلة، هكذا جاء إحلال مفهوم التثاقف بديلاً يحل محل التبشير الحامل للمدنية فكتب دوركايم في عام 1912: "إن لكلمة المدنية بالنسبة لنا قيمة واحدة، ولا نريد بأن نقر بأن بإمكانها أن تتطور على أسس اجتماعية وسياسية مخالفة لما لدينا، علينا أن نسلم أولاً بضرورة إقناع الآخرين سلفاً بهذه المواضيع  الجديدة"، وفي اعتقاده أيضاً بخصوص التبشير الحامل للمدنية أن  الحكام والإداريين والقضاة جميعهم قد انطلقوا من القناعة التي لانثنى وهى التفوق الأصلي والثقة اللا محدودة بقيمة المبادئ التي تواجه بمبادئ الآخرين والتي لا تخذلها التجربة أبداً، وأن المقاومة التي تواجههم لا تعزى إلى عدم اكتمال النظام، بل لعناد الشعوب الطفلة التي لم تدرك نوايا مربيها المُحسَّنة إليها". ومن ثم يستخلص دوركايم من ذلك ضرورة تكيف الاستعمار مع المؤسسات المحلية بإتباع سياسة بدائية متنورة تراعى الخصوصيات كافة.

 

هكذا نرى كيف أنه لا يمكن عزل الأنثروبولوجيا الوظيفية المستقبلية عن تطوير المفاهيم الاستعمارية، وهى عملية قد تمت مع مطلع القرن العشرين ومن داخل الأيدولوجيا التطورية بالذات انطلاقاً من الصعوبات التي واجهت الاستعمار. كان لابدَّ لمثل هذه الطروحات الأنثروبولوجية أن تدفع بالسلطات الاستعمارية، بفعل الصعوبات والاعتراضات والتمردات المستمرة، لأن تعيد النظر في سياسة الإدارة المباشرة بمساعدة الزعامات المحلية، وهكذا أخذت في التبلور فكرة الإدارة غير المباشرة مكان الإدارة المباشرة، وهو ما صار يعنى ليس الاعتراف بشرعية الزعامات المحلية التقليدية، بل الاعتراف بإرادة الإداريين البريطانيين في ترك الأمور الصغيرة للزعامات المحلية التقليدية (جمع الضرائب، وفض المنازعات وما إلى ذلك). كان تطبيق الإدارة غير المباشرة قد بدأ في نيجريا لأسباب محددة لن نخوض فيها هنا، على يد لوغارد الذى سجل لاحقاً خبرته في تطبيق تلك السياسة في كتابه المعنون "الانتداب المزدوج في أفريقيا البريطانية الاستوائية" الذى صدر عام 1922. أشار فردريك لوغارد إلى أنه اتبع هدفاً مزدوجاً تمثل في الإبقاء على الحكم الاستعماري وتطويره، ومن ثم إقامة علاقات جديدة بين المستعمر والشعوب المستعمَرة إلى جانب تطبيق سياسة فرق تسد. هكذا لم يكن لوغارد يسعى إلى تهيئة نيجريا للاستقلال بل أراد، حسب رأيه، أن يقوم بما يناسب المؤسسات البدائية، ومن ثم تمثلت الخطوة الأولى برأيه في إيجاد رجل صاحب تأثير وجعله زعيماً وإخضاع المزيد من القرى والأقاليم إلى سلطته، ثم جعله يفهم الكيفية التي يمد بها سيطرته وجعله يفهم معنى السلطة ومعنى المسئولية.

 

لا نعتقد بأنه يمكن إدراك أبعاد سياسة الجنوب في السودان في عام 1920 بمعزل عن التقرير الذى قدمه لوغارد إلى إدارة المستعمرات البريطانية بعنوان مذكرة سياسية جاء فيه: "من الواضح أنه يجب تطبيق هذه السياسة المشار إليها (يقصد الإدارة غير المباشرة) بشكل متفاوت خاصة بالنسبة للقبائل التي لا تعرف إطلاقا أية قيادات عليا، علينا أن نفهم هذا التنظيم القبلي وأن نعده إطاراً يمكن مستقبلا البناء على أساسه. من الأفضل دراسة القيم البدائية بعناية، خاصة تلك التي تؤثر في ذهنيتهم مع الأخذ بالحسبان إمكانية عدها عوامل مناسبة في إيجاد نظام لدارى يتناسب مع وضعية تلك القبائل". كما لا يجوز عزل إقرار سياسة الجنوب عن سياسة الإمبراطورية البريطانية في أفريقيا الشرقية حيث أخذ زملاء لوغارد في تطبيق الإدارة غير المباشرة، بخاصة كاميرون الذى عدَّ الأنثروبولوجيا جزءاً هاماً من عدة الإداري الثقافية.

 

هكذا يتضح أن مفهوم التثاقف صار مرتبطاً بالحقيقة الاستعمارية وبمحاولة المدرسة الوظيفية البريطانية لجعله مفهوماً مقبولاً، فالاستعمار بالنسبة للأنثروبولوجي الإداري ممارسة وسياسة لا بد من إتباعها، من ثم تولدت الأنثروبولوجيا التطبيقية من رغبة المدرسة الوظيفية في تطبيق عملها على السياسة الإدارية، ألم يكن مالينوفسكى أحد الذين ركزوا بشدة على القيمة التطبيقية للأنثروبولوجيا فكتب في عام 1922: "يمكن استخدام كل فرع معرفي، بتطبيقه أول الأمر في الإدارة العمليَّة، في المجال الخاص به، وثانياً بفتحه أفقاً أرحب في مجاله، يبيح لنا بناء نظرية أكثر تطابقاً مع الظاهرة قيد الدراسة. إن لدراسة القبائل المتوحشة والملونة قيمة عملية، فهى تعنى في المقام الأول بغايات الإدارة الاستعمارية والعلاقات بين الشعوب البيضاء والشعوب الملونة، كما يمكن للدراسات الاثنية، ثانياً، أن توسع نظرتنا حول الطبيعة الإنسانية، مما يبيح لنا بناء نظرية اجتماعية عينية تتناول مستقبل السلوك العلمي للأعمال الإنسانية".

 

الأمر كذلك لا يجوز عد الأنثروبولوجيا التطبيقية مدرسة أعقبت الوظيفية أو أنها مدرسة تأسست إلى جانب التحليل الأكاديمي، بل أنها الوظيفية بقدر ما تعي نفسها علماً له طموحاته التطبيقية. الواقع أنه يجوز القول بأن معظم الأعمال الأنثروبولوجية التي تمت في تلك الفترة قد ارتبطت بهذا الاتجاه الجديد، هكذا وضع سيلجمان في عام 1932 بطلب من حكومة السودان الاستعمارية كتابه قبائل السودان النيلية الوثنية، كما كتب ايفانز برتشارد بطلب أيضاً من حكومة السودان كتاب النوير. ويجدر التنويه للإطراء الذى عبر عنه مالينوفسكى لقيام الأنثروبولوجيا التطبيقية في أفريقيا معلناً بذلك عن تأييده لسياسة الإدارة غير المباشرة ومبادئها العامة قائلاً: "إن النتيجة الحاسمة للخلاف بين الإدارة المباشرة والإدارة غير المباشرة هي إتاحة المجال لدراسة الصيرورات المختلفة التي يبلغ بها التأثير الأوربي قبيلة أصلية، إن الفارق الحقيقي بين الإدارة المباشرة والإدارة غير المباشرة يتمثل في افتراض الأولى امتلاكها القدرة على خلق نظام جديد وبضربة واحدة، وعلى تحويل الأفارقة إلى أوربيين مزيفين أو متمدنين مزيفين في سنوات قليلة. أما الإدارة غير المباشرة فهي عل يقين من استحالة تحقيق تحول سحري من هذا النوع والواقع أن كل تطور اجتماعي هو تطور بطئ تدريجي نابع من الداخل".

 

ما هي المستجدات التي أدت إلى التحول من سياسة الجنوب إلى سياسة الحكم الذاتي في السودان؟

في عام 1944 نشر هرسكوفيتز بحثه الهام عن الحكم الذاتي الوطني الذى وجه فيه نقداً لاذعاً للطروحات الاستعمارية مهاجماً بشدة سياسة الإدارة غير المباشرة الليبرالية والإمبريالية المتنورة التي دافعت عنها المدرسة الوظيفية. أشار هرسكوفيتز إلى أن المدرسة الوظيفية أبرزت وجود مؤسسات سياسية في المجتمعات كلها (مشيراً إلى عمل ايفانز برتشارد عن النوير وإلى كتاب النظم السياسية الأفريقية الذى أشرف عليه فورتس بالتعاون مع برتشارد)، إلا أن الوظيفيين لم يستنتجوا، في رأيه، من ذلك النتائج الممكنة كلها، فالمجتمعات الأفريقية قادرة على حكم ذاتها بذاتها طبقاً لتقاليدها السياسية الخاصة، ويقول بأنه "مهما كانت هذه الأنظمة السياسية، معقدة أو غير معقدة، مرتبطة بمجتمعات كبيرة أو صغيرة، فهي قادرة على ملئ وظائف الدولة كما تفهمها، أي قادرة على مراقبة علاقات الإنسان بنظرائه، وعلى تنظيم المعركة نحو السلطة وظيفياً".

 

يعود الفضل إلى هرسكوفيتز في اختراع مصطلح نسبية الثقافة الذى وجه ضربة للأنثروبولوجيا التطبيقية الاستعمارية. فمنذ عام 1925 اقترح الأنثروبولوجيون الأمريكيون من أمثال سابير، وبواس، وكرويبر تمييزاً بين ثقافات أصلية وثقافات غير أصلية تعيش الأولى منسجمة ومتوازنة في تطابق كلى مع ذاتها، على عكس الثانية التي تحيل الإنسان إلى حالة من الصدأ، كما تولد الكبت والاغتراب. ونجح هرسكوفيتز في كتابه الإنسان وأفعاله من تطوير هذا المفهوم الذى لم يكن سوى خطوط لدى زملائه الأمريكيين: "كيف يمكن إطلاق أحكام قيمية على هذه الثقافة أو تلك، أو على الثقافة البدائية بشكل عام طالما أن هذه الأحكام مبنية على التجربة، وطالما أن كل  فرد يفسر التجربة  بحدود  تثاقفه  الخاص".

 

هكذا فان هرسكوفيتز يقول بعدم وجود تجربة حسية كانت أم فنية أو دينية الخ. بذاتها طالما أن كل تجربة هي نسبية بالنسبة لنسق المجتمع الثقافي، وطالما أن كل مجتمع هو نظام تجربة وأحكام. هكذا أعلنت الأنثروبولوجيا هجومها على الاستعمار ومدرسته الوظيفية وما سمي بالإدارة غير المباشرة بوصفها تنطلق من وهم إطلاق أحكام معللة على ثقافات أخرى، أحكام أصبحت قاعدة للممارسات الاستعمارية.

 

أحالت الأنثروبولوجيا التطبيقية في العشرينات الحقيقة الاستعمارية إلى نوع من الاحتكاك الثقافي بين ثقافات مختلفة. أما بعد تبلور الأنثروبولوجيا الجديدة فلا أحد يتكلم عن تغير ثقافي بل عن تغير اجتماعي، وليس الاستعمار أكثر من مجرد مظهر من مظاهر التغير الاجتماعي. وفيما انصب التركيز سابقاً على التواترات والمتناقضات التي يخلفها الاحتكاك الثقافي، جرى في نهاية الثلاثينات التركيز على عالمية التغير الاجتماعي وطبيعته، هكذا رأى فورتس في الاحتكاك الثقافي "نمطاً من أنماط صيرورات التفاعل الاجتماعي الأخرى سواء أكانت في المجتمعات التي تعرف الكتابة أم في مجتمعات لا تعرفها، فهو مستمر في المناطق الأفريقية التي طرقها البيض منذ قرون، وفي تلك التي لم تدخل إلا منذ الأمس القريب مجال اهتمامهم".

 

تحت وطأة التغير الذى أصاب الفكر الأنثروبولوجي بعد الحرب العالمية الثانية اضطر المسئولون الاستعماريون البريطانيون إلى إجراء مراجعة كاملة لسياساتهم وإلى البحث في مسألة الإدارة غير المباشرة بالذات، وكانت المراجعة قد بدأت بعد تولى حكومة العمال السلطة في بريطانيا في عام 1945، فما أن وصل العمال إلى سدة الحكم حتى تم تحويل الإدارة غير المباشرة إلى حكم ذاتي "إن مبدأ الإدارة بواسطة السكان المحليين وبواسطة مؤسساتهم القديمة أو الجديدة مبدأ لا يمكن التخلي عنه. كما يجب الاعتراف أيضاً بأن التطور غير ممكن إلا بتطعيم طموحات الأفارقة بإسهام العنصر الأكثر دينامية والأكثر مرونة تجاه شروط التغير الراهنة. لا يعنى ذلك كبح هذه السياسة بواسطة المحافظة التقليدية التي تتميز بها المجتمعات الأفريقية، تلك المحافظة التي كانت في مبدأ الإدارة غير المباشرة. يجب على السياسة أن تتخطى رغبات التغير والتكيف الخاصة بالأفارقة. على جهاز الإدارة المحلية أن يضع المشاريع التي تسهم بتقدم اجتماعي واقتصادي في الوقت الذى ننمى فيه أيضاً وعى الشعب السياسي. لذلك لا يمكن القبول بالجهاز التقليدي ما لم يتم تطويره".

 

انطلاقاً من إعلان المبادئ هذا شرعت الحكومة العمالية في تطبيق سياسة الإدارة الذاتية في أفريقيا، وتحت ضغط الانتفاضات المستمرة في جنوب السودان (الدينكا، والزاندى، والنوير، والنواك، والبويا بدءاً من 1901 حتى 1929، وانتفاضة التبوسا التي قضى عليها فقط في 1926، والانتفاضات المستمرة في جبال النوبا حتى عام 1948 حين تمت تصفية آخر جيوب مقاومة الليري في جبال ثلش) اضطرت الإدارة الاستعمارية إلى إلغاء سياسة الجنوب وإعلان مشروع الحكم الذاتي في إطار سودان موحد.

 

رؤية أنثروبولوجية لصراع القوى السياسية

انطلاقاً مما قلناه عن طبيعة التركيبة الاثنية الثقافية وعن السياسة الاستعمارية، بإمكاننا الآن أن نلقى نظرة أكثر عمقاً على السجال السياسي- الأيديولوجي في السودان شماله وجنوبه. نقول بداية أن رؤيتنا ترفض النظرة التقليدية لما يسمى قضية الجنوب أو مشكلة الجنوب، ومن ثم سيتم تناول السجال السياسي-الأيديولوجي السوداني كلاً موحداً في الجنوب والشمال، سجالاً يشمل قوى نسميها تفكيكية في الشمال والجنوب في آن معاً ، وقوى نسميها توحيدية شمالية وجنوبية على حد سواء.

 

نود أولاً أن نشير إلى أن هذا التصنيف الذى سنعتمده كما هو مبين أعلاه لا يعبر عن الواقع الفعلي وسط الجماهير السودانية عموماً، لكننا نشير به إلى الواقع السائد وسط النخبة المتعلمة والفاعلة في الحركة السياسية والفكرية والتي قامت بدور رئيس في بلورة وجدان شعبي يظهر قدراً من ما يعرف في الأنثروبولوجيا بمصطلح الاثنية المركزية التي تمثل نزعة تتلخص بموقف من يعتقد أن نمط حياته أفضل من الأنماط الأخرى كلها، إنها نزعة تتميز بالسذاجة ولا تجد لها مبرراً، ونقول بأن مثل هذه النزعة الفردية في احتقار أو سوء تقدير الثقافات الأخرى أمر لازم كل الثقافات ولا يميز، أنثروبولوجيا، ثقافة دون غيرها. إلا أن هذه النزعة الاثنية الضيقة، بفعل سلوكيات النخبة السياسية والفكرية في السودان، أصبحت قضية لا يجوز إغفالها وتجاهلها لدى محاولة إلقاء نظرة أنثروبولوجية لأزمة السودان الماثلة. الأمر كذلك نعتقد أنه آن لنا وقد أصبحت وحدة الأمة السودانية في خطر أن ننظر إلى الأزمة بتجرد علمي انطلاقاً من مقولة فرانسيس دينق "ما يفرق السودانيين هو ما لا يقال". أثناء تحضير هذه المحاضرة حظيت باستلام نسخة من كتاب منصور خالد الجديد "جنوب السودان في المخيلة العربية"،  أشار فيه محقاً إلى أننا إذا "كنا حقاً نسعى للتصالح مع النفس، فان التصالح مع النفس يستوجب الصراحة والوضوح كما يستلزم الأمانة الفكرية والسماحة نحو الآخر، ولأهل الفكر دور في هذا. التصالح مع النفس أيضاً يزيل التناقض الداخلي الذى هو مبعث حيرة أهل الجنوب والشمال أغلبهم، حول ماهيتهم". ويستمر منصور ليقول بصدق أن هذه الأمور لا يجوز تركها لأهل السياسة رغم أثرها على السياسة  لاعتقاده بأن "السياسة أهم من أن تترك للسياسيين ويتوجب على المفكرين والمثقفين الحقيقيين أن  يبحثوا عن الدلالات المتسامية للتاريخ".

 

اعتقادنا أنه يمكن تحديد نشوء تيارين فكريين رئيسين في السودان مع تفرعات لهما، تم تبلورهما منذ سنوات سابقة للاستقلال، التيار الأول ننعته هنا بصفة تعبر عن محتواه الفعلي .. التفكيكى، بلورته سلوكيات وكتابات نخبة من المثقفين في الشمال الجغرافي انطلاقاً من نزعة مركزة عروبية إسلامية، في حين تبلور في الجنوب الجغرافي في سلوكيات و كتابات النخبة المنطلقة من نزعة مركزة أفريقانية. ينطلق دعاة النزعة العروبية الإسلامية من حقيقة أن الغالبية من أهل الشمال الجغرافي هم من الكوشيين المستعربين والعرب والذين يمثل الدين الإسلامي القاسم المشترك الأعظم بينهم، ومن ثم يدعى دعاة هذه النزعة المنغلقة أن الهُويَّة الغالبة في السودان هي هُويَّة عربية إسلامية، في حين يؤلف السودانيون الآخرون الذين لم تتم عملية استعرابهم أقليات غير محددة الهُويَّة يستحقون المعاملة كأهل عهد، على حد تعبير الصادق المهدي في مقابلة له مع محطة شبكة الأخبار العربية في يوليو 2000 الماضي، في سودان عربي مسلم. وهكذا يفترض دعاة هذا التيار وجوب رضوخ تلك الأقليات للأمر الواقع المتمثل في هيمنة الأغلبية الحاملة للثقافة العربية الإسلامية مع التأكيد بالاحتفاظ لهم، بهذا القدر أو ذاك، بحقوق تقرها الأغلبية العربية والمستعربة المسلمَّة، وهى حقوق يختلف حول مداها دعاة هذا التيار، لكنه وفي كل الحالات فان الهدف النهائي لدعاة هذا التيار على اختلاف مدارسهم هو استكمال عملية التمثل الأحادية (تعريب) الأقليات وذوبانها نهائياً في الأغلبية العربية والمستعربة المسلمة بضربة واحدة، على حد تعبير مالينوفسكى، وفي أسرع وقت الشئ الذى يفرض اللجوء إلى إتباع كافة وسائل العنف والقسر، وهو ما يميز برنامج حزب الأقلية السياسية الحاكم في السودان حالياً والذى يحاول من خلال مشروعه المسمى التوجه الحضاري الإسلامي فرض عمليَّة التعريب والأسلَّمة فوراً عن طريق الجهاد المُدعى. أما الليبراليون من دعاة تيار النزعة العروبية الإسلامية فإنهم ينظرون إلى استكمال عملية التمثل بمفهوم مالينوفسكى للتثاقف.."ان كل تطور اجتماعي هو تطور بطئ ومن الأفضل تحقيقه بتغير بطئ متدرج نابع من الداخل". تتبدى النزعة العروبية الإسلامية ذات المسحة الليبرالية في كتابات الكثيرين من مفكريها والتي صدرت منذ سنوات سبقت الاستقلال، هكذا نجد محمد أحمد محجوب، أحد أميز قادة الفكر السياسي في حزب الأمة يكتب في عام 1941 "إن المثل الأعلى للحركة الفكرية في هذه البلاد هو أن تكون حركة تحترم تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وأن تكون ذات مظهر عربي في تعبيرها اللغوي، وأن تستلهم التاريخ القديم والحديث لأهل هذه البلاد وتقاليد شعبها. هكذا يمكننا أن نخلق أدباً قومياً، وسوف تتحول هذه الحركة الأدبية فيما بعد إلى حركة سياسية تفضي إلى الاستقلال السياسي والاجتماعي  والثقافي".

 

هكذا تبدو اطروحات الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية واضحة في خطاب المحجوب الذى لم يدرك مفهوم الاستقلال إلا من خلال ذاته وهُويته العروبية الإسلامية، ففات عليه أن الاستقلال بالنسبة للمجموعات السودانية الاثنية الأخرى، التي لا بدَّ وأن تؤلف جزءاً من الأمة السودانية، كان مرتبطاً بنمط وجود مختلف منذ أزمان سبقت الهجرات العربية الوافدة في أوقات لاحقة إلى السودان، فات عليه أن الاستقلال هو الإصرار على إرادة عيش حسب قيم خاصة، قيم لذاتها وليس بحال غرس تفوق قيم عربية إسلامية، تجاهل المحجوب حقيقة أن جوهر الاستعمار هو العنف في حالته الطبيعية وان إزالة الاستعمار التي يطمح إليها السودانيون تعنى النفي الفعلي لهذه الواقعة، فلو أدرك المحجوب ذلك لعرف أنه نتيجة هذا العنف الذى يرفض السيطرة لا يمكن اعتبار إزالة الاستعمار مجرد إعادة امتلاك للسلطة السياسيَّة والثروات الاقتصادية، فات عليه أن على السودان أن يعيد بدء تاريخه من حيث أهمله البريطانيون.

 

في الوجه الآخر لعملة النزعة العروبية الإسلامية تنطبع النزعة الإسلاموية الأصولية المنبتة الجذور، على حد قول أديبنا الكبير الطيب صالح الذى أذهله وصولهم اللا شرعي إلى السلطة عبر انقلابهم العسكري المشئوم على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، فصاح بأعلى صوته متسائلاً من أين أتى هؤلاء؟ يكفي أن نكرر ما قاله عبدالله بولا من أن هذا النظام الإسلاموي الأصولي هو الوحيد من بين كافة الأنظمة الانقلابية في السودان الذى تجرأ معلناً أنه جاء قسراً بالرغم عن إرادة الشعب لأن الشعب متخلف وجاهل بأمر دينه وأنه شعب فاسد العقائد في معنى أن إسلامه مدخول بعقائد وثنية وخرافات لا مكان لها من الإعراب في العقيدة السليمة المستقيمة، كما أن  قطاعات كبيرة منه ليست على دين أصلاً.

 

تتجلى الملامح العامة للفكر السياسي للجبهة الإسلامية القومية الحاكمة في كتابات مرشدها ومنظرها الأول حسن الترابي، ثم في برنامجها الذى صيغ في فترة الديمقراطية الثالثة على ضوء أفكاره. يرى الترابي في التعدد الاثني والثقافي الهائل الذى حبا الله السودان به قدراً سيئاً وابتلاءً من الله فيقول: "كان قدَّرنا في السودان أن نبتلى ببلد معقد البناء يكاد يمثل كل الشعوب الأفريقية بلغاتها و سحناتها وأعراقها وأعرافها". مثل هذا الخطاب الاستعلائي لا يمكن أن يقود إلا إلى نفي كامل للثقافات السودانية الأخرى غير العربية.

 

يتكرر هذا التيار التفكيكى بصورة معاكسة في الجنوب الجغرافي داعياً إلى نفي الثقافة العربية الإسلامية انطلاقاً من نزعة مركزة أفريقانية، يرى دعاته ، بفعل السياسة الاستعمارية من جانب وكرد فعل لتيار النزعة العروبية الإسلاموية من جانب ثان، ضرورة فصل الشطر الجنوبي عن الشمال حفاظاً على هُويَّة المجموعات الاثنية الثقافية الأفريقية النيلية والسودانية المهددة والتي تؤلف في اعتقاد دعاة هذا التيار مركباً اثنيا ثقافياً يتباين تماماً عن المركب الاثني الثقافي في الشمال الجغرافي للسودان.

 

التيار الثاني الذى نسميه هنا التوحيدي يمثله في الشمال والجنوب معاً دعاة النزعة السودانوية الذين يرون في الهُويَّة السودانية ناتج عمليات تماثل غير أحادى بين الثقافات الكوشية الأصيلة في الشمال الجغرافي للسودان مع الثقافة العربية الإسلامية الوافدة، وناتج عملية التثاقف بين الثقافات النيلية الأصيلة في الجنوب الجغرافي والثقافات الناشئة في الشمال الجغرافي بفعل عمليات التماثل التي تمت. أدت عمليتا التماثل والتثاقف إلى نشوء مركب اثني ثقافي متنوع وفريد في طبيعته يؤلف الهُويَّة السودانية الحالية والتي تمتلك القدرة على صياغة مشروع لبناء الأمة السودانية.

 

نظرياً يبدو ممكناً القول بأن دعاة التيار التوحيدي في الشمال الجغرافي ينتمون إلى مدرستين، الأولى ذات طابع يبدو لنا توفيقياً إلى حد ما ويحاول أتباعها، على حد تعبير عبدالله بولا، تقويم اعوجاج منهجية رؤية إشكالية الهُويَّة. خير مثال لهذه المدرسة نجد التعبير عنه في كتابات وأشعار محمد المكى ابراهيم، والراحل محمد عبدالحى، والنور عثمان أبكر وغيرهم من شعراء ما صار يعرف بمدرسة الغابة والصحراء والذين انطلقوا من قول محمد المهدي المجذوب :

عندي من الزنج أعراقٌ معاندة     وإن تشدَّق في أشعاري العربُ

فاختاروا سنار مصهراً لهم لصياغة الهُويَّة السودانية ومرجعاً ونموذجاً لاستعادة الأصالة الكوشية الأفريقية

سأعود اليوم يا سنار حيث الرمز خيط

من بريق أسود ، بين الصدى والصوت

بيت الثمر الناضج والجذر القديم

بدوى أنت ؟

لا،

من بلاد الزنج ؟

لا،

أنا منكم ، تائه

عاد يغنى بلسان

ويصلى بلسان

 

العودة إلى سنار تحمل لدى هؤلاء من أرباب هذه المدرسة معنىً كامناً يشير إلى التمازج الاثني والثقافي، فسنار هي عاصمة أول مملكة إسلامية في السودان، ملوكها من الفونج الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام وارتضوه ديناً وادعوا لأنفسهم نسباً أموياً وهمياً سطره لهم السمرقندى الفقيه القادم من آسيا الوسطى كما أشرنا إليه في حينه. إلا أن خطاب شعراء الغابة والصحراء يقدم، في حالة النظر إليه بتمعن، مشروعاً أنثروبولوجيا لا مجال فيه لمشروعية الاختلاف ثم الاستمرار في البقاء في إطار الأمة السودانية الواحدة كما أشار إلى ذلك في وقت سابق عبدالله بولا، إنه مشروع يفترض اكتمال عملية التمثل شرطاً للهُويَّة والثقافة السودانية التي تصبح هجيناً أفرو- عربياً. وكان عبدالله على ابراهيم قد ذهب إلى القول بأن ضرورات التساكن القومي قد تلزم الجنوبيين إلى اكتساب اللغة العربية أو عادة عربية إسلامية غير أنهم، على حد تعبيره "سيقاومون كل ميل لجعلهم يتبنون نسباً عربياً إلى جانب نسبهم الأصيل الأفريقي المؤكد، وستبدو لهم الدعوة إلى إعادة إنتاجهم عبر التمازج الثقافي كطبعة لاحقة لإنسان سنار نوعاً من الغش الثقافي لا الحوار".

 

كانت مملكة سنار، السلطنة الزرقاء، قائمة على أساس تحالف كونفدرالي بين الفونج في الجزيرة والعرب العبدلاب في الشمال بعاصمتهم في قرى، ووصف تريمنجهام السلطنة الزرقاء بأنها "كانت كونفدرالية هشة الترابط أكثر منها دولة، ما كان هناك تمركز للسلطة ولا كانت هناك مؤسسات مشتركة، فقط الأرض بين النيلين (الأبيض والأزرق) كانت تحت الحكم المباشر لسنار، إذ احتفظ الفونج بحكام الأقاليم ملوكاً تابعين وسمحوا للمؤسسات المحلية بالاستمرار".

 

فالآفرو-عربية بنموذجها السناري قد تحمل معنى البنية السياسية القائمة على أساس الكونفدرالية، رغم أن شعراء الغابة والصحراء ما عبروا عن ذلك مطلقاً. اللافت للانتباه أن دعاة العروبية الإسلاموية الأصولية، كعادتهم دوماً في إفراغ المفاهيم من محتواها حين تجد لها رواجاً، أخذوا هم أيضاً في التعبير عن حنين العودة إلى سنار لكن بمعنى جد مختلف، هكذا انبرى حسن مكي- أحد أبرز مفكري الجبهة الإسلامية القومية- ليقول في كتابه  "الثقافة السنارية" برفض كل ما قبلها من ثقافات بحسبانها مجرد ثقافات جهل وانحطاط. ويحاول حسن مكي  وشيخه حسن الترابي في الآونة الأخيرة، تحت الإحساس بالإحباط بالفشل الكامل الذى تعرض له مشروعهما الحضاري السياسوإسلامى الذى أسساه لا فكراً  بل بطشاً وتنكيلاً بالرأي الآخر، الحديث والدعوة إلى مشروع التمازج الثقافي الإسلامي. إلا أنه لا يمكننا عد مثل هذا المشروع الإسلاموي الأصولي في ظل هيمنته عنصراً مؤلفاً للكلية بمكنته أن يؤدى إلى تمازج ثقافي، فثمة هوة خلقيَّة وثقافيَّة تفصل الحسنين وغيرهما من دعاة هذا المشروع عن الأقليات غير المسلمة وعن المسلمين غير المنضوين إليه. لا يمكننا التحدث عن مزج إسلاموي أصولي مع الثقافات السودانية، بل الحديث ممكن عن الموقع المتعالي لممارسات مُسيطرة وممارسات خاضعة. أساس التغير الثقافي في منظور الحسنين واخو انهما من دعاة التيار الإسلاموي الأصولي، مهما بذل البروفسور وشيخه من ممارسة الخداع الفكري، هو السيطرة. يجب مراعاة عدم الخلط بين تغير يفرض من خارج المركب الثقافي، وتغير هو بحد ذاته وسيلة لغاية: السيادة الثقافية. صحيح أنه ليس لإرادة الحفاظ على الجزئيات الثقافية في ظل مجتمع خاضع سلطوياً للمشروع الإسلاموي الأصولي أية دلالة (وليس هذا مؤكداً) لا لأن سياسة السلطة الإسلاموية للجبهة القوميَّة هي سياسة محافظة، بل لأن التغيير يجب أن يتم من الداخل، يجب أن يكون ثمرة سيادة الوحدة في التنوع. لهذا يظل التناقض قائماً بين ما يزعم  الإسلاميون فعله وما يقومون به في الواقع، وبدلاً عن أن يدفعوا عجلة التغير الثقافي فإنهم يعرفون في الحقيقة كيفية إيقافها لمصلحة مشروعهم حين تتعارض معه. إن وصف الثقافة بطريقة من الطرق على أنها جوهر يحتاج للتطوير شئ هو من تبرير السياسوإسلامويين: ضرورة تربية الشعب إسلاميا، وهذا لمصلحة الشعب! إن كل عنصر في المركب الكلى للتثاقف السياسوإسلاموي الكلى: تربية وفن ودين وموسيقى ولغة وسلم القيم المتبدلة إنما هو متأثر بالفعل بما تفرضه هيمنة المشروع الإسلاموي الأصولي.

 

المدرسة الثانية للتيار التوحيدي هي ما نسميه بتيار التثاقف والتي ينطلق دعاتها من مفهوم الوحدة في التنوع رافضين جملة وتفصيلاً مختلف مشاريع التمثل الداعية إلى وضع الثقافات السودانية تحت جناح ثقافة مهيمنة واحدة رافضين اطروحات التيار التفكيكى المتزمت والليبرالي الشمالي الداعي إلى فرض هيمنة عنصر بعينه من عناصر المركب الاثني الثقافي المؤلف للهُوية السودانية على العناصر المكونة الأخرى، والجنوبي الداعي إلى رفض الوحدة في التنوع مقاتلاً من أجل فصل عنصر من عناصر المركب الاثني الثقافي المكون لفسيفساء الأمة السودانية. هكذا يرفض دعاة مدرسة التثاقف جملة وتفصيلاً مفهوم غالبية سائدة وأقليات بحسبانه مفهوماً يفضى إلى تفكيك السودان وعرقلة مشروع بناء الأمة السودانية يتضمن مشروع التثاقف إبراز الظواهر التي تنشأ عن الاحتكاك المباشر والمتواصل بين الثقافات والمجموعات الاثنية المختلفة في السودان (1).

 

[ حالياً تم القضاء على هذا المتحف بخلعه عن جسم الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية، وخصخصته تحت إدارة ما يعرف بمعهد الحضارة السودانية]

 

هوامش ومراجع

(1) عندما كنت مديراً عاماً للإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية إبان الحكومة الديمقراطية الأخيرة  قامت الإدارة، بدعم مادي قدمته سكسونيا السفلى مشكورة، بتنفيذ إعادة تنظيم متحف التراث وعدل اسمه ليصبح متحف السودان القومي للاثنوغرافيا وفق مفهوم الوحدة في التنوع، وهو المشروع الذى تسبب في المشكلة المشهورة التي نشبت بين الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية ووزير الثقافة والإعلام حينها المدعو عبدالله محمد أحمد الإسلاموي الأصولي المندس حينها في حزب الأمة، والذي وقف معارضاً لرؤية تيار السودانوية الذى عبرت عنه سياسات قيادات الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية حينها والقائل بأن وحدة السودان إنما تتجسد في ثقافاته المتنوعة التي تمارس عمليات أخذ وعطاء فيما بينها دون أفضلية أو سيادة أو هيمنة واحدة منها على بقية الثقافات وسعت إلى أن تستجيب أساليب العرض المتحفي إلى هذا التوجه الفكري. هذا وقد أصدر السيد رئيس الجمهورية عمر حسن البشير العام الماضي قراراً  بخلع المتحف القومي للاثنوغرافيا عن جسم الإدارة العامة للآثار والمتاحف القومية وخصخصتة لما صار يعرف بمعهد الحضارة السودانية الذى "يمتلكه" الإسلامويون في شخصية متخصص في اللغة العربية والدراسات الإسلامية هو السيد جعفر ميرغنى... استبعادا لمفهوم الوحدة في التنوع وإقراراً لأحادية الهُويَّة السودانية العربية الإسلامية.

 

الموروث الثقافي السوداني: تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الإقليمي2002

 

 

 

 

الموروث الثقافي السـوداني

تحديات الوحدة الوطنية والانتماء الإقليمي

د. يوسف مختار الأمين

كلية الآداب - جامعة الملك سعود - الرياض

بحث قدم في ندوة "العالم العربي وأفريقيا: تحديات الحاضر والمستقبل" الرباط 15 17 أكتوبر 2003 م.

 

       مقدمة

       عودة إلى الماضي

       حوارات الهُويَّة

       عودًا على بدء

       هوامش

       مراجع

 

 

 

مقدمة

يمر السودان منذ إعلان الدولة الوطنية الحديثة في 1956 م. باضطرابات وأزمات سياسية واجتماعية تتصاعد وتيرتها مع تعقيدات الأوضاع الداخلية وارتباطاتها الإقليمية والعالمية. ويردُ المراقبون والباحثون في أوضاع السودان ذلك إلى عدة أسباب يلتقي معظمها في طبيعة المجتمع السوداني العرقية والثقافية وإمكانياته الاقتصادية. ولعل أبرز هذه الأسباب ما يمكن وصفه بالمأزق الثقافي التاريخي والظرف الموضوعي الذى تكونت فيه الدولة. وهو وضع لم تتمكن النخب التى تعاقبت على إدارة البلاد من النظر فيه، ومن ثم مواجهته بفاعلية. وزاد الأمر تعقيدًا تعثر هذه النخب في إنجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة وتأسيس نظام للحكم متفق عليه ويلبي طموحات الغالبية من أهل البلاد. وفي ظل أوضاع التخلف وتدهور مرتكزات الاقتصاد المعيشي الطبيعي وارتفاع معدلات النمو السكاني تتوسع تلقائياً بؤر الصراع الاثني والجهوي والثقافي. ويتجلى هذا الصراع في تبني مواقف سياسية، وثقافية مغايرة للسائد وفي مواجهة السلطة المركزية بحمل السلاح وإذكاء حرب أهلية وصراعات قبلية تتفاقم أبعادها وآثارها يومًا بعد يوم. فالحرب الأهلية في الجنوب ظلت مشتعلة منذ الاستقلال حتى الآن ما عدا فترة توقف لمدة عشرة أعوام. وشهدت البلاد مؤخراً صراعات وحروب في أقاليم السودان الأخرى في الشرق والغرب بين القبائل وبين بعضها والحكومة المركزية. إن استمرار هذه المواجهات قد أهدر موارد البلاد وعطل التنمية مما أدى إلى تفكك المجتمعات المحلية ونزوح الآلاف من السكان إلى غير أماكن تواجدهم الطبيعي، ويجمع المتابعون لمجريات الأمور أن استمرار هذه الأحوال بات يهدد الوحدة الوطنية ما لم يتم تدارك الأوضاع. ولا غرابة أن نجد اليوم أدبيات العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة تصف السودان بالدولة المضطربة التي فشل قادتها ومثقفوها بصورة متكررة من مواجهة القضايا المعقدة التي أعاقت تطورها Woodward,1989؛ منصور خالد: 1993.

 

تأمل هذه الورقة الاقتراب من قضايا الوحدة الوطنية ومعوقاتها المتمثلة في الصراعات الاثنية والثقافية وذلك من مدخل الموروث الثقافي. وأقصد بالموروث الثقافي كل المنتج الثقافي المادي وغير المادي منذ أقدم العصور حتى الوقت الراهن باعتبار أنه المحيط الذى فيه تشكلّت الهُويَّة السودانية وفيه تتفاعل تحولاتها الدينامية. إن تناول قضية الوحدة الوطنية وعلاقات الانتماء الإقليمي يمكن تناولها من منطلقات مختلفة بمناهج وأطر نظرية متنوعة. وما يهمني هنا، النظر في إمكانية تحليل الأوضاع الحالية انطلاقاً من الموروث المادي الذى يشمل كل ما تركته لنا مجتمعات العصور القديمة من مخلفات أثرية تشمل الأدوات والمباني والفنون وكل ما له صلة بالفعل الإنساني على مر العصور. كما يشمل كل التراث الشعبي من حرف ومنتجات محلية. إن دراسة الثقافة المادية ببعديها التاريخي والتراثي، من مهام علم الآثار الأولى كما سيأتي ذكره، إذ هي تشكل مصدراً أساسياً إن لم يكن وحيدًا لمعرفة التاريخ الثقافي للأمم. وينطلق البحث أيضًا من فكرة أهمية مراجعة التاريخ الثقافي السوداني (Culture History) منذ أقدم عصوره واستدعائه من أجل صوغ مفاهيم جديدة تشكل إطاراً موضوعياً لاستيعاب تعقيدات القضايا الملحة الآن في السودان واقتراح حلول مناسبة لها. فالموروث الثقافي المادي يمكن الاستفادة منه إيجاباً كما حدث في تجارب شعوب وبلدان أخرى في تدعيم ركائز الوحدة الوطنية. ويتم ذلك بالبحث عن المشترك بين فئات المجتمع وإبراز ما يدعم مبادئ التسامح والسلم الاجتماعي خاصة في حالات التعدد الاثني والثقافي في البلد الواحد. وقراءة التاريخ الثقافي في بلد مثل السودان، بشكل متوازن تؤهله لإيجاد مناخات جيدة لتأسيس علاقات إقليمية أكثر إيجابية وفائدة لكل الأطراف. لا تتوقف أهمية التراث المادي كما جاء في هذا السياق عند مرجعيتها وأهميتها التاريخية وإنما تمتد إلى كشف معالم الاستمرارية والتغير في الأنظمة الثقافية. فالتاريخ الثقافي المعروف في شمال البلاد ووسطها يتعاقب في حلقات متصلة منذ العصور الحجرية حتى العصر الإسلامي وذلك مع وجود فترات تحدث فيها تحولات حضارية عميقة تشمل معظم جوانب الحياة الفكرية والمادية ولكنها بدرجات متفاوتة. فعلى سبيل المثال عندما قامت الممالك المسيحية في أواخر القرن السادس الميلادي حلت الديانة وفكرها الجديد مكان أيديولوجية الدولة القديمة القائمة على نظام الحكم العشائري والمعتقد البدائي. وانعكس التغيير أساسًا في الفكر ونظام الحكم ولم يكن واضحاً المستوى نفسه في الجانب المادي من حياة الناس (للمزيد عن التحولات التى أصابت الثقافة السودانية مع وصول المسيحية انظر"أركامانى"). ومع انتشار الإسلام واللغة العربية فيما بعد لم تختف أيضًا عناصر الثقافة المادية للوهلة الأولى بل احتفظت ببعض عناصرها القديمة Adams,1977: 665-680. تنبه لمثل هذه النقطة كثيرون منهم من هو غيرمتخصص في مجالات الدراسات الحضارية. فحليم اليازجي عند دراسته للحركة الأدبية في السودان خلال فترة تزيد عن ثلاثمائة عام يقول: "... فبان لنا مدى الترابط القائم بين هذا الأدب وواقعه البيئي وأحداث تاريخه وكثيرًا ما كان انعكاسًا مباشراً لهذا التاريخ وتلك البيئات... فالماضي السوداني بكل ما استوعبه من تجربة يقتحم أبواب الحاضر في تداخل عفوي أو مقصود"؛ ويقول: "فالحضارات الموغلة في القدم، تحاور العقل السوداني المتطور الذى تغذي بلبان الثقافات الغربية الأكثر حداثة، وكذلك الثقافات العربية بنزعاتها الدينية والإصلاحية..." (اليازجي، 1985: 11-14).

 

وأخلص من ذلك إلى القول بأن الموروث المادي القديم والتراثي هو الأكثر قابلية، ضمن مجالات أخرى للبحث فيه عن المشترك بين فئات المجتمع في الماضي والحاضر ومن ثم تأويله لخدمة قضايا الهُويًّة والوحدة الوطنية.

 

عودة إلى الماضي

يتساءل كثيرون لماذا العودة للتاريخ الثقافي البعيد عند طرح قضايا وأزمات ملحة تهم المجتمعات المعاصرة؟ أوليس ذلك انكفاءً واستغراقاً في أمور غير مفيدة لمعالجة مشاكل الحاضر مثل الوحدة الوطنية والانتماء التي يبدو حلها كامناً في ميدان السياسية؟ لقد ألمحت آنفاً إلى دور الموروث الثقافي في معرفة  تكوين الأمم وتأصيلها والأسس التي تحكم الكثير من علاقات الأنظمة الاجتماعية والفكرية فيها. وتحفل أدبيات علم الآثار والتاريخ بالشواهد العملية لاستغلال المعرفة التاريخية إيجاباً أو سلباً في تأسيس الكيانات الوطنية وتقدمها أو في إضاعة حقوق تاريخية لمجموعات سكانية أو شعب بأكمله. ويتفق الجميع على أن حاضر الأمم يقوم على ماضيها بالرغم من صعوبة تحديد معالم ذلك الماضي البعيد أحيانًا ومشروعيته في تشكيل الحاضر وبناء علاقاته الداخلية والخارجية. ليس من الممكن في هذا الحيز أن نستعرض الأسس النظرية والتطبيقية المطلوبة في ذلك السياق وتطورها في علم الآثار أو الدراسات الأنثروبولوجية. شهد علم الآثار مؤخراً تحولات مهمة في توجهاته النظرية المستخدمة في تأويل التراث المادي القديم. وإذا كانت الأهداف تتغير من حين إلى آخر فإن معرفة أو اكتشاف الأنظمة الثقافية القديمة وتطورها عبر الزمن ظل أحد الأهداف الرئيسة لذلك النشاط العلمي. ويهتم الآثاريون في عملهم الأكاديمي بالهُويّات الثقافية القديمة وتحديد معالمها مثل ما تجد دراستها رواجاً في علوم أخرى غير الآثار وذلك تعبيراً عن تيار متصاعد في العلوم الإنسانية موجه نحو حقوق الأقليات وتأكيد مبادئ التمايز والتعدد الاثني والثقافي في المجتمع الواحد. واليوم نجد البحوث الآثارية قد امتد ميدانها من المجتمعات القديمة إلى المجتمعات التقليدية والبدائية المعاصرة (1) والموجودة في أكثر من بلد ومن بينها السودان. ومثل هذه المجتمعات بقدر ما تعرضت له من تأثيرات حضارية حديثة ما زالت تحافظ على تراثها وأنماط اقتصادها المعيشي المتمثل في الرعي والصيد والزراعة التقليدية. ويشمل التراث المادي أعمال النجارة والحدادة والفخار والأواني المنزلية وأدوات الزينة والملابس وأدوات الموسيقى الشعبية... الخ. إن مثل هذه الحرف التقليدية لها تاريخ طويل وهى تملأ حيزاً في المكوٍن الثقافي للمجتمعات الحالية. وإذا افترضنا مثلاً أن دخول العرب وانتشار الإسلام في السودان يمثل شبه قطيعة ثقافية في مجالات اللغة والدين والفكر فإن ذلك لا يشمل كما أشرنا التراث المادي التقليدي بكامله الذى احتفظ بكثير من سماته القديمة التي ظلت مستمرة حتى اليوم Elamin 1999: 1-3.

 

إن آثار الماضي البعيد والتراث المادي التقليدي ماثلة أمام الناس في شكل مبان وفنون وتحف تعرضها المتاحف المختلفة بطريقة تعكس أهداف الجهات التي أعدت تلك المتاحف. فالموروث الثقافي يقدم للناس على أنه ارثهم الحضاري الذى يقوم عليه حاضرهم ومستقبلهم. وبناءً على ذلك فكثير من الأعمال التي يقوم بها الآثاريون تنبع من موجهات فكرية أو وطنية تدعمها الدولة لبث مفاهيم وأفكار توظف في ترسيخ الأوضاع الراهنة. وليس بعيدًا عن الأذهان أن الاستفادة من دراسة الموروث الثقافي من أجل أجندة سياسية هدفها تشكيل الحاضر وصياغته لصالح فئة أو فئات معينة في المجتمع. بل أن دولاً عدة اعتمدت في نشأتها على استغلال الموروث الثقافي. ففي حالة إسرائيل، على سبيل المثال، عمل الآثاريون على إنتاج معرفة يعتقدون أنها تؤكد أحقية المستوطنين اليهود في أرض الميعاد وإحياء العصبية اليهودية ومن ثم إثبات مواصفات الهُويَّة الثقافية كما وردت في القصص التوراتي. وفي الدولة العبرية نجد أن المواقع الأثرية الكبيرة تمثل قوة رمزية لدى المستوطنين، ساعدت في توحيدهم خلال فترة التأسيس. وأصبحت هذه المواقع الأثرية وما تعنيه من موروث جزءاً مهماً في الفضاء الاجتماعي والسياسي والفكري الإسرائيلي. وفي أفريقيا تظل قصة المباني الأثرية الرائعة لعاصمة زمبابوي القديمة خير مثال على دعاوى المستوطنين الأوروبيين في رفضهم نسبة تلك الحضارة العريقة للسكان المحليين وذلك اعتماداً على تأويل الآثاريين الذين استقطبتهم سلطات الاحتلال الأوروبي. فقد روجوا آنذاك إلى أنها تمثل إنجازاً معمارياً لمجموعات وفدت من الخارج إلى أن نجح آثاريون منصفون، بعد مضي وقت، من إثبات أحقية قبائل البانتو الأفريقية في تأسيس المملكة التاريخية (للمزيد من الإطلاع أنظر كتاب علم الآثار الأفريقية لفيلبسون "أركامانى"). وقد كان ذلك أحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة الفكر الاستيطاني الذى قامت عليه دولة البيض المستعمرين. ومن المعلوم أنه عندما تحقق الاستقلال في تلك البلاد تقرر تغيير اسمها من روديسيا الشمالية إلى زمبابوي رمزاً لتاريخ أفريقي عريق يستعيده أصحابه مرة أخرى دعماً للهُويَّة السياسية الجديدة Trigger,1975:355-370. ولا نجد اليوم بلداً لم يُستغل الموروث الثقافي فيه لاستلهام المستقبل وشحذ همم المواطنين. ومتاحف الآثار على اختلاف أنواعها في جميع أقطار العالم تعرض مواد الآثار والتراث للزائر بطريقة تعكس الصورة الرسمية لتاريخ الأمة. وليس غريباً أن يلاحظ المرء أحياناً عدم تمثيل تراث بعض الأقليات أو حتى جزءاً من التاريخ العام يظن أنه يخل بالأوضاع السائدة. فالماضي أو التاريخ مهما كان بعيداً يظل قابعاً في الذاكرة الجمعية يخبو حيناً ويتقد أحيانًا أخرى في لحظات الاستدعاء.

 

وعند مناقشته للهُويَّة الوطنية المصرية أشار فكري حسن إلى رسوخ التراث العربي الإسلامي وما جاء من أوروبا من مؤثرات في العصر الحديث في أذهان الناس مما يشكل ابتعاداً واضحاً عن الماضي القديم، بيد أن الأخير يظل ورقة سياسية مهمة. فالتاريخ الفرعوني كان مصدر قوة واعتزاز لدى المصريين خلال مقاومة الاحتلال الأجنبي ويتجلى ذلك في خطب السياسيين وما كتبه مثقفو الطبقة الوسطى عن الهُويَّة المصرية. وقد استدعى قادة ثورة 1919م. هذا التاريخ ومجدوا ماضي الأمة كما كتب عدد من مشاهير الأدباء أعمالاً روائية مهمة تستمد رموزها من ذلك التاريخ العريق. ولم يتراجع ذلك الاهتمام إلا بعد نمو التيار القومي الحديث في الخمسينات من القرن الماضي Hassan,1998: 207.

 

واختم ملاحظاتي عن أهمية تأويل الموروث الثقافي نظرياً واستغلاله في تعريف الهُويَّات الثقافية التي تعبر عن نقطة الانطلاق في تكوين الشرعية التي تقوم عليها الأمة والسلطة التى تدير شؤونها. والاستعانة بالموروث الثقافي في تشكيل الحاضر يتوقف بالدرجة الأولى على الأيديولوجيا السائدة وعلى قدرة القوى الاجتماعية التي تتبناها. ومن هذه المقدمة أود الإشارة، في إيجاز، إلى سيرة التاريخ الثقافي السوداني ومصادره لنرى مدى انعكاساته على الواقع السوداني المعاصر.

 

نستمد معلوماتنا عن فترات العصور الحجرية والتاريخ القديم من الأعمال الآثارية التي بدأت منذ مطلع القرن العشرين في شمال السودان بوتيرة بطيئة لتتصاعد بصورة مؤثرة عندما تقرر بناء السد العالي وأُجرى ما عرف بحملة إنقاذ آثار النوبة (1959- 1965).جاء إلى المنطقة في ذلك الوقت أكثر من أربعين بعثة علمية أجنبية تجري المسوحات وتنقب في المواقع الأثرية في كل من شمال السودان وجنوب مصر. وكان نتائج أعمالها هو معظم، إن لم نقل كل ما نعرفه، تقريباً عن تاريخ السودان القديم والوسيط (للمزيد من المعلومات حول الموضوع انظر في أركامانى : كاتسنلون؛ و آدمز، , أسامة).

 

توسع النشاط الآثاري بعد ذلك في منطقة الخرطوم ولكنه لم يشمل مناطق السودان الشاسعة الأخرى إلا في حالات قليلة مما سبب نقصاً واضحاً في المعلومات المطلوبة لصوغ التاريخ الحضاري للسودان بحدوده الحالية. ويجدر بالذكر أن التركيز على شمال السودان أوجد "مركزية شمالية" أثرت في توجيه مسار البحث العلمي في هذا الحقل لم تبدأ مراجعتها إلا مؤخرًا وبصورة جزئية (العباس محمد علي، ويوسف الأمين 1992: 65-67). ومازالت مناطق واسعة في الغرب والشرق لم يستوعب تاريخها القديم والوسيط في مسيرة التاريخ السوداني بطريقة مقنعة. بل أن جنوب السودان لم يحظ إلا بحملة آثارية واحدة ولفترة محدودة John Mack and Robertshaw,1982.

 

أوضحت البحوث الآثارية وجود مواقع تعود لفترة العصر الحجري القديم عاشت خلالها مجموعات سكانية على امتداد وادي النيل في السودان وفي الأقاليم الأخرى بعيداً عن نهر النيل (للمزيد انظر أسامة النور: العلاقة بين الصحراء ووادي النيل السوداني وشرق أفريقيا في الهولوسين). وكانت الأدوات الحجرية المكتشفة تعبر في مجملها عن وجود تقاليد ثقافية في تصنيع الأدوات الحجرية وأنماط الاقتصاد المعيشي البدائي وهى تمتاز بخصائص محلية كما تعكس صلات حضارية مع المناطق المجاورة في الوقت نفسه. ويبدو من الصعب القول أن كل أراضي السودان الحالي كانت تمثل في ذلك الزمن وحدة حضارية تربط بين أقاليمه. وربما نجد أول إشارة لهذا الأمر في الدور الثاني من العصور الحجرية المتمثل في مجتمعات العصر الحجري الحديث عندما تعرف الناس على عمل الفخار واستئناس الحيوان والزراعة ضمن ابتكارات أخرى في مجال تصنيع الأدوات العظمية ونماذج الفنون الأخرى وتوجه مجتمعات الصيادين نحو الاستقرار بصفة عامة. ويذكر في هذا السياق ما اشتهر باسم "حضارة الخرطوم القديمة" التى عُرفت أولاً في موقع الخرطوم المبكر الذى نقب فيه آركل في الأربعينات من القرن الماضي. وقد وصف الموقع بأنه كان مستوطنة شبه دائمة أقيمت على ضفاف النهر القديم اعتمد سكانها على صيد الأسماك والحيوانات البرية وجرش الحبوب البرية إذ لم يعرفوا الزراعة بعد. وقد شكلوا أدواتهم المتميزة من الأحجار والعظم كما صنعوا فخار الخرطوم الشهير وهو من النوع الصلب غير المصقول، تزينه خطوط متصلة مموجة وأخرى متقطعة مموجة أو متعرجة. وقد أصبح ممكناً تأريخ هذه الحضارة فيما بعد بالألف الثامن قبل الميلاد وبذا يكون فخار الخرطوم الأقدم في وادي النيل وربما أفريقيا كلها. وقد اكتشف هذا الفخار بزخارفه المعروفة في السودان الأوسط وشمالاً حتى وادي حلفا وكذلك في أماكن بعيدة من الصحراء الغربية حتى النيجر.

 

وفي السودان نفسه يشير توزيع مستوطنات هذه المرحلة إلى تماثل حضاري يمتد من شمال السودان حتى وسطه وقد كانت المستوطنات التي تلت مرحلة ثقافة الخرطوم عبارة عن تجمعات سكانية كبيرة نسبياً اعتمد أصحابها في حياتهم على زراعة الحبوب وتربية الحيوانات مثل الأغنام والماعز والأبقار إضافة إلى الموارد الطبيعية المعهودة Arkell 1975;Haaland 1992: 43-64.

 

ومع انتشار هذه المستوطنات الكبيرة شبه المستقرة بالقرب من ضفاف نهر النيل في الفترة 5000 – 3000 ق. م. تهيأت المجموعات السكانية لإحداث نقلة حضارية جديدة تتمثل في نشوء مراكز وتجمعات أكبر حجمًا انتظمت فيما يعرف بدويلة المدنية. كان ذلك أولاً في كرمة في منطقة النوبة العليا بشمال السودان عندما تمكن الزعماء والأمراء المحليين من تأسيس حكم مستقل عن الدولة المصرية. وقد كان هؤلاء يمثلون مقاومة مستمرة للاحتلال المصري لشمال السودان. وتدلنا المكتشفات الأثرية إلى أن كرمة كانت مدينة تبلغ مساحتها نحو خمسة وعشرين هكتاراً وهى مسورة بحائط ارتفاعه ثلاثين قدماً. ويوجد في وسط المدينة معبد وقصر وقاعة استقبالات كبيرة وبيوت الطبقة العليا في المجتمع. كانت هذه عاصمة أول دولة سودانية (كوش) التى ازدهرت نحو 2200 ق. م. وهى بالتالي أقدم مدينة معروفة لدينا في أفريقيا خارج مصر. كان مجتمع كرمة يمجد الحرب والعسكرية بحيث امتد نفوذها لتسيطر على النوبة السفلى في الشمال لبعض الوقت. واستعان حكام كرمة من المصريين المقيمين في القلاع والحصون لمساعدتهم في إدارة المنطقة. وقد خلفت كرمة تراثاً حضارياً غنياً في مجالات الفنون والحرف والعمارة ما يقف شاهداً على التمّيز الثقافي والأصالة المحلية (شارل بونيه، 1997). (للمزيد عن كرمة)

 

عاد المصريون واخضعوا كل بلاد النوبة نحو 1460 ق. م. وازدهرت المنطقة ببناء المستوطنات والمعابد وبالنمو الاقتصادي والثقافي. نهض أمراء المنطقة مرة أخرى بعد مرور مصر بفترة ضعف، وأسسوا دولة نبتة نحو 9000 ق. م. حيث يبدأ تاريخ كوش الحافل في مرحلته الثانية التى تطغى فيها المؤثرات المصرية كاللغة والعمارة والفنون والدين على الرغم من الغموض الذى يكتنف الطريقة التي تأسست بها هذه الدولة. لقد أعاد الكوشيون للحضارة المصرية مجدها القديم عندما حكموا مصر لمدة سبعين سنة حافلة بالإنجازات التي كان في مقدمها تحقيق أول وحدة سياسية في وادي النيل. إضافة إلى توسعهم في بناء المعابد والمدن وإحياء اللغة المصرية بعد ما أصابها من تدهور في فترة الاضمحلال في نهاية الألف الثاني ق. م. استمرت كوش دولة مستقلة في مرحلتها الثالثة عندما انتقلت العاصمة جنوباً إلى مدينة مروي القديمة القريبة من مدينة شندي (300 كلم شمال الخرطوم). وفي الوقت الذى ازدهرت فيه مروي وتوسعت في الأقاليم السودانية كانت مصر قد خضعت لحكم الفرس ثم البطالمة ثم والرومان.

 

ازدهرت الحضارة المروية (300 قبل الميلاد إلى 350 ميلادية) وعرفت بسماتها الأصلية الممزوجة بالتيارات الثقافية الوافدة من الشمال. كان أول ما حققه حكامها المحافظة على دولتهم ومقاومة البطالمة والرومان من بعدهم عسكرياً ودبلوماسياً عندما فشلوا في صدهم بالقوة. يصعب علينا أن نحصي صفات تلك الحضارة ويكفي أن نشير إلى أهم إبداعاتها مثل الكتابة المرَّوية التي وصفت بأنها شبه أبجدية ولها خطان أحدهما هيروغليفي وثانيهما تجريدي وكلاهما منحدران من أصول مصرية وهى أقدم لغة أفريقية صريحة مكتوبة، غير سامية كما يعتقد أحد علمائها البارزين (عبد الله، عبدالقادر محمود 1986). ومثل ما حدث في الكتابة المرَّوية من تطوير محلي نجد إبداعاً آخر في صناعة الفخار الرفيع والذي لم تشهده المنطقة من قبل. وتشمل الصناعات أيضاً مختلف أنواع قطع الزينة الذهبية والعاجية وغيرها من الأحجار الكريمة والمواد التى جاءت عن طريق التجارة التي انتعشت في هذا العهد. وتوسع المرَّويون في بناء المعابد والأهرام والقصور والقلاع والحصون والبيوت السكنية في المدن الكبيرة المنتشرة في الأقاليم الشمالية والوسطى وأجزاء من الشرقية من البلاد. ومما لا شك فيه أن بقية الأقاليم المرَّوية داخل السودان وبعيداً عن وادي النيل قامت فيها مستوطنات ربما كانت مبنية بمواد غير حجرية تتناسب والبيئة المحلية وممارسة الرعي والزراعة الموسمية. استطاع المرَّويون أيضاً أن يصنعّوا الحديد في القرن السادس قبل الميلاد قبل أن تصبح المدينة عاصمة للدولة وبذلك يكونوا أول من حقق هذه الطفرة التقنية في أفريقيا جنوب الصحراء، ومن المرجح أنها جاءتهم من مصر التي وصلتها التقنية بدورها من غرب آسيا. أما في مجال الفكر والأديان فقد استمر المرَّويون في إتباع الأديان المصرية المعروفة وأضافوا إليها معبودات محلية أهمها أبادماك (الإله الأسد) الذى أقيمت له المعابد في أكثر من مكان وكان بالنسبة لهم إله الخلق والحرب (2). وبنهاية القرن الرابع الميلادي اختفت دولة مروي من مسرح الأحداث في المنطقة تاركة وراءها من الموروث الثقافي ما يشهد على روعة إنجازاتها في دمج الإبداع المحلي بما هو وافد من شمال الوادي. إن تفاصيل امتداد دولة مروي في شرق وغرب السودان غير معروفة الآن وتنتظر الأبحاث الميدانية في المستقبل إذ وجدت آثار مرَّوية في الجزيرة بوسط السودان وعلى النيل الأبيض حتى مدينة كوستي (400 كلم جنوب الخرطوم). وهكذا فإن دولة مروي قد حكمت مركزياً إقليماً واسعاً من مساحة السودان الحالي وكان تراثها المادي متنوعًا مثلما تنوعت أقاليمها بيئياً Adams,1977: 323-325.

 

لا يوجد أثر لدولة مركزية بعد تفكك مروي ما عدا نوباتيا في النوبة الشمالية وكان مركزها في بلانة وقسطل في أقصى الشمال وظلت محصورة هناك تحتفظ بموروثات الحضارة الكوشية حتى تغير حكامها ليعتنقوا المسيحية بتأثير من مصر البيزنطية في 580 م. وكان ذلك إيذاناً ببداية العهد الذهبي الثاني في حضارة السودان القديم. تشير الأدلة الآثارية المتوفرة إلى أن قبول المسيحية وانتشارها أحدث تحولاً ثقافياً عميقاً ومؤثراً مما يعطي انطباعاً بأن أفواجاً من الناس قد دخلوا البلاد ولكن هذا لم يحدث. لقد كانت نقلة ثقافية سريعة أحدثتها اتصالات بين المبشرين وصفوة الحكام في البلدين. لم يكن السودان كله موحداً خلال تاريخه الوسيط حيث قامت في البداية ثلاث دويلات هي نوباتيا والمقرة في الشمال وعلوة وعاصمتها سوبا جنوب الخرطوم وفيما بعد توحدت نوباتيا والمقرة في دولة واحدة عاصمتها دنقلا. نعمت البلاد باستقرار سياسي لنحو ستمائة سنة أثمر خلالها تلاحم الثقافات المحلية مع الديانة الجديدة الوافدة رصيداً حضارياً مميزاً كانت حصيلته بارزة في الفنون الزخرفية واللوحات الملونة الرائعة التي تزين الكنائس وفي الإنجيل المكتوب باللغة النوبية القديمة وكما نجدها أيضاً في مختلف الحرف والمصنوعات التى تمس حياة الناس اليومية Adams,1977: 246-381; O'connor,1993: 4-15.

 

تمثل المرحلة التالية المنعطف الكبير في تاريخ السودان الحديث عندما سقطت الدولة المسيحية في شمال السودان في 1323 م. ومن بعدها الدولة الثانية (علوة) بنهاية القرن الخامس عشر وكان ذلك نتيجة للهجرات العربية المتتالية إلى السودان من مصر. اعتنق سكان شمال السودان ووسطه الدين الإسلامي تدريجيًا، وبمرور الوقت اتخذوا من العربية لغة تجمع بين فئات المجتمع المختلفة كما بدأت عمليات المصاهرة تلقى بظلالها في التركيب العرقي للسودانيين. تشير المصادر التاريخية إلى دخول العرب للسودان بأعداد قليلة منذ عهد حمير ربما عبر البحر الأحمر أو عبر سيناء جنوباً للسودان الشرقي ولكن الأعداد الكبيرة منهم تسربت من مصر بعد الفتح الإسلامي. ثم جاءت أفواج أخرى من الشمال الأفريقي. وقد واجه العرب المسلمون في البداية مقاومة شرسة من الدولة المسيحية في دنقلا التي خاضت ضدهم حرباً دفاعية أحيانًا وهجومية أحياناً أخرى. وقد عقد المسلمون معها اتفاقية سلام في 651 م. تحفظ حقوق الطرفين في التنقل ودفع الجزية ووقف الاعتداء المتبادل. وهكذا صارت بلاد النوبة بموجب هذه الاتفاقية (البقط) خارج داريَّ الحرب والإسلام في آن. ولم يحسم الأمر لصالح المسلمين إلا بعد أن دب الوهن في عضد الدولة المسيحية لأسباب كثيرة منها الأثر العربي الذى نتج عن توغل أعداد غفيرة من المهاجرين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، حيث انهارت الدولة وأسلم آخر حكامها في عام 1323م. وانفتح الباب واسعًا أمام العرب والمستعربين لتأسيس الممالك والسلطنات الإسلامية Hassan,1967.

 

وقبل الحديث عن تطور تلك الأحداث السياسية وأثرها البالغ في المجتمع السوداني علينا الإشارة إلى مصادر المعلومات عن هذه الفترة الحرجة من تاريخ السودان وذلك لأهميتها في تشكيل المناخ الفكري الذى نبعت فيه الرؤية الثقافية السائدة عن السودان اليوم.

 

لم تحظ الفترة الإسلامية في السودان بعمل آثاري مثل غيرها من فترات التاريخ السوداني. ففي المنطقة الشمالية الأوفر حظاً في هذه الدراسات لم تعُنى البعثات العلمية الأجنبية إلا بعدد محدود جداً من المستوطنات الإسلامية إذ لم تكن ضمن اهتمامات العلماء الأجانب. وقد أهملت تلك الآثار من منطلق أنها حديثة ولا تفيدهم في معرفة واقع يرونه ماثلاً أمامهم. أما في بقية أقاليم السودان يظل العمل الآثاري في مجال الآثار الإسلامية غير معروف ما عدا ما جُمع من نقوش وشواهد قبور إضافة للوصف العام لقباب مدافن الفقهاء أو شيوخ الطرق الصوفية. وفيما عدا الاهتمام بوصف العمارة والآثار العثمانية في سواكن في شرق السودان ظلت آثار السلطنات الإسلامية في كردفان ودارفور بغرب السودان بعيدة عن اهتمام الباحثين El-Zein,2000: 35-36.

 

وتشير الأبحاث المحدودة في شمال السودان إلى استمرار الاستيطان في المواقع المسيحية ولكن المباني تدهورت بعد ذلك ولم يجر ترميمها أو بناء مثيل لها كما توقف إنتاج الفنون المتمثل في الرسم والصناعات الخزفية والمعدنية. ويصف الرحالة الذين زاروا المنطقة في أوائل القرن التاسع عشر المنازل الطينية الشبيهة بما نجده في القرى الريفية المعاصرة. كذلك تتوفر معلومات مفيدة في ما كتبه أولئك الرحالة الأوروبيين الذين زاروا السودان ووصفوا ناسه وعاداتهم وأنسابهم كما سمعوها منهم. أما الهجرات العربية فمصادرها هي ما كتبه المؤرخون العرب أمثال المقريزي وابن خلدون. ولم يكتب السودانيون أنفسهم إلا القليل، ومن أهم ما عرف من مؤلفات محلية مخطوطة ابن ضيف الله المعروفة بالطبقات التى وضعها بلغة عربية محلية في مطلع القرن التاسع عشر. وتحوي المخطوطة معلومات مفصلة عن سيرة مشاهير الفقهاء ورجال الدين كما تعد مصدراً أولياً عن الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية لفترة مملكة الفونج الإسلامية التى قامت في وسط السودان مطلع القرن السادس عشر. ويذكر في هذا السياق وثائق تمليك الأرض عند الفونج وشجرات النسب التي تؤرخ للأسر السودانية وتحدد أصولها العربية التى يراد لها دائماً النقاء العربي بمدها حتى النبي (صلعم) أو عمه أو أحد من الصحابة. ويعتقد أن الكثير من عناقيد النسب هذه مشكوك فيها وهى تعود للقرن التاسع عشر وقليل منها إلى عهد دولة الفونج. ومن المخطوطات المهمة التى كتبت في القرن التاسع عشر مخطوطة كاتب الشونة التي يصف فيها ملوك وأحوال دولة الفونج (يوسف فضل 1975: 109-144). ومن جهة أخرى نجد أن تاريخ الممالك والمشيخات الإسلامية التي قامت في أقاليم السودان الأخرى مثل العبدلاب شمال الخرطوم وتقلي والمسبعات في إقليم كردفان ومملكة الفور في الغرب، يستمد من نفس المصادر المشار إليها وكلها خطها أصحابها في مناخات تدعو لتأصيل النسب العربي (القرشي) وتهمل العنصر المحلى فيه. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن التزاوج بين العرب والسكان المحليين فإن التاريخ القبلي يصر على ذكر الأب أو الجد العربي الأول. وهكذا فإن هذه المصادر لا تعطينا معلومات واضحة تفيدنا في معرفة عمليات المزج السلالي أو تعريب السكان المحليين ويبقى الحكم على ذلك من خلال النتائج فقط. ومن أشهر مصادر التاريخ الشعبي السوداني الدراسة التى قام بها مكمايكل، أحد رجال الإدارة البريطانية في السودان، وذلك في العقد الأول من القرن الماضي. وقد جمع مئات الوثائق الشعبية مثل عقود ملكية الأرض وأسماء الأسر والأفراد، إضافة لشجرات النسب المنتشرة عند زعماء القبائل ورجال الدين وهى من نوع الوثائق سالفة الذكر. ومن هذه الوثائق وضع الأساس لتاريخ العرب في السودان حيث ذكر ما لا يقل عن مائة قبيلة بعضها يتفرع إلى أخرى صغيرة ويعود نسبُها جميعاً إلى أصل عربي خالص. ولقد قسمت دراسة مكمايكل سكان السودان إلى نوعين عرب وغير عرب وبالتالي شكلت إطاراً لكل الدراسات التاريخية اللاحقة ويوشك ضررها أن يبلغ نفعها MacMichael 1922.

 

وفيما يتعلق بوحدة أقاليم السودان فان أياً من الممالك الإسلامية آنفة الذكر لم تتمكن من بسط نفوذها على كل أو معظم أقاليم السودان. ففي أقصى الإقليم الشمالي نجد مشيخة الكنوز ثم مملكة العبدلاب وعاصمتهم قرِي شمال الخرطوم وقد كانت هذه عبارة عن اتحاد فضفاض يشتمل على عشرات المشيخات يحكمها زعماء القبائل. وفي مملكة سنار وممالك الغرب تظل السلطة السياسية محدودة في أقاليم متعارف عليها ولكن ذلك لم يمنع التداخل السلمي أو الضم الذى ينجم عن نزاعات حربية. ومع أن نظام الحكم كان إسلامياً في ظاهره فإن كثيراً من العادات والطقوس المحلية القديمة ما زالت تجد تعبيراتها في حياة الأمراء ومساعديهم أو عامة الشعب. وما وردنا من معلومات عن العناصر المادية لثقافات هذه الممالك يعكس هو الآخر تراثاً يعود لفترات حضارية سبقت انتشار الإسلام. ومن جهة أخرى فإن انتشار الإسلام وتزايد نفوذ رجال الدين الصوفية كان عاملاً فاعلاً مع انتشار اللغة العربية في ربط أقاليم السودان الوسطى والشمالية في وحدة اجتماعية إن لم تكن سياسية بالكامل. ونشوء الممالك المشار إليها لم يكن في الواقع كله من عمل العرب الوافدين بل بالتعاون مع أقوام مستعربة أو سكان محليين. فبعد أن سقطت مملكة علوة في أيدي العرب بزعامة العبدلاب (القواسمة) هاجمتهم قبائل الفونج السود الذين قضوا على نفوذ العرب وتعاونوا معهم لاحقاً في إدارة الإقليم الشمالي بعد أن اتخذوا من سنار عاصمة لهم في 1504 م. ومهما يكن من أمر فقد استمرت دولة الفونج نحو ثلاثمائة سنة اتسعت خلالها دائرة انتشار الإسلام والمؤثرات العربية الأخرى كما ظلت بعض أقاليم السودان الحالي بسكانها بعيدة عن هذه التيارات O'Fahey and Spaulding 1974: 26-116.

 

سقطت دولة الفونج وعهد الممالك الإسلامية في السودان في 1821 م. عندما أكملت جيوش محمد علي باشا غزو البلاد وأقامت ما يعرف بالحكم المصري التركي. وكان من نتائج هذا الحكم الذى استمر ستين عاماً توحيد كل أقاليم السودان الحالية وإخضاعها لحكم مركزي. وقد وضع الحكم الجديد أسساً حديثة للإدارات المحلية كما أدخل أنظمة جديدة في إدارة الاقتصاد والمجتمع وربط أقاليم السودان ببعضها وبالعالم الخارجي. انتهى ذلك الحكم بنجاح الثورة المهدية وهى أول ثورة تحررية في القارة الأفريقية تقوم على فلسفة دينية تنشد توحيد كلمة المسلمين وإزاحة الحكم الأجنبي وقد كتب لها النجاح في 1885 م. ولم تستمر دولة المهدية الوطنية كثيراً إذ اكتسحت البلاد مرة أخرى جيوش الغزو الأجنبي التابعة للتحالف الثنائي بين حكومتي مصر وبريطانيا في 1899 م. وعاش أهل السودان تحت الإدارة الأجنبية التي دمرت مؤسساتهم التقليدية وحلمهم في الدولة المستقلة إلى أن حققوا استقلالهم رسمياً مرة أخرى عام 1956 م. نذكر هذا في إيجاز شديد لأن موضوع هذه الورقة يتركز حول الموروث الثقافي القديم والوسيط وأثره في بناء وحدة السودان وهُويَّة سكانه الأمر الذى نناقشه في الفقرة التالية.

 

حوارات الهُويَّة

كيف ينظر السودانيون الآن إلى ذلك التاريخ الثقافي القديم؟ وكيف يقومونه خاصة عندما يتصل الأمر بالهُويَّة وتأصيل الشخصية الوطنية؟ في ذلك يذهب عامة الناس وصفوتهم مذاهب شتى. فالتاريخ القديم بمعطياته الآثارية والحضارية لم يتسرب بدرجة كافية في الأدبيات المنشورة العامة أو غير المتخصصة ولا في مقررات التعليم العام. وقطاعات كبيرة من النخب المتعلمة تراه شيئاً بعيداً عن هموم حياتهم اليومية وربما لا يمت بصلة لأنسابهم المباشرة. وفي الكتابات الأكاديمية التي تتناول المجتمع والسياسة والثقافة يصادف المرء عادة رصداً لوقائع التاريخ القديم والوسيط يقدمه المؤلف كأمر ضروري تفرضه منهجية البحث. ويقصد به الكاتب عادة تأصيلاً تاريخياً لموضوع الدراسة دون توظيف تلك المعلومات في تطوير أطروحة فكرية ما. والأمثلة الشائعة لإيراد ملخصات للموروث الثقافي نجدها عادة في الدراسات التي تتناول هُويَّة السودان عربية هى أم أفريقية؟ أو تلك التى تنطلق من مبدأ خصوصية تكوين الثقافة السودانية والهُويَّة الوطنية. وهناك أيضاً من يتناول التنوع العرقي والثقافي السوداني في إطار العلاقات الخارجية (أحمد محمد علي الحاكم،1990؛ عبد الهادي الصديق،1997؛ محجوب الباشا،1998). هذه أمثلة محدودة من الإصدارات الكثيرة حول هذه القضايا التى تصدرها مراكز الأبحاث والجامعات والأفراد، وذلك بصورة ملفتة منذ عقد التسعينات. وهى الفترة التي اشتد فيها وعي النخب السياسية والأكاديمية بأهمية الموروث الثقافي ودوره في إيجاد حلول لمشاكل البلاد التي ظلت عالقة لأمد طويل. وقبل ذلك بكثير كانت قضية الثقافة السودانية والهُويَّة مطروحة في حوارات تركزت حول جدلية العروبة والأفريقانية مع اتخاذها أشكالاً ومناحي متباينة. يرى أحد أبرز مؤرخي العرب والإسلام في السودان أن تكوين الأمة السودانية بدأ في الإطار الجغرافي الحالي للبلاد منذ بداية دولة كوش القديمة وما لحقها من حضارات في العصر الوسيط ويرى أن السودانيين الحاليين يقلب في تكوينهم العرقي العنصر الأفريقي كما أن عمليات التزاوج والانصهار مع العرب الوافدين أنتجت أجيالاً من المستعربين. ويمضي بالقول إن عروبة السودان بالمولد وباللغة والوجدان ولكن الهجين الماثل للعيان لا يجعل منهم عربًا خلصًا (يوسف فضل، 1988: 40-44). وفي مجال آخر يناقش انتشار اللغة العربية وثقافتها في وسط البلاد واضمحلال نفوذها كلما ابتعدنا عن مركز الوسط حيث لا تزال اللغات الأفريقية المحلية رائجة تقاوم تيار التعريب مما يؤكد قوة الثقافة الأفريقية. ويقول "يبدو أن قلة من السودانيين قد أخطأوا عن جهل حينما تطرفوا في المبالغة بانتسابهم للعرب دون سواهم ولعل في هذا التطرف من جهة والتمسك بالحضارة الإسلامية العربية من جهة أخرى محاولة لإيجاد سند حضاري يتكئون عليه بعد أن هزم الاستعمار الإنجليزي ثورتهم المهدية واغتصب بلادهم وكاد أن يحتويهم بحضارته الأوروبية" (يوسف فضل،  1975: 21-22). مما لا شك فيه أن مثل هذا الرأي لا يبعد عن الواقع بل لا يعدم من يطوّره لاتخاذ مواقف أخرى.

 

وعند النظر للحوارات المبكرة حول الهوية السودانية وعلاقتها بالمكوّن التاريخي نجد تباينًا وغموضًا في استخدام المصطلحات مثل "الهوية السودانية" و"القومية/ الوطنية" و"الشخصية السودانية". من الممكن رصد ثلاث ملاحظات عن الأدبيات التي تناولت هذا الموضوع الأولى هي التركيز على الأدب السوداني العربي بخاصة الشعر العربي الفصيح والدارج ثم القصة والمقال باعتبار أنها الأوعية التي تحفظ الفكر السوداني وبالتالي تمثل المصدر الرئيس لمعرفة خصائص الهوية وأصول الثقافة. والملاحظة الثانية أنها تؤرخ للثقافة السودانية من خلال الموروث العربي الإسلامي غير عابئة بما قبله. والملاحظة الثالثة هي أن هذه الإسهامات تركزّ على الأقاليم الشمالية والوسطى عندما يستدعى الأمر العودة للموروث الثقافي القديم وذلك نسبة لتوفر مصادر المعلومات كما ذكرنا آنفاً وهى في الوقت نفسه مكان الأثر العربي الإسلامي الأكثر وضوحًا.

 

والأطروحة الأكثر رواجًا في موضوع الهوية السودانية تقوم على مبدأ التمازج والانصهار بين القبائل العربية والسكان المحليين الذين استوعبتهم الثقافة العربية الإسلامية. وأول ما يلاحظ عليها أنها نادرًا ما تناقش عمليات التغيّر الثقافي ولا تطرح تفسيرًا موضوعيًا للتنوع في مستويات التعريب أو الأسلمة للمجموعات الاثنية المحلية. يذكر الكثير من الكتاب عمليات مزج العنصر العربي مع الأفريقي وفق طريقة ميكانيكية تؤدي في النهاية إلى عنصر بيولوجي جديد يسمى "سوداني" وبعد ذلك تحدث معادلة أخرى، غير واضحة تمامًا، تربط بين البيولوجي والثقافي. فالثقافة الجديدة هي المعادل الطبيعي للعنصر السلالي الهجين. يقول أحد أصحاب هذا الرأي: "... ومن خلال هذا التلاقح ظهر إلى الوجود مخلوق جديد هو السوداني الحديث، الذى لا يشكل دمًا عربياً خالصًا أو دمًا زنجيًا خالصًا، ولكنه بالتأكيد يجمع في أنسجته بين ذينك النوعين من الدماء ويحمل في دماغه نتاج الثقافة الأقوى والأكمل..." (محمد المكي إبراهيم،  1989: 12) وعن نفس عملية التمازج بين العرب الوافدين والسكان المحليين يقول آخر: "... ونتج عن كل هذا عنصر مميز في شخصيته وثقافته وانتمائه. فهو عربي اللسان والثقافة، أفريقي التقاطيع، مزيج عرقي وسط يمكنأن نطلق عليه "عربي أفريقي" "أفرو أراب كما يقول الفرنجة" (عبدالغفارمحمد أحمد 1987: 31). وهكذا فالسحنة أفريقية والثقافة عربية لأن تعريف الأخيرة هنا يقتصر على اللغة والدين ولا يلتفت إلى عناصرها الأخرى (المادية) التي ربما تحمل رواسبًا من الثقافة الأفريقية المحلية.

 

وعلى الطرف الآخر، هناك من يرى وجود مجموعات عربية خالصة في الشمال والوسط وأخرى أفريقية خالصة، مثل ما هو الحال في جنوب البلاد لم تتأثر بالثقافة العربية ولم يحدث اختلاط بها وظلت خارج دائرة التأثير والتأثر الثقافي. واستمر جنوب البلاد بصفة عامة متميزًا اثنيًا وثقافياً كما يرى كثيرون Deng,2000: 8 ومع صحة هذا الرأي في عموميته فهناك أيضًا ما يشير إلى التداخل الثقافي منذ أمد بعيد كما ألمحنا لذلك عند مراجعة التاريخ القديم. إن الحديث عن الأجناس والأعراق وربطها بالثقافة أمر في غاية التعقيد ولا يمكن تناوله بهذه البساطة. وفي حالة السودان لا يوجد حتى الآن دراسات كافية في الأنثروبولوجيا الطبيعية تسمح بالخوض في ربط جنس معين بثقافة معينة وما نشر من معلومات حول هذه المسألة في شمال السودان لا يدل على تحول مفاجئ أو كبير في الخصائص البيولوجية للتركيبة السكانية منذ العهد الكوشي حتى ما بعد سقوط الممالك المسيحية. من جهة أخرى أوضحت الأبحاث الآثارية والأنثروبولوجية بصفة عامة في أماكن أخرى صعوبة، بل ربما خطأ، ربط ثقافة ما بمجموعة عرقية إذ أن هناك حالات موثقة نجد فيها مجموعات من أصول عرقية مختلفة تشترك في نظام ثقافي واحد. ومن المناسب في هذه الحالة البحث في الثقافة من خلال عناصرها الذاتية وليس العنصر البشري الذى أنتج تلك الثقافة.

 

استمر الفكر العربي/ الإسلامي الأكثر وضوحًا من غيره في الحركة الأدبية التي عبر المتعلمون من السودانيين من خلالها عن هويتهم وتميزهم الثقافي. وفي الستينات من القرن المنصرم برزت حركات إقليمية، وفي العاصمة القومية تعبر عن طموحات ومطالب مجموعات اثنية وقبلية تتمثل في حق الاعتراف بالاختلاف الثقافي والمساواة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وفي وقت وجيز تحوّلت إلى منظمات مسيسة تناضل من أجل تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية من مدخل الاختلاف والتنوّع الثقافي. ومن هؤلاء أو من يتفق معهم في الرأي برز قادة للعمليات العسكرية ضد الحكومة المركزية في الشرق وفي الغرب في السنوات القليلة الماضية. وهكذا تحوّل حوار الهُويَّة إلى صراع مسلح يهدد الوحدة الوطنية. ومن جهة أخرى ظهرت حركاتُ تمثل تيارات فكرية مختلفة فيتناولها لقضايا الثقافة والهوية الوطنية وقد عبرت هذه عن وجهات نظرها من خلال المسرح والشعر والمقال الصحفي والندوات..الخ وعلى الرغم من أن أعمال هذه المجموعات جاءت من منطلقات فكرية متباينة، ولم يجمعها إطار تنظيمي واحد، غير أنهافي جملتها تمثل بداية الأطروحة الثانية حول الثقافة السودانية.

 

قدم أصحاب الأطروحة الثانية موضوعاتهم وأفكارهم من خلال معالجة الأدب السوداني، تاريخه ومحتوياته واتجاهاته وأساليبه الفنية. كذلك ظهرت الآراء نفسها في دراسات نقدية للفنون التشكيلية، تبحث في موضوعاتها والينابيع التاريخية لتعبيراتها المختلفة. وقد تميّزت هذه الأعمال النقدية/ الأدبية بشيئين، الأول أنها ركزت على الأصول والصفات الأفريقية والمحلية للثقافة السودانية في محاولة لجعلها ندًا للثقافة العربية أو متفوقة عليها مما أوجد ثنائية ربما هي غير ضرورية في تناول موضوع شائك مثل الهوية الثقافية. والشيء الثاني أنها تطرح بقوة فكرة التنوع العرقي والثقافي في السودان وتنادي بأحقية الأقليات في إبراز هوياتها الثقافية كمدخل للتمتع بحقوقها الطبيعية. وذاعت في وسائط الإعلام في ذلك الوقت مصطلحات لم يتم تحديد معانيها بدقة مثل "الغابة والصحراء" والأقليات الهامشية أو المهمشة" والأفريقيانية" ودون المساس بحقوق تلك الأقليات أو الاعتراف بوجودها، على المرء أن يضع في الاعتبار عمليات التغيّر والاختلاط التي أحدثتها التطورات الاقتصادية والتعليمية والإدارية الحديثة وسبل الاتصال في الفترة التي أعقبت نشر المعلومات الأولية عن الكيانات الاثنية الصغيرة وثقافاتها. إذ ليس معروفًا على وجه اليقين ما حدث لتماسك الكيانات الصغيرة. ومن جانب آخر، على المرء أن يتذكر نتائج الهجرات أو النزوح الجماعي الذى تمخض عن النزاعات القبيلة وقسوة موجات الجفاف منذ سبعينات القرن الماضي. وقد يحدث أن يلتحق بعض أفراد المجموعة الاثنية بمجموعة أخرى وتندمج فيها ثم تكتسب طريقة حياتها. وليس موثقًا على وجه الدقة أيضًا مدى التغيّرات التي حدثت في ثقافات المجموعات النازحة من ناحية اللهجات والعادات وغيرها. وفي مثل هذه الظروف تتبدل هُويَّات وتتشكل غيرها (يوسف مختار الأمين،2001).

 

عودًا على بدء

أشرنا إلى أن قضايا الوحدة الوطنية وانتماءات السودان معقدة تتداخل فيها عوامل شتى منها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والإقليمي بيد أن العامل الثقافي يمثل فيها موقعًا مركزيًا. ومما لا شك فيه أن حوارات السودانيين حول الهُويَّة على ما فيها من غموض، لم تنته إلى موقف فكري يلتف حوله معظم الناس ليتخذوه منطلقًا لحلول موضوعية لمشاكل البلاد العالقة منذ ما قبل الاستقلال.

 

وعندما حَصُل السودان علىاستقلاله من الحكم الأجنبي رسميًا في 1956 م. كان انضمامه لجامعة الدول العربية أمرًا طبيعيًا لم يشكل عقبة أمام الطبقة السياسية التي قادت حركة المقاومة وشكلت الأحزاب الوطنية الفاعلة ومنظمات العمل المختلفة. كان غالبية هؤلاء القادة من طلائع الطبقة الوسطى التي نالت حظها من التعليم ونالت التدريب في دواوين الحكومة وقد كانوا أصلاً ينحدرون من المجموعات السكانية ذات الأصول العربية. لقد ظلت معظم أقاليم السودان بعيدة عن التعليم الحديث لفترة طويلة بل أن بعضها ظل خارج مجريات الأحداث بفضل سياسات العزل التي فرضتها الإدارة الأجنبية. والمطّلع على التاريخ الرسمي لحركة الاستقلال يرى للوهلة الأولى توجهها العربي الإسلامي حيث كانت وثيقة الصلة بالحركة الوطنية المصرية على سبيل المثال. وكان خطاب حركة المقاومة للأجنبي عربيًا وإسلامياً، لغته العربية كما هي وسيلتُه في الاتصال والإعلام، من خلال المقال والبيان الجماهيري والقصيدة الشعرية. نجحت القطاعات الشعبية ذات الأصول العربية في التمدد اجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا كما نجحت بدرجات متفاوتة في استقطاب أو استصحاب القطاعات الأخرى من المجتمعات غير العربية. وبمرور الوقت ترسخ تيار العروبة والإسلام في شكل "أيديولوجية" للنخب الطليعية يدعمها مكتسبات اقتصادية وإنتاج ثقافي يتمثل في الكتابات التاريخية والاجتماعية ومناهج التعليم الرسمي والشعبي.

 

إن قبول السودان كدولة وشعب في منظومة البلاد العربية، كان حصيلة أوضاع تاريخية وثقافية تعود للقرن السادس عشر كما أسلفنا، وذلك أمر له مزاياه الحسنة بطبيعة الحال كما له استحقاقاته. ومما لا خلاف عليه فإن غالبية أهل السودان يدينون بالإسلام ويتحدثون العربية بالرغم من تنوعهم العرقي الواضح. فقد ساعد انضمامه في تقوية الثقافة العربية ومكنّها من الدعوة لاستيعاب الجميع وذلك رغمًا عن التباين الاثني والتاريخي. وبمرور الوقت أصبحت الثقافة العربية تلقائيًا مجموعة من الرموز والمعتقدات الاجتماعية المتماسكة التي ينظر من خلالها الفرد السوداني للواقع الاجتماعي. واستمرت هذه العملية عبر قنوات المثاقفة والتعليم كما جرى أثناء ذلك تأطير المجتمع وفئاته على تلك الأسس. ومن دون تخطيط مسبق من النخب المسيطرة، أعاق ذلك التأطير فرص الأقليات التي لا تتوافق مع النموذج السائد، في مجالات التطوير الذاتي، اقتصاديًا واجتماعيًا. وهكذا تكّون حاجز نفسي/ سلطوي يقف في وجه أية مراجعة تهدف إلى معالجات للشأن الداخلي يُظن أنها قد تمس جوهر الانتماء العربي الذى ترسخ تاريخيًا.

 

وفي التسعينات من القرن المنصرم تعقدت الأزمة السودانية وامتد النزاع ذو الصبغة الثقافية إلى أقاليم أخرى غير جنوب البلاد حيث دخلت فيه مجموعات قبيلة مسلمة أصولها غير عربية. ليس من السهل إرجاع تفاقم هذه الأوضاع إلى عوامل داخلية فحسب وإنما لأخرى خارجية أيضًا ذلك لأن معطيات النظام العالمي الجديد ليست ببعيدة عن مجريات الأمور في السودان.

 

واليوم لا يختلف اثنان على محورية التنوع الثقافي والاثني في السودان ولا على وجوب البحث عن حلول جذرية لمشاكل ظلت عالقة لسنوات طويلة. فأدبيات الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني كلها تتفق على جوهر هذا الأمر ولكنها تختلف في الحلول والمسالك المؤدية إليها. إن الجدل المستمر منذ سنوات صار صريحًا وجريئًا إذ تناول تفاصيل الأسس التي قام عليها المجتمع السوداني الحديث ولامس علاقاته الإقليمية في الوقت نفسه. فمن جهة علاقات السودان العربية انتبه البعض إلى أن الحوار الجاري الآن بين فئات المجتمع لم يشاركهم فيه الأخوة من المفكرين العرب بصورة ترقى لمستوى نسبة السودان للمنظومة العربية. فقد تُرك السودان لحاله وإن كانت هناك مشاركة فهي من منطلقات الأمن القومي العربي والمحافظة على السودان باعتباره "بوابة العرب إلى إفريقيا" و"معبر الثقافة العربية..." الخ، وهى شعارات يصفها الكثيرون بأنها تبشيرية ضارة بمصير العلاقات الداخلية بين اثنيات السودان المختلفة، ناهيك عن كونها تعبر عن مفاهيم قديمة غير مناسبة حتى من منطلق الحرص على انتشار الثقافة العربية الإسلامية. فإنجاز الهدف الأخير في وقتنا الحالي لا يحتاج لمعابر أو بوابات جغرافية ينتقل عبرها الأثر الثقافي. ويمضي هؤلاء إلى أن عدم مشاركة العرب الإيجابية تعود إلى هامشية عاشها السودان في علاقته العربية منذ أمد. وتترسخ تلك الهامشية في قلة الإلمام بخصوصية التكوين الاجتماعي للسودان كما أن المعطيات التاريخية والثقافية السودانية غير معروفة بدرجة كافية لأشقائه. وربما تعبر هذه الحالة عن نفسها بتلك المؤلفات التي كتبها السودانيون في موضوعات شتى وبدت وكأنها مرافعات لإثبات عروبة السودان وثقافته. ناقش محمد عمر بشير قضية خصوصية التنوع الثقافي والاثني في السودان في سياق حديثه عن البعد العربي والأفريقي في علاقات السودان. وذكر أن السودان لم يشرك أحيانًا في بعض المنظمات العربية بسبب وضعه الطرفي أو لعدم حسم مسألة العروبة فيه (محمد عمر بشير،1991: 84-90). ويمضي ذلك الاستقطاب داخليًا مداه عندما برزت على السطح فكرة المواطنة كأساس للتعايش ونيل الحقوق وليس الدين أو العرق، أو غيرهما. هذا هو المدخل المناسب لفك الارتباط بين العروبة واحتكار السلطة والثروة على رأي بعض من يدعمون هذا الاتجاه. وما يجري الآن من مفاوضات جريئة (3) بين كل الأطراف السودانية لا يخرج عن هذا الإطار ويبدو أن الكل يستعد لتقديم تنازلات تبدو تاريخية من أجل تأمين الوحدة الوطنية. وإن وصل الحوار القائم الآن إلى غاياته المنشودة فسوف يكون للسودان وجه جديد تفرضه الظروف الموضوعية الداخلية وليس رغبات أفراد أو جهات أجنبية. والوضع الجديد المتوقع ينطلق من مراجعة مواقف الهُويَّات الثقافية التي صار لكل واحدة منها قراءة رسمية لتاريخها ظلت غير قابلة للمراجعة أو الاختراق لفترة طويلة. وعلى المستوى الداخلي فإن تاريخ البلاد على النحو الذى كتب به في الغالب، ربما بسط سلطته المعنوية لمصلحة فئة من المجتمع دون أخريات لتستمد منه القوة والسلطة وتشكل من خلاله الحاضر. لا أود أن يأخذنا بعيدًا القول الشائع أن التاريخ يكتبه المنتصرون وفق ما يودون ولكن مساءلة التاريخ أمرُ ضروري يمليه علينا راهن الأوضاع في السودان. إن إعادة قراءة التاريخ الثقافي بكامل عصوره لا بد أن يكون مقرونًا بمشروع الأبحاث الحقلية المستمرة آنفة الذكر خاصة في تلك الأقاليم التي ليس لها تاريخ مدون. والمعلومات التي توفرها الآثار والمصادر التاريخية والتراث الشعبي هي المصدر الأساسي الذى يكشف لنا مستويات الاتصال والتأثير بين مختلف الاثنيات والأعراق في البلاد ومن ثم إبراز المشترك بينها الذى يدعم أواصر الوحدة الثقافية ويعترف بالتنوع والخصوصية في الوقت نفسه. ولتأمين هذه الأشياء لا تكفي فقط القرارات السياسية على كل حال.

 

ولكن الفهم المشترك للظروف التاريخية التي تشكلت فيها الثقافة السودانية يفتح الباب واسعاً أمام البناء الوطني والتماسك الاجتماعي. وذلك من منطلق أنها إحدى ركائز الشرعية التي تقوم عليها الدولة الوطنية كما ذكرنا. عندئذ قد يكون السودانيون في وضع أفضل لخلق علاقات إقليمية أكثر توازنّا وفائدة لهم ولشركائهم في العالمين العربي والأفريقي من جهة، ولمصلحة نمو الثقافة العربية الإسلامية وتفاعلها مع الثقافات المحلية من جهة أخرى.

 

هوامش

(1) سمي هذا المنهج في الدراسات الآثارية بالاثنواركيولوجيا وهو يقوم على تحليل العناصر المادية للمجتمعات التقليدية في سياقاتها البيئية والاجتماعية بغرض جمع معلومات تفيد في بناء فرضيات نظرية ينطلق بها الباحث من الحاضر لتأويل الماضي (يوسف مختار الأمين، 2002).

(2) اتخذته مجموعة من الأدباء والتشكيليين شعارًا لمنتدى فكري يبحث في أصول الثقافة ومنابعها الأفريقية وذلك في الستينات من القرن المنصرم.

(3) تتمثل جرأة الحوار بين السودانيين عندما تقرر أن تكون الخرطوم عاصمة للثقافة العربية عام 2005م حيث رأى البعض أن تحديد العربية قد يسبب مشكلة داخلية بالنسبة للمجموعات الأخرى غير العربية. ويرى آخرون أن الخرطوم ستقدم وجهًا سودانيًا للثقافة العربية يشتمل على عناصرها الأفريقية في الوقت نفسه. ومن اللافت أن النقاش كان حرًا ومفتوحًا في وسائط الإعلام أسهم فيه الكثيرون بمن فيهم بعض المسئولين.

 

المراجع

محمد المكي إبراهيم، 1989، الفكر السوداني، أصوله، وتطوره، الخرطوم.

يوسف مختار الأمين، 2001، تحولات الهوية السودانية. العصور الجديدة 7: 82 – 95.

محجوب الباشا، 1998، التنوع العرقي والسياسة الخارجية في السودان. مركز الدراسات الاستراتيجية، الخرطوم.

محمد عمر بشير، 1991، السودان بين التجمعات الإقليمية وتجمع دول حوض النيل. في: علاقات السودان الخارجية (البعد العربي والإفريقي). تحرير حامد عثمان أحمد ومدني محمد أحمد، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص ص 84-114.

أحمد محمد علي الحاكم، 1990، هوية السودان الثقافية، منظور تاريخي، دار جامعة الخرطوم للنشر.

يوسف فضل حسن، 1975، دراسات في تاريخ السودان، الجزء الأول، دار جامعة الخرطوم للنشر.

يوسف فضل حسن، 1988، مفهوم الأمة السودانية: منظور تاريخي. في: دراسات في الوحدة الوطنية في السودان، تحرير العجب محمد الطريفي، دار جامعة الخرطوم للنشر، ص 23-64.

منصور خالد 1993، النخبة السودانية وإدمان الفشل (جزءان) سجل العرب. القاهرة.

شارل بونيه 1997، كرمة مملكة النوبة. تراث أفريقي من عهد الفراعنة. ترجمة: أحمد محمد علي الحاكم، دار الخرطوم للطباعة والنشر.

عبد الهادي الصديق، 1998، السودان والأفريقانية. مركز الدراسات الاستراتيجية، الخرطوم.

عبد القادر محمود عبد الله، 1986، اللغة المروية. مطابع جامعة الملك سعود.

عبد الغفار محمد احمد، 1987، السودان والوحدة في التنوع، المكتبة العربية، برلين.

عباس سيد أحمد محمد علي ويوسف مختار الأمين 1992، مشروع البطانة الأثري (شرق السودان): النتائج والدلالات. في: دراسات في الآثار. الكتاب الأول. ص ص 65-99. قسم الآثار، جامعة الملك سعود، الرياض.

حليم اليازجي، 1985، السودان والحركة الأدبية (جزءان). منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت.

 

Adams, Y. M. 1977, Nubia: Corridor to Africa. Allen Lane, London.

Arkell, A. J. 1975, The Prehistory of the Nile Valley. Leiden.

Deng, F. 2000, ‘Race and Culture: Prejudice and Denial in Sudanese Society’. In: Sudan: Development and Culture; 5-12. Sudanese Studies Centre. Cairo.

Elamin, Yousif. M. 1999, ‘Archaeology and Modern Sudanese Cultural Identity’. The African Archaeological Review 16: 1-3.

El-Zein, Intisar. S. 2000, ‘The Archaeology of the Early Islamic Period in the Republic of Sudan’. Sudan and Nubia. No.: 32 – 36.

Haaland, R. 1992, ‘Fish, Pots and Grain’. The African Archaeological Review, 10: 43-64.

Hassan. Fekri. A. 1998, ‘Memorabilia. Archaeological Materiality and National Identity in Egypt’. In: Archaeology Under Fire. Nationalism Politics and Heritage in the Eastern Medit. And Middle East. (ed) Lynn Meskell. Routledge. London. 200-216.

Hassan, Yusuf. F. 1967, The Arabs and the Sudan. Edinburgh.

Mack, John and Robertshaw (eds) 1982, Culture History in the Southern Sudan. Archaeology, Linguistics, Ethnohistory. Memoir No. 8 of the British Institute in Eastern Africa.

MacMichael, H. A. 1967, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vol.. London: Frank Cass and Co.

O’connor, D. 1993, Ancient Nubia; Egypt’s Rival in Africa. Philadelphia.

O’Fahey, R. S. and Spaulding J. L. 1974, Kingdoms of the Sudan. London: Methuen and Co. Ltd.

Trigger, B. G. 1975, ‘Alternative archaeologies: nationalist, colonialist, imperialist’. Man 19: 355-70.

Woodward, P. 1990, Sudan: 1898 – 1989 The Unstable State.. London: Lester Crook Academic Publishing.

 

 

 

 

يوليو/ 2004

 

 

 

 

 

لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ

جِبَالُ النُّوبَا .. الإنجليزيةْ !

 كمال الجزولي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

(1/1) تقريران صحفيان، بفارق زمنى لا يتجاوز الأسبوعين، حول حدث استثنائى جار منذ حين فى جبال النوبا بهدف إحلال الإنجليزية (الإنجليزية لا اللغات النوباوية!) محل العربية فى التعليم والتخاطب، شدا تفكيرى وأثارا قلقى، طوال الفترة الماضية، حتى بتُّ أخشى، أكثر من أي وقت مضى:

 

أ/ أننا، جماعة المستعربين المسلمين فى السودان، لم نتأهل، بعدُ، للتواضع مع الأغيار على ترتيبات التساكن المتنوع فى وطن واحد كما ينبغى، كونَ مقدمات ضرورية ومطلوبة بإلحاح لم تتوفر، حتى الآن، (داخل) جماعتنا الاثنية هذه، بما يمكنها، ولو بالحد الأدنى، من حسم (صراعاتها) حول تصوراتها شديدة التبايُن (للمشروع الوطنى)، أولاً، والاستقامة على صراط التعدد المتوحد بين مكوناتها هى نفسها، قبل أن تدعى طاقة ما على تدبير مساكنتها للآخرين؛

 

ب/ وأن الأغيار، من جانبهم، ربما كانوا أعمق توحلاً مِنا فى هذا المأزق التاريخى، على الأقل لجهة ما يعانى عنصر (المكوِن الثقافي) لديهم من ضعف مزمن فى الوعي بذاته، رغم الاسهام غير المنكور لهذا (المكون)، على علاته، فى توجيه يقظتهم القومية (عبد الله على ابراهيم، 2001). 

 

ج/ بالتالي، فإن ما ينشغل به طرفا التفاوض فى (نيفاشا) حالياً ليس بالأهم ولا بالأخطر، بل إن كلاهما، فى غمرة الانهماك فى مفاصلة (التشاشة) المستعرة بينهما على (السلطة والثروة)، منذ حين، إنما يُفرط فى القضية الأساسية: (الوحدة الوطنية)، عن قصد أو عن غفلة .. سيَّان!

 

(1/2) التقريران كلاهما من (كاودا)، التى تقع ضمن المناطق التابعة لإدارة الحركة الشعبية/ الجيش الشعبي لتحرير السودان:

 

أ/ الأول لـ أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، نشره بتاريخ 29/11/2003 تحت عنوان (اللغة كقضية سياسية فى جبال النوبا)، حيث تكتظ الآن فصول المدرسة الابتدائية وحدها بأكثر من 560 تلميذاً تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، عدا الكبار، بمن فيهم دفعة كاملة من 60 مدرساً يجرى تدريبهم ضمن البرنامج الجديد لإحلال العربية محل الإنجليزية!

 

ب/ أما التقرير الآخر فلمراسل (الواشنطن بوست) الأمريكية، نشرته بتاريخ 16/12/2003 تحت عنوان (عائق لغوي فى طريق السلام)، يصف مشهد التلاميذ يتدفقون فى الفجر، فى ظل اتفاقية وقف إطلاق النار، من قمم التلال المُعشِبة سيراً على الاقدام، ساعة أو ساعتين، صوب مدرستهم الجديدة، حيث ينتظرهم، على سبورةٍ داخل كهف من الطين، عنوان الدرس الصباحي: Ethnicity (العلاقات الاثنية)!

 

(2)

(2/1) لم يستغرب مراسل (الواشنطن بوست) للطبيعة السياسية الصارخة للدرس المشمول بكتاب مدرسى تم وضعه بمعرفة سلطات الحركة، بقدر ما أثارت دهشته لغة الدرس نفسها: الإنجليزية(!) فعلق قائلاً: يبدو، مع اقتراب الشماليين الناطقين بالعربية والجنوبيين الأفارقة السود من توقيع اتفاق سلام نهائى بعد سنوات الحرب الأهلية المتطاولة، أن اللغة التى ستستخدم فى الوسط تمثل مشكلة ينبغى التعاطى معها بجدية. فسكان الجبال يتحدثون العربية، لغة البلاد الرسمية "عبر قرون من تجارة الرقيق والتهجير القسري"، على حد تعبيره، "ولكنهم مع ذلك يقولون إنهم أقرب اثنياً وثقافياً إلى الجنوب" الذى تسود فيه الإنجليزية منذ أيام الادارة البريطانية" (!) لذلك فإن النوبا فى المناطق التابعة للحركة، والبالغ عددهم 400,000 نسمة، صوتوا (صوتوا ؟!) قبل عامين، حسب التقرير، لكى تصبح الإنجليزية هى لغة التخاطب lingua franca بدلاً من العربية!

 

(2/2) وينقل المراسل عن سايمون كالو، مدير التعليم فى الاقليم، قوله: "ليس فى الأمر مغامرة، فنحن كما ترى أفارقة ولسنا عرباً، وسوف نبنى السودان الجديد ونقرر مصيرنا، وهذه النقلة إلى الإنجليزية تمت، فى الحقيقة، برغبة كل النوبا"! وتعضيداً لهذه الافادة يضيف المراسل شهادته الشخصية المباشرة بأن (النقلة) تحظى، بالفعل، بتأييد واسع وسط المواطنين ".. فكل الذين تحدثت إليهم هناك شددوا على أنهم يعدونها بمثابة الخطوة الأولى فى تقرير وضعهم الجديد (بانفصال!) عن الشمال". ويستشهد بما قالته له آمنة اسماعيل (18 سنة) عن تعلقها الشديد بدروس الإنجليزية ".. فالتحدث بالعربية يؤلمنى لأنها ليست لغتى" (!) وكذلك بتأكيدات عائشة محمود (24 سنة) الصارمة له قائلة: "إذا مُنِعنا من تعلم الإنجليزية، فسنعود للقتال مجدداً"!

 

(2/3) كما ينقل التقرير عن أليكس دى وول، مدير منظمة (Justice Africa ـ أفريقيا العدالة) ومؤلف كتاب (Facing Genocide: The Nuba of Sudan - نوبا السودان فى مواجهة الابادة الجماعية)، قوله: "من المفهوم تماماً أن تتم النقلة للإنجليزية فى هذا المنعطف بالذات من تاريخ هذا الشعب .. الذى يعد ضحية لمخطط لا يمكن وصفه بغير التطهير العرقى المنهجى. لقد رسبت جملة الآثار السالبة لخبرة الجهاد، والتهجير الجماعى على وجه التعيين، فى وعى هؤلاء الناس بعمق". ويعقب المراسل على هذا الحديث بأن نسبة 20% من النوبا مسلمون، غير أنهم يعارضون النموذج الإسلامى الذى سعت الحكومة لفرضه منذ تسعينات القرن المنصرم. ويعضد ذلك بطرف مما سمعه من الامام آدم عطرون عن أن الشماليين قصفوا مسجده فى كاودا، وأن قضيته موثقة لدى مختلف جماعات حقوق الإنسان، وأن ".. الشماليين يضطهدوننا لأننا سود، ولذلك فأنا الآن أريد لأطفالي أن يتعلموا الإنجليزية" .. الخ الخ!

 

(3)

(3/1) أما أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، فقد اهتم، من جانبه، بالطابع السياسى للقرار الذى أصدرته فى 2001 سلطات الحكم المحلى للحركة، والذى قضى بإحلال الإنجليزية محل العربية لغةً للتخاطب والتعليم فى مدارس الغابة! وأورد ما قاله سايمون كالو لمجموعة صغيرة من الصحفيين الأجانب، شارحاً خلفيات القرار بأن النظام التعليمى القديم فى الجبال كان يهدف بالأساس إلى تعريب وأسلمة النوبا، و".. لقد أسلمت أنا نفسى عندما كنت تلميذاً وغيرت اسمى لإسماعيل، وإلا لما كنت أكملت تعليمى"! ويمضى التقرير ليروى كيف أن الحرب تسببت فى قفل المدارس لسنوات طوال، وما أن أعيد فتحها فى أعقاب اتفاقية وقف إطلاق النار لسنة 2002، حتى أقبل الناس عليها صغاراً وكباراً. غير أن المشروع سرعان ما اصطدم بمشكلة عدم توفر العدد الكافى من المدرسين المحليين ".. فاضطررنا لسد هذا النقص باستقدام العشرات من المدرسين الكينيين واليوغنديين الراغبين فى المساهمة فى هذه الثورة اللغوية linguistic revolution "، على حد تعبير مسئول الحركة!

 

(3/2) وينقل مورلاند أيضاً عن دانيال كوكو ماندى، أحد مدرسى المستقبل المحليين الذين يجرى إعدادهم فى دورة تدريبية بمساعدة (اليونيسيف): "لا نريد العربية بعد اليوم. إنها لغة العرب وليست لغتنا. أما تعليم الإنجليزية فأمر طيب. إنهم يتحدثون بها فى كل العالم، يعنى تستطيع أن تتخاطب بها مع أى إنسان"!

 

(3/3) ولعل أهم ما فى تقرير مورلاند جانبه المتعلق بالمنهج الجديد لمادة (التربية الوطنية)، والهادف إلى تصحيح المفهوم الخاطئ عن السودان الذى غالباً ما يُصور من خلال أجهزة الاعلام باعتبار أن شماله يتبع للعرب المسلمين بينما يتبع جنوبه للأفارقة المسيحيين. وعندما سأل الصحفيون المعلم الذى يستخدم كتاباً مقرراً من جانب الحركة إن كان من رأيه أن مثل هذه المواضيع سياسية بمستوى لا يتناسب وتلاميذ المرحلة الابتدائية، أجاب على الفور: طبعاً سياسية، وإلا لما أسموها (تربية وطنية)!

 

 (4)

(4/1) كالعادة، سوف يصرف ذوو الفطنة والذكاء فوق المتوسط جُل جهدهم للامساك بهذين المراسلين متلبسين بالفبركة الصارخة والتزيد المفضوح والتناقض الساذج، وربما أيضاً (بالغرض) الذى هو، بلا شك، (مرض)! وسوف يجدون فى التقريرين، بالقطع، صيداً وافراً من ذلك كله، بخاصة تحشير الفبركات الواضحة فى ثنيات الحقائق الثابتة، أو التى يمكن، على الأقل، قبولها عقلاً فى ضوء معطيات مظالم الهامش المشهودة عبر التاريخ الاقتصادى السياسى والاجتماعى والثقافي لبلادنا، وكذلك بعض الألفاظ التى وُضعت وضعاً، وبتعمُّد ملحوظ، على ألسنة (النوبا)، كما فى تسميتهم للجلابة "بالشماليين"(!) علاوة على بعض النتائج التى رُتبت، بالمفارقة لمنطق السياق، على مقدمات ليست من جنسها أصلاً، كأن يلتمس الامام عطرون الذى دُمِّرَ مسجدُه رداً لمظلمته فى تعلم الإنجليزية(!)، أو تنذِر عائشة محمود، إنْ حُرمَ قومُها مِن تعلم الإنجليزية، بدخول الغابة .. عديل كده(!)

 

(4/2) ولكن ما ينبغى أن نسمعه، ونعقله، ونعيه جيداً هو أمر آخر تماماً. فالمؤسف حقاً أن كل ما يمكن رصده وتصنيفه من تناقض هنا أو فبركة هناك يظل غير كافٍ بمجرده لدحض هذين التقريرين جملة وتفصيلاً، حيث يبقى الجذر الأساسى للحقيقة العيانية فيهما قائماً فى ما آلت إليه، بالفعل، كلا العربية وحمولتها من ثقافة الجماعة المستعربة المسلمة فى البلاد، بفعل تحولهما إلى أسلحة فى يد التيار (السلطوي) داخل هذه الجماعة، والذى ما انفك يستعلى باسمها، تاريخياً، على المساكنين من الأغيار باللغة والثقافة والدين والعرق.

 

(4/3)وربما كان من أكثر مشاهد هذا المآل وضوحاً ما تعانيه لغة هذه الجماعة وثقافتها، فى راهنهما المُعاش والملموس، من اهمالٍ وضآلةِ شأن وسط الأجيال الجديدة من أهلهما أنفسهم، الذين يبدو أنهم تركوهما تماماً لهذا التيار (السلطوي) يشبعهما ركاكة وتنطعاً وسوء استخدام، حتى ليكاد الآن يُغَطِس حجرَهما نهائياً، دَعْ افتقارهما لأدنى مقومات المناعة بإزاء شتى صنوف المخططات الخارجية الرامية لجعلهما ثغراً تؤتى من قِبَلِه، لا أشواق (الوحدة الوطنية) فحسب، وإنما (وجود) الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها، كإحدى مفردات منظومة التعدد السودانى، بصرف النظر عن درجة وضوح أو خفوت هذا الاستهداف. ودونك ما كشف عنه التقريران من نشاط لليونيسيف (حتى اليونيسيف!) فى تقديم الدعم المباشر للتعجيل بإحلال الإنجليزية محل العربية، واستقدام معلمين من كينيا ويوغندا (يعنى لا جنوبيين ولا شماليين ولا حتى نوبا!) لتعليم القراءة والرياضيات والوعي الصحى و .. التربية الوطنية(!) وذلك بعد أن تبيَّن أن أغلب المعلمين النوبا، المقبلين بحماس على هذا البرنامج التدريبى بمدرسة (كاودا)، لا يعرفون، أصلاً، أقل القليل عن الإنجليزية! فالعملية، إذن، أشبه ما تكون، فى جوهرها، إعادة إنتاج (المشهد التبشيرى) فى مطالع القرن الماضى، سوى أنه (تبشير)، هذه المرة، (باللغة)! ولعل هذا بالضبط هو ما أفصح عنه، على نحو ما، ريدينتو لاروكو، ناظر المدرسة اليوغندى المتقاعد والمنتدب حالياً للمساعدة فى تدريب الدفعة الجديدة من هؤلاء المعلمين، بقوله لمراسل (الواشنطن بوست): "كثيراً ما يعترينى إحساس (المبشر) أثناء عملي هنا فى تدريس الإنجليزية .. لكننى أعتقد، على أيَّة حال، أنه عمل جيد. إن هذا ما يريده الناس حقاً"!

 

(4/4) وحقاً ما أتعسها لغة حسبناها، لغفلتنا، رَبَتْ فى ألواح (الفقرا)، وطمحت من أخراج (الجلابة)، فتطامنت على ألسنة المُساكنين مشروع وحدة لا تطمر حقاً فى التفرد الثقافي، وأداة تواصل لا يقطع رحماً للغات الأمهات، فإذا بنا نصحو، آخر الليل، على آخر كابوس كنا ننتظره: أن ينقلب هؤلاء أنفسهم يركلونها، فى نهاية المطاف، كما تركل الحصاة فى قارعة الطريق، ويكشطونها من وجدانهم كما تكشط الشخبطة المطموسة فوق الجدار العتيق، أو يثفلونها، تماماً كما تثفل لطعة الدم من الحلقوم! فمن ذا الذى يُسائِل التاريخ عن هذا المآل: تيار الاستعلاء من سلطنة (الكَكَر) إلى سلطة (الجبهة)، يتوهم قدس الأقداس فى (أسلمة) الآخرين و(تعريبهم)؟! أم تيار الغفلة عن استحقاقات (الوحدة) كضرورة موضوعية، من (أنيانيا وَنْ) إلى (الحركة الشعبية)، يتوهم أن (استعلاء الجلابة) البغيض لن ينثلِمَ بغير (استعلاء الهامش) المضاد، حتى لو اقتضى الأمر الاستقواء بالعامل (الخارجى)، سياسة كان أم ثقافة أم .. لغة؟! ولكون الاجابة الكاملة ليست بذات السهولة التى يمكن أن ينطرح بها السؤال، بل هى مما يستلزم، دون شك، مبحثاً مستفيضاً فى الاقتصاد السياسى للعلاقات الاثنية فى السودان، فسنقتصر هنا على الاشارة لبعض ذلك بما يخدم أغراض هذه المقالة القصيرة.

                                                                             

(5)

(5/1) عند التصدى للشق الأول من السؤال فإن أهم الحقائق التى ينبغى أخذها فى الحسبان هى أن غالبية الجماعة المستعربة المسلمة تنتسب، بثقلها الاقتصادى السياسى والاجتماعى الثقافي فى بلادنا، إلى العنصر النوبي (النوبي لا النوباوي) المنتشر على امتداد الرقعة الجغرافية من أقاصى الشمال إلى مثلث الوسط الذهبي (الخرطوم ـ كوستي ـ سنار)، وهو العنصر الذى ينتمي إليه غالب (الجلابة)، أو الطبقات والشرائح الاجتماعية التى تمكنت، منذ خمسة قرون، من تركيز الجزء الأكبر من الثروة فى أيديها (ساندرا هيل ـ ضمن ب. ودوارد، 2002)، والتى تشكلَ فى رحمها، تاريخياً، التيار (السلطوي) المستعلى على الآخرين فى الوطن بعِرق (العرب!) ودين (الإسلام) وثقافته، بالاضافة إلى اللغة (العربية) بطبيعة الحال. فعلى الرغم من الأصول النوبية لأغلب المنتمين لهذه القوى الاجتماعية، إلا أنهم لم يعودوا يستبطنون الوعي بهذه (الهُويَّة) التى استحالت هى نفسها إلى (هامش)، وإنما يزعمون تشكلهم نموذجاً (قومياً) محدَّداً بالإسلام والعروبة. بعبارة أخرى، ولكى نكون أكثر وضوحاً، فإن المشكلة لا تكمن فى هذه السيرورة الهُويويَّة نفسها بقدر ما تكمن فى الأسلوب القامع الذى اتبعته هذه القوى الاجتماعية فى الاستعلاء باستعرابها وتأسلمها على كل من أضحت تتوهم أنهم (دونها)، ضربة لازب، من سائر أهل الأعراق والأديان والثقافات واللغات الأخرى. لقد ذوت الهُويَّة القديمة، إلى حد بعيد، فى وجدانها، ولم يعُد لنوبيتها أي معنى حقيقى، ولكنها انطلقت تقدم نفسها نموذجاً (قومياً) أو ثقافة (قومية) ترتكز إلى اللغة العربية والثقافة العربية الإسلامية والدين الإسلامى، دون أن تستوفى أشراط تشكلها نموذجاً كلياً يعبِر عن (مجموع) الثقافات السودانية، أو يعكس منظومة (التنوع) السودانى، فما تزال تعبر فقط عن محض "إدراك وفهم نيلي شمالي لهذه الهُويَّة السودانية الصاعدة" (دورنبوس، فى بارنت وكريم ـ المرجع نفسه).

 

(5/2) شكلت مراكمة الثروة فى أيدى هؤلاء (الجلابة)، إذن، الخلفية التاريخية لنشأة التيار الاستعلائى السلطوي وسطهم، (بتمكينه) من فرض نمط (تدينه) والمستوى الذى يناسبه من الثقافة العربية واللغة العربية. ولأنه ليس من أهداف هذه المقالة، بل ليس فى وسعها، تتبع السيرورة التاريخية الطويلة التى أنتجت رأسمالية المستعربين المسلمين الطفيلية الراهنة، فإننا نكتفى بالاشارة هنا إلى أهم محطاتها، كالدفعة الكبيرة التى وجدتها، مثلاً، من الإدارة البريطانية (1898م ـ 1955)، عندما احتاجت هذه الأخيرة إلى خلق (المؤسسة السودانية) الداعمة لها من شريحة كبار التجار مِمن مكنتهم خدمتهم لرأس المال الأجنبى فى السوق المحلى، وقتها، من مراكمة ثروات أعادوا استثمارها، بشكل رئيس، فى مجال الاستيراد والتصدير، أو فى بعض الصناعات التحويلية الخفيفة، فى مرحلة ما بعد الاستقلال (ت. نبلوك، 1990)، قبل أن يتفرغوا نهائياً، منذ أواخر سبعينات القرن الماضى، للمضاربة فى العقارات والعملات .. الخ، بالاضافة إلى الأرستقراطية القبلية والطائفية التى جرى تمكينها من التصرف فى الأراضى والثروات، والشرائح العليا من بواكير خريجى (الكلية) الذين لعبت دخولهم العالية دوراً مهماً فى تشكيل نزعاتهم المحافظة (ت. نبلوك، 1990).

 

(5/3) غير أنه يعنينا، مع ذلك، لفت الانتباه إلى الأهمية التاريخية الاستثنائية التى يكتسيها التكوين الأولي الباكر للفئات والشرائح الاجتماعية العليا، المنتمية، بالأساس، إلى الجماعة المستعربة المسلمة، والأوضاع الاقتصادية السياسية والاجتماعية الثقافية التى تشكلت فى عقابيل انهيار الممالك المسيحية وتأسيس (مملكة سنار)، على النحو الآتى:

 

أ/ جرى ذلك التكوين وما ترتب عليه من أوضاع فى ملابسات النشأة الأولى لنظام التجارة البسيط على نمط التشكيلة ما قبل الرأسمالية منذ مطلع القرن السادس عشر (ك. بولانى ، المرجع نفسه)، وازدهار التجارة الخارجية تحت إشراف  السلاطين ورعايتهم، على غرار قوافل التجارة الموسمية فى مكة مع بدايات الانقسام الطبقى واكتمال انحلال النظام البدائى خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين (بيلاييف، 1973)، وإلى ذلك اندغام مختلف شرائح التجار والموظفين والفقهاء وقضاة الشرع (أهل العلم الظاهرى)، أو الطبقة الوسطى قيد التكوين آنذاك، فى (السلطة الزمنية) من باب الدعم الذى كانوا يقدمونه للطبقة الأرستقراطية العليا من السلاطين والمكوك وحكام الأقاليم، والفائدة التى كانوا يجنونها من امتيازات تحلقهم حول مركز السلطة بما كانوا يحصلون عليه ويعيدون استثماره تجارياً من أنصبة صغيرة من الذهب والرقيق وخلافه (أوفاهى وسبولدنق والكرسنى والبشرى ـ ضمن ت. نبلوك، 1990).

 

ب/ ولكون المراكمة، بطبيعتها، عملية بطيئة لا تكاد تستبين نتائجها إلا وفق القوانين العامة لحركة التطور، فقد أمكن، فقط مع خواتيم القرن السابع عشر ومطالع القرن الثامن عشر، أن يفضى التراكم الكمى لتناقضات المصالح المتباينة بين مختلف شرائح التجار إلى تغير كيفى فى النظام التجارى نفسه، مما أفضى، فى المدى الطويل، إلى تفكك الدولة السنارية ذاتها وانحلالها خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر. ومن أبرز عوامل ذلك تراجع دور السلاطين فى ذلك النظام خلال القرن الثامن عشر، نتيجة تشجيع التجار الأجانب لصغار التجار المحليين على اقتحام التجارة الخارجية والتعامل بالعملات الأجنبية، كالدولار الأسبانى، للانعتاق من الذيلية لتجارة السلطان وتحكمه المطلق فى الأسعار عن طريق تحكمه فى كميات الذهب التى تصل الأسواق، وانحلال قبضة السلاطين، نتيجة ذلك، على أراضى السلطنة بحلول نظام الملكية الخاصة للأراضى محل ملكية الدولة، فحازها التجار الأثرياء وأصحاب النفوذ، وجرى تكبيل الرعاة والمزارعين العبيد وأنصاف العبيد بالمزيد من علاقات الانتاج العبودية والاقطاعية المتداخلة (ت. نبلوك، 1990)، بالاضافة إلى تعمق التناقض بين عجز السلطة السياسية المفككة، وبين النمو المتسارع للنشاط التجارى مع تزايد حاجته إلى قوة مركزية تفرض الأمن والاستقرار والسوق الموحدة والحدود الجغرافية، وتحد من عوائق النظام الضريبى المتعدد بتعدد الأنظمة السياسية فى الاقاليم (القدال، 2002). ثم جاء من فوق ذلك كله تفاقم الحركات الانفصالية، ضغثاً على إبالة، فى أجواء انقسامات السلطة وصراعات أجنحتها، مما نجم عنه انسلاخ مناطق بأكملها، مثل منطقة الشايقية، عن كيان المملكة (ت. نبلوك، 1990)، بل وانطلاق الدعوة الصريحة من مناطق أخرى لمحمد على باشا للتدخل (القدال، 2002).  

 

ج/ بالمقابل كانت هناك قوى الانتاج البدوي فى قاع المجتمع، المُكونة من العبيد ورعاة الإبل والماشية وحِرَفيىِّ الانتاج السلعى الصغير فى القرى ومزارعي الأراضى المطرية والرى الاصطناعي، الرازحين بين مطرقة السيطرة المطلقة للسلطان، وسندان النفوذ الاقتصادى للتجار، على نظام "الشيل"، حيناً، ثم على نظامَى "السُّخرة" أو "المشاركة" فى الانتاج، بحسب الحال، نتيجة لاستحواذ التجار الأثرياء وذوى النفوذ على الأراضى فى مرحلة لاحقة من صراع المصالح، كما سلفت الاشارة. وتنتسب إلى قاع المجتمع هذا، بالأساس، قبائل الجنوب، وجبال النوبا، والفونج (جنوب النيل الأزرق)، والنيل الأبيض، مِمَّن اعتبروا مورداً رئيساً للرقيق والعاج وسلع أخرى "كانت تنتزع بالقوة .. مما جعل لهذه العملية تأثيراتها السالبة على المناطق المذكورة" (ت. نبلوك، 1990).

 

د/ كان لا بدَّ لتلك التأثيرات أن تلقى بظلالها السالبة أيضاً على جبهة الثقافة واللغة. فعلى حين لم يُفض انهيار الممالك المسيحية إلى (محو) المسيحية نفسها ديانةً وثقافةً سائدتين، بضربة واحدة، كما يعتقد بعض الكتاب خطأ (مثلاً: جعفر بخيت، 1987)، دَعْ عنك الديانات الأفريقية وما يرتبط بها من ثقافات، كانت قد بدأت فى التشكل خصائص الفضاء الروحى لذلك النشاط المادى، وفق المعايير الثقافية لمؤسسة (الجلابي) السائدة اقتصادياً، المتمكنة سياسياً، مثلما بدأت فى التكون هُويًّة ما يطلق عليها (الشخصية السودانية)، من زاوية هذه الثقافة نفسها، أي شخصية (الجلابي) المنحدرة من العنصر المحلي النوبي المستعرب بتأثير العنصر العربي الذى ظل ينساب داخل الأرض السودانية منذ ما قبل الإسلام، وبتأثير الثقافة العربية الإسلامية التى ظلت تشق طريقها، منذ 641م، عبر المعاهدات، وعبر عمليات التبادل التجارى، ثم، لاحقاً، بتأثير البعثات الأزهرية، والفقهاء الذين استقدمهم سلاطين سنار من مصر، والمتصوفة ومشايخ الطرق الذين قدموا من المشرق والمغرب. ومع مرور الزمن أخذت تلك الخصائص تتمحور حول النموذج (القومي) المتوهم وفق المقايسات الهُويويَّة لذهنية ووجدان (الجلابي)، واللذين تشكلا على الخوف من العالم الميتافيزيقي الخفى للأغيار المساكنين أو المجاورين، وجُلهم من الزنج الذين يجلب إليهم ومنهم بضاعته مُلقياً بنفسه فى لجج مخاطر لم يكن لديه ما يتقيها به سوى التعويل، حدَّ التقديس، لا على الفقهاء وقضاة الشرع (أهل العلم الظاهرى)، فهؤلاء وجدهم يجوسون معه فى عرصات الأسواق وأبهاء البلاط فسقطت هيبتهم فى نفسه، وإنما للسلطة (الروحية) لدى الأولياء والصالحين وشيوخ المتصوفة (أهل العلم الباطني)، المنحدرين، بالأساس، من ذات جماعته الاثنية المستعربة المسلمة، والزاهدين فى ذهب السلاطين ونفوذهم، والقادرين وحدهم على أن (يلحقوا وينجدوا) بما يجترحون من كرامات وخوارق ومعجزات ترتبط عنده، فى الغالب، بصيغ (لغوية) تتمثل فى ما (يقرأون) و(يكتبون) و(يمحون)، فيمسُّه (بقولهم) ما يمسُّه من خير أو شر(!)الأمر الذى زاد من تشبثه (بالعلم الباطني) لتينك اللغة والثقافة، وضاعف من رهبته بإزاء الأسرار الميتافيزيقية الكامنة فيهما (راجع "الطبقات" لود ضيف الله)، كما فاقم من استهانته (برطانات) الزنج و(غرارتهم)، وأسس لاستعلائه عليهم. لقد مهَّد ذلك كله، بمرور الزمن، لحجاب كثيف بين هذين العنصرين فى الوعي الاجتماعى العام، حيث استعصم العنصر الزنجى مع لغته وثقافته بالغابة والجبل، وحدث الشئ نفسه تقريباً فى سلطنة الفور ومملكة تقلى (محمد المكى ابراهيم، 1976). ولئن كان ذلك كله محدوداً بظروف تلك الممالك المتفرقة، فقد جرى تعميم النموذج مع الحكم التركى المصرى عام 1820م، وتأسيس الدولة الموحَّدة الحديثة التى "تمتلك أدوات تنفيذ عالية الكفاءة، فبرز النهج الاستتباعى للثقافة العربية الإسلامية بشكله السافر" (أبكر آدم اسماعيل، 1999).

 

(6)

(6/1)يضئ الكثير من المؤرخين والباحثين، من أمثال ماكمايكل وترمنغهام وهاميلتون ويوسف فضل وسيد حريز وغيرهم، تلك الوضعية المقلوبة التى تنزع (للتأكيد) المتوهم على (نقاء) العِرْق العربي وكذا اللغة والثقافة، والتى استقبل بها (الجلابة) فى وقت لاحق صورة الوطن ومعنى الوطنية والمواطنة، بالمفارقة لحقائق الهجنة التى ترتبت على خمسة قرون ـ بين القرن التاسع والرابع عشر ـ من اختلاط الدماء العربية الوافدة بالدماء المحلية، النوبية منها بالأخص، دون إغفال وقوع ذلك أيضاً بالنسبة للدماء البجاوية والزنجية، وإن بشكل متفاوت. ".. فالعرب الأقحاح لم يكن عددهم كبيراً .. فى أى وقت من الأوقات، وقد اختلطوا حيث أقاموا وتزاوجوا مع السكان المحليين، سواء كانوا من النوبيين أو من البجة أو من الزنوج" (Hamilton, 1935). رغم تلك الحقيقة التاريخية، بل رغم أن "الهجين الماثل للعيان"، بمجرده، "لا يجعل منهم عربًا خلصاً" (يوسف فضل، 1988)، إلا أن سياحة عجلى فى "طبقات ود ضيف الله" أو "كاتب الشونة" أو أي من سلاسل الأنساب وأشجارها، وجُلها مختلق أو موضوع لاحقاً مثل وثائق تمليك الأرض لدى الفونج، على سبيل المثال، أو ما إلى ذلك من المصادر التاريخية للممالك والمشيخات الإسلامية فى البلاد قد تكفى للكشف عن مدى ما أهدره (الجلابة) من جهد ووقت وعاطفة فى (تنقية) أصولهم من العنصر المحلى، وإرجاعها، ليس فقط لأعرق الأنساب القرشية فى الجزيرة العربية، بل وإلى بيت النبوة نفسه! وقد حاول بعض الكتاب تفسير هذه الظاهرة من منطلقات معرفية مختلفة. فعلى سبيل المثال يحيلها يوسف فضل (1975) إلى مجرد "الخطأ عن جهل"، أو محاولة الاتكاء على سند حضاري بعد هزيمة المهدية. سوى أن من الصعب الموافقة على تفسير الذهنية الجمعية، وبخاصة حين تشكل ظاهرة ممتدة فى التاريخ، أو تنتسب إلى طبقات وشرائح اجتماعية بمثل هذا الحجم والأثر فى مجرى التطور العام لأمة بأكملها، بمجرد (الخطأ) أو (الجهل). كما وأن تاريخ الظاهرة نفسه يعود، كما قد رأينا، إلى ما قبل هزيمة كررى بمراحل تاريخية طويلة. ويسمى بعض الكتاب هذه الظاهرة (أيديولوجيا الأصالة)، ويجترح مدخلاً طريفاً لمقاربتها من بوابة علم النفس الاكلينيكى، بإحالتها إلى مجرد (عقدة نقص) تجاه الوضعية التراتبية لأصول المصادر فى الثقافة العربية الإسلامية. فعرب السودان، من هذه الزاوية، ظلوا يواجهون نظرة التشكيك فى عروبتهم التى تعتبر من الدرجة الثالثة، حيث "العرب الأصلاء فى الجزيرة العربية والشام، والعرب من الدرجة الثانية فى مصر والمغرب العربي، والبقية فى السودان وموريتانيا والصومال" (أبكر آدم اسماعيل، 1999). ويذهب الكاتب إلى أن الظاهرة مرتبطة "بظروف تاريخية معينة، حيث أن الأغلبية الساحقة للناقلين للثقافة العربية الإسلامية عبر تلك القرون الطويلة هم من الأعراب الذين يمثلون القبائل الهامشية فى الجزيرة العربية والمناطق العربية الأخرى. وهم ليسوا ذوي جاه ولا علم بالإسلام وما نتج عنه من فكر، فكان من الطبيعى أن ينقلوا معهم واقعهم مؤطراً، وبالتالى اختلاط الحقيقة بالادعاء على مستوى الفكر والأنساب" (المرجع نفسه). مهما يكن من أمر، فإننا نتفق مع ما ذهب إليه يوسف فضل (1988) من أن حقيقة الهجنة واختلاط الدماء العربية والنوبية (نركز على العنصر الذى انحدر منه غالب الجلابة) تبدو (ماثلة للعيان) بقوة لا تحتمل المغالطة. وإلى ذلك يجدر التعاطى معها كحقيقة معرفية لا ينتقص من قيمتها أن دعواها فى أصولها العرقية عند ماكمايكل وتجلياتها الثقافية عند ترمنغهام مفهومة لدى بعض المفكرين بأنها "تنطوى على فرضية انحطاط"، كما ذهب إلى ذلك مثلاُ د. عبد الله على ابراهيم (1996).

 

(6/2) لقد انطلق (الجلابي) يسقط وعيه بعِرقه المحض، الخالص والمُنتحل هذا على حاضر صورة الوطن، آنذاك، ومستقبلها، لا كما هى عليه فى الواقع، بل كما صاغها هو فى (وهمه) الفخيم، مستنداً إلى مراكمته الأولية للثروة، وبخاصة فى ظل نظام التجارة البسيط ونهب الموارد على أيام مملكة سنار، مما سلف ذكره، وفاتحاً الطريق لنشؤ وتسيُّد تيار الاستعلاء السلطوي فى السياسة والاجتماع والثقافة. ونجد صعوبة فى الاتفاق مع أبكر آدم اسماعيل الذى يرى أن هذا الاستعلاء، ويطلق عليه (الاستتباع) و(التشدد)، يرجع إلى بواكير أيام الثقافة العربية الإسلامية فى السودان، ولكنه بقى ناعماً benign طوال ذلك الوقت بسبب افتقاره لسلطة الدولة التى لم تتوفر له إلا مع نشوء الممالك الإسلامية فى شمال  السودان وأواسطه (المرجع نفسه). ومع احترامنا للكاتب، إلا أنه يعرض (للاستعلاء/ الاستتباع/ التشدد) هنا كفكرة كامنة، ناجزة بنفسها فى الثقافة العربية الإسلامية ضربة لازب، وكل ما تحتاجه لظهورها فى أي مكان هو (سلطة الدولة)، فلا جذر لها فى واقع النشاط المادى للمجتمع المعين. ووددت لو أنه سعى لتأسيس فرضيته هذه على معطى تاريخى وثيق، حيث الثابت معرفياً حتى الآن أن حركة الاستعراب والتأسلم حفرت مجراها العميق بصورة طبيعية فى بعض أجزاء البلاد، خصوصاً على الشريط النيلي من الشمال إلى الوسط، وبالذات خلال القرون التى تلت صلح البقط عام 652 م، بالتزاوج وهجنة الأعراق وسلاسة التدين السلمى وانسياب اللغة والثقافة من خلال التثاقف والتمازج بين الإسلام وبين عناصر روحية ومادية فى الموروث المحلى. إن أي تقدير سليم لحركة الاستعراب والتأسلم التاريخية فى بلادنا لا بدَّ أن يقوم على النظر إليها، ابتداءً، بحسبانها مصدر إثراء مفترض، ليس فقط للخارطة الاثنية السودانية، بل وللثقافة العربية الإسلامية فى المنطقة بأسرها. فلا الهجنة مطعن فى جدارة الانتماء لهذه الثقافة، ولا الانتماء لهذه الثقافة يلغى شيئاً من خصائص هذه الهجنة، دَع أن يحول دون الحوار السلمى مع غيرها من مكونات ما يمكن أن يطلق عليه مستقبلاً (الثقافة السودانية) و(الأمة السودانية)! إذن، فالمشكلة ليست فى الاستيعاب المعرفى لوقائع الهجنة أو حقائق الثقافة، بل، على العكس من ذلك، فى إنكارها أو تزييفها أيديولوجياً، ثم تسويقها، بهذه الصورة، فى الوعي الاجتماعى العام! لقد أفرزت الهجرات العربية الى سودان وادى النيل ".. تحولاً جذرياً اتسم بقدر من الديمومة فى التوازن الايكولوجي بين الصحراء والأرض المزروعة، وأدت .. الى إحداث تبدل رئيس فى بنية الثقافات السودانية المحلية (و) شكل التمثل الثقافي والعرقي الذى نتج عن تلك الهجرات عملية ذات جانبين: من جانب .. السودانيين المحليين، ومن جانب .. العرب الوافدين (حيث) كانت الغالبية العظمى من الوافدين العرب بدواً، (و) كان تأثيرهم .. على السكان المحليين أحادياً .. بينما أظهر السكان المحليون .. تشكيلة متنوعة من الثقافات واللغات، ومن ثم كان تأثيرهم على العرب الوافدين بالقدر نفسه من التنوع .. لقد أدت عملية التمثل الى ظهور مركب فسيفسائي من الأقوام والثقافات يتمثل القاسم المشترك الأعظم لغالبيتها فى الدين الإسلامي وأصبحت اللغة العربية مع مرور الوقت وترابط المصالح الاقتصادية هى اللغة الجامعة بين تلك الأقوام والثقافات" (أسامة عبد الرحمن النور ؛ "مشروع السودان الجديد وإعادة كتابة تاريخ السودان"، سودانايل 14/4/04). وإذن، ومن زاوية الحقيقة المعرفية، فإن من أهم عوامل تحقق هذه (الفسيفساء) وقوع الهجنة فى بعض أجزاء البلاد دون أجزاء أخرى. أما من زاوية الحقيقة الأيديولوجية، فعلى الرغم من أن تيار الاستعلاء (السلطوي/ التفكيكي) قد ظل يعتبر هذه (الفسيفساء) نقمة، إلا أن الأقسام الوطنية الديمقراطية من التيار (العقلاني/ التوحيدي)، وبالأخص بين المبدعين والمفكرين، قد اعتبرتها دائماً نعمة! ولعل هذا بالتحديد هو ما وعته، وإن بدرجات متفاوتة من السداد والثبات، وما سعت لتلمُّسه وتمثله والتعبير عنه، وإن بمستويات مختلفة من الاتساق ووضوح الرؤية، أجيال من المفكرين والأدباء والشعراء والفنانين المستعربين المسلمين، منذ دعوة حمزة الملك طمبل: "يا شعراء السودان أصدقوا وكفى!" مروراً بتيارات عديدة أشهرها (الغابة والصحراء)، و(مدرسة الخرطوم) فى التشكيل، وجماعة (أبادماك)، علاوة على الجهود الفكرية التى انطلقت، منذ ستينات القرن المنصرم، بحفز من تلك المداخل الابداعية، نحو مقاربة أشمل للاشكالية من زوايا سوسيوبوليتيكانية وسوسيوثقافية أكثر اتساعاً.

 

(6/3) فقط من خلال وقائع القرون الثلاثة التى أعقبت القرن السادس عشر، وعلى حين راحت تتبدد فى ذلك المفصل التاريخى، مع غروب شمس سنار، واحدة من بواكير الفرص النادرة لتوحد البلاد أقاليمها وتصوغ ذاتها وتنتمى لنفسها، كان (الجلابي) مشغولاً فى ملابسات صراع الثروة والسلطة:

 

أ/ بأسلاب المملكة التى كان قد نشط فى تفكيكها بالتواطؤ مع التجار الأجانب، يحصِى ما آل وما يمكن أن يؤول إليه من تركة (الككر) الضخمة: تجارة داخلية وخارجية طليقة من تحكم السلاطين، وأراض شاسعة خرجت من قبضة الدولة المرتخية فحازها بثروته ونفوذه.

 

ب/ وبتأسيس منظوره الخاص للبلاد التى لم تعُد، من أقصاها إلى أقصاها، غير كنف موطأ لامتيازه وحده بالأرض والزراعة والماشية والتجارة والعبيد، وامتيازه، تبعاً لذلك، بالعنصر واللغة ونمط التديُّن والثقافة، أما كل ما (دون) ذلك فصقعٌ خلاء، أو محض مشروع (للأسلمة) و(التعريب) يتقرب به إلى الله زلفى طمعاً فى الأجر!

 

ج/ وبتعميق رؤيته الفادحة للذات وللآخر، حيث أصله وحده الكريم ولسانه وحده الكريم، أما كل من عداه فعبيد غلفٌ، وألسنتهم كذلك! دمه وحده الحرام، وعِرضه وحده الحرام، وماله وحده الحرام، أما (الآخر) فكافر لا حرمة لدمه ولا لعِرضه ولا لماله! لون (الآخر) إما أسود أو أزرق، أما لونه هو فما أنزل الله بصفاته من سلطان: دهبى تارة، وقمحى تارة، وعسلى تارة، وتارة (خاتف لونين)، حتى إذا دَكِنَ وصار إلى سَجَم الدواك أقرب، فتلك (خدرة دُقاقة) أو (سُمرة) تتدوزن بفتنتها الأعواد فى المدن والطنابير عند السواقى! فصودُ (الآخر) على الجبين وشمُ رجرجةٍ مُعتم، أما شلوخه هو فتضئ على خديه مطارق وتى وإتش و(حلو درب الطير فى سكينة)، أو كما ظل يصدح ليلَ نهار، عبر مذياع الحكومة وتلفازها، حتى يوم الناس هذا، مغنيه الذى لا يموت ولا يفوت! يتمعن فى الكفين، يتشمم رائحة الإبط، يحدِّق ملياً فى الأنف وفى (الشلاليف)، يتقصى حتى لون باطن (الأضان) تحاشياً لِمَن فيه (عِرق) كى لا (يقع ساكت) أو يصاهر (مِن طرف)، وذاك مبلغ ما عَلِمَ من قوله (ص): "تخيَّروا لنطفكم فإن العِرق دسَّاس"، كضرب من اخضاع النص الديني لخدمة أيديولوجيا الاستعلاء! فرغم "اعتبار الدين الإسلامي لمثل هذه الاتجاهات جاهلية ممقوتة"، إلا أنه يفسر الحديث تفسيراً اثنياً، مع أنه "واضح في حث المؤمنين على تخير الزوجة من منبت صالح بمفهوم أخلاقي وديني وليس اثنياً بحال" (الصادق المهدى، "تباين الهويات فى السودان: صراع أم تكامل"، ورقة فى ندوة مركز دراسات المرأة بقاعة الشارقة بالخرطوم 23/3/2004). يفعل (الجلابي) ذلك كله دون أن يشغل نفسه، ولو للحظة، بالسؤال عمن تراه يكون (خاله)، أو عن أصل جدته الأولى يوم تزوج بها، قبل مئات السنوات، عربي مسلم وفد إلى هذه الانحاء عبر البحر أو النهر أو الصحراء! ولا عجب، فتلك سيرة لا يحبها، بل يدعها ترسب فى قاع اللاوعي، علها تذوى فى صمت .. علها!

 

د/ وبتكريس هذا كله استعلاءً جهيراً فى حمولة الوعي الاجتماعي من (حِكَم) شعبية وصياغات لغوية "تشكل حاجزاً نفسياً بين أهل السودان .. أمثال: جنس عبد منو الخير جبد ـ عبداً تكفتو بلا غبينة ـ سجم الحلة الدليلها عجمى وفصيحها رطان ـ الهملة السوت العبد فكى .. الخ" (الصادق المهدى، "المصالحة وبناء الثقة فى السودان"، ورقة فى ندوة "السلام بين الشراكة والمشاركة"، قاعة الشارقة " ـ 7 مارس 2004).

 

(6/4) ويفضل بعض الباحثين تسمية تيار الاستعلاء (السلطوي) هذا بالتيار (التفكيكي)، فى مقابل تيار آخر (توحيدى)، نسميه (العقلاني)، وسط (نخب) الجماعة المستعربة المسلمة السائدة. وإلى ذلك يلاحظون أيضاً، وبحق، تلازم التيارين فى مستوى تعبيرات (نخب الهامش) نفسها، سياسياً وثقافياً. ويشدد د. أسامة عبد الرحمن النور على أن هذه التسميات لا تعبر عن واقع (شعبي) فِعلي بقدر ما تعبِر عن واقع (نخبوي) فكري يُظهر قدراً مما يُعرف فى الأنثروبولوجيا بمصطلح (الاثنية المركزية) "التى تعكس نزعة الاحتقار وسوء التقدير داخل ثقافةٍ ما تجاه الثقافات الأخرى"(أسامة عبدالرحمن النور 2001). ومع تحفظنا عموماً على استخدام علم الاجتماع البرجوازى لمصطلح (النخبةـ elete) بدلالة الاعلاء من شأن (الصفوة الممتازة) على (العامَّة)، ونسبة الفضل فى تحريك التاريخ للكتلة الأولى، إلا أننا نستطيع أن نلمح بيُسر أن استخدامه هنا يقتصر على الاشارة لمسئولية الفئات والشرائح المزودة بمستويات عليا من المعرفة المتخصصة عن إزكاء نزعة الاستعلاء من موقع انحيازها إلى الطبقات الاجتماعية ذات المصلحة فى شيوعها واتخاذها طابعاً شعبياً، وإن كان زائفاً. ولذلك نتفق مع الباحث فى أن هذه النزعة، وإن كانت معروفة فى كل الثقافات، إلا أنها، بفعل توجهات (النخبة) السائدة حالياً فى السودان، أصبحت تتهدد، أكثر من أي وقت مضى، قضية (الوحدة) بخطر حقيقى داهم، مما يستوجب تأسيس الموقف التفاوضى (لعقلانيِّى/ توحيديِّى) الجماعة المستعربة المسلمة على نزع الأقنعة عن كل (المُغطى)، وتعرية المسكوت عنه فى تاريخنا الاثنى، باعتبار أن ذلك هو المخرج الوحيد الصائب من مأزقنا الوطنىِّ الراهن، "فما يفرِّق السودانيين هو ما لا يُقال" (فرانسيس دينق، المرجع نفسه)، الأمر الذى يلقى على عاتق الحركة الفكرية والثقافية بمهمة العمل لإزالة "التناقض الداخلى" الذى "هو مبعث حيرة أهل الجنوب والشمال، أغلبهم، حول ماهيتهم" (منصور خالد، المرجع نفسه)، كما ويلزمنا، بإزاء التحديات المستقبلية، "أن نعترف، نحن العرب المسلمين، أن ثقافتنا مارست استعلاءً ثقافياً على الآخرين (لأن) الاستعلاء الثقافي فى أوحش صوره بضاعة غربية وقد مارسته كل الثقافات المركزية فى عالم الأمس، ولكن الإنسانية أدركت مضاره وبدأ مشوار الاستقامة والعدالة" (الصادق المهدى، "المصالحة وبناء الثقة .."، 2004). بل وينبغى، حسب د. عبد الله على ابراهيم، تجاوز محض الاعتراف إلى "النفاذ القوى برقائق الروح وسهر الثقافة إلى خبايا الاستضعاف المؤسسي، الاجتماعى والتاريخى، لأقوام الهامش السودانى .. (كيلا نصبح) عبئاً على حركة المستضعفين لا إضافة لها، فبغير (ذلك) .. لا ينفذ الشمالى المدجج بامتيازاته التاريخية إلى مشاهدة قبح نفسه فى مرايا تلك الامتيازات الظالمة" (الصحافة، 17/5/2004).

    

(6/5) غير أن ما يقلقنا بوجه خاص، برغم كلِ هذه النداءات وغيرها، هو تقاصر الطاقات السياسية للتيار (العقلاني/ التوحيدي) وسط الجماعة المستعربة المسلمة حتى الآن، بهشاشته التاريخية الغالبة، وبمختلف (النخب) التى تمثله، عن النهوض بمهامه فى منازلة تيارها الآخر (السلطوي/ الاستعلائى/ التفكيكي)، بمستوى من الاقتدار المطلوب لتبرئة ذمة التيار الأول من القسط من المسئولية الذى يتحمله حتى الآن:

 

أ/ على صعيد مظالم (الهامش) التى زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها، وولدت كل هذا البغض للجماعة المستعربة المسلمة ورموزياتها الثقافية واللغوية، لدرجة أن تياراً (استعلائياً/ تفكيكياً) مضاداً أصبح لا يعدم التعبير عنه الآن وسط حركة (الهامش) الاحتجاجية، مما أضحى يتهدد مشروع (الوحدة الوطنية) جدياً، هذه المرة، بالفناء والعدم.

 

ب/ وعلى صعيد مظالم الجماعة المستعربة المسلمة نفسها، جراء سماحها لتيارها (السلطوي/ التفكيكي) أن ينفرد، تحت سمعها وبصرها، بادعاء التعبير عمَّا يعتقد هو أنه (رسالتها) التاريخية (المقدسة) فى (تعريب وأسلمة) الآخرين، بكل ما يحمله مضمون هذه العملية من معاني القسر والقهر والجبر. وربما كان من المناسب أن نعيد إلى الأذهان هنا ما سبق أن أوردناه بعاليه مِمَّا نقل أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، من حديث سايمون كالو، مدير التعليم فى إدارة الحركة الشعبية فى (كاودا)، لمجموعة الصحفيين الأجانب، وهو يشرح خلفيات قرار الحركة بالتحول من العربية إلى الإنجليزية فى التعليم والتخاطب، بأن النظام التعليمى (القديم) فى الجبال كان يهدف بالأساس إلى تعريب وأسلمة النوبا و".. لقد أسلمت أنا نفسى عندما كنت تلميذاً وغيرت اسمى لإسماعيل، وإلا لما كنت أكملت تعليمى"! والحق أن هذه الافادة الحادة كالنصل جارحة بما يكفى لإدماء ضمائر كل مفكري ومثقفي التيار (العقلاني/ التوحيدي)، بمختلف أجيالهم، ولجعلهم يطأطئون رءوسهم خجلاً مِمَا كانوا يحسبونه جهداً مرموقاً بذلوه ووقتاً ثميناً صرفوه فى إنتاج ونشر الوعي الديموقراطى بقضايا الهُويَّة، والوحدة فى التنوع، وحقوق الأقليات فى التميُّز الثقافي، فإذا بالناتج قبض الريح، بل خراباً مأساوياً كاملاً!

 

 

 

يوليو/ 2003

 

 

 

 

 

 

حقاً هي قسمة ضيزى

د. منصور خالد

 نقلاً عن سودانايل

 

 

 

 

 

 

 

 

تحت عنوان "قسمة ضيزى" كتب الدكتور الطيب زين العابدين ينعى على ما أسمى "المسودة النهائية لاتفاق تقاسم السلطة" بين الحكومة والحركة الشعبية إزراءها بحقوق أهل الشمال. ومع صحة القول أن الأفكار الواردة في تلك المسودة لا تعبر عن رأي أي من الطرفين المتفاوضين بل هي استخلاص من جانب الوسطاء والرقباء من كل الآراء التي أوردها كليهما، إلا أن تلك الأفكار، في جوهرها، مؤشر صَحَاح لما ستؤول إليه الأمور. لماذا انتهى الأمر إلى ما نعاه الكاتب على مشروع الاتفاق: تهميش الولايات الشمالية؟ ذلك سؤال لم يرد عليه الكاتب الفاضل، بل لعلّ الرد لم يكن من خطته. السؤال إذن، يستدعي جواباً قبل أن نذهب إلى تناول الاستنتاجات التي توصل إليها الدكتور الطيب، بتفريعاتها المختلفة.

 

قبيل اتفاق ماشاكوس في 20/7/2002 اقترحت الحركة، كثمن لمشاركتها في الحكم في فترة انتقالية، قيام نظام كونفدرالى قوامه دولتان متكافئتان (الشمال والجنوب) يحكمهما على المستوي الكونفدرالي ـ أي مستوي الحكم المركزي - دستور محايد في موضوع الدين. الكلمتان المفتاحيتان في ذلك الاقتراح هما الكونفدرالية والدستور المحايد في موضوع الدين، وهذان أمران لم يكن وفد النظام على ثقه من النفس بقبولهما لأسباب لا تخفى. وإزاء تدخل الوسطاء والمراقبين انتهى وفد النظام إلى قبول ما جاء به اتفاق ماشاكوس الإطاري كحل وسط. وبما أن الوضع الذي ارتضاه النظام وتبناه الوسطاء يخلق هيكلاً دستورياًَ مختلاً، نبه وفد الحركة إلى ذلك الخلل، وأبان أن عدم وجود كيان شمالي مناظر للكيان الجنوبي يجعل من الحكومة الاتحادية (المشتركة) حكومة للقطر كله وللشمال أيضاً. ذلك رأي لم يرفضه النظام فحسب، بل لم يَرُقْ كثيراً للوسطاء. قال النظام لوفد الحركة: "جئنا هنا للتوافق معكم على حل مشكلة الجنوب ولاقتسام السلطة على المستوى الوطني بالتراضي، ولا شأن لكم بكيف يحكم الشمال". من جانبهم قال الوسطاء للحركة:  "اتفاق ماشاكوس يرضي طموحات الجنوب، ويعترف بالظلامات التاريخية، ويحقق قسمة في السلطة والثروة على المستوى الاتحادي تعالج عبرها تلك الظلامات، كما يضمن حياد الدستور في قضية الدين على المستوى الاتحادي، ويفتح لحلفائكم كَوّة في الجدار السميك الذي أقامته الجبهة ينفذون عبرها معكم ومعها للمشاركة في صياغة أطر دستوريه وقانونية جديدة، ويتيح لهم المشاركة في السلطة في حكومة واسعة القاعدة، فما شأنكم باستمرار الشريعة مصدراً للسلطات في دستور الشمال، أو كيف يحكم الشمال؟"

 

هذه إبانة ضرورية حتى لا تذهب الظنون بالبعض بأن ازدراء حقوق أهل الشمال كان بسبب مشروع ابتدعته الحركة أو أطروحة أصرت عليها، أو تستبد الأوهام الفوبائية ببعض آخر لتصوير المشروع وكأنه مؤامرة أجنبية. فلو لم يصر النظام على بقاء الأوضاع في الشمال على صورتها الراهنة، لما كان في مقدور المراقبين من الولايات المتحدة، أو النرويج، أو بريطانيا العظمى الإصرار على أن يبقى هيكل الحكم في الشمال على ما هو عليه. غاية النظام، أو بالأحرى غاية أصحاب المصلحة الحقيقية فيه، كانت ـ ومازالت ـ هي الإبقاء على الهيكلية الراهنة لأنها تكرس هيمنة تلك الفئة على الشمال. غايتهم لم تكن أبداً رعاية حقوق أهل الشمال التي يندب الكاتب إهدارها في مقترحات السلام، ولعلّ هذا هو ما عناه الدكتور الطيب عندما قال: " لقد حرصت الحكومة أن تأخذ حقها كاملاً وزيادة في قسمة السلطة مع الحركة ولكنها قصرت في حق أهل الشمال". لهذا يفيد أن يتجه المصلحون إلى علاج أس الداء، بدلاً من الهروب منه إلى الأمام، أو افتعال عراك مع طواحين الهواء.

 

الوضع الذي تواطأ عليه الطرفان في ماشاكوس، مع ما فيه من هجنة ظاهرية، ليس بدعاً في المعمار الدستوري. فعلى سبيل المثال، ظلت بريطانيا منذ أن توحد طرفاها الأساسان (إنجلترا واسكتلندا) في عام 1707 تعاني من عدم التوزاي الدستوري هذا، دون أن يصيب وحدتها في مقتل. فلاسكتلندا عملتها الخاصة (الجنية الاسكتلندي)، وبنكها المركزي الخاص بها ولهذا يطلق علي البنك المركزي الأقدم اسم بنك إنجلترا وليس بنك بريطانيا (أسس كبنك خاص في عام 1694 لتمويل الحرب في الأراضي الواطئة أي هولندا، وتحول إلى resortlender of last في عام 1844). لاسكتلندا أيضاً نظامها القضائي الخاص والذي تعتبر فيه محكمتها العليا ـ لا محكمة الاستئناف العليا في لندن ـ أعلى درجات التقاضي، باستثناء رفع بعض القضايا لمجلس اللوردات. زاد الأمر بلبالاً اللامركزية التي انتهجتها حكومة بلير عندما منحت إقليمي اسكتلندا وويلز سلطة إصدار التشريعات حول القضايا التي تخص الإقليمين في حين ظل البرلمان البريطاني والحكومة البريطانية هما اللتان تشرعان لإقليم إنجلترا، بجانب التشريعات ذات الطابع القومي. هذا، على أية حال، وضع نشأ من ظروف تاريخية معينة، وليس بالضرورة وضعاً جديراً بالاحتذاء في السودان.

 

تداعياً مما ورد، تصبح أمهات القضايا التي أثارها الكاتب ذات موضوع إن تناولناها من منظور سياسي سوداني، لا من منظور المعمار الدستوري، أو السوابق الدستورية في العالم. فعندما يقول الكاتب، في معرض نقده لمشروع الاتفاق، " ليس هناك دستور خاص بالشمال يصنعه أهل الشمال من أجل حماية حقوقهم من تدخل الحكومة المركزية" هو محق كمراقب سياسي محايد، ولكن هل تمتد رغبة الكاتب في حماية حقوق أهل الشمال إلى حماية حقهم أيضاً في اختيار الدستور والقوانين التي تحكمهم ـ كما هو الحال بالنسبة لأهل الجنوب ـ. من ذلك، حقهم في قبول أو رفض النص القائل أن تكون الشريعة مصدراً للتشريع، أو إلغاء القوانين ذات الطابع الديني. نتمنى هذا، ولكن خلف بوح الكاتب كلام يدفع للقلق ولأيغَّلب الظن لمصلحته. عن ذلك ينبى قوله " نصت المسودة على وجود (لعلها وجوب) احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وكل الأديان والمعتقدات والأعراف داخل العاصمة الاتحادية. ومعلوم ما هي الأعراف المقصودة هنا، وعلى كل هي تعبير أخف على النفس من كلمة العلمانية". ورغم أن هناك ما يحملنا على الظن أن الكاتب، استناداً على الكثير مما قرأنا له، رجل نصيح لا يتمني للحركة الإسلامية إلا أن تبقى وتصارع في جو ديمقراطي حر ترضى فيه بكل ما هو " ثقيل على النفس "، طالما كان ما يثقل نفوس البعض هو ما يبتغيه أو يتغياه أهل الشمال بإرادتهم الحرة، إلا أن جملته الاعتراضية تلك تدخلنا في برزخ بين الشك واليقين.

 

الكاتب أيضاً لم يجاف الصواب عندما قال أن الجنوب، على المستوى الإقليمي، يتمتع بحقوق لا يتمتع بها الإقليم الشمالي مثل حقه في تقليص الولايات القائمة، وتقليص الولايات أمر أعلنت الحركة عزمها عليه بعد أن تطورت ولايات الجنوب من ثلاث إلى تسع في عهد الجبهة لتوسيع قاعدة الرشاء والاسترضاء، لا لأن الحكم الصالح والإدارة النجيعة يقتضيان ذلك. وطالما لم يكن للشمال حكومته الإقليمية ـكما يصر النظام ـ سيتم أي تقليص أو إعادة صياغة لولاياته عبر الحكومة الاتحادية التي يشارك فيها الجنوبيون. هذه التناقضات التي أبانها الكاتب علها تكشف لـ " أصحاب المصلحة الحقيقية" في إبقاء هيمنتهم على الشمال، المآزق السياسية والإدارية التي أدخلوا أنفسهم فيها خلال لهاثهم وراء تلك الهيمنة.

 

وحول الأجهزة التشريعية لم يجد الكاتب غضاضة في أن يكون ثلث أعضاء المجلس الأدنى من البرلمان (الجمعية الوطنية) من الجنوب حسب حجم الكثافة السكانية لتلك المنطقة، إلا أنه أثار غباراً حول المجلس الأعلى (مجلس الولايات والذي سيتكون من ممثلين اثنين لكل ولاية). وبما أن المقترحات تقول أن أي تعديل للدستور لا يصبح نافذاً إلا أن أجازه 75% من أعضاء هذا المجلس، يرى الكاتب أن هذا النص يعطي الجنوب حق الفيتو على قرارات الأغلبية العددية. نعم هو كذلك، فكبح جموح الأغلبية العددية، على وجه التحديد، هو المقصود من ذلك النص. ويفيد أن نذكر أن التمايز الذي يسمم مجلسي الكونقرس الأمريكي قد قصد منه أيضاً خلق توازن بين سلطتي المجلسين (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) حتى لا تطغى الأغلبية العددية في مجلس النواب على إرادة الولايات. فحين يتم إختيار أعضاء مجلس النواب على أساس الكثافة السكانية في كل ولاية بحيث قد يبلغ عدد ممثلي ولاية ذات كثافة سكانية عالية (كاليفورنيا أو نيويورك مثلاً) أضعاف أضعاف ممثلي ولاية كونكتكت أول ولاية انضمت للاتحاد (9يناير 1788) أو الاسكا أو هاواي آخر ولايتين انضمتا إليه (3 يناير 1959 و 21 أغسطس 1959 على التوالي)، يمثل كل ولاية، مهما كان حجم سكانها، عضوان في مجلس الشيوخ. في هذا تستوي فيرمونت الصغيرة مع كاليفورنيا مترامية الأطراف. مجلس الولايات في السودان لا يوفر فقط حماية للجنوب ضد احتمالات نكوص حكومة الشمال عن اتفاقيات السلام، بل هو أيضاً درع تتقي به كل الولايات الإقليمية في الشمال تغول الخرطوم على سلطاتها. فالعيب ليس هو في المشروع المطروح، وإنما في تغييب إرادة الولايات الشمالية بعدم منحها نفس السلطات التي منحت للولايات الجنوبية، أو السماح لها بخلق كيان دستوري يجمع بينها وتتكافأ سلطاته مع سلطات الكيان الجنوبي. تلك الإرادة لم يغيبها بروتوكول ماشاكوس، فالبروتوكول حزمة من ورق، وإنما غيبها المعبرون، بزعمهم، عن تلك الإرادة في مفاوضات ماشاكوس.

 

للكاتب أيضاً رأي حول سلطات الرئاسة أبدع فيه، حسبما نقدر. نعى على رئيس النظام قبوله شراكة رئيس الحركة في ممارسة سلطات محددة بحيث يكون هناك إجماع بين الرئيس ونائبه على تلك القرارات. من هذه القرارات: "التعيينات التي تجرى في ظل اتفاق السلام والدستور الانتقالي بما فيها تكوين مجلس الوزراء المركزي، ودعوة أو فض أو تعليق الجمعية". عاب الكاتب على الرئيس قبوله لهذا القيد وهو الذي "لم يحتمل كل هذه القيود على قراراته من داخل مجلس الوزراء.. ولم يحتمل مشاكسة رئيس المجلس الوطني السابق، الشيخ الترابي، في إطار جهازه التشريعي"؟ هذا الاقتراب من الموضوع ممعن في الخطأ إلا إن كان المراد منه هو نكأ الجراح بين الأخوين العدوين، أو الهزء منهما. ولربما كان في تعبير الكاتب ما يوحي بذلك الهُزوء عندما قال : "يبدو أن الشورى التي افتقدتها دولة الحركة الإسلامية ستأتي عبر الاتفاق مع حركة ماركسية متمردة!" أياً كان الحال، ينبئ إسراف الكثيرين في التركيز على تلك النقطة (إجماع الرئيس ونائبه على القرارات التي تمس اتفاق السلام مساً مباشراً)، ودق الطبول حولها، عن جهل بماهية السلام. فالاتفاق بين النظام الحاكم والحركة الماركسية المتمردة، أو كما قال، ليس اتفاقاً بين حزبين على المشاركة في سلطة قائمة بكل مفاهيمها ومؤسساتها وقوانينها. كما ليس هو توافقاً بين طرفين من تيار واحد تفرقت بهما الطرق ثم عادا إلى بعضهما البعض، كما تعود "العرجاء لمراحها". هو اتفاق سلام في البدء والمنتهى. والسلام يعني أن ثمة حرباً كانت تدور. والحروب لا تشتعل وتتلظى وتدوم إلا إن كانت هناك أسباب لذلك. الى معالجة تلك الأسباب، وتوفير الضمانات لكيما لا تطل برأسها من جديد، ينبري صناع السلام العادل، لا السلام المخاتل. ولئن قبل الفريق البشير تلك القسمة باعتبار أن السلام شر لا بدَّ منه، وان للسلام ثمن مستحق الدفع، فهذا أمر يحسب له لا عليه.

 

تطرق الكاتب أيضاً إلى موضوعات أُخر بأسلوب تنقصه الدقة مثل الحديث عن اعتماد اتفاقيات السلام، والخدمة المركزية العامة، والعَلَم والشعار. وحتى لا يكون في الأمر لُبس أو التباك نتناول هذه الموضوعات تناولاً مقتضياً، نبدأه بأدناها : العلم والشعار، واعتماد الاتفاق. موضوع العلم والشعار ليس موضوعاً للتلاحي، فأهل السودان أجمعين يعرفون أن العلم والشعار الوطني لا يغنيان عن الأعلام والشعارات المميزة للمحافظات والولايات والمديريات. هم يعرفون جيداً أن لمديرية الخرطوم علم يتخلله شعار هو خرطوم الفيل، وان للشمالية علم يتخلله شعار هو النخيلات الثلاث، وأن لمديرية الجزيرة علم يتخلله شعار هو طائر لا ندري ما أصله، وهلمجرا. هذه قراءة للنصوص توحي بها الوهوم بل هو استنهاك للجهد بلا غاية في شق الشعيرات.

 

وحول اعتماد الاتفاق من جانب الجهة المخول لها التصديق على الاتفاق خلط الكاتب بين أمور مختلفات ليصل إلى نتيجة استقرت في ذهنه مسبقاً. تلك النتيجة هي أن مشروع الاتفاق يمنح الجنوب حقوقاً لاتتكافأ مع حقوق الشمال، بل تبيح له الاعتراض على كل ما يقرره أهله. ومن الجلي أن الكاتب خلط بين المصادقة على الاتفاق عقب توقيعه عبر الأجهزة التشريعية القائمة، وبين التزام الجهاز التشريعي، الذي سينبثق عن دستور جديد تصنعه لجنة قومية لصياغة ذلك الدستور، باتفاق السلام. وزاد في إرباك القارئ بإيحائه أن إلزام كل الأطراف السياسية خلال الفترة الانتقالية باحترام نصوص اتفاق السلام يمثل فيتو من الحركة (وهي طرف واحد من طرفي الاتفاق) على إرادة الآخرين. قال أن الاتفاق ينص على وجوب تصديق "مجلس التحرير الوطني للحركة الشعبية" ثم "الجمعية الوطنية المرحلية" على اتفاق السلام، وكلمة ثم لا مكان لها من الإعراب لأن المشروع لا يفترض تراخياً في التصديق على الاتفاق من جانب هذا الطرف أو ذلك. ثم مضى يقول: "ولا يبدو من حق الجمعية الوطنية إحداث تغيير في المسودة التي يصدق عليها مجلس تحرير الحركة لأن المسودة تقول: يلتزم الطرفان تبني هذا النص الذي يحترم اتفاق السلام حرفياً". هنا مكمن الخطأ، لأن التصديق على الاتفاق مطلوب من جانب المجلس الوطني الحالي وليس من جانب الجمعية الوطنية المرتقبة. وفي ذلك، تنص المسودة على أن من واجب الطرفين المتعاقدين حمل المؤسسات والأفراد التابعين لهما على قبول الاتفاق حرفياً (asis)، أي إلزام مجلس التحرير والمجلس الوطني بالتصديق على الاتفاق حرفياً. هذا الإجراء لا بدَّ أن يتم حال توقيع الاتفاق وقبل، أو قبيل تكوين مؤسسات الفترة قبل الانتقالية (ستة أشهر). أما الجمعية الوطنية المرتقبة فستنشأ كواحدة من مؤسسات الفترة الانتقالية عقب إنشاء "اللجنة القومية التمثيلية" (National RepresentativeCommission) لوضع أطر قانونية ودستورية جديدة. ويفيد أن نذكر، فالذكرى تنفع المؤمنين، أن مفهوم "اللجنة القومية التمثيلية" كان محل نزاع عاصف بين الطرفين المتفاوضين. فحين أصرت الحكومة على أن يتم اتفاق بين الطرفين أولاً على مشروع دستور، ثم يقدمانه للقوى الأخرى لإقراره، أي البصم عليه، أصرت الحركة على المشاركة الفاعلة لـ "القوى السياسية والمجتمع المدني" في صياغة الدستور. ولولا مساندة الوسطاء والرقباء للرأي القائل بضرورة الإشارة الواضحة لهذه القوى لما خرج المشروع بالصورة التي خرج بها. فمع تغييب ارادة أهل الشمال بالابقاء على هيكل الحكم الراهن في الشمال، تساعى النظام أيضاً للحجر على حريتهم في تكييف الوضع الدستوري المستقبلي.

 

في معرض حرصه على حقوق أهل الشمال توقف الكاتب عند نسب التمثيل بين القوى السياسية في لجنة الدستور القومية (50% للنظام، 27% للحركة، 16% للقوى السياسية الشمالية، 7% للقوى الجنوبية الأخرى)، ثم ذهب لتصنيف هذه القوى "السياسية" جغرافياً، أي تصنيفها إلى شماليين وجنوبيين. بموجب هذا التصنيف انتهى، مرة أخرى، إلى أن المسودة تمنح الجنوب حق نقض أي قرار تتوافق عليه الأغلبية "الشمالية" العددية، باعتبار أن أي تعديل في الاتفاق لا يتم إلا باغلبية 75% من الأعضاء. إن صحت هذه الارقام التي لم يتراضى عليها الطرفان حتى الآن، يثير تساؤل الكاتب استغراباً، وتتداعى منه نتائج قد لا تتفق مع أطروحته الأساسية حول جنوبة وشمألة القضية. نستغرب، مثلاً، أن يرى الكاتب في منح الجنوبيين ـ بافتراض جنوبية الحركة في ظن الكاتب ـ 34% من مقاعد المجلس، وهو رقم يتناسب موضوعياً مع حجمهم السكاني في القطر، ولا يثير دهشته أن يحظى النظام بـ 50% من المقاعد. وإن قال أن هذا أمر تفرضه الحقائق السياسية على الأرض، فالحقائق لا تقف فقط عند حكومة الأمر الواقع في الخرطوم، بل تشمل أيضاً واقع الحرب التي استشرت في الجنوب وتمددت إلى الوسط والشرق وخلقت واقعاً سياسياً حمل النظام على التفاوض الجاد مع الحركة منفردة، من بعد تأبيه التفاوض معها كفصيل في كيان جامع لكل أهل الشمال من غير أنصارها، وأهل الشمال هم الذين يعني الكاتب أمرهم أكثر من غيرهم. 

 

حقيقة الأمر، ليست الحركة وحدها هي التي لا تريد أن تهز بجذع نخلة ماشاكوس، النظام أيضاً لا يريد ذلك الهزيز لأنه إن قبل أن يقاس حجم القوى السياسية بميزان موضوعي (نتائج الانتخابات السابقة مثلاً) لما طالب بخمسين في المائة من المقاعد. ولو تنازل عن تلك "القسمة الضيزى" لما ملك القوة التي يبقى بها على ما يريد الإبقاء عليه من اتفاق ماشاكوس مثل الحفاظ على هيكل الحكم الراهن في الشمال والقوانين التي تحكمه. ونحن على يقين تام أنه لو انتهى الأمر إلى وضع الجبهة ـ بل التيار السياسي الإسلامي كله في حجمه الحقيقي ـ لما أصبحت التحالفات داخل لجنة الدستور تحالفات اثنية ـ جغرافية، كما يتمنى الكاتب ويجهد نفسه للقول، بل تحالفات سياسية تجمع بين أغلب أهل الشمال وكل أهل الجنوب ضد بعض أهل الشمال. ولا نحسب أن ذلك الوضع يروق لرجل لا تطيق نفسه كلمة علمانية، أياً كان معنى الكلمة.

      

أتى الكاتب أيضاً على موضوع الخدمة العامة وقال إن مشروع الاتفاق يعطي الجنوب مابين 25% إلى 35% (حسب نتائج الإحصاء السكاني المرتقب) من الوظائف في الخدمة المركزية العامة، ثم أردف: " يبدو أن الإشارة هنا للخدمة الوطنية المركزية التي تعمل في الشمال، أما الذين يعملون في الجنوب فاولئك يتبعون للحكومة الاقليمية". لا ندري كيف تبدى للكاتب ذلك الظن، والنص صريح في إشارته للخدمة العامة المركزية. ومما لا خلاف عليه أن مشروع اقتسام السلطة يحدد واجبات واضحة لحكومة الكيان الجنوبي، وواجبات معلومة للحكومة الاتحادية التي ينبسط سلطانها على كل القطر. لهذا يصبح افتراض إشراف حكومة الكيان الجنوبي على موظفي السلطة الاتحادية العاملين في ذلك الإقليم، افتراضاً لا تدعمه حجة باهرة، أو دليلة واضحة. سلطات المركز التي يحتمل أن تمارس في الإقليم الجنوبي، كما في غيره من الأقاليم، تشمل واجبات اقتصادية (جبي الجمارك والمكوس)، وواجبات أمنية (الجوازات، والهجرة، المباحث الجنائية المركزية)، وواجبات تربوية (التعليم العالي والبحث العلمي)، وواجبات تنظيمية (regulatory) مثل ضبط مياه النيل، أو مسارات الطيران الدولي. فمن أين جاء الكاتب بالرأي أن العاملين في هذه المجالات سيكونون جميعاً "تابعين" للحكومة الإقليمية. بانعدام هذه الدليلة، وتلك الحجة يصبح القول تلبيساً، أو يخلق ـ إن أحسنا الظن ـ لُبساً يستحيل معه الحوار الذكي.

 

ذلك اللبس نشهده في الأسلوب الملتوي الذي يتعامل به البعض مع قضية اقتسام السلطة. يقول هذا البعض: " لقد استأثر الجنوبيون بحكم إقليمهم، فلماذا يريدون أن يشاركونا في حكم الشمال بثلث الوظائف". حرف النون الملحق بكلمة يشاركون يكشف عن عِرق الأزمة. فالحكومة الاتحادية هي حكومة كل السودان، ولهذا فأن لأهل الشمال والجنوب والشرق والغرب حق فيها. وإن تمنى ذلك البعض أن لا يشارك فيها الجنوب بحكم كونه جزءاً من الوطن الواحد، وبحجم كثافته السكانية، فما عليهم إلا أن يخطوا الخطوة الهامة التي تسبق تحقيق ذلك الهدف: فصل الجنوب. أما أن يلحوا في الصياح من سقوف المنازل: وحدة، وحدة، وحدة، دون وعي بأن لتلك الوحدة أسس ومقومات وتبعات، فذلك تخليط غير محمود، بل فجاجة لا تليق. الاستنكار، بلا شك، واجب لو طالب الجنوبيون بأن يكون لهم نصيب (أياً كان حجمه) في مواقع الخدمة العامة الولائية في الشمال، فولايات الشمال ـ تماماً مثل ولايات الجنوب ـ ينبغي أن يحكمها أهلها، وليس هذا هو حال الحكومة الاتحادية التي يتشاركها الجميع بصورة تعكس وجودهم الحقيقي في تلك السلطة. وصدق الكاتب عندما قال:" لم تترك الحركة شيئاً للصدفة أو لحسن الظن بالحكومة". وكيف لها أن تفعل ووراءها ميراث طويل من الوعود التي ما قطعتها حكومات الشمال للجنوب، إلا لتجهض، بدءاً من ديسمبر 1955 وانتهاءً باتفاق السلام من الداخل في عام 1996. هذا هو التاريخ، والتاريخ ليس خيوطاً تنسجها العناكب على حيطان دار مهجورة، بل هو وقائع تنحفر في الوجدان، ولا تسقط بالتقادم. ولعل فيما يدور اليوم في دارفور على يد فتية إسلاميين كانوا من أهل "الثوابت" ـ لا على يد "متمردي حركة ماركسية"ـ ما ينبه الغافلين عن المطالب المشروعة لأهل التخوم، في الجنوب كما في الشرق والغرب. فمع تضافر كل الكوارث التي تحدق بنا من الجنوب والشرق والغرب مازالت نفوسنا تتأبى التبصر في دواخلها، والتملي فيما حولنا. ولئن عجزنا بالأمس عن استبصار الأسباب التي حدت بالشيخ عبد القادر اوكير ومحمد احمد عواض للتكاتف مع ابيل الير وفيليب عباس غبوش ضد "إخوتهم" الشماليين المسلمين، أو لا يجدر بالكاتب المسكون بهموم أهل الشمال المسلم أن يتساءل عما الذي دفع بـ "الإسلامي" داود بولاد للواذ بحركة "ماركسية متمردة"، كما دفع بصنوه فاروق احمد آدم للاستنصار بمن مهر بيديه "اتفاقية الخيانة"، الاسم الذي أطلقته الجبهة على اتفاق الميرغني ـ قرنق (نوفمبر 1988). وخليق بمن أطلق ذلك الوصف الغليظ : "الخيانة" أن يستبرئ منه كما تستبرئ الحائض من دمها بعد محاض ماشاكوس، "قل هو أذى".

 

ومن المدهش أن يثابر النظام، في المفاوضات التي تدور اليوم، ليس فقط على استلاب إرادة أهل الشمال النيلي، بل أيضاً إرادة المهمشين. فما قولكم في تعثر المفاوضات حول المناطق المهمشة في كارين* خراج مدينة نيروبي لاستمساك النظام بأن لا يرأس نيهال دينق (الجنوبي) الوفد المفاوض والذي يضم ممثلين ومستشارين من أبناء هذه المناطق. هذا أمر قد يجيزه المنطق لو كان الذي يتولى قيادة وفود هذه المناطق هم كبشور ومجاك وعدلان، لا أمين ومطرف وهلمجرا من أبناء الشمال النيلي. يحدث هذا، رغم أن الحركة ظلت تقول أن هذه المناطق ليست جزءاً من الشمال الجغرافي، وإنما هي جزء من معادلة الحرب والسلام، وإلا فلِمَ وقع النظام إتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة مع الجيش الشعبي، ولِمَ ضَمَّن تلك المناطق في اتفاق وقف العدائيات.

 

ما نخلص إليه، هو أن النظام ـ حتى في الرمزيات ـ عازم على التأكيد على أنه وحده لا شريك له هو المعبر عن أهل الشمال بمسلمه ومسيحيه، ونوبه وزنجه، وختميته وأنصاره. لو قال للحركة، مثلاً، دعونا ننسحب قليلاً حتى يتحدث أهل هذه المناطق مع بعضهم البعض ويعبروا مجتمعين عن مطالبهم المشروعة، دون أن نتنفس على رقابهم لكان ذلك أدنى إلى المنطق. فالذي ينبغي أن يعبر حقيقة عن تلك المطالب هم أهل هذه التخوم، عسكريوهم، وسياسيوهم، وأحبارهم، وكجورهم، وائمتهم المسلمون الذين لا يستطيبون شيئاً مثل لحم "الكدروك"، كحال  أهلنا الانقسنا. ولكن النظام، رغم كل هذه الحقائق التي تحيط به، يريد مهمشين على شاكلته  ووفق رؤاه.

              

المشكل السوداني في حقيقته هو نادي الخرطوم، لا نشير بذلك إلى النادى القابع في حي العمارات، والذي يتداعى إليه بعض سراة القوم، لا يبتغون سوى المسرة، وإنما نومئ به إلى ما أسماها - بحق - الأستاذ الفاتح النور (الكردفاني) قبل ثلاثة عقود: "جمهورية المدن الثلاث". في تلك الجمهورية "الأفلاطونية" مواطنون لهم كل الحقوق، ورعايا لاحق لهم بل عليهم كل الواجبات. ولسوء الحظ، لم يتصدر تلك الجمهورية منذ نشأتها حاكم فيلسوف. قلما نفكر، مثلاً، في أن استئثار أهل الشمال النيلي بكل كعكة الحكم على مستوى الاجهزية المركزية: مجلس الوزراء، المواقع القيادية في البرلمان والقضاء العالي، يثير ثائرة أقوام آخرين. هذه الغيبوبة الفكرية تستدعي إلى الذاكرة إشارة ذات دلالات كثيفة وردت في حديث للدكتور الجزولي دفع الله إبان رئاسته لمجلس الوزراء. قال : " فوجئنا بأن نصف مجلس الوزراء يجئ من منطقة واحدة في السودان". ولا شك لدي أن الجزولي قد فوجئ بتلك الحقيقة، ولهذا كان صادقاً فيما قال. هنا مربط الفرس، فلو كان إغفال أهل التخوم ناجماً عن سياسة قصدية لهان الأمر، ولربما قال من انتقصت حقوقهم عمداً من بقية أهل السودان: "الحشاش يملا شبكته"، خاصة بعد أن تعلموا من أهل الجنوب كيف تملأ الشباك. حقيقة الأمر هو أننا لا ننتبه أبداً إلى أن ثمة شيئاً متعفناً في مملكة الدنمارك*، بالرغم من أن ذلك الشئ صنعناه بأنفسنا. نحن في الشمال، دومـاً، نعيش في الطابق المسحور اسراء لشبكة العلاقات القديمة  (old-boy'snetwork)، وحبساء في مداراتها المغلقة المستحيلة. لا نرى إلا من في داخل هذه الشباك عندما نتحلق في انديتنا المهنية، ودورنا الحزبية، ومطابخ صنع القرار السياسي في دورنا الوسيعة. فلو فطن صناع الملوك عقب الانتفاضة إلى أن بين أبناء البجة معلمين، وأن بين أبناء دارفور مهندسين، وأن بين أبناء الجنوب قانونيين متمهرين، وأن جميع هؤلاء لا يقلون كفاءة أو قدارة عمن اختارهم النقابيون لاعتلاء مراقي الحكم الرفيعة، لما وجد الدكتور الجزولي نفسه في ذلك الوضع الحرج. لهذا، يحار المرء عندما يجئ كاتب حصيف من أهل الشمال ليثير الزوابع حول أول محاولة جادة لإعادة رسم الخارطة السياسية بالصورة التي ترد بها الظلامات الموروثة، وتزال بها الاحتقانات السياسية التي تورمت فتقيحت ثم انفجرت (دارفور مثلاً)، ثم لا يستذكر أبداً أن حقوق أهل الشمال قد أهدرت منذ الثلاثين من يونيو 1989 على يد فاعل سَتَره الكاتب وجوباً أو جوازاً، وهو أدرى بتقديره. ما أحرانا جميعاً أن ندرك أن القديم مات، وما بقى إلا إشهار وفاته، وأن الجديد لم يولد بعد. ولن يولد الجديد طالما ظللنا ندور في فلكنا الوهمي، وتخادعنا الظنون البائره بأن ليس في الإمكان أبدع مما نحن فيه من حال. ما ابأسه من حال. 

                                     

*  نسبة للكاتبة الدنماركية المشهورة كارين بلكسن Karin Blixenمؤلفة كتاب (Outof Africa) والتي عاشت حياتها الزاهرة في تلك المنطقة، وكانت تصدر مؤلفاتها الأولى تحت أسم ايزاك دينستين.

الشروط المتغيرة لإعادة إنتاج النخبة المثقفة


يوليو/ 2004

 


 

 

التباين في أنظمة التعليم و الشتات

وإعادة إنتاج النخبة المثقفة

د. إبراهيم النور 

الأستاذ المشارك بالجامعة الأمريكية في القاهرة

 

 

 

 

 

 

  مقدمة

  جدل الإنتاج المعرفي في المنطقة

  تطور الأنظمة التعليمية

  آلية توالد الضغوط فى توسيع التعليم (السودان: دراسة حالة)

  توسع التسعينيات: القفز فوق أقدام واهية

  أزمة تعليم الأعداد الكبيرة

  من التعليم النخبوي المفتوح للتعليم النخبوي المغلق

  التدفقات البشرية واعاده انتاج النخب والمعرفة

  الأشكال الجديده لاعاده انتخاب النخب المتعلمة

  المنطقة العربية والسياق العالمي: نحو خلاصة

  هوامش

  المراجع

 

أشارد. عاطف عبيد – رئيس الوزراء في بيان أمام مجلس الشعب – إلي " أن مراكز التدريب ستتولى إعادة تأهيل 400 ألف خريج سنوياً ..."الأهرام،2003/12/29

 

 

 

مقدمة

تعنى مساهمتي بالأسس الهيكلية لمنظومة إنتاج المعرفة والبحث العلمي بما في ذلك البحوث الاجتماعية وتركز هذه المساهمة بصفة خاصة على التغيرات في البنية الأساسية للإنتاج المعرفي وأقصد بذلك النظام التعليمي وما طرأ عليه من تغيرات في تركيبته وفي سياساته أو في محتواه كماً ونوعاً. وتعنى أيضاً متغير شديد الارتباط بالبنية الأساسية للإنتاج المعرفي وهي دور التدفقات البشرية(population flows) في المنطقة على اختلاف مقاصدها. هجرة بين دول المنطقة بين دول مصدرة للعمالة وأخرى مستورده لها – وهجرة إلي المنطقة من كل المناطق وعلى الأخص المنطقة الآسيوية – وهجرة من المنطقة الى الشمال. كل هذه الهجرات تقوم بدور على قدر من الأهمية والتأثير بالنسبة لقدرات إنتاج المعرفة وتوطينها ونشرها في المنطقة سلباً وإيجاباً.

 

لقد نتج عن هذه المتغيرات الهامة في كل من البنية الأساسية للإنتاج المعرفي وتركيبته البشرية وحركتها وعوامل الفرز وسطها،  ديناميكية جديدة لعملية إعادة الإنتاج المعرفي والنخب المثقفة وهى، في تقديري، ديناميات تولد تحديات جديدة.يشكل فهم هذه الديناميات  نقطة البدء في فهم مسار البحث العلمي وسبل تجاوز نواقصه وتحدياته الحالية.   وبالرغم من جوانب الخصوصية في تطور بنية الانتاج المعرفي ودينامياتها القديمة والجديدة في المنطقة العربية فإنه لابدَّ من النظر إليها في إطار أوسع من الدائرة الإقليمية، أي، من منظور يشمل أيضاً المتغيرات الحادثة على مستوى الفضاء الجنوبي الكوني، وفي إطار العلاقات المتبادلة بين الشمال والجنوب في عالمنا وفي اطار العولمة المتزايدة وما أفرزته وتفرزه من مؤثرات.

 

جدل الإنتاج المعرفي في المنطقة

حرك تقريرا التنمية البشرية العربية الصادران في عام2002و عام 2003، ساكن الحياة في الأوساط المعنية بقضايا البحث العلمي والإنتاج المعرفي. استطاع التقرير الأول عام 2002 أن يسهم في تحريك ردود فعل صحية عندما ركز على أن تحدى التنمية في المنطقة يتمثل في تجاوز نواقص ثلاثة هي: المعرفة، والحرية، وتمكين المرأة. وعنى التقرير الثاني بتحديات إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية: انتاجاً وتوظيفاً ونشراً مركزاً على محورين هما تحويل الثروة المعرفية إلي رأس مال معرفي، وتوظيف رأس المال المعرفي بكفاءة في إنتاج معارف جديدة بوصفهما عمليتين مجتمعتين مترابطتين محور الأولي، نشر المعرفة المتاحة، بينما تنصب الثانية على العمليات المباشرة لإنتاج معارف جديدة في مجالات المعرفة كافة: العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانيات والفنون والآداب وصنوف النشاط المجتمعي كافة، وما تقتضيه كفاءة هذين النشاطين من قيام مؤسسات مجتمعية لتحقيق أغراضهما حركة المؤسسات في الزمن، عمليات مجتمعية نشطة وفعالة تنهض في سياق قطري وإقليمي وعالمي يفُعل بها (تقريري التنمية البشرية العربية 2002،2003).

 

اتخذت من التقرير مدخلاً لمساهمتي لا بسبب النية في الدخول في حوار مع ما توصل إليه أو ما تطرق إليه بل بسبب أهمية ما لم يوليه التقرير بالعناية الكافية، ركز التقرير بصورة كبيرة على قضايا قياس المعرفة وبطبيعة الحال يلعب التعليم ونظامه ونوعيته الدور المقدم في قدرات إنتاج المعرفة وبطبيعة الحال تلعب عناصر التعليم (النظام، النوعية، السياسات) دوراً مهماً في تحديد ديناميته ووجهة إعادة إنتاج هذه القدرات المعرفية كما تعرض التقرير بشكل عابر الى عنصر أساسي مؤثر بشكل متميز على قدرات إنتاج المعرفة في المنطقة وهو الدور الخاص بالتدفقات البشرية في المنطقة.

 

تبدأ الورقة بمناقشة القضايا المتصلة بأنظمة التعليم العربية بحسبانها حجر الأساس في الإنتاج المعرفي،ثم تأتي بعد ذلك مناقشة الحجم المميز والمؤثر للتدفقات البشرية في المنطقة وأثرها البالغ في إنتاج وتوطين أو استنزاف المعرفة في المنطقة، بينما يركز القسم قبل الأخير على التأثير المتبادل لكل من العاملين الخاصين بالنظام التعليمي والتدفقات البشرية في خلق دينامية جديدة لإنتاج المعرفة ولنمط إعادة إنتاج النخب المثقفة اثرت وتؤثر هذه الدينامية على عملية إنتاج المعرفة ونشرها وتوطينها في المنطقة. ويعني القسم الأخير من الورقة بوضع قضايا الإنتاج المعرفي في المنطقة في إطار المتغيرات الحادثة في الجنوب الكوني الكلي وفي إطار علاقات الجنوب والشمال وما أفرزته وتفرزه من اتجاهات للتباين في الوضع النسبي تقارباً وتباعداً، واندماجاً وتهميشاً، فبعض مظاهر التهميش والتراجع عن مستوى الإنتاج المعرفي، كما نزعم، ترجع الى شروط عالمية أقل مؤامة للتبادل المتكافئ في مجال الإنتاج المعرفي فرضتها عوامل مرتبطة بالإرث التاريخي للتبعية المعرفية وما أفرزته العولمة من عوامل فرز جديدة. تكتسب هذه المقاربة أهميتها بسبب الافراط في تعريف أزمة الإنتاج المعرفي العربي أو "الجنوح الدائم لجلد الذات" الذى يلازم المساهمات العديدة في هذا المجال.

 

تطور الأنظمة التعليمية

هل يمكن الوصول إلى أية تعميمات معقولة ونحن نتحدث عن منطقة بالغة التعدد والتنوع مثل منطقة الدراسة؟ ربما كان هذا هو السؤال الجوهري الذى يواجه كل من يتصدى لأية تعميمات. يكفي النظر الى متغيرات مثل الدخل، والمستوى التعليمي، والمؤشرات التنموية الأخرى لنرى فداحة المخاطرة؛ وتبدو الحالة أكثر تعقيد متى أخذنا في الحسبان مثلاً التقسيمات المعتمدة على تصدير العمالة أو استيرادها، ولربما أخرى أكثر صعوبة تتعلق بالاختلاف البين في تاريخ المؤثرات الاستعمارية مصنفة حسب الأقاليم وربما البلدان كما لاحظ بحق هنرى واسبرنعبورق (Henery and Springborg, 2001:8-21). في القسم البالغ الدلالة الذى يناقش خصوصية الميراث الاستعماري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتنوعه. بالرغم من ذلك فإننا نزعم أن قدراً من التعميم المفيد، ممكن بل وضروري لرؤية الغاية بأكملها بسبب التأثيرات المتبادلة والتداخل التاريخي المعرفي والمادي على السواء. يكفي على المستوى المادي أن نرى أن الريعية (الأكثر تميزاً للاقتصاديات المنتجة للبترول) قد أفرزت مؤثرات ريعية في كل اقتصاديات الدول غير المنتجة. غنى عن القول أن التأثير المتبادل على المستوى المعرفي لا يحتاج لتدليل أكبر.

 

بالرغم من التفاوت التاريخي الواسع وباستثناءات قليلة (لبنان – فلسطين) فقد تم الانتقال من التعليم النخبوي القائم على الأعداد القليلة والمراكز القليلة للتميز وهو نمط وضعه الاستعمار في كل البلدان العربية شرقا وغرباً. كما أسلفنا تمَّ هذا الانتقال في فترات تاريخية مختلفة وكانت مصر السباقة لهذا الانتقال (عام 1952) كما كانت السباقة في مجانية التعليم (عام 1923). لكن معظم دول المنطقة التحقت بالنموذج المصري على فترات متباعدة تحت ضغوط اجتماعية هائلة من الفئات الاجتماعية ذات المصلحة في توسيع دائرة الحراك الاجتماعي، وهي الفئات الأعلى صوتاً بدليل أن التوسع، خاصة في البلدان غير الغنية، أغفل الفئات التي لا صوت لها، وإلا كيف نفسر هذا التوسع ذا الهرم الضيق القاعدة في بلدان الثقل السكاني والأمي (السودان – العراق – المغرب – مصر – اليمن). الجدول رقم (1) يعطي صورة أوضح لما نعنيه بهذا الهرم. هذه البلدان تمثل في المتوسط نحو ثلثى سكان المنطقة.

 

جدول رقم (1)الأمية والتعليم العالى في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا

الدولة

نسبة الاميين للفئة العمرية 15-24

-لسنة 2000

التعليم العالى كنسبة من الفئة العمرية 24-18

 

المجموع %

رجـــال

نســـاء

 

الجزائر

11.5

6.8

16.4

15

البحرين

1.6

1.8

10.4

 

العراق

55.4

40.7

70.9

14

الكويت

7.6

8.3

6.8

21

لبنان

4.8

2.8

7.0

42

ليبيا

5.3

0.2

7.0

 

موريتانيا

51.1

42.9

59.4

4

المغرب

38.4

0.5

.50.0

10

عمان

2.1

7.4

3.8

8

قطر

5.2

5.1

2.9

 

السعودية

7.3

17.2

9.7

22

السودان

22.8

4.6

28.5

8

سوريا

12.8

2.6

21.2

17

تونس

6.7

1.2

10.9

18

تركيا

3.5

12.6

6.0

15

الامارات

9.4

17.1

5.6

12

اليمن

35.0

23.6

53.8

9

مصر

30.3

23.3

37.8

39

المصدر: معهد اليونسكوللإحصاء: الموجز التعليمي العالمي 2003: مقارنة احصائيات التعليم عبر العالم، معهد اليونسكو للاحصاء، مونتريال 2003. http://www.uis.unesco.org

 

آلية توالد الضغوط في توسع التعليم (السودان: دراسة حالة)

ربما تصلح وتائر تطور نظام التعليم في السودان (وهي حالة متطرفة ولكنها أكثر ابانة) في توضيح طبيعة الديناميةالمولدة لوجهة التوسع في النظام التعليمي.يصعب فهم التشوهاتوعدم التوازن في النظام التعليمي السوداني بدون النظر في أنماط تطوره والتباين في معدلات النمو بين أقسامه المختلفة. لقد احتاج السودان الى ما يقرب من عقدين بعد الاستقلال ليرتفع بمعدل الاستيعاب بمرحلة الأساس من 25% الى 50% وطوال عقدين لاحقين كان معدل زيادة القبول مساوياً بالكاد لمعدل النمو السكاني، مخلفاً نصف أطفال السودان دون تعليم. يوضح الجدول رقم (2) معدلات النمو في القبول بمراحل التعليم المختلفة ونسب الاستيعاب من الفئة العمرية المقابلة لكل مرحلة في الفترة من 1970 الى 1995.

 

جدول رقم(2)معدلات النمو ونسب الاستيعاب بمراحل النظام التعليمي والصرف على التعليم

(أ) متوسط معدل النمو في القبول بمراحل التعليم (%)

المرحلة/السنوات

70-1980

80-1985

85-1990

90-1995

الأساس

5.9

3.5

3.3

2.4

الثانوي

11.2

7.7

5.6

9.1

العالي

7.2

5.4

15.0

22.9

 

(ب) النسبة المئوية للاستيعاب كنسبة من الفئة العمرية

المرحلة/السنوات

1970

1980

1985

1990

1995

الأساس

38

50

50

50

53.1

الثانوي

7.4

16

19.9

22.2

27.9

العالي

1.1

1.7

1.9

3.4

7.7

 

(ج) الإنفاق على التعليم

1970

1980

1985

1990

1995

(1) الصرف على التعليم كنسبة مئوية من الميزانية العامة

 

12.6

 

9.1

 

15.0

 

8.0

 

10.5

(2) كنسبة مئوية من الدخل القومي

3.9

4.8

4.0

1.3

0.8

المصادر:

 (1) Donors to African Education: A Statistical Profile in Sub-Sahara Africa in the 1980s

(2) الجهاز المركزي للإحصاء: الكتاب الإحصائي السنوي، الخرطوم، 1998.

(3) الجهاز المركزي للإحصاء: التعداد السكاني لسنة 1993، الخرطوم، 1996.

 

غير أن أهمية الجدول تنبع من أنه يوضح بجلاء نوع الضغوط المتولدة عن أنماط التوسع في المراحل المختلفة ومصادر الطلب الاجتماعي المتزايد على التعليم العالي. فكل دورة من التوسع غير المتوازن في مراحل التعليم فوق الأساسي تخلق طلبا متزايداً على التعليم العالي. وهو ما ئؤدي الى ما يسمى بلغة الاقتصاد "التوسع المدفوع بالعرض وليس الطلب Supply-driven" وإذا نظرنا الى دورات التوسع في التعليم الثانوي (السبعينيات والثمانينات) حيث بلغت معدلات نمو الاستيعاب تقريبا ضعف مثيلتها في مرحلة الأساس، نجد أن ضغوطاً هائلة قد نشأت بسبب هذا التنامي السريع في خريجي المدارس الثانوية مما أدى الى نمو مماثل في الاستيعاب في التعليم فوق الثانوي ولكن على وتيرة أقل.

 

وفي واقع الأمر فإن المؤسسات الحكومية للتعليم الجامعي حافظت على سياسة صارمة في الحفاظ على الطابع الانتقائي للقبول. غير أن هنالك عاملين قاما بدور هام في تنامي معدلات الالتحاق بالتعليم فوق الثانوي هما:

(1)    عامل داخلي حيث قام التعليم العالي المصري (جامعة القاهرة فرع الخرطوم) بدور كبير في رفع معدلات الالتحاق بالتعليم فوق الثانوي، ففي عام 1969/1970 مثل طلاب الفرع 44.8% من مجموع طلاب الجامعات البالغ 11.437 وفي عام 1982 وصل هذا العدد الى 55.7% من مجموع طلاب الجامعات بما في ذلك جامعتي الجزيرة وجوبا اللتين أنشئتا في عام 1978. (Ibrahim, 1999) وحتى نهاية الثمانينات كان معدل القبول بالجامعات بمصر يفوق الألفين طالب سنوياً (Forojalla, 1992). غير أن أهمية جامعة القاهرة فرع الخرطوم تتمثل أيضاً في أنها مثلت نمطاً مغايراً تماما لنظام التعليم العالي في السودان، وهو نمط الأعداد الكبيرة والتكلفة المنخفضة، وهو ما يبدو أنه النمط الذى بدأ يتجه إليه التعليم العالي في السودان منذ عام 1990

(2)  عامل خارجي قام بدور فعال أيضاً في امتصاص ضغوط الطلب الاجتماعي على التعليم العالي، وهو المنح والبعثات المقدمة من الدول الاشتراكية السابقة وبلدان عربية على مستوىالتعليم الجامعي ومن الدول الغربيةوالمنظمات الغربية على مستوى التعليم فوق الجامعي. وحتى بعد أن تراجعت أعداد هذه المنح في نهاية السبعينيات فإن زخم التعليم العالي في خارج السودان قد تمت المحافظة عليه. 

 

بصورة أو بأخرى فإن نمط "إعادة إنتاج النخبة" قد تكرر في معظم الدول النامية وهو نمط كما رأينا يولد ضغوطا متزايدة سياسية واجتماعية داخلياً غير أنه لا يمكن إغفال عوامل تغذيته الخارجية بما في ذلك سياسات المانحين من منظمات دولية أو قطرية. إذن عناصر الخلل والتشوهات موجودة أصلا في بنية النظام التعليمي ووتائر نموه منذ الاستقلال، وما حدث من إجراءات بعد 1989 هو الدفع بمعدلات النمو غير المتوازن إلي حدها الأقصى.

 

توسع التسعينيات: القفز فوق أقدام واهية

في إطار ما عرف بثورة التعليم العالي تضاعفت معدلات القبول بالجامعات الحكومية خمسة أضعاف إذا أخذنا في الاعتبار تحول طلاب جامعة القاهرة فرع الخرطوم إلي طلاب جامعة حكومية وارتفع القبول بالتعليم الأهلي من 993 في عام 89/1990 الى 7340 طالب وطالبة في عام 95/1996 (أي أن نصيبه النسبي ارتفع من حوالي 16% من الاستيعاب السنوي الى 22%) وفي بحر أربعة سنوات فقط 1990 الى 1994 أنشئت 18 جامعة حكومية جديدة وفي الفترة نفسها نشأت 12 مؤسسة تعليم عالي بمبادرة من القطاع الخاص. 

 

قد تبدو هذه الأرقام- فوق أنها مضجرة- غير ذات دلالة لكن ربما اكتسبت بعداً حقيقياً إذا علمنا أن مضاعفة عدد طلاب الجامعات من 60 ألف في 1989 الى 130 ألف في عام 1995، ثم بلغ 201 ألف في عام 2001 الذى تم في السودان قد استغرق 45 عاماً في بلد مثل بريطانيا.

 

كتب الاقتصادي التربوي أتكنسون في معرض الحديث عن هذا التطور السريع يقول: "بالإضافة الى ذلك فقد نمت سريعاً مجالات أخرى للتعليم مكلفة للغاية، وهكذا ارتفع عدد الطلاب المنتظمين انتظاماً كلياً في الجامعات البريطانية من 46 ألف طالب الى 139 ألف طالب تقريباً في الفترة من عام 1921 الى عام 1956" (أتكنسون، 1993، ص 21).

 

أزمة تعليم الأعداد الكبيرة

لقد اتسم التوسع في معدلات الاستيعاب في التعليم العالي في السودان (1990-1996) بظاهرتين متفردتين هما المدى الزمني القصير جداً المترافق مع تدني الصرف النسبي والمطلق على التعليم العالي وهما ظاهرتان يبدو أن السودان انفرد بهما. فكما يوضح جدول رقم (2) فإن نسبة الاستيعاب في التعليم العالي قد تضاعفت بين مرتين وثلاثة في مدى لا يتجاوز العقدين من الزمان (بين 1980 و2000) مما يؤكد من جديد آلية توالد الضغوط. 

 

جدول رقم (3)معدلات القبول في التعليم العالي للفئة العمية المعادلةفي الفترة 1980-2000

الدولة أو الاقليم

1980(%)

2000 (%)

مصر

16

39

السعودية

7

22

المغرب

6

10

العراق

9

14

الكويت

11

21

السودان

2

7

الشرقالأوسط

11

22

أمريكا اللاتينية

14

21

أفريقيا جنوب الصحراء

1

4

 

ان ظاهرة تضخم أعداد الخريجين بما يفوق معدل نمو القطاع الحديث مخدماً، ظاهرة تشترك فيها معظم الدول النامية ولا يبدو ان نتائجها سوف تكون مختلفة عما حدث في البلدان الأخرى. لكنه يمكن القول ان معدل التوسع الذى حدث في منطقة الشرق الأوسط يفوق كثيراً ما حدث في مناطق أخرى مماثلة وهو أيضاً توسع يتم عن قاعدة تعليمية بالغة الضمور ودون أن تتوفر له الإمكانيات المناسبة سواء المادية أو البشرية.  ويمكن أن نقرر، دون عناء كبير، أن رد الفعل النمطي الذى وصفه دور (Dore, 1976)، سيتكرر بصورة أو بأخرى. ويمكن إعادة تركيب سيناريو دور ليتضمن المراحل التالية: ستبدأ بسبب العرض الزائد من أصحاب المؤهلات الجامعية عملية إحلال لأصحاب المؤهلات الدنيا "خريجي الثانوية" بخريجي الجامعات وبسبب "البطالة" ستكون أحد استراتيجيات البقاء هو مواصلة التعليم "فوق الجامعي" مما يكمل الحلقة الجهنمية "مؤهلات فائضة – رفع الحد الأدنى التعليمي لوظائف القطاع الحديث – زيادة التأهيل فوق الجامعي في إطار التنافس – رفع الحد الأدنى التعليمي المطلوب لوظائف القطاع الحديث وهكذا. غني عن القول أن استراتيجيات البقاء لا تقتصر على السعي لتعليم فوق الجامعي بل تشمل الانضمام للسوق غير الرسمي وربما شغل وظائف لا علاقة لها بأي تدريب منظم. وتشتمل قائمة ردود فعل الحكومات لأزمة تشغيل فائض الخريجين أشكالاً مختلفة من فترة انتظار (خمسة سنوات في مصر) الى أنظمة الخدمة الإلزامية (سنتين في المغرب) الخ، (انظر على سبيل المثال سلامي Solami, 1992).

 

من الواضح أنه ليس هناك مواءمة بين التدريب واحتياجات التنمية. فمؤسسات التعليم العالي تنتج حالياً أعداداً متزايدة بما يفوق أضعاف الطلب الفعلي، ويكتشف من يستوعبه سوق العمل منهم أن تدريبهم لا يتناسب إيجاباً مع طبيعة الأعمال التي يقومون بها.  إن القضية الأشد خطورة في السنوات القادمة لن تكون قضية الأقلية التي تستوعبها سوق العمل، فهؤلاء سيتم إعادة تدريبهم لمتطلبات وظائفهم بصورة أو بأخرى، لكنها ستكون قضية الأغلبية التى لا يمكن استيعابها في سوق العمل المحدودة ولا تملك المهارات اللازمة للعمل خارج النمط التقليدي لنظام إعادة إنتاج النخبة السابق (تعليم عالي – وظائف مضمونة – دولة متوسعة) [4]

 

لقد ترافق مع الانتقال من التعليم النخبوي الى تعليم الأعداد الكبيرة، بسبب توالد آلية الضغوط التي سبق الحديث عنها، تدهور بالغ في مستويات التعليم العالي خاصة في البلدان التى ما عادت تستيطع إعادة انتاج النخب المتميزة بسبب ضمور الموارد المخصصة للتدريب الخارجي  يلخص المسألة د. سعد الدين إبراهيم (الضغوط من أجل درجة جامعية وليس تعليم عالي) دفعت بالعديد من البلدان في العالم العربي لتوسع سريع في عدد  الكليات والجامعات وأحجامها بوتيرة أسرع من قدرتها على تزويد هذه الكليات بأساتذة أكفاء وخاصة بأولئك الذين يتم تدريبهم في الخارج. ولمقابلة هذا النقص بدأت المؤسسات المحلية للتعليم، وهي التى تعاني أصلاً من نقص المؤهلين في منح درجات الدكتوراه لأفراد ناقصي التعليم وناقصي التدريب ويكادوا لا يعرفون لا لغات أجنبية ولا مناهج بحث، ناهيك عن إجادة أي منهما. طبيعي أن يعيد مثل وضع إعادة إنتاج الرداءة: هذا الضعف الصارخ للأبحاث الاجتماعية في العالم العربي" (Ibrahim,2000:130).

 

المسألة الأساسية كما يذكرنا العالم الجليل حامد عمار (1996)، ليس في التردي في مستويات الناتج النهائي لهذ1 التوسع الكمي غير المدفوع الأجر، إن صحت العبارة بل في تغير وظيفة الجامعة أو التعليم العالي نتيجة هذا التغير في أسلوب إعادة إنتاج النخب المتعلمة، يرصد عمار الدور التاريخي للجامعة المصرية النخبوية وتوظيفها الاجتماعي في عقدي الثلاثينيات والأربعينيات حيث انطلق منها فكر التنوير والتحديث والعقلانية مقارناً ذلك بما آل إليه الحال في ظل سياسات الأعداد الكبيرة والإعداد الهزيل "لا نريد أن نفصل في نتاج التعلم والتعليم في جامعاتنا، فالمعروف أنها تنتج أشخاصاً مبرمجين يؤثرون ثقافة الذاكرة بالطريقة البنكية حسب تعبير باولو فراري. والعلم عندهم مادة تحفظ وليس منهجاً للبحث والتجريب والاختبار والاستنباط، وما تزال تغطى بعض المعارف سحابات من أساطير التفكير الخرافي، دون تعمق في الوقائع والحقائق كما تختلط بها دروب من التحيزات لا تستند الى تقويم مختلف الرؤى في وجهات النظر". (عمار، 1996 ص: 63)

 

"إذا كانت جامعاتنا مقصرة في متابعة إنتاج المعرفة المتجددة ومؤكدة على مجرد العقلانية الغنية للمعرفة بوصفها موضوعية ونهائية ومطلقة وصالحة لكل زمان ومكان،  فإنها ما تزال تنظر إلي العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية بطريقة مجزأة ويندر أن ترتبط الفيزياء بالكيمياء والرياضة بادراك العلاقات والشروط مما لا يظهر معه تأثير للجامعة على قاعدتها ودروسها، بل امتد الى خارجها في مختلف مؤسسات المجتمع وسياساته مما لا يتسع المجال للتفصيل فيه" (المرجع السابق : ص. 63).

 

من التعليم النخبوي المفتوح للتعليم النخبوي المغلق

باستثناء (لبنان والأردن) بتاريخهما الخاص بالتعليم ودول النفط والبلدان التى حافظت على مستوى تعليم عام جيد (تونس وتركيا) يبدو أن رد الفعل تجاه تدهور نوعية تعليم الأعداد الكبيرة كان بلا استثناء هو خلق نظام مواز للتعليم.

 

إذا أدت أزمة تعليم العام – تعليم الأعداد الكبيرة وما رافقها في العقدين الأخيرين من انكماش الصرف على التعليم والخدمات مع مواصلة التوسع في القيد بسبب النمو السكاني وما يسمى (شرك السكان، population trap) الى نشوء نظامين متوازيين رأسياً: خاص وعام. لكنهما غير متساوين لا في عدد السنوات ولا في سنة البدء ولا بطبيعة الحال في الجودة. نظام خاص مندمج في عالم المعرفة بمستواه العالي (على تفاوت الدرجات) يبدأ بالحضانة ثم سنتين ما قبل المدرسة (Kg2 & Kg1) ثم المدرسة ذات اللغتين وأغلبية تبدأ من شروط مستحيلة للتنافس (طفل يبدأ التعليم بعد ثلاث سنوات أو أربعة من الطفل الآخر) إذا طفلان عالمان – منبتي الصلة وبطبيعة الحال لا مجال للحديث عن الحراك الاجتماعي كما كان الحال في النظام النخبوي القديم الذى أتاح الفرصة لعدد من غير الأغنياء ولا في النظام الذى تلاه.

 

ونشأت على التوازي مع نظام المدرسة الخاصة أنظمة جامعية خاصة (في مصر والمغرب والسودان واليمن والأردن) بعض هذه الجامعات (قديمها وجديدها) أصبحت المراكز الجديدة للتميز الأكاديمي. يوضح الجدول التالي نسبة التعليم الخاص في المنطقة.

 

جدول رقم (4)التعليم الخاص الابتدائى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2000-2001 

الدولة

النسبة المئوية للتعليم الخاص

الجزائر

--

السودان

4

ليبيا

2

المغرب

5

تونس

1

مصر

8

الأردن

30

الإمارات

47

البحرين

20

سوريا

4

العراق

--

الكويت

31

السعودية

7

اليمن

1

تركيا

2

لبنان

64

 

استوعبت هذه الجامعات قسماً من خريجي المدرسة الخاصة بينما التحق قسم منهم بالعليم الجامعي في الشمال الأوروبي والأمريكي أو انتقل داخل المنطقة والتحق عدد محدود منهم بالدراسات الجامعية في بعض الدول الآسيوية. لا تكتمل الصورة الخاصة للدينامية الجديدة لإعادة إنتاج النخب المتعلمة إلا بمناقشة تأثيرات التدفقات البشرية في المنطقة على هذه الدينامية وكيف أنها عمقت مظاهر التعددية في أنظمة التعليم وإعادة إنتاج النخب وسوف نناقشه لاحقاً.  

 

أغلق النظام الجديد أبواباً واسعة للحراك الاجتماعي، فهو نظام محكم الأبواب اجتماعياً يستوعب حوالي 5% وفي حده الأعلى (مصر 8%) حسب الوزن النسبي للطبقات القادرة. هذا الانقسام التعليمي الرأسي الحادث في معظم الدول العربية (صحيح أن بعضها بدأ يلحق به حديثاً: سوريا وليبيا) لكن هذا الانقسام يمكن وصفه بأنه انقسام مفقر أو مولد للفقر يكرس كل الفقر المادي والمعرفي ويعيد إنتاجه. الدراسات التى تمت في مجتمع متعدد الأعراق والديانات والتفاوت الاجتماعي مثل الولايات المتحدة توضح أن الانقسام التعليمي المبني على تفاوت الدخول يؤدي الى تعميق الفوارق العرقية والدينية والطبقية ويفقد المدرسة العامة قدرتها التوحيدية. توضح هذه الدراسات أن موقع المدرسة عامل مؤثر في نوعية التعليم فكل الطلاب (سواء كانوا منحدرين من الطبقة الوسطى أو فقراء) يتدهور أداؤهم في المدارس التي تقع في بيئات فقيرة. بينما يستطيع الطلاب الفقراء الذين يلتحقون بمدارس الطبقة الوسطى تحسين أدائهم بصورة كبيرة وبصفة عامة فإن هذه المدارس يوجد بها عدد كبير من المتحدرين من الطبقة الوسطى وطلاب ذوي تطلعات عادية، أساتذة أفضل وطلاب لديهم حافز أقوى للدراسة وتتواجد بالمدرسة إمكانية مادية أفضل، ومشاركة أكبر لأسر الطلاب في النظام المدرسي،[5](انظر Weicker & Kahlenberg, 2002). وهو ما يؤكد على صحة مقولة عالم التربية هوراس "Horace" في أواخر القرن التاسع عشر الذي نظر إلي المدرسة العامة بوصفها أداةً لتقريب الفوارق الاجتماعية ولكنه أكّد على أن المدرسة العامة ينبغي أن تكون عامة بالفعل "تعلم الفقراء والأغنياء تحت نفس السقف" (المرجع السابق). إذن نشأت دينامية جديدة لإعادة إنتاج النخبة المتعلمة ذات آثاربعيدة المدى بالنسبة لقواعد إنتاج المعرفة وشروط هذا الإنتاج ودرجة اندماجه أو انفصاله عن النسيج العام للإنتاج المعرفي. تبقي الإجابة غير كاملة عن هذه التساؤلات دون العرض للمؤثر الآخر البالغ الأهمية في المنطقة وهو الخاص بدور التدفقات البشرية في المنطقة في الإنتاج المعرفي ونشره وتوطينه.

 

التدفقات البشرية واعاده انتاج النخب والمعرفة

تتميز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقدر لا مثيل له من الحراك الاجتماعي السكانى أو التدفقات البشريةpopulation flows  ،ربما لا يماثله إلا ذلك الحادث في أمريكا الشمالية هذه التدفقات البشرية تؤثر تأثيراً "بالغا" على دينامية وآليات إنتاج النخب المتعلمة، وإنتاج المعرفة وتوطينها سلباً "وايجاباً". لم يول تقرير التنمية البشرية في عامية (2002-2003) اهتماماً "كافيا" لهذا المؤثر الهام في عملية إنتاج المعرفة في المنطقة كما أن النظر الى مجموعة دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مجموعةً واحدةً لا يفيد كثيراً في هذا الخصوص بسبب تعدد أشكال التدفقات السكانية ووجهتها، فنهاك دول مصدرة للعمالة داخل المنطقة وهناك دول مستورده لها وهناك تدفقات بشرية من خارج المنطقة، كما أن هناك تدفقات من المنطقة الى خارجها على الأخص في اتجاه الشمال الأوربي والأمريكي. 

 

الدخول في تفاصيل هذه الأشكال المتعددة من الهجرات يتجاوز مهام هذه الورقة لكن النقطة الجوهرية هنا هي أن هذه التدفقات البشرية تقترب في أهميتها بالنسبة لبناء القدرات المعرفية ونشرها وتوطينها بما في ذلك ديناميات إعاده إنتاج النخب المثقفة والاحتفاظ بها أو تسربها من أهمية النطام التعليمي وتطوراته تطرح هذه التدفقات قضايا بالغة الحيوية فيما يتعلق بإنتاج المعرفة وتوطينها وقدرات الدول المصدرة للمعرفة على تعويض النزيف المعرفي Knowledge Drain كما يتجاوز الحدود الضيقة للآثار الايجابية للتحويلات النقدية؛ فالتحويلات النقدية تعني بالتعويض الآني لفقدان الأشخاص المهاجرين لكنها لا تعطينا فكرة أو مؤشراً لقياس الأثر على المدى الطويل لنزيف القدرات على تطورات قدرات الإنتاج المعرفي في البلدان المصدرة، وهى قضية لم يتناولها البحث العلمي في مجال الهجرة بالتمحيص اللازم، بل ظلت هذه البحوث معنية بما هو ظاهر وآنى (التدفقات النقدية) واشارات عابرة الى (مظاهر نقص المهارات) في بعض أوجه النشاط الاقتصادي في البلدان المصدرة؛ بيد أن مثل هذا الإغفال، يرجع في الأساس الى صعوبات القياس خاصة عندما يتعلق القياس بالمدى الطويل الآني.

 

بالنسبة للدول المستوردة للمهارات والكفاءات فإن استيراد القدرات المعرفية عبر استيراد المهارات والكفاءات ينطوي على تحديات حقيقية فيما يتعلق بسياسات توطين.

 

بطبيعة الحال يمكن أن نفترض أن هذه الهجرة الكثيفة العدد والكثيفة المهارة والمعرفة سوف ينتج عنها بناء قدرات ذاتية لإنتاج المعرفة في البلدان المستقبلة لها سواء عن طريق مباشر (التعليم والتدريب للكوادر المحلية على كافة المستويات التعليمية) وغير مباشر عن طريق الاحتكاك والتدريب أثناء العمل لا توجد حتى الآن دراسات جادة في هذا المجال ولا يوجد ما يوحي بأن توطيناً لقدرات إنتاج المعرفة قد تم في البلدان المستوردة للعمالة واكتفى هذا بالدليل الأكثر وضوحاً وهو استمرار اعتماد هذه البلدان على استيراد المهارات. بطبيعة الحال (رجوعاً الى مدخل حديثي) أمام هذه الدول النموذج الأمريكي الخيار الأكثر مباشرة وهو التوطين الفعلي لتلك القدرات أي، أن يصبحوا مواطنين كاملي الحقوق، وبالتالي تحل مشكلة التوطين حلاً جذريا.ً لكن كما نعلم دون ذلك خرط القتاد ليس فقط من ناحية الهوية والنقاء الثقافي (وربما قال مزايد النقاء العرقي) ولكن أيضاً بسبب هذا التوطين قد يعني تسريعاً لتآكل العقد الاجتماعي القائم على نحو لا يمكن التحكم فيه وهو تخوف له مبرراته من جانب الطغم الحاكمة في تلك البلدان، وهي في واقع الأمر تواجه تآكل وهشاشة العقد الاجتماعي بسبب ما تم في مجال اللحاق بالحداثة في التعليم، وما يرافقه من تطورات خاصة في مجال تعليم المرأة،ونشوء طبقات وسطى أوسع كثيراً من الحال عند بدء اكتشاف البترول، ناهيك عن رياح العولمة القاسية الناتجة عن التقدم العلمي في مجالات تقنية المعلومات والاتصالات.

 

الجانب الآخر يتعلق بنزيف العقول (هجرة العقول) سواء الى داخل المنطقة أو خارجها تماماً، وأعني هنا لا الهجرة لدول البترول فحسب بل الهجرة للشمال (أوروبا وأمريكا ولأسباب اقتصادية وسياسية معاً... آثار مثل هزة الهجرة قد لا تبدو بالغة الأهمية أو البروز في اقتصاديات كبيرة نسبياً ومستقرة سياسياً مثل حالة مصر، لكنها بالتأكيد بالغة الأثر في اقتصاديات أخرى، دعنا نفكر في هجرة العقول من الجزائر العراق سوريا السودان، حيث فقدت هذه البلدان بدرجات متفاوتة قسم مهم من قواها الحية المنتجة والناشرة للمعرفة للعالم الخارجي. هذه البلدان وربما أكثرها عدم استقرار (العراق السودان) تمر الآن بما يمكن أن نسميه حقاً بالبناء السلبي لقدرات إنتاج المعرفة، وإعادة إنتاج تلك القدرات.دعوني أوضح هذه النقطة بصورة أفضل لقد تمَّ في معظم هذه البلدان استبدال الكفاءات المهاجرة بكفاءات متدنية القدرات تاركة أثراً لا يمحي لأجيال قادمة. ويكتسب مثال العراق والسودان أهمية خاصة حيث حافظ هذان البلدان على التميز الأكاديمي على مستوى التعليم الجامعي لفترة طويلة بعد الاستقلال فوق قاعدة ضيقة للتعليم. بعبارة أخرى حافظ كلا من البلدين على تعليم متميز وقادر على المنافسة عالمياً، لكن هذا هو بالتحديد ما ساعد على سرعة فقدان هذين البلدين لنخبهما المثقفة، وبسبب ضيق قاعدة هاتين النخبتين فإن أثر فقدهما يبدو فادحاً أكثر من أي بلاد أخرى في المنطقة.

 

الأشكال الجديده لاعاده انتخاب النخب المتعلمة

تضافرت عوامل عده أهمها التغيرات في السياسة التعليمية ودور الدولة والتدفقات البشرية بين دول المنطقة وإليها والى خارجها لتشكيل دينامية جديده لاعاده انتخاب النخبة المتعلمة وسرعة مفعول هذه التغيرات ووتيرتها، كذلك عمليات العولمة وما افرزتة من أشكال متعددة من الاندماج والفرز والتهميش بين دول المنطقة، وداخل كل دولة على حدة.

 

أدت هذه التغيرات الهامة الى تعدد أنماط ومراكز الإنتاج المعرفي والبحث العلمي ولكن وحين ضمرت واختفت مراكز التميز الأكاديمي السابقة ظهرت مراكز وشبكات جديده للتميز العلمي يميزها عن السابقة انفصال شبه كامل مماثل تماماً للانفصال الرأسي الحادث في النظام التعليمي عن باقى النظام التعليمي. ان مسالة نشوء جزر منعزلة (منعزلة عن الداخل ومرتبطة تماماً بالخارج) مهمة للغاية في فهم الديناميات المؤثرة على كل من الإنتاج المعرفي ونشره بما في ذلك الأبحاث الاجتماعية. تأتي الأهمية من زاوية المقارنة التاريخية بين مراكز التميز العلمي السابقة والحالية، فمراكز التميز الأكاديمي السابقة كانت مندمجة تماماً في النظام التعليمي السابق وتربض على قمته ميسرة بذلك عمليات التسرب لأسفل trickle-down effectوعلى قدر غير يسير من التفاعل المتبادل مع كل الجسم التعليمي الوطني وارتباط شبة عضوي مع العالم عن طريق اعاده تدريب نخب التميز.

 

مراكز التميز الجديدة (سواء داخل هذه البلدان في شكل مؤسسات تعليمية أو خارجها كما هو الحال في مجموعات التميز الأكاديمي في دول الشتات) لا تربطها صلة عضوية بالنظام التعليمي العام مضعفة بذلك احتمالات التسرب لأسفل وهكذا نشأت كتلة من المتعلمين (هم الغالبية) نطلق عليها أوصافاً "مثل المجموعات الأقل خطورة under-privileged بطبيعة الحال الصورة ليست بهذه القتامة التى تفرضها القيود غير المرنة للتقسيم المرحلي.

 

من جهة فإن المراحل تتداخل، حتى عندما ساد التحول نحو جامعة الأعداد الكبيرة (والإمكانيات المحدودة) فإن بعض السياسات التعليمية قد استهدفت إنشاء مراكز للتميز الأكاديمي وسط هذا الكم الهائل،  كما ان هناك إمكانية لحدوث اختراقات هامةbreak through  في مجالات محدودة وينجم ذلك عن تركيز كبير للجهود والإمكانيات في مجال بعينة. تاريخياً هذا ما حدث في التجربة السوفيتية فالاختراقات التاريخية في الاتحاد السوفيتي في مجالات تكنولوجيا الفضاء قد تمت دون أن تنتشر مثل هذه الاختراقات الهامة الى باقى الجسم المعرفي والنسيج الإنتاجي بسبب ما أسماه جولدنبيرق بالكوابح الكامنة في النظام السوفيتي (Goldman, 1983) وهناك حالات كثيرة مماثلة، مثل الاختراقات المهمة التى تمت في أبحاث القطن طويل التيلة في كل من مصر والسودان، والحالة الكورية للإنتاج النووي واذا شئت ان تضيف الحالة الليبية أيضاً<![if !supportFootnotes]> [6].

 

خلاصة الأمر أننا يمكن أن نشير الى استراتيجية قائمة لا على نهوض معرفي عام بل على تركيز شديد للقدرات فى مجال معين لتحقيق اختراق معين قد، وهو الغالب الأعم ما لا يسرى في باقى مكونات الجسد المعرفي وهى استراتيجية بحكم هذا الوصف مؤقتة لكن أن أصبحت استراتيجية طويلة الأمر فلا بد أن تؤدى إلى الجمود المعرفي أو على الأقل شيوع وكثافة واتساع فجوة الإنتاج المعرفي فيه ويمكن تصور حال الإنتاج المعرفي إذا طبقت مثل هذه الاستراتيجية في بلد أو منطقة تحاول تجاوز التهميش أو اللحاق.  

 

من هنا تأتى ملاحظات الأخيرة حول كيف ينبغي أن نقرا تجربة اللحاق الأسيوي وهى تجربة ينبغي قرأتها من ثورة الميجى التعليمية في اليابان وليس من خلال النمور الأسيوية أول خطوات اللحاق الأسيوي بنموذجية الياباني والأكثر حداثة هو أن اللحاق بدا في الأساس لحاقا"تعليميا" في 30 عاماً "استطاعت اليابان أن تتفوق على بريطانيا العظمى في التعليم الأولى العام وتحقيق إنجازات هائلة في مجالات التعليم الأعلى وهو ما فعلته النمور الآسيوية لاحقاً. وفي واقع الأمر فإن الربط بين التعليم والتنمية (التحديث بصورة أوسع) ارتبط بمحاولات المجتمعات التي لم تكن قد تصنعت بعد اللحاق. على سبيل المثال أصدرت حكومة الميجي في اليابان قانون التعليم الإجباري عام 1872 .."وركزت جهودها على بناء البنية الأولى للمجتمع وهي الطفل، فاهتمت بالتعليم الابتدائي أكثر مما اهتمت بالتعليم العالي. ومن هنا نجد أن سياسة الدولة التعليمية اختلفت كثيرا عن السياسة التي اتبعتها الدول النامية فيما بعد" (متشيو واوريتا، 1992، ص173). وفي واقع الأمر استطاعت اليابان، كما يبين الجدول رقم (2) أن تصل في فترة واحدة مع بريطانيا الى تعميم التعليم العام.

 

جدول رقم (4) تطور التعليم في بريطانيا واليابان 1870 – 1970

العام

نسبة السكان في الأنشطة غير الزراعية

 

النسبة المئوية لمعدلات الاستيعاب بالنسبة للفئة العمرية المقابلة

 

مرحلة الأساس           الثانوي العالي

 

اليابان

بريطانيا

اليابان

بريطانيا

اليابان

بريطانيا

اليابان

بريطانيا

1870

1900

1910

17

29

41

85

91

92

28

83

100

40

83

100

1

4

12

2

2

4

-

1

2

؟

1

2

المصدر:  Dore, R.1976, p. 40 

في هذا الإطار وعلى نسق مشابه لقيرشنكرون في (الأبعاد التاريخية للتخلف) يربط دور بين درجة التأخر النسبي في التصنيع والتركيز على التعليم كأولوية في هذه الشرطية الثلاثية: كلما تأخر دخول بلد ما لمجال التنمية والتحديث كلما:

1- ازداد استخدام المؤهلات الدراسية أساساً للتوظيف.

2- ازداد معدل تضخم المؤهلات.

  3- ازداد ارتباط النظم التعليمية بالامتحانات على حساب التعليم الحقيقي (التمدرس بدلاً عن التعليم).

ولقد سارت النمور الآسيوية لاحقاً على نفس المسار الياباني وعلى الأخص كوريا (انظر على سبيل المثال عبد الله، اسماعيل صبري، 1995).

 

المنطقة العربية والسياق العالمي: نحو خلاصة

لا مناص من ختام الورقة بالسؤال الاستهلالي: هل يمكن الوصول الى أي تعميمات ونحن نتحدث عن منطقة بالغة التعدد والتنوع كمنطقة الدراسة؟ لقد زاد من درجة هذا التنوع البالغ في المنطقة تعدد المسارات التى تطور بها التعليم في كل بلد على حدة، حققت كل دول المنطقة تقريباً قفزات هائلة خاصة فيما بتعلق بالتوسع الكمي في التعليم العالي، وبعضها، مثل مصر، ربما وصل الى تخوم ما يمكن تحقيقه قياساً بالقاعدة التعليمية التي تم على أساسها التوسع الكمي. ورأينا كذلك الأثر المتفاوت لما أسميناه بنزيف العقول وبقدرات استيراد الكفاءات وما تثيره من قضايا توطين المعرفة بما يغلب جوانب الخصوصية في معالجة قضايا تطوير الإنتاج المعرفي ونشره وتوطينه في داخل المنطقة نفسها. بيد أن قضية الإصلاح التعليمي بأجندتها المختلفة، بما تشمله من توسيع لقاعدته،تهدف الى معالجة القضايا المتعلقة بالجودة (بمعناها المباشر المتعلق بقدرات القراءة والكتابة والحساب ومعناها الأوسع الذى ينسجم فيه التعليم مع احتياجات الحياة والتقدم العلمي والمهارات اللازمة لحياة أفضل) يصح فيها التعميم على كل المنطقة. وفي هذا السياق فإن الانقسام الرأسي في النظام التعليمي بين أقلية صغيرة تتركز في نظام متميز يبدأ بمرحلة ما قبل المدرسة وينتهي بالجامعات المتميزة داخل أو خارج القطر المعين، وأغلبية ساحقة "غير محظوظة" تتدافع بالأنكاب في النظام التعلمي العام من مدرسته الابتدائية حتى جامعة الأعداد الكبيرة والإعداد المتدني، أمر يكرس إعادة إنتاج الفقر المادي والمعرفي. وفي السنوات المقبلة فإن مدى نجاعة أي اصلاح تعليمي سوف تعتمد على مدى النجاح في تقريب الهوة بين هذين النظامين المتعارضين رأسياً وفي بناء جسور التأثير المتبادل بينهما أو في القدرة على تطوير مراكز تميز واسعة التأثير داخل أنظمة التعليم العام المتدنية الجودة وفي كل البلدان تقريباً وإن تفاوتت الدرجات، فإن القدرة على الحفاظ على الكقاءات (Retention capacity) سوف تكون تحدياً حقيقياً، لكن هذه القدرة تمتد لما هو أبعد من الحوافز المادية لتشمل المناخ المُمَكن enabling environment بالمعنى الواسع الذى يشمل السياق السياسي والاجتماعي الملائم. وسوف تشكل قضية استعادة الكفاءات من المنافي والشتات أولوية متقدمة لعدد من الدول ذات الوزن السكاني المهم على رأسها السودان والعراق والجزائر، وفي البلدان التى تملك قدرات مالية كبيرة تظل قضية توطين الإنتاج المعرفي ودمجه في السياق المحلي (لا الاستمرار في استيراده)، هي التحدي الأكبر.

 

كل هذه المسائل المتعلقة بالبنية الأساسية للإنتاج المعرفي ونشره وتوطينه تشكل ما يمكن وصفه بأنه الشرط الضروري لتطور الإنتاج المعرفي؛ بيد أن الشرط الكافي يظل مرتبطاً بالمناخ المُمَّكن enabling environment وفي إطاره يمكن فهم أهمية النواقص الثلاث التى ذكرها تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002، ونضيف إليها عاملاً عميقاً أسهم في حيوية الإنتاج المعرفي وتشكيل أجندته وهو وجود مشروع وطني كما كان الحال في فترة النضال ضد الاستعمار وكا كان الحال مع زخم الآمال التنموية العريضة في الخمسينيات والستينيات. ربما صح القول أن رابع النواقص هو غياب مثل هذا المشروع الوطني. إذاً بالرغم من خصوصية تطور قدرات الإنتاج المعرفي في كل بلد على حدة فإن ما هو مشترك يبدو مهماً وملحاً في آن واحد.

 

بيد أن رابع النواقص الذى أشرنا إليه للتو والخاص بغياب المشروع الوطني ينبغي النظر إليه في إطار أوسع من المنطقة وتأطيره في سياق عمليات العولمة وما يرافقها من فرز وتهميش واندماج كوني بين الشمال والجنوب الكونيين.

 

إن الإطار النظري الذى ترتكز عليه المقولات الخاصة بالتبادل المعرفي غير المتكافئ ترتكز في الأساس على مقولة لا حيادية المعرفة التي تعكس بصورة أو أخرى اسهامات كل من بوردو وهابرماس حيث المعرفة فعل اجتماعي مشروط، وأداة رمزية للسلطة عند بوردو، أو الثلاثية النظرية القائمة على المصالح المعرفية عند هابرماس( Habermas, 1979 ; Bourdiew & Wacquant, 1979) (كريب،(1999وأيضاً الحوار الواسع حول تركز الإنتاج المعرفي في مراكز قليلة في الشمال بينما تقوم جامعات الهامش بدور الموزع لنظام الإنتاج المعرفي العالمي Muzrui, 1975)، انظر أيضاً ملخصاً لذلك الجدل في كل من Esteve, 1992 ; Odora, 2000 ; Persianis, 2000).

 

وفي هذا السياق فإن تراجع الوضع النسبي للإنتاج المعرفي مسالة تنطبق بصفة عامة على الجنوب الكوني (العالم الثالث إن شئت). في تحليله لما أسماه لمسار المشوه لتطور الإنتاج المعرفي في العالم الثالث، قسم أودورا (Odora, 2000) هذا التطور الى ثلاث مراحل:

(1)           المرحلة التى تلت التحرر وتميزت بإنتاج معرفي متميز غني بمعالجة الإرث الاستعماري والامبريالية واستطاعت أن تفرز انجازات متميزة في الجنوب في إطار بحث قضايا التبعية والعلاقات غير المتكافئة بين الشمال والجنوب.

 (2)مرحلة الثمانينيات التي طغت عليها أجندة بحثية مبنية على ردود الفعل Reactive Critique عنيت بمحاولة بحث أثار برامج التكيف الهيكلي واثارها السالبة.

(3)                 مرحلة التسعينيات حيث فرض تسارع عمليات العولمة وما رافقها من فرز وتهميش حيث فرضت على الانتاج المعرفي في الجنوب اجندة مفروضة ومنطلقات انصرافية "حرفت مسار الانتاج المعرفي لباحثى العالم الثالث إلي سلسة من ردرود الفعل والمحاججة بدلاً عن التنظير الشامل والمنتج المرتكز على القضايا الأساسية المتعلقة بتوطين التنمية" (المرجع السابق، ص 4).

يري أودورا أن الماركسية (بالرغم من جوانب قصورها النظري) [7]قامتبدور متقدم في تزويد علماء العالم الثالث بإطار نظري نقدي قادر، ساعد على فرض موقع متميز لهم في مجال الإنتاج المعرفي وأيضاً أفسح المجال لحوار مع قرنائهم في الشمال وهو الإطار الذى تهمش دوره مع انهيار أنظمة اشتراكية الدولة. يشترك (Alatas, 2003) مع أودورا في قدر كبير من تفسيره للتراجع العام للإنتاج المعرفي في العالم الثالث مركزاً على تحليل ما أسماه بالتقسيم العالمي للعمل في مجال البحث الاجتماعي وما يسميه بالتبعية الأكاديمية محللاً باستفاضة ركائز هذه التبعية المتمثلة في:

1- تبعية الأفكار "استهلاكاً لا انتاجاً"

2- تبعية الاعلام الفكري (النشر)

3- تبعية تقنية التعليم

4- تبعية الاعتماد على التمويل الخارجي في البحث والتدريس على السواء

5- تبعية الاستثمار في مجال التعليم

6- تبعية مولدة لنزيف العقول (هجرة للشمال أو كباحثين لحساب الشمال في الجنوب)، (من Alatas بتصرف، ص 604).

 

بيد أن تجاوز هذه التبعية دون الوقوع في هوة المحلية المفرطة والانحدار البالغ في قدرات الانتاج المعرفي يبدو تحدياً بالغ الصعوبة فالتميز الأكاديمي والانخراط في الإنتاج المعرفي المتميز مرتبطان ارتباطاً عضوياً بدرجة الانفتاح (أجندة ونشراً) على الشمال. بحيث تتعمق باستمرار الفجوة بين تنمية القدرات المعرفية (المعترف بها عالمياً) وتلبية الاحتياجات التربوية والصحية والثقافية للمجتمعات المحلية وبطبيعة الحال تصبح الكوسموبوليتانية أهم شروط الاندغام في مجتمع البحث العلمي العالمي وتتعمق الفجوة بين المحلي والعالمي كما أشار بيرسيانس ((Persians, 2000:6.

 

إذن، ان ما يبدو تحدياً اقليمياً عربياً حول فجوة الانتاج المعرفي يأخذ بعده الحقيقي متي ما تم تأطيره في سياقه العالمي ببعديه الجنوبي والشمالي وفي إطاره المشكل المتمثل في التبادل المعرفي غير المتكافئ وبدون تجاهل جوانب الخصوصية لا في هذا النقص ولا في الإطار التاريخي التى تشكلت عبره منظومة الإنتاج المعرفي في المنطقة.

 

إذن، الحوار حول أزمة الإنتاج المعرفي عامة والانتاج المعرفي في مجال العلوم الاجتماعية في المنطقة العربية، ينبغي أن يتم في الإطار العام للحوار حول تحديات الإنتاج المعرفي في الجنوب الكوني، وقضايا تطوير القدرات على الانتاج النظري، أولها وأهمها القدرة على بناء فضاءات معرفية وأخلاقية جديدة لحداثة بديلة في ظل عالم تتكثف فيه مظاهر الاشتباك والترابط، وهو بحث في الأساس عن منظومة مفاهيمية Paradigm جديدة للإنتاج المعرفي.

 

هوامش

[1] تم حساب النسب مع الأخذ في الاعتبار التغيير الذي حدث في السلم التعليمي

[2] أعداد الفئة العمرية المقابلة تم حسابها على ضوء البيانات التعداد السكاني لعام 1993 وتوقعات النمو للسنوات التالية له

[3] هذه النسبة لا تتطابق مع النسب الرسمية بسبب الأخذ في الاعتبار جامعة القاهرة -فرع الخرطوم، والتي ضمت للتعليم الحكومي في عام 1993

[4] انظر تقرير البنك الدولي:

 

World Bank (2003): Unlocking The Employment Potential in MENA: A New Social Contract, World Bank

[5] يبنغي أن نتذكر أن ثلثي الطلاب في الولايات المتحدة الأمريكية ينحدرون من الطبقة الوسطى (المرجع السابق)

[6] أقرا على سبيل المثال مقال:

Christian Science Monitor: December, 22, 2003: Carrot or stick: Which nudged Libya?

[7] بالرغم من تأكيد اودورا على تميز الاطار النظري للماركسية لكنه يرى بوضوح قصورها على فهم قضايا محورية كعنف الدولة أو في تحليل مجتمعات مثل المجتمع الأفريقي (انظر ص 5 وملاحظاته المشتقاة من (Esteva, 1992).

.

المراجع

إبراهيم النور، (1999): "التعليم العالي: من الصفوة الى الكثرة: بعض أوجه الاستدامة والموائمة"، في محمد الأمين التوم (تحرير) حاضر ومستقبل التعليم العالي في السودان، القاهرة.

أتكنسون، ج. ب.، (1993):"اقتصاديات التربية، ترجمة د. عبد الرحمن ابن أحمد صائغ"، دار المعرفة الجامعية، الاسكندرية.

الجهاز المركزي للإحصاء(1996): التعداد السكاني لسنة 1993، الخرطوم.

الجهاز المركزي للإحصاء(1998): الكتاب الإحصائي السنوي الخرطوم.

الجابري محمد عابد وآخرون (1995): التنمية البشرية في الوطن العربي: بحوث الندوة الفكرية التي نظمتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية واللجنة الاقتصادية لغربي آسيا (الاسكوا) وبرنامج الأمم المتحدة الانمائي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للانماء الاجتماعي والاقتصادي (2002): تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام2002

برنامج الأمم المتحدة الانمائي والصندوق العربي للانماء الاجتماعي والاقتصادي (2003): تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة.

حامد عمار (1995): دراسات في التربية و الثقافة : من همومنا التربوية و الثقافية، مكتب الدار العربية للكتاب، القاهرة.

حامد عمار، (1996): الجامعة بين الرسالة والمؤسسة في دراسات في التربية والثقافة (4)، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة.

حامد عمار  (1996) (أ): "وضعية التعليم الجامعي و العالي في مصر" ، "دراسات في التربية والثقافة: الجامعة بين الرسالة و المؤسسة"، مكتبة الدراسات العربية للكتاب، القاهرة.

سيد أحمد عبد السميع، (1996): "وضعية التعليم الجامعي و العالي في مصر" في عمار حامد: "دراسات في التربية و الثقافة: الجامعة بين الرسالة و المؤسسة"، مكتبة الدراسات العربية للكتاب، القاهرة.

متشيو، ن، (1992): "الثورة الاصلاحية في اليابان (ميجي آيشن"، ترجمة عادل عوض، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.

معهد اليونسكوللإحصاء: الموجز التعليمي العالمي 2003: مقارنة احصائيات التعليم عبر العالم، معهد اليونسكو للاحصاء، مونتريال 2003.

صديق أمبدة، (1989): "اللامعقول في مجانية القبول:دراسة في حالة جامعة الخرطوم"، ورقة مقدمة لورشة عمل عن زيادة موارد الجامعة، الخرطوم.               

كريب، أيان (1999): االنظرية الاجتماعية من بارسون إلي هبرماس، ترجمة د. محمد حسين غلوم، مراجعة د. محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، رقم 244، أبريل 1999، الكويت. 

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي: تطور ميزانيات التعليم العالي و البحث العلمي 85/1986-94/1995، الخرطوم.

وزارة المالية و الاقتصاد: العرض الاقتصادي السنوي للسنوات 1990-1996، الخرطوم.

وزارة المالية و الاقتصاد: البرنامج الثلاثي الأول، المجلد الأولي، الخرطوم.

http://www.uis.unesco.org

 

 

Alatas, S. Farid (2003): Academic Dependency and the Global Division of Labor, In the Social Sciences Current Sociology, Vol. 51 (6), pp 599-613.

Beshir, M. O (1977): Educational policy and the Employment problems in Sudan, DSCR Monograph No. 3, KhartoumUniversity press, Khartoum.

Bourdieu P. & Wacquant, L.D. (1992): An Invitation to Reflexive Sociology, Policy Press, Cambridge.

Denison, E. (1962):United States Economic Growth, Journal of Business, Vol. 35, pp. 109-121, April 1962.

Dore, R. (1976): theDiploma Disease: Qualification and Development, University of California. Press, George Allen and Unwin, London.

Esteva, G. (1992): Development in W. Sachs (ed): The Development Dictionary: A Guide to Knowledge as Power, Atlantic Highlands, N.J. and Zed Books, London.

Hebermas, J. (1979): Legitimation Crisis, Heinemann, London.

Henry, Clement, M. and Springborg (2001): Globalization and the Politics of Development in the Middle East, CambridgeUniversity Press, Cambridge.

Ibrahim, Saad Eddin (2000): Arab Social Science Research in the 1990s & Beyond: Issues, Trends and Policies in (Rached & Crais Sati (eds) (2000): Research for Development in the Middle East & North Africa, IDRC, Ottawa, pp. 14-140.

Jones, P.W. (1997): The World Bank and Literacy Question: Orthodoxy, Heresy and Ideology, International Review of Education, Vol. 43, no. 3, pp. 367-375, Kluwer Academic Publishers, The Netherlands.

Mazriu, A. (1975): The African University as a Multinational Corporation: Problems ofPenetration and Dependency, Harvard Educational Review, 45, pp. 191-210.

Mustafa, M.E and Affan , K. (1977): the Sudanese labour market : An Overview of its Characteristics and Problems with Special Emphasis On Sudan Labour Market in Hassan, A.M (ed): Growth, Employment and Equity: selected Essays, ICUP, Khartoum.

Odora, H. Catherine (2000): The Center-Periphery in Knowledge Production in the Twenty-First Century, Oct. 2000, Vol. 30, Issue 39. pp283-292.

Persianins, Panayiotis (2000): Conflict between Centrality and Location and its impact on Knowledge Construction and Legitimation in Peripheral Universities: The Case of the University of Cyprus, Compare: A Journal of Comparative Education, March 2000, Vol. 30 Issue 1, pp 35-53.

Pigozzi, Mary Jay (2003): What is Quality Education?, ADEA Newsletter, October-December 2003

Solami, J. (1992): the higher Education crisis in developing countries: issues, problems, international review of Education, pp. 19-33, Unesco institute of Education and Klawer Academic publishers, Netherlands.

Weicker, Lowell P. and Kahlenberg, Richard D. (2002): The New Educational Divide, Christian Science Monitor, 10/9/2002, Vol. 94, Issue 222.

World bank (2003): Unlocking the Employment Potential in MENA: A New Social Contract, World Bank.