من التصنيف إلى التفسير :

 

 

 

من التصنيف إلى التفسير :

دراسة وتحليل ما كتب عن ما قبل تاريخ ليبيا خلال الفترة 1969-1989

جراهام باركر

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

تقديم

مواقع الإقامة في البليستوسين

الانتقال إلى الفلاحة

الفن الصخري

ما قبل التاريخ المتأخر

 

 

 

 

تقديم

في السنوات الخمس عشرة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية تم تلخيص المعطيات المتوفرة عن مرحلة ما قبل تاريخ شمال أفريقيا في سلسلة مؤلفات تركيبية أساسية نذكر منها بخاصة : "ما قبل التاريخ الأفريقي" الذي وضعه هـ. الييمن ونُشر في باريس في سنة Alimen 1955، و "ما قبل تاريخ شمال أفريقيا" الذي وضعه بالو ونُشر أيضاً في باريس في العام نفسه Balout 1955، و "ما قبل تاريخ أفريقيا والمغرب" من تأليف فاوفري ونُشر هو الآخر في باريس في السنة ذاتها Vaufrey 1955، و "الثقافات النيوليتية الشمال أفريقية" الذي وضعه فورد جونستون ونُشر في ليفربول عام Forde-Johnston 1959. وبما أن التواترات الطباقية والتقنيات الراديومترية للتأريخ المطلق كانت لازالت حينها في طورها الجنيني، كما كانت المعلومات التفصيلية عن البيئات القديمة شحيحة، فقد أصبح أمراً محتماً أن يجئ تركيز تلك الكتابات موجهاً إلى عملية وصف السجل الآثاري وتصنيفه وترتيبه وفق تواترات ثقافية إقليمية. وقد كانت النقوش الصخرية ما قبل التاريخية في ليبيا معروفة بصورة لا بأس بها في فزان من خلال الدراسات التي نفذها جرازيوسي قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية Graziosi 1942. لكن رغم ذلك ظل ما قبل تاريخ ليبيا مفهوماً ومدركاً بدرجة أقل إذا ما قارناه بالتواترات ما قبل التاريخية للمغرب وذلك من حيث مجموعات الأدوات. أدى هذا بالتحديد إلى أن يكون ما قبل تاريخ ليبيا أقل تمثلاً في تلك الكتابات التركيبية التي نُشرت في الخمسينات من القرن الماضي. عموماً تم وصف ما قبل تاريخ شمال أفريقيا بحسبانه يمثل تعاقباً لمجموعات ثقافية كانت بهذا القدر أو ذاك متعالقة مع التواترات الباليوليتية والميزوليتية والنيوليتية الأوربية الموثقة بصورة أفضل.

 

تم خلال الستينات من القرن الماضي نشر دراستين عن ما قبل تاريخ ليبيا كان لهما أثرهما الكبير على مسار البحث في العشرين سنة اللاحقة. تمثلت الدراسة الأولى في كتاب ماك بيرني عن ستراتيجرافية موقع هوا أفطيح McBurney 1967. وكان ماك بيرني قد بدأ دراسته للمواقع الباليوليتية الليبية في السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية مباشرة وقام بنشر عدد من اللقي السطحية McBurney 1947، كما وأجرى مجسات تجريبية في كهف حكفة الضبعة Mc Burney 1950. إضافة فقد قام بتنفيذ دراسة مشتركة مع زميله هاي (Hay) عن العلاقة بين التواترات الجيولوجية والآثارية البليستوسينية في قورينائية. وقد نفذ ماك بيرني أعمال التنقيب في هوا أفطيح في الأعوام 1951 و 1952 و 1955. وكشفت المجسات العميقة عن تواتر تفصيلي للطبقات من العصر الباليوليتي الأوسط ومن العصرين الميزوليتي والنيوليتي والتي تدل على إقامة الإنسان في الكهف McBurney 1962. ونجح التقرير الكامل عن تلك الأعمال ليس فقط في وصف التواتر المدهش للطبقات وإنما في ربط تلك الطبقات مع تواتر البيئة القديمة التي تم تثبيتها من واقع دراسة ترسبات الحيوانات والرخويات في ستراتيجرافية الكهف. كذلك تم ربط التواتر بكرونولوجيا مطلقة اعتمدت على عشرين عينة راديوكاربونية. وتظل ستراتيجرافية هوا أفطيح فريدة لا بالنسبة إلى ليبيا فحسب بل بالنسبة لمجمل شمال أفريقيا.

 

الدراسة الأساسية الثانية هي كتاب فابريزيو موري(1) Mori 1965 عن النقوش الصخرية في سلسلة تادرارت أكاكوس بالقرب من الحدود الجنوبية الغربية للجماهيرية الليبية مع الجزائر، وهي منطقة كانت قد تمت دراستها بصورة مكثفة نوعاً ما في سنوات سابقة من جانب البعثة الآثارية لجامعة روما. حدد موري خمسة أطوار للفن الصخري الصحراوي : طور الحيوانات البرية الكبيرة، وطور الرؤوس المستديرة، وطور الرعاة، وطور الحصان، وطور الجمل وذلك انطلاقاً من تحليل التنوعات في الأسلوب والتقنية بالإضافة إلى الاختلافات في غشاء العتق والأغشية والارتباطات مع البينة التاريخية والآثارية. ويمكن تأريخ الطورين الأخيرين بالتوالي بالألفية الثانية والألفية الأولى قبل الميلاد وذلك اعتماداً على الترابط والتاريخ المتداخل مع مصر حيث أمكن التعرف على عدد من الموضوعات الليبية في الفن المصري. فوق ذلك نجح موري، للمرة الأولى، في إثبات أن الأساليب الأخرى في تادرارت أكاكوس يمكن تأريخها بثقة إلى مرحلة ما قبل التاريخ، بخاصة إلى الهولوسين، أي الألفية التي أعقبت نهاية الظروف الجليدية للبليستوسين حوالي 12.000 سنة مضت. تمت أعمال التنقيب في ترسبات الإقامة بأرضية السقائف الصخرية التي استخدمت جدرانها للنقش عليها. تضم العديد من تلك الترسبات شرائح حجر منقوشة انشطرت كما هو واضح من الجدران العليا للسقيفة. وتشير التواريخ الراديوكاربونية لترسبات الإقامة إلى تاريخ نهائي لأسلوب الرأس المستديرة حوالي 5000 ق.م. ولأسلوب الرعاة حوالي 2750 ق.م. وكان موري قد افترض تاريخاً للأسلوبين يمتد من 6000 ق.م. حتى الألفية الثالثة ق.م. وافترض أن أسلوب الحيوانات البرية الكبيرة كان أكثر قدماً بحسبانه إبداعاً للصيادين/ الجامعين للطعام ما قبل النيوليتيين، لكن ظل غير واضح كم كان أقدم (هل من الهولوسين المبكر أم من البليستوسين المتأخر أم من العصرين معاً). وجد مخطط موري دعماً في الدراسات الحالية للفن الصخري الصحراوي في أماكن أخرى، بخاصة في تاسيلي- ن- آجر والهوقار بجنوب الجزائر Lhote 1965، وفي سلسلة أنيدي بشمال تشاد Bailloud 1960، وفي جبل العوينات على الحدود الليبية-المصريةالسودانية Van Noten 1978. وظل تأثير مخطط موري هذا كبيراً منذ ذلك الحين رغم أن الدراسات الحالية للفن الصخري الصحراوي التي سنتناولها لاحقاً تتبع مقومات منطقية مغايرة.

 

تتطابق التطورات الحالية في دراسة الفن الصخري الصحراوي مع دراسة ما قبل تاريخ شمال أفريقيا ككل. يشهد البحث في ما قبل تاريخ شمال أفريقيا حالياً تحولاً أساسياً باتجاه التركيز على تفسير السجل الآثاري انطلاقاً من السلوك الإنساني سواء كان ذلك تكيفات بيئية أو علاقات اجتماعية متداخلة بدلاً عن التركيز على تصنيف السجل الآثاري وفق تواترات ثقافية وتثبيتها من ثم في إطار كرونولوجي. إلى الشرق عمقت أعمال التنقيب التي أجراها وندورف وزملاؤه في الصحراء الشرقية ووادي النيل Wendorf and Schild 1980;1976;1968 من فهمنا وإدراكنا لمواقع الإقامة الباليوليتية في ليبيا بتقديمها ثروة من التفاصيل الجديدة عن بيئات البليستوسين في شمال أفريقيا واستراتيجيات الإعاشة الباليوليتية في هذه المنطقة. إلى الغرب قدمت أعمال لوبل في المواقع القفصية في الجزائر تواترات راديوكاربونية جيدة ومعلومات لا بأس بها للتكيفات مع بيئات ما بعد الجليد Lubell 1983. وفي تونس بدأت مصلحة الآثار في تنفيذ مشروع نشر الخرائط الآثارية للمكتشفات عن طريق الصدفة وللمجموعات القديمة مع تفاصيل ببليوغرافية McBurney 1967. داخل ليبيا قدم مشروع العمل الميداني التكاملي الذي نفذته جامعة روما في تادرارت أكاكوس معلومات تفصيلية عن صيادي/جامعي ما بعد الجليد والتحول إلى الفلاحة في الدواخل بعيداً عن الساحل. في أماكن أخرى من ليبيا لازال البحث المنتظم في مواقع الإقامة ما قبل التاريخية محدوداً بخاصة في المناطق الشمالية حيث لم يتم تنفيذ بحث حديث يمكن مقاربته بالبحث الذي حُظيت به هو أفطيح.

 

مواقع الإقامة في البليستوسين

 

هزيلة لازالت البينة الخاصة بمواقع الإقامة ما قبل التاريخية فيما قبل مرحلة ما بين الجليدين الأخيرة، وهي بينة تتألف من شطفات وفؤوس يدوية من الأرض الحصوية شبه المستوية بالمناطق الساحلية. بدءاً من العصر الباليوليتي الأوسط تم الكشف عن أهم بقايا تواتر للأدوات الحجرية في هوا أفطيح. حدد ماك بيرني في هذا الكهف صناعتين مميزتين للباليوليتي الأوسط : الأولى "ما قبل أوريناسية بتاريخ 80.000–65.000 سنة مضت (مع أن هذا التاريخ الضارب في القدم يقع على الحدود الأولى للتقنية الراديوكاربونية)؛ والثانية "ليفالوازية موستيرية"*بتاريخ 60.000- 40.000 سنة مضت. تم الكشف عن صناعات مشابهة إلى الغرب عبر شمال أفريقيا حتى المغرب، وإلى الشرق حتى مصر وأبعد إلى المشرق. وقد اصطلح على تسمية صناعة الباليوليتي الأعلى في هوا أفطيح والمؤرخة حوالي 40.000-15.000 سنة مضت بمصطلح الصناعة الضبعانية بعد التعرف على صناعة مشابهة للنصال في التلال إلى الشرق من المرج. وقد شهدت المنطقة، مثلها مثل شمال حوض الأبيض المتوسط، تغيراً رئيساً في تلك المرحلة في تقنية الصوان حوالي 15.000 سنة مضت مع تطور صناعة النصال الميكروليتية المدببة التي استمرت مع تغيرات طفيفة حتى الهولوسين. ونسبة للتشابهات العريضة التي تظهرها هذه الصناعة مع التقنيات المميزة للباليوليتي الأعلى فقد اصطلح عادة على تسميتها بالصناعات الايبي باليوليتية في حوض الأبيض المتوسط، هذا في حين أنها سميت في أوربا المعتدلة بالصناعات الميزوليتية والتي تُظهر قدراً من الاختلاف في التقنية. حدد ماك بيرني وجود صناعتين من هذا النوع في هوا أفطيح، واحدة مبكرة "شرق وهرانية" يعود تاريخها إلى 15.000- 10.000 سنة مضت، والثانية "ليبية قفصية" بتاريخ يعود إلى 10.000- 7.000 سنة مضت.

 

رغم عدم تنفيذ أعمال مسح آثاري منتظمة لمواقع الإقامة ما قبل التاريخية في ليبيا فإن الظران المتناثر تمت الإشارة إليه في كل المناطق من حين إلى آخر: في قورينائية، على سبيل المثال، من بئر الحرش Vita-Finzi and Fabbri 1967، وفي سرت بالقرب من القلعة الرومانية في بونجيم Rebuffat et al. 1970; Souville 1970، وفي تريبوليتانيا بالقرب من غريان Fabri and Winorath 1965، وفي وادي الرباط Del Fabbro 1968، وفي عين ويف Arthur 1979. كانت معظم تلك المجموعات صغيرة وغير قابلة للتشخيص لكن تم التعرف على خليط من التقنيات المميزة للباليوليتي الأوسط، والباليوليتي الأعلى/ايبي باليوليتي، والنيوليتي.

 

تم تجميع الجزء الأكبر من المواد الصوانية السطحية أثناء أعمال التي قامت بها اليونسكو للوديان الليبية في ما قبل الصحراء التريبوليتانية Hivernel 1985 كان مشروع البحث موجهاً أساساً لدراسة الزراعة الرومانيةالليبية وهو ما يعني أن التجميع المنتظم للمواد الصوانية تلك كان أمراً هامشياً. تكونت العينة التي تم جمعها من خليط لمواد التقطت بدقة أثناء الاستكشاف سيراً على الأقدام عبر وديان مختارة بما في ذلك تجميع "بتحديد شبكى grid" لمجموعات مختارة، ومواد جمعت عن طريق الصدفة خلال أعمال المسح لأنظمة الزراعة الرومانيةالليبية على امتداد الوديان الرئيسة.

 

تم الحصول على المجموعات الأساسية وسط ذرات الحصى في وادي تابونيا بالقرب من قرية الغربية في الطرف الجنوبي لما قبل الصحراء التريبوليتانية قريباً من الحدود مع الصحراء الصخرية. كشف التحليل المبدئي للمواد المجمعة من 16 موقع في الوادي عن خمس مجموعات أساسية كانت متطابقة من حيث التيبولوجيا وغشاء العتق: موقعين من العصر الباليوليتي الأوسط، وموقعين من الايبي باليوليتي، وواحد من العصر النيوليتى. فوق ذلك مثلت أربع مجموعات خليطاً من مواد الايبي باليوليتي الأوسط الايبي باليوليتي الأعلى، واحتوت مجموعتان أخريان على مواد نيوليتية. تم الكشف عن مجموعات من الباليوليتي الأوسط كذلك في وادي الخراب ووادي نضر في حين تم الكشف عن سلسلة تؤلف خليطاً من الباليوليتي الأوسط في المنطقة التي تم مسحها تميزت بنوى قرصية الشكل، وفي حالات نوى ليفالوازية من أنواع السواطير. تم الكشف عن الرؤوس المذنبة العاترية في عدد من المواقع.

 

أمكن التعرف على قليل من المواد المميزة للباليوليتي الأعلى. ويرى ريد فرنج أن بعض المواد العاترية التي تم تصنيفها بحسبانها من الباليوليتي الأوسط تنتمي في الواقع إلى المرحلة الجليدية المبكرة Reid Ferring 1975. إن شح البينة الدالة على الإقامة في الباليوليتي الأعلى وفي الايبي باليوليتي المبكر في ما قبل الصحراء لا يثير الدهشة إذا راعينا حقيقة أن البينة المناخية عبر شمال أفريقيا تشير إلى الجفاف المتزايد الذي ميز المرحلة الجليدية الأخيرة. مع تحسن المناخ في الهولوسين المبكر تجدد الاستغلال المنتظم للأراضي السهلية ما قبل الصحراوية من جانب سكان يحملون تقنية ايبي باليوليتية. ترتبط المجموعات الايبي باليوليتية التي عثر عليها أثناء المسح بصورة عامة بالمواد القفصيةالليبية في هوا أفطيح والتي يرجع تاريخها إلى الهولوسين المبكر أكثر من ارتباطها بـ الشرق وهرانية التي يرجع تاريخها إلى الألفية الأخيرة للظروف الجليدية. تم تسجيل مجموعة ايبي باليوليتية في شرق تونس ترجع هي الأخرى لتقنية متأخرة من الهولوسين Sahly 1978.

 

أكثر معلومة مفصلة عن الطبيعة المحتملة للإقامة الباليوليتية في ليبيا وفرتها نتائج أعمال البعثة المشتركة لما قبل التاريخ في وادي النيل والصحراء الشرقية. بدأ المشروع جزءاً من برنامج الإنقاذ الآثاري الذي أجري بين الأعوام 1962 و 1965 قبل تشييد خزان أسوان (السد العالي). امتدت الأبحاث الميدانية في أواخر الستينات من القرن الماضي شمالاً بوادي النيل. في بداية السبعينات امتدت إلى الصحراء الشرقية. لازال الفريق يواصل عمله في الصحراء الشرقية، وبدأ في تنفيذ مشروع ثان رئيس في المنطقة نفسها التي تعمل بها بعثة جامعة كولون.

 

أكدت تلك الأبحاث أن الانتشار الواسع للإقامة الباليوليتية، في الباليوليتي الأوسط، فيما قبل 40.000 سنة مضت في وادي النيل والصحراء الشرقية أعقبته فجوة بعد أن أصبح المناخ أشد جفافاً. أعطت أعمال التنقيب في بئر صحراء وبئر طرفاوي ذخيرة من المعلومات عن البيئة وعن نشاطات الإعاشة المعاصرة لمجموعات الباليوليتي الأوسط. مع معدل هطول أمطار سنوي بلغ 500 مليمتر كانت هناك موارد مائية وبحيرية بالإضافة إلى أنواع كبيرة وصغيرة من الثدييات التي تم استغلالها جميعها. تم التعرف على العديد من مواقع السكن والذبح والسلخ التي كانت في غالبيتها على ضفاف ما كان حينها أنهاراً وبحيرات وجداول أو أحواض مؤقتة. الصيد الأساسي الذي تم قتله تمثل في الغزلان والظبي إلى جانب أنواع صغيرة أخرى كثيرة. الثدييات الكبيرة مثل الكركدن والجمل والزرافة تم أكلها أيضاً، لكنه ليس واضحاً إذا ما كان بمقدور مجموعات الباليوليتي الأوسط اصطيادها أم أنها كانت تلجأ لأكل الجيف.

 

تم استعادة الإقامة مجدداً في حوالي 20.000 سنة مضت في وادي النيل والواحات المجاورة لكن هذه المرة من قبل أناس امتلكوا تقنيات الباليوليتي الأعلى واستغلوا في الأساس المدى نفسه من الصيد كما هو الحال في السابق (لكن الآن من خلال الصيد فقط) ومارسوا صيد الأسماك والطيور. وفرت البينة الآتية من وادي الكبانية مؤشراً للتحول إلى استغلال الأطعمة النباتية بصورة منتظمة في وقت مبكر حوالي 20.000- 6.000 سنة مضت Close 1988 دلت الدرنات التي تم الكشف عنها أن البندق الأرجواني اللون كان من بين الأطعمة النباتية التي تم حصدها في مصر في عصرها الأسري. كان لا بدَّ من تجهيز الحبوب والنباتات عن طريق الطحن والتسخين لاستبعاد السموم سريعة الزوال. وجدت الكثير من حجارة الطحن مع بقايا النباتات التي أبان التحليل الكيمائي استخدامها لهذا الغرض. البينة الوحيدة الواضحة الدالة على الإقامة في هذا الوقت في ليبيا هي الآتية من هوا أفطيح على الساحل القورينائي، ويبدو محتملاً أن الإقامة امتدت إلى مناطق ما قبل الصحراء القورينائية والتريبوليتانية فقط مع البدايات الأولى لظروف الهولوسين. بينما تنحصر البينة الخاصة بالإعاشة في الباليوليتي الأعلى والايبي باليوليتي المبكر في ليبيا في عظام الحيوانات في هوا أفطيح (مشيرة إلى صيد الأغنام والغزلان والظبي والثيران والثدييات الصغيرة في كلا الطورين)، يبدو محتملاً أن قد وجد في ليبيا وفي الصحراء الشرقية نظام للإعاشة اتسعت قاعدته لتشمل صيد الأسماك والطيور وجمع النباتات إلى جانب ممارسة الصيد.

 

الانتقال إلى الفلاحة

 

قبل عشرين سنة مضت ساد اعتقاد بأن الشكل الأول للفلاحة بدأ في وادي النيل نتيجة انتقال معلومة أو تحرك سكاني وافد من الشرق الأدنى حيث كان تثبيت الفلاحة هناك قد تم مباشرة بعد بداية الظروف المناخية للهولوسين في حوالي 10.000 ق.م. وعلى ذلك جرت المحاجة بانتشار الفلاحين النيوليتيين غرباً عبر حوض الأبيض المتوسط حاملين معهم فخارهم ونباتاتهم وحيواناتهم المدجنة. الموقع النيوليتى الأساسي على الساحل الشمال أفريقي تم الكشف عنه في هوا أفطيح واؤرخت طبقاته النيوليتية بحوالي 4.500 ق.م. أشارت البينة إلى انتشار باتجاه الغرب عبر حوض الأبيض المتوسط بين 6.000 و 4.000 ق.م. مشابه في عموميته للاستعمار باتجاه الشمال الغربي لأوربا المعتدلة والذي تشير إليه سلسلة تواريخ راديوكاربونية من المواقع النيوليتية Clark 1965. بالنسبة لشمال أفريقيا باتجاه الداخل فقد أشار تشابه نماذج الفخار الأولى في مواقع الصحراء الوسطى مع الفخار النيوليتى في وادي النيل الأعلى إلى احتمال هجرة موازية نفذتها مجموعات فلاحية اصطلح على تسمية صناعتها بـ "التقاليد السودانية النيوليتية" Camps 1969. عُدت بدايات الفلاحة الأولى في أفريقيا ما وراء الصحراء ناتج هجرة وفدت من منطقة النيل. وفي كل حالة افترض بأن الفلاحين استعمروا مناطق كانت مأهولة بصورة متقطعة بمجموعات صيادين/جامعين أو مناطق عذراء كلياً.

 

اليوم، على كلٍ، أصبح واضحاً أن الانتقال إلى الفلاحة في أوربا كان عملية أشد تعقيداً واشتملت، إلى حد بعيد، على تغيرات في الإعاشة وسط مجموعات للصيادين/الجامعين الأصليين أكثر منهم مجموعات لفلاحين قادمين جدد ليحلوا محلهم، مع أن الميكانيزمات الايكولوجية أو الاجتماعية للتغير ليست مفهومة إلا بقدر ضئيل Barker 1985. تشهد دراسة الانتقال إلى الفلاحة في أفريقيا ما وراء الصحراء حالياً النوع نفسه من إعادة التقييم Hall 1987، كما ويصح الأمر كذلك بالنسبة لشمال أفريقيا Barker 1981.

 

هناك كم كبير من الأبحاث خلال العقدين المنصرمين في طبيعة الظروف المناخية ومداها في شمال أفريقيا والتي أعقبت نهاية الظروف الجليدية. المعطيات التي تم جمعها متنوعة إلى درجة بعيدة شملت تواترات للترسبات واللقاحات والرخويات والطحالب وبقايا نباتات كبيرة مثل الفحم النباتي، والحيوانات الثديية الكبيرة، والحيوانات الصغيرة. التواترات المحلية في العديد من مناطق شمال أفريقيا لا بدَّ، على كلٍ، من تثبيتها في مجموعات صغيرة من هذه السلسلة من المعطيات وغالباً ما لا يتم تأريخها بصورة مقبولة تماماً. كانت هناك نزعة غير موفقة لإلصاق مثل هذه التواترات الجزئية بمخططات مناخية كل صحراوية مربكة من حيث صلاحيتها، بدلاً عن تثبيت تواترات إقليمية يتم اعتمادها مستقلة بعضها عن الآخر مرحلة أولية للبحث. توصل فانزهاين Vance-Haynes 1980 في دراسته الرائعة لتلك المركبات والمعطيات المتضاربة إلى استنتاج بأن الاضطراب الواضح يجد أساساً له في واقع الحال: فالمناخات الصحراوية كانت متنوعة وتختلف من منطقة إلى منطقة حيث أن تلك المناخات كانت نتاجاً للتداخل المعقد بين التحركات جنوبية الاتجاه للأعاصير القطبية من جانب، والتحركات شمالية الاتجاه لنظام المونسون الاستوائي من جانب ثانٍ. وعلى وجه العموم تميزت المراحل الرطبة العرضية بامتداد شمالي الاتجاه (من 200 حتى 500 كيلو متر) لمناخ السهل وبيئته عبر جنوب الصحراء ووسطها مع بقاء الصحراء الشمالية وساحل الأبيض المتوسط جافين نسبياً ومن ثم أقل وصلاً للإقامة الإنسانية.

 

تم التعرف في صحراء مصر الغربية، حيث تم تثبيت أكثر تواتر مكتمل للبيئات القديمة، على ثلاث مراحل عرضية لارتفاع معدل هطول الأمطار في حوالي 7000 – 6500 و 6200 – 5900 و 5700 – 3800 Wendorf and Schild 1980. خلقت تلك الظروف منظراً طبيعياً في أحواض الوديان وفي القنوات القديمة تميز بالنباتات شبه الغابية، وبالأشجار والحشائش مع وجود برك دائمة من حين لآخر. نمت في الهضاب المعترضة حشائش كثيفة. عموماً خلق التحسن في ظروف ما بعد الجليد بيئات مشابهة عبر أجزاء كبيرة من الصحراء الوسطى والجنوبية.

 

وجدت بينة في وادي النيل والصحراء الشرقية دالة على انتشار مجموعات ايبي باليوليتية في المرحلة الجليدية المتأخرة نجحوا في الجمع بين ممارسة الصيد من جانب والاستغلال المنتظم للأطعمة النباتية من جانب ثانٍ. احتوت مجموعات أدواتهم على المناجل وحجارة الطحن وتم التعرف على لقاح نوع من النبات الحبي في الترسبات المرتبطة. لازال غير واضح مدى طبيعة استغلال النباتات، يمكن أن يكون قد اشتمل على مجرد الجمع أو أنه قد يكون مشتملاً على الحراثة الفعلية، أو احتمالاً أن يكون شكلاً وسطياً شمل الحماية والرعاية، لكن قدراً من "الاعتماد على الحبوب"، على أقل تقدير، قد تم تثبيته. يبدو واضحاً أن الأهمية المتزايدة لاستغلال الحبوب لا بدَّ وقد مثلت تكيفاً فاعلاً مع المناخ المفرط الجفاف الذي ميز المرحلة Gautier 1980.

 

مع تزايد الأمطار في الهولوسين المبكر تنوعت أنظمة إعاشة في وادي النيل والصحراء الشرقية لتشمل صيد الأسماك إلى جانب صيد الحيوانات بصورة مكثفة مع احتمال الاعتماد أيضاً على الأطعمة النباتية. حوالي 8000 ق.م. استخدم سكان الصحراء الشرقية فخاراً من نوع التقليد الصحراوي السوداني، ورغم أنهم تحصلوا على اللحم أساساً من صيد الغزال والأرنب البري فإنه يحتمل أن يكونوا قد مارسوا رعي الأبقار ولو في إطار محدود. البينة الدالة على الأبقار المدجنة غير حاسمة ذلك لصغر حجم عينة بقايا الأبقار وطبيعتها المشظاة Close 1980. حوالي 6000 ق.م توجد بينة واضحة دالة على العناية العملية بالحيوانات والنباتات في هذا الجزء من شمال أفريقيا ارتبطت بتطور وحدات اجتماعية أكبر مما كان مشهوداً في أوقات أسبق، وإقامة أطول في المواقع، ومقدرة على تخزين الطعام. ظل الصيد ممارساً ومثلت مجموعات الأدوات الصوانية خليطاً لما افترض بأنها تقنيات للصيد "ايبي باليوليتية" وتقنيات للزراعة "نيوليتية" Barich 1987.

 

عملية انتقال تكاد تكون مشابهة في استراتيجيات الإعاشة وتقنياتها يمكن إعادة تركيبها للصحراء الوسطى والغربية. بتقدم المونسون الممطر صيفاً إلى الشمال في الهولوسين المبكر، امتدت بيئة الأعشاب السهلية على مساحة واسعة مع ما رافق ذلك من حياة حيوانية ونباتية وسمكية قابلة للازدهار في المواطن الجديدة، ومع ما تبع ذلك من وجود سكان ذوي تجربة في ممارسة صيد الحيوانات وصيد الأسماك وجمع الطعام. بعض البينات الأكثر تفصيلاً الدالة على أولئك الناس وطرق حياتهم تم الكشف عنها خلال أعمال التنقيب الآثاري التي نفذتها جامعة روما في كهوف تادرارت أكاكوس وسقائفها الصخرية. بدأت الإقامة في سقيفتين سميتا : الكهفان وكهف طرة شرق، من جانب سكان استخدموا فخاراً نيوليتياً عادياً وتقنية ايبي باليوليتية للنصال المدببة. واعتمدوا في معاشهم على الدمج بين نشاطات الصيد وصيد الأسماك والجمع وكانوا، احتمالاً، يمارسون نمطاً حياتياً دائم التحرك. بعد 1000 سنة تقريباً، وهي فترة اتسمت بجفاف متزايد وفق ما تشير إليه معطيات البيئة القديمة التي وفرها البرنامج، وجدت بينة دالة على تطور أنظمة إقامة أكثر استقراراً مع مبانٍ حجرية أقيمت داخل الكهوف، وحجارة للطحن دالة على اعتماد متزايد على الأطعمة النباتية، ومواد حيوانية تُظهر اعتماداً متزايداً على صيد حيوانات متكيفة مع البيئة الجديدة بما في ذلك الغزلان والضأن والماعز. وكما هو الحال في مصر وجدت هنا أيضاً بينة، هي الأخرى غير حاسمة، دالة على وجود أبقار مدجنة في هذا الوقت الحرج للتبدل البيئي.

 

تم تثبيت رعي الأبقار والضأن والماعز بصورة قطعية في مواقع تادرارت أكاكوس حوالي 4000 ق.م. ويُظهر تحليل الفخار والأدوات الصوانية المكتشفة في تلك المواقع بينة واضحة دالة على استمرار الأساليب والتقنيات أثناء مرحلة التحول إلى الرعي، وهو ما يشير بقوة إلى تكيف السكان المحليين مع ظروف متغيرة مستبعداً بالتالي فرضية استبدالهم بسكان فلاحين قادمين جدد. تواترات مشابهة للغاية للتكيف المحلي ودمج الرعي ضمن أنظمة الإعاشة الموجودة أصلاً حوالي 4000 ق.م. يمكن تتبعها إلى الغرب من الأكاكوس في الهوقار Camps 1969، وفي تاسيلي-ن-آجر Aumassip 1981; Aumassip and Jacob 1976 بالجزائر، وعلى امتداد الصحراء الجنوبية غرباً من مالي Petit-Maire and Riser 1983، والنيجر Roset 1981; 1983 حتى السودان في الشرق Caneva 1984.

 

وكما جادلت باريش بالنسبة لتادرارت أكاكوس Barich 1987، وكما فصلت أنا بالنسبة للصحراء عموماً Barker 1981 فإنه لا بدَّ من دلالة لحدوث عملية دمج رعي الحيوان ضمن استراتيجيات الإعاشة الصحراوية تحديداً في وقت تزايد فيه الجفاف مع انتهاء الطور الأساسي لتحسن مناخ الهولوسين وبداية عملية التصحر وانبثاق البيئة الصحراوية الحالية التي تم تثبيتها أخيراً في حوالي 2000 ق.م. Shaw 1976. عادة ما تكون الاستراتيجيات الناجحة في البيئات الجافة هي تلك المتخصصة في التعامل مع أنواع حيوانية يمكنها أن تحيل الأطعمة النباتية المتغيرة والمشتتة إلى طاقة يستطيع بنو الإنسان الاستفادة منها. وفرت عملية دمج رعي الأبقار والضأن والماعز ضماناً في إطار استراتيجيات الإعاشة الصحراوية في أواخر الألفية الخامسة ق.م. لاستخدام فاعل للماء والكلأ المنتشرين فصلياً، كما وفرت ضماناً لمد الإنسان بالدم والحليب واللحم بصورة منتظمة. مع تزايد الجفاف في الألفيتين الرابعة والثالثة ق.م. تزايدت باستمرار أهمية الرعاوة، وأخذ دور الضأن والماعز في القطاع الرعوي يحتل أهمية أكبر على حساب الأبقار وذلك لأن النوعين الأولين هما الأكثر تكيفاً مع التصحر. مثلها مثل التحول الرعوي الأسبق فإن الأهمية المتزايدة للضأن والماعز في هذه الفترة وجدت توثيقاً جيداً في كهوف تادرارت أكاكوس، كما تمت ملاحظة تلك الأهمية باتساع عبر الصحراء من الجزائر Aumassip 1983 حتى صحراء مصر الغربية والشرقية Wendorf and Schild 1980 والسودان Close 1988.

 

في الإقليم الساحلي لشمال أفريقيا تمت ممارسة رعي الضأن والماعز في هوا أفطيح حوالي 4500 ق.م. لكن لا توجد بينة دالة بوضوح على أي امتداد لنشاطات زراعية غرباً في هذا الوقت. يجادل لوبل Lubell 1984 بأن السكان القفصيين الايبي باليوليتيين في تونس وشمال الجزائر كانوا قادرين على تكييف أنظمة الصيد وصيد الأسماك والجمع مع بيئة الهولوسين المتغيرة وذلك عن طريق تنوع مدى الموارد المستغلة وتطوير تقنيات متخصصة لانتزاعها كما كان عليه الحال في السواحل الشمالية لغرب حوض الأبيض المتوسط Barker 1985. يبدو أنه قد تم تثبيت الزراعة وفق النموذج الأبيضي المتوسطي في نهاية المطاف في المغرب بعد سنة 300 ق.م.

 

الفن الصخري

 

على مدى الفترة التي يغطيها البحث فإن الجزء الأعظم من الفن الصخري في ليبيا وثقه موري Mori 1960; 1965 وتم إثراءه عن طريق اكتشافات جديدة. فمن تريبوليتانيا، على سبيل المثال، تم تسجيل نقوش بيكتوجرافية في عام 1971 في وادي بسهل ترهونة المرتفع Anon 1971. تم تسجيل حوالي الثلاثين شكلاً أمكن التعرف على ثيران من بينها وكذلك كركدن وسنورين. كانت النقوش غير معتادة إذ قُطعت مباشرة على صخور سطح الأرض لا كما هو معتاد في الصخور البارزة عمودياً. كنت قد قمت قبل فترة قصيرة بنشر ثلاث مجموعات للنقوش التي تم الكشف عنها في منطقة برنامج اليونسكو لمسح الوديان الليبية في ما قبل الصحراء التريبوليتانية Barker 1986. مجموعتان سجلتا قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مثلتا نقوشاً لأبقار على جلمودين في مايا ديب Graziosi 1942، ونعام وأبقار في أكثر من جلمود بوادي الشل Fantoli 1932; Graziosi 1942; 1968. المجموعة الثالثة كانت في موقع الطُبقة بالقرب من قرية الغربية وشملت أبقاراً وأناساً من نوع "الرؤوس المستديرة"، وزرافة، وحيواناً أشبه بالغزال، هذا إلى جانب سلسلة متأخرة من الأشكال الأشبه بالعصا، وأشجار نخيل، واحتمالاً مركبة ذات عجلات. وسجل بيسكا Pesce 1968 نقوشاً جديدة في جبل بازمة في جنوب قورينائية. وتم نشر الجزء الأعظم من الفن الصخري الليبي بعد تحديثه بإضافة المواد الجديدة ضمن كتلوج أصدره موري وآخرون بمناسبة المعرض الذي أقيم في عام 1968 بمدينة فلورنسيا للفن الصحراوي ما قبل التاريخي.

 

نُشرت ثلاث دراسات أساسية في السنوات الأخيرة تناولت جوانب مختلفة للفن الصخري الليبي. ففي عام 1982 نجح كل من الأخوين أنجلو وألفريدو كاستيغليوني مع مصورهما كارلو نجرو من الوصول إلى سلسلة جبال مساك ستافت الواقعة إلى الشرق من تادرارت أكاكوس. وكانت بعثتهم غير رسمية ممولة تمويلاً تجارياً (مما خلق مصاعب جمة في السنوات اللاحقة للبعثات الأكاديمية من الجامعات الإيطالية المصدق لها رسمياً العمل في المنطقة). كانت النتيجة إصدارهم لدراسة عن المنطقة وفنها الصخري بعنوان "أنهار الحجارة" Castiglioni et al. 1986. لم يتجاوز نص كتابهم مجرد كونه تكراراً للكرونولوجيات والتفسيرات المعروفة سلفاً للفن الصخري، لكن قيمة الكتاب تمثلت في احتوائه على خمسمائة صورة فوتوغرافية (بالأبيض والأسود) رائعة لنقوش مساك ستافت.

 

في العام 1986 نشر الفردو موزوليني، وهو الذي ألف سلسلة من الأبحاث المنشورة عن جوانب من الفن الصخري، رسالته التي قدمها لنيل درجة الدكتوراة من جامعة بروفانس Muzzolini 1986. أجرى موزوليني بحثه الميداني في منطقة آير بشمالي النيجر لكنه ناقش إلى جانب ذلك الأطقم الأخرى للفن الصخري في الأماكن المختلفة من الصحراء الوسطى بما في ذلك جنوب ليبيا. القوة الدافعة لدراسته تمثلت في المحاججة التي يقدمها ضد التوترات الخطية الطابع التي اقترحها كل من موري وأندريه لوت لأساليب الفن الصخري الصحراوي. أشار موزوليني إلى أن العديد من النقوش التي تمثل حيوانات صيد (والتي افترض أنها تجعل من صيد الحيوانات البرية الكبيرة "الثيران الأفريقية القديمة" تجسيداً للأسلوب الأقدم) كانت في حالة ارتباط في واقع الحال بنقوش تمثل أبقاراً أو خرافاً مدجنة، وأخرى تمثل رعاة وهو ما يعد أسلوباً لاحقاً افتراضاً.

 

في الوقت الذي أرخ فيه موري أسلوب الصيد الكبير بحسبانه ينتمي للهولوسين المبكر مع البدايات الأولى للظروف الرطبة، يحاجج موزوليني بأن هنالك وجود لطور وحيد للفن الصخري ما قبل التاريخي يمتد فيما بين 6000 و 1000 ق.م. ويتميز بخلط أسلوبي وتنوع إقليمي. صحيح أن البينة الدالة على التاريخ المطلق للفن الصخري الصحراوي هزيلة للغاية، وصحيح أيضاً أن الحجة المركزية لفرضية موزوليني الترابط العام للصيد الكبير والقطعان في العديد من النقوش هي حجة مقنعة. لكن يظل ممكناً أن تكون بعض النقوش التي تمثل الصيد الكبير هي الأقدم (ويحتمل أن تكون أقدم بكثير) من النقوش التي تمثل الأبقار والضأن. تشير البينة من المواقع التي تم التنقيب فيها، مثل مواقع الأكاكوس، كما أسلفنا القول، إلى نشوء إقامة أولية في الصحراء من جانب مجموعات للصيادين وصائدي الأسماك والجامعين وأضيف فيما بعد الرعي ضمن أنظمة الصيد ولم تك هناك عملية إحلال أحدهم مكان الآخر.

 

إضافة هائلة أخرى للدراسات الخاصة بالفن الصخري في ليبيا تمثلت في أعمال المسح التي نفذها لوكيلك Le Quellec 1987 للفن الصخري في وادي الشاطئ وفرعيه الشماليين في فزان. قام لوكيلك بإجراء تحليل مفصل لمناظر منقوشة متفرقة مستخدماً في ذلك صوراً فوتوغرافية مركبة تم التقاطها في ظروف إضاءة مختلفة، واستنتج، مثله مثل موزوليني، وجود درجة من المعاصرة بين أشكال الصيد الكبير وأشكال طور الرعاة. الأهم هو أن لوكيلك تجاوز إلى ما وراء الاهتمامات التقليدية للدارسين للفن الصخري الصحراوي إشكاليات التصنيف والتاريخ منتقلاً باهتمامه إلى تقييم دور الفن بالنسبة للناس الذين أبدعوه وذلك عن طريق مطابقة ذلك الفن بالمادة الاثنوغرافية. وتوصل لوكيلك إلى استنتاج مفاده أن تنفيذ النقش شكل، احتمالاً، جزءاً مركزياً في طقوس الصيادين/الجامعين، في حين شكل "النص" المكتمل أهمية أكبر بالنسبة للرعاة.

 

التناول الذي يطرحه لوكيلك، والذي يقوم على أساس الدمج بين الملاحظة الدقيقة للغاية لعلاقات النقش وبين الدراسات الاثنوغرافية، يُعد من السمات التي تميز الدراسات الحديثة لأساليب الفن الصخري التي تسعى إلى فهم الفن في محتواه الاجتماعي. أكثر الأعمال تأثيراً في هذا الجانب هي دراسة الفن الحالي وفي الماضي القريب للصيادين/الجامعين من السان في صحراء كلهاري، ذلك لأن المعطيات الاثنوغرافية المتوفرة عن أولئك الناس تلقي ضوءاً على العلاقات المركبة بين الفن الصخري والطقوس. فقد دلل لويس وليامز Lewis-Williams1981: 1982: 1983، على سبيل المثال، على الكيفية التي أنتج بها الشامان(3) فن السان وهم في حالة النشوة أثناء الطقوس المرتبطة ببلوغ سن الرشد أو بالزواج وما إلى ذلك. يمكن أن تختلف الصورة الصخرية المنفردة من مجرد تصوير مباشر نسبياً للطقوس نفسها إلى سبر رمزي مجازي للتجارب الواقعة فيما وراء نطاق الخبرة (أو "الواقع غير المعتاد") الذي يتم تحقيقة في نشوة الرقص. يقول باركنجتون "لقد تعلمنا بأن السجل المرسوم ليس كتاباً مفتوحاً، لكنه رسالة مُشفرةً" Parkington 1989. ويحاجج باركنجتون بأنه يمكننا أن نبدأ في الاقتراب من تلك الرسائل في الفن ما قبل التاريخي عن طريق الملاحظات الدقيقة في التفاصيل (من النوع الذي أجراه لوكيلك في وادي الشاطئ) والخاصة بالارتباطات وتجاوز الأوضاع في الشكل.

 

مضمون تلك الدراسات هو أن الفن الصخري الصحراوي يحتوي قطعاً تصويراً لمنظر طبيعي طقوسي معقد بالغ الأهمية في تسليط الضوء على الصور "الاجتماعية" و"الايكولوجية" للممارسين للطقوس، ومن ثم لا يجوز فصل الفن الصخري عن الأخيرة لدى دراسته. جرت محاولات لفهم الفن الصخري الصحراوي على أساس صيغ عامة للتفسير من واقع أشكال منعزلة تمت ملاحظتها في كل من الفن الصخري الصحراوي والفن المصري. هكذا تمت ملاحظة الأشكال القرصية فوق قرون الأبقار والخراف في العديد من النقوش الصحراوية بحسبانها مرتبطة بعبادة الشمس لدى المصريين – عبادة آمون Graziosi 1965. صحيح أن المصادر الكلاسيكية أشارت إلى علاقة الأبقار بعبادة الشمس إلى جانب الإشارة إلى الممارسات الدينية للجماعات الصحراوية المعاصرة. إلا أن درجة التعقيد التي تميز فن السان والمستويات المختلفة لفاعليته تشير بقوة إلى أننا لازلنا في مرحلة بدائية أولية بالنسبة لإدراك معنى الفن الصخري الصحراوي بقدر معقول من الحنكة. لا يمكننا بيسر قراءة أحداث الماضي العتيق من واقع المراجع القصصية في الأدب الكلاسيكي وصولاً إلى تفسير للمحتوي الاجتماعي والأيديولوجي لأساليب الفن التي تطورت على امتداد مساحة متسعة على مدى ما لا يقل عن خمسين ألف سنة سابقة للأزمان الكلاسيكية بل، احتمالاً، وعدة آلاف من السنوات الأسبق، جنباً إلى جنب مع التحولات في البيئة واستراتيجيات الإعاشة للسكان الصحراويين.

 

أجرى سميث دراسة حديثة Smith 1993 تناول فيها الفن الصخري محاولاً تطبيق دروس فن السان في تحليله لنقوش سلسلة تاسيلي-ن-آجر، وهي المنطقة في الجزائر المتاخمة لـ تادرارت أكاكوس الليبية. تعرف سميث على أسلوبين بين نقوش الأبقار، أو طور الرعاة : "البيضاء الوجه" و "السوداء الوجه". صُور الناس في نقوش الأسلوب الأول بلون بشرة شاحب وشعر طويل، وصُور الرجال بلحي والنساء بفساتين طويلة. توفرت القطعان الصغيرة بكثرة في النقوش، وصُورت الأكواخ السكنية مستديرة الشكل. شملت النقوش إلى جانب ذلك المعسكرات المتحركة، ونشاطات الصيد والرعي والاحتفالات الطقوسية حول أفراد مرموقين أو شامان. في نقوش الأسلوب الثاني كان الناس من ذوي البشرة الداكنة مع طلاء أبيض على أجسادهم في بعض الحالات. كانت الأبقار هي السائدة (بل الشكل الأساسي). الأكواخ صُورت في هذا الأسلوب بيضاوية الشكل. هكذا يتضح وجود تنوع كبير في التفاصيل الثقافية في الأسلوبين مما قد يشير، احتمالاً، إلى مجموعتين اجتماعيتين مختلفتين. نشاطات متنوعة تم التعرف عليها شملت النهب والمعسكرات ومناظر رعوية وطقوس جماعية. وتشير البينة التي وفرتها الهياكل البشرية إلى أشكال فيزيقية مختلفة في المنطقة في هذا الوقت تشمل أنواعاً ما قبل أبيضية متوسطية وأنواعاً زنجية.

 

يحاجج سميث بأن أسلوب الوجه الأسود يمكن ربطه بالرعاة الأفارقة السود القاطنين حالياً في الساحل مثل الفُلاني، في حين يربط الوجه الأبيض بالسكان القدماء للمغرب وشمال ليبيا، أي الليبيين في المصادر القديمة. الكثير من صور الطقوس في أسلوب الوجه الأسود يمكن التعرف عليها في طقوس الفُلاني الحاليين التي ترتبط فيها صورة النشوة بالتلقين وغيره من الطقوس خلافاً لما هو عند السان. لدى الفُلاني فقط الملقنون المدربون هم وحدهم الذين يحق لهم المشاركة في المستويات العليا للسلوك الطقوسي. ويفترض سميث أن مثل أولئك الناس هم الذين كانوا في الغالب فناني الصحراء الذين رأوا في الأبقار وسائط مجازية بين الناس وعالم الأرواح. أما في حالة الوجه الأبيض فإن سميث يرى أن المناظر القصصية تصف تجارب باطنية لشامانيين متخصصين. فرضية سميث تقول بالتالي بأن الاختلافات الرئيسة بين الأسلوبين الفنيين يمكن فهمها من منطلق الدوافع المختلفة للفن لدى الجماعتين : الرسوم التي تصور مجازاً تجربة النشوة في أسلوب الوجه الأسود، وأرشيف الأساطير للملقنين في أسلوب الوجه الأبيض.

 

ما قبل التاريخ المتأخر

 

الفجوة الأكبر في معرفتنا بما قبل التاريخ الليبي يظل هو الطور الأخير، الفترة بين بدايات الطور الرعوي في حوالي 4000 ق.م. وتأسيس الإقامتين الفينيقية والإغريقية على ساحل البحر الأبيض المتوسط في وقت مبكر من الألفية الأولى ق.م. أحد المفاتيح لفهم هذه الندرة في البينة لا بدَّ وأن يكون الاتجاه المستمر نحو التصحر خلال هذه الفترة : كانت الألفيتان الرابعة والثالثة ق.م. قد شهدتا جفافاً متزايداً انتهى بتثبيت المناخ والبيئة الصحراوية بصورة فاعلة حوالي 2000 ق.م. اللافت للانتباه أن الإقامة في كهوف تادرارت أكاكوس كانت قد توقفت، فيما يبدو، حوالي 2000 ق.م. وتوجد بينة متماسكة من الصحراء الشرقية تدل على تقلص الإقامة بحيث انحصرت بحلول هذه الفترة في الواحات الأساسية Kuper 1981. بالنسبة لمناطق ليبيا الوسطى والجنوبية يمكننا فقط أن نفترض وجود سكان ذوي نمط بدوي جمعوا بين الرعاوة المتنقلة وزراعة قطع صغيرة في بطون الوديان مخلفين القليل من البقايا الدالة عليهم في السجل الآثاري. توجد بعض المدافن الكبيرة المبهمة وغير المؤرخة في الصحراء الوسطى والتي يمكن أن تكون قد أقيمت من جانب أهل ما قبل التاريخ المتأخرين Engliaehringel et al. 1986; Milburn 1977، وشتات من الأدوات الصوانية النيوليتية التي يمكن أن تكون متأخرة (أو بالتأكيد متأخرة جداً). خلاف ذلك هناك فجوة معتبرة في السجل الآثاري لتلك المناطق الواقعة بين نهاية تواتر تادرارت أكاكوس ومواقع الإقامة في فزان التي يعود تاريخها إلى منتصف الألفية الأولى ق.م. والمرتبطة بالجرميين الذين وصفهم الكتاب الكلاسيكيون Daniels 1970.

 

في شمال ليبيا فإن البينة الدالة على الإقامة ما قبل التاريخية المتأخرة تعاني من هزال مماثل. شقوف فخار من نوع خشن الصنع افترض انتماؤها إلى ما قبل التاريخ المتأخر تم الكشف عنها أثناء أعمال التنقيب في المباني الهيلينية في قوريني Baldassarre 1987; Tiné 1987، وفي محيط القلعة الرومانية في بونجيم Souville 1970. في قوريني فإن تشابهات بين شقوف الفخار ما قبل التاريخية والفخار النيوليتى من هوا أفطيح تمت ملاحظتها، لكن ارتباط بعض الشقوف الواضح بفخار من المحتمل أن يكون موكياني من الألفية الثانية ق.م. Bacchiellu 1979 يشير إلى تقاليد طويلة الأمد لأسلوب نيوليتي للفخار في قورينائية مختلف تمام الاختلاف عن تطور الفخار في الجانب الشمالي للبحر الأبيض المتوسط. كما هو الحال بالنسبة لوسط ليبيا وجنوبها يمكن التكهن بوجود سكان بدو مارسوا أنظمة إقامة بدوية كما هو الأمر في المغرب Roubet 1979.

 

في الواقع أن الوصف الذي نجده لدى الكتاب الكلاسيكيين للمجتمعات الأصيلة في شمال ليبيا يتطابق مع الوصف الحالي للمجتمعات البدوية التقليدية في قورينائية. اشتهرت قورينائية بممارسة رعي الضأن والماعز في الأزمان الكلاسيكية وشاعت التلميحات في المراجع لنمط البداوة المميز للمنطقة. يحدثنا هيرودوت عن أن ساحل ليبيا سكنه البدو الذين يعتمدون الحليب واللحم غذاءً لهم، ويذكر ثيوفراست كيف أن قطعانهم تؤخذ إلى الدواخل بعيداً عن الساحل شتاءً. ويقول هيرودوت أن قورينائية أنتجت المحاصيل ثلاث مرات : الأولى في الساحل، ومن ثم في التلال فيما وراء الساحل، وأخيراً في مرتفعات الجبل الأخضر بعيداً عن الساحل القورينائي. كانت أنظمة الرعي والزراعة المتنقلة في أزمان قريبة من النموذج نفسه حيث اعتمد الناس على قطعانهم الصغيرة يدفعون بها إلى الدواخل بعيداً عن الساحل شتاءً وتكاملت حراثة المحصول مع دورة التحرك هذه Behnke 1980; Johnson 1973. ثمة زراعة في الجبل الشمالي في فصل الخريف، يتحرك بعدها جزء من الجماعة إلى الجبل الجنوبي لزراعة محصول ثانٍ بأواخر الخريف، وتؤخذ القطعان جنوباً إلى حافة الصحراء لقضاء الشتاء. وتم حصد محصول الجنوب مع بدايات فصل الربيع، تتحرك بعده المجموعة بكاملها شمالاً لتحصد المحصول الثاني ولتقضي فصل الصيف هناك.

 

العلاقات بين الليبيين الشرقيين والعالم الأكبر في هذه الفترة في معظمها لم تجد توثيقاً جيداً. تشير المصادر المصرية إلى صلات متقطعة مع السكان إلى الغرب منهم (الذين أسمتهم النقوش المصرية بـ التحنو والتمحو) في الألفيتين الثالثة والثانية ق.م. وعندما يتحسن وضع البينة يمكن تتبع هجرة معتبرة نفذها الليبيون باتجاه الشرق، غالباً من إقليم قورينائية. حدثت هذه الهجرة بدءاً من القرن الثالث عشر ق.م. على الأقل وامتدت على مدى قرنين ونتج عنها تدعيم حكم الليبيين لمصر حتى أواخر القرن الثامن ق.م. ويقدم الباحث ليهي Leahy 1985 مناقشة قيمة للخصائص السياسية والثقافية لنظام الحكم الليبي في مصر حاجج فيها ضد الفرضيات السائدة القائلة بتعرض الليبيين لعملية تمصير كبيرة.

 

البينة الدالة على الصلات بين الليبيين والإيجيين في الألفية الثانية ق.م. لازالت تمثل مشكلة Bacchiellu 1979; Boardman 1968; Stucchi 1967; Vickers 1972. يبدو أنه لا بدَّ من الكشف عن واردات مينوية موكانية محددة بحجم أكبر يكون أكثر إقناعاً. قد تسهم أعمال التنقيب الآثارية الحديثة في جزيرة بيت القريبة من مرسى مطروح في إثراء معلوماتنا عن الليبيين الشرقيين في عصر البرنز المتأخر White 1986. يصعب تمييز المعطيات ذات العلاقة بالعصر الحديدي ما قبل الإغريقي في قورينائية. حالياً يقوم كل من فابريكوتي وبالدارساري وتيني Fabbricotti 1980; Baldassarre 1987; Tiné 1987 بدراسة الفخار والمنشآت التي قد يرجع تاريخها إلى هذه الفترة.

 

تشير البينة الآثارية الوفيرة التي تراكمت عن مواقع الإقامة في المرحلة الرومانيةالليبية نتيجة مشروع اليونسكو لمسح الوديان الليبية في ما قبل الصحراء التريبوليتانية إلى شكل محدود لاستغلال ما قبل الصحراء في المرحلة السابقة مباشرة للعصر الكلاسيكي. من أعمال المسح لمواقع الإقامة في الوديان أصبح واضحاً أن آثار المرحلة الرومانيةالليبية شملت تنوعاً كبيراً من المخلفات. اشتملت تلك المخلفات على مزارع محصنة، ومواقع منغلقة في قمم الجبال والتلال، ومزارع مفتوحة (غير محصنة)، وأضرحة، ومنشآت صغيرة تحتوي على غرفة واحدة أو غرفتين، وأكواخ منعزلة فردية، ومجموعات على ما يبدو أنها قواعد خيام أشبه بما يلاحظ في معسكرات البدو المهجورة، ومدافن عليها ركام حجارة. يمثل تاريخ المخلفات من واقع الأدوات الصنعية المكتشفة على السطح إشكالية. ويمثل السطح المفرغ للسهل ما قبل الصحراوي لوحاً ممسوحاً بالنسبة لمراحل مختلفة من القدم. توجد أمثلة عديدة لمواقع مرتبطة بأدوات صوانية نيوليتية أو ما بعد نيوليتية رغم مطابقة تلك المواقع لأنواع من المواقع السكنية والجنائزية التي تحتوي على فخار رومانيليبي. تشير مثل تلك التطابقات إلى أن سكاناً بدواً رحلاً عمروا ما قبل الصحراء في القرون التي سبقت التحول الرومانيالليبي إلى أشكال الإقامة والأنظمة الزراعية التي بدأت في القرن الأول الميلادي.

 

تشير المؤشرات المتوفرة بالتالي إلى أن الإقامة ما قبل التاريخية في ليبيا، باستثناء فزان، كانت عموماً من النوع الذي خلّف آثاراً سريعة الزوال مما يجعل التعرف عليها وتأريخها أمراً في غاية من الصعوبة. لكن علينا، بالطبع، أن نطور مناهج مناسبة لدراسة مثل أشكال الإقامة تلك وأن ننتقل من مجرد ما هو تكهن حالياً. تختلف الإقامة غير المتبدلة وأشكال الإعاشة غير المتغيرة في ليبيا في الألفية التي أعقبت التحول إلى الفلاحة عن التواترات ما قبل التاريخية المعاصرة في الجانب الشمالي للبحر الأبيض المتوسط اختلافاً بيناً ومدهشاً. ففي حالة شمال الأبيض المتوسط نشأت أنظمة تراتبية معقدة قائمة على قاعدة أنماط إنتاجية مكثفة تطورت مع بداية الألفية الثالثة ق.م. مما يبدو قاعدة نيوليتية لا تختلف عن ما وجد في ليبيا. علينا أن نحول منهم التبعات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية للاستقرار طويل المدى للجماعات ما قبل التاريخية المتأخرة في ليبيا والمغرب ولو على أساس كونها تمثل طريقاً للتواتر في المجتمعات المعاصرة لها في مصر والشرق وشمال البحر الأبيض المتوسط.

 

 


(1) ترجمة هذا الكتاب "تادرارت أكاكوس" قام بها البارون والكعبازي، ونشرها مركز جهاد الليبيين ضد الغزو الإيطالي، طرابلس 1988

(2) الترجمة العربية لهذا العمل قام بها أنيس زكي "لوحات تاسيلي"، مكتبة الفرجاني، طرابلس.

(3) الشامانية : ظاهرة دينية تعتمد على الشامان Shamanالذي يقال أن لديه قوة خارقة لشفاء المرضى والاتصال بالعالم العلوي تنتشر في آسيا. وأصبحت الشامانية مصطلحاً يطلق على كافة الظواهر الشبيهة. وقد روج لتعميم التسمية عالم الأديان مرسيا إلياد. ويرى فيها البعض شكلاً للعبادات الدينية الأولية التي عرفتها البشرية، في حين يعدها آخرون ضرباً من العلاج النفسي الاجتماعي للحالات المرضية التي تتميز بالاضطراب العام (فردريك معتوق،1998:299).

 

REFERENCES

 

Alimen H. 1955, Prehistoire de l’Afrique. Boubée.

Anon 1971, ‘Archaeological news – Tarhuna zone I, prehistoric rupestral pictures’. Libya Antiqua, 8: 146-149.

Arthur P. 1979, ‘A Lithic industry at Ain Wif, Tripolitania’. Libyan Studies, 10 : 11-13.

Aumassip G. 1981, ‘Ti-n-Hanakaten (Tassili-n-Ajjers), Bilan de 6 campagnes de fouilles’. Libyca, 28-29 : 115-127.

Aumassip G. 1984, ‘La néolithisation au Sahara’. In: N. Petit-Maire (ed.), Compte rendu du Séminaire du Laboratoire de Géologie du Quaternaire. La néolithisation au sahara.  Marseilles.

Aumassip G. and J.P. Jacob 1976, ‘Les grottes de Ti-n-Hanakaten au Tassili des Ajjers’. Archeologia, 94 : 28-37.

Bacchiellu L. 1979, ‘Conttati fra Libya e mondo egeo nelleta del bronzo: una conferma’. Rendiconti Academia Lincei 34: 163-168.

Baldassarre I. 1987, ‘Tracce dell’abitato prebattiatico ad ovest dell’Agona di Cirene’. Quaderni di Archeologia della Libia 12: 7-24.

Bailloud L. 1960, ‘Les Peintures rupestres archäiques de L’Ennedi (Chad)’. L’Anthropologie 64.

Balout L. 1955, Prehistorique de l’Afrique du Nord. Paris: Artes et Metieres Graphiques.

Barich B.E. (ed.) 1987b, Archaeology and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus 1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368.

Barker G. 1981, ‘Early agriculture and economic change in north Africa’. In: J.A. Allan (ed.), Sahara: Ecological Change and Early Economic History. London: Menas Press.

Barker G. 1985, Prehistoric Farming in Europe. Cambridge: University Press.

Barker G. 1985a, ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey: developing methodologies for investigating ancient floodwater farming’, In: D. Buck and D. Mattingly (eds), Town and Country in Roman Tripolitania: Studies in honour of Olwen Brogan. Oxford: British Archaeological Reports, International Series 274: 291-306. 

Barker G. 1986, ‘Prehistoric rock carvings in the Tripolitania pre-desert’. Libyan Studies, 17: 69-86.

Behnke R.H. 1980, Herders of Eastern Cyrenaica. Chicago: University of Illinois Press.

Boardman J. 1968, ‘Bronze Age Greece and Libya’. Annual of the British School of Athens 63: 41-44.

Camps G. 1968, Amekni: Néolithique ancient du Hoggar. Mém. Du C.R.A.P.E., 10, Arts et Métiers Graphiques, Paris.

Caneva I. 1984, ‘Early Neolithic settlement and later cemetery at Geili (central Sudan)’, In: Krzyzaniak and Kobusiewiz (eds), Origin and Early Development of Food-Producing Cultures in North Eastern Africa, Poznan: 353-360.

Castiglioni A. et al. 1986, Fiumi di Pietra: archivo della Preistoria Sahariana. Varese: Edizioni Lativa.

Clark J.D. 1965, ‘Radiocarbon dating and the expansion of farming from the Near East over Europe’. Proceedings of the Prehistoric Society, 21: 58-73.

Close A.E. 1988, ‘Current reasearch and recent radiocarbon dates from Northern Africa, III’. Journal of African History 29: 145-176.

Daniels C.M. 1970, The Garamantes of Southern Libya, Stoughton: The Oleander Press.

Del Fabbro A. 1968, ‘Stazioni litica all’apento nei pressi del’Uadi an Ribat (Tripolitania)’, Libya Antiqua 5 : 93-97.

Engliaehringel G. et al. 1986, ‘Gedanken über einige Steinmonumente der Sahara’, Antiquités Africaines 22: 11-28.

Fabri M. and A. Winorath Scott 1965, ‘Stazioni litica all’apento nei pressi di Garian’, Libya Antiqua 2: 83-90.

Fabbricotti E. 1980, ‘Tolemaide: una testimonianza arcaica’, Quaderni di Archeologia della Libya 11: 5-9.

Fantoli L. 1932, ‘Un programma di ricerche in Libia’, Bollettino Geografico 2, Rome, Ufficio Studi del Governo della Tripolitania.

Forde-Johnston J.C. 1959, Neolithic Cultures of North Africa, Liverpool: University Press.

Gautier A. 1980, ‘Contributions to the archaeozoology of Egypt’, In: Wendorf and Schild (eds), Prehistory of Eastern Sahara. New York: Academic Press: 317-344.

Graziosi P. 1942, L’arte rupestre della Libia. Naples : Ed. Mostra d’Oltremare.

Graziosi P. 1962, Arte rupestre del Sahara libico, Vallecchi, Florence.

Graziosi P. 1968, ‘Le incisioni dell’Udei et Chel in Tripolitania’. Libya Antiqua, 5 : 9-36.

Hall M.J. 1987, The Changing Past : Farmers, Kings and Traders in Southern Africa. Cape Town : David Philip.

Hivernel F. 1985, ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey XI: preliminary lithic report’, Libyan Studies 16: 29-50.

Johnson D.L. 1973, Jabal-al-Akhdar, Cyrenaica: an historical geography of settlement and livelihood. Chicago: University of Chicago press.

Kuper R. 1981, ‘Untersuchungen zur algemeinen der östhichen Sahara, Vobericht uber die Expedition 1980’. Beitrage zur algemeinen und rergleichenden Archäologie 3: 217-275.

Leahy A. 1985, ‘The Libyan Period in Egypt : an essay in interpretation’, Libyan Studies 16 : 51-65.

Le Quellec J.L. 1987, L’Art Rupestre du Fezzan Septentrional (Libye) : Widyan Zerda et Tarut (Wadi Esh-Shati). Oxford, B.A.R. International Series 365.

Lewis-Williams J.D. 1981a, Beleiving and Seeing: symbolic meanings in southern San rock paintings, London: Academic Press.

Lewis-Williams, J.D. 1981b, ‘The thin red line: southern San notions and rock paintings of supernatural potency’. South African Archaeological Bulletin 36: 5-13.

Lewis-Williams J.D. 1982, ‘The social and economic context of southern San rock art’, Current Anthropology 23: 429-449.

Lewis-Williams J.D. 1983, The Rock Art of Southern Africa, Cambridge: University Press.

Lewis-Williams J.D. 1983a, ‘Introductory essay: science and rock art’. In: J.D. Lewis-Williams (ed.), New approaches to Southern African rock art: 3-13. South African Archaeological Society. Goodwin Series 4.

Lhote H. 1965, L’evolution de la faune dans les gravunes et les peintutures rapestres du Sahara et ses relations avec l’evolution climatique. Miscelanea en Homenaje al Abate Henri Breeuil, Barcelona.

Lubell D. et al. 1983, ‘The Prehistoric ecology of Caspian escargetieres, Part II : report on investigations conducted during 1967 in Bahiret Telidjene, Tebessa Willaya, Algeria’, Libyca 30.

Lubell D., P. Sheppard and M. Jackes 1984, ‘Continuity in the Epipaleolithic of Northern Africa with emphasis on the Maghreb’. In: F. Wendorf and A.E. Close (eds), Advances in World Archaeology, vol. 3. New York: Academic Press: 143-191.

McBurney C.B.M. 1950, ‘Le grotte de l’Hyène (Hagft ed Dabba)’, L’Anthropologie 54.

McBurney C.B.M. 1960, The Stone Age of Northern Africa. London : Penguin.

McBurney C.B.M. 1961, ‘Absolute age of Pleistocene and Holocene deposits in Haua Fteah’, Nature 192.

Mc Burney C.B.M. 1967, ‘Absolute Chronology of the Palaeolithic in Eastern Libya and the Problem of Upper Palaeolithic Origins’, Advancement of Science 18.

McBurney C.B.M. 1967, The Haua Fteah (Cyrenaica) and the Stone Age of the South East Mediterranean. Cambridge: University Press.

Milburn M. 1977, ‘On the key-hole tombs (Monuements en trou de serrure) of central Sahara’, Libya Antiqua 13 -14: 385-390.

Mori F. 1960, Arte preistorica del Sahara Libico. Rome: De Luca.

Mori F. 1965, Tadrart Acacus. Arte rupestre e culture del Sahara. Torino: Einaudi.

Muzzolini A. 1986, L’Arte Rupestre Preistrique des Massifs Centraux Sahariens. Oxford, B.A.R. International Series 318.

Parkington V. 1989, ‘Interpreting paintings without a commentary : meaning and motive, content and composition in the rock art of the Western Cape, South Africa’, Antiquity 63: 24 ff.

Pesce A. 1968, ‘Prehistoric rock carvings of the Jebel Bzema in Southern Cyrenaica’, Libya Anitqua 5: 99-103.

Petit-Maire N and J. Riser (eds) 1983, Sahara ou Sahel ? Quaternaire Récent du Bassin de Taoudenni (Mali). Marseille.

Rebuffat R. et al. 1970, ‘Bu Njem’, Libya Antiqua 3-4: 49-137.

Reid Ferring C. 1975, ‘The Aterian in North African Prehistory’, In: F. Wendorf and A.E. Marks (eds), Problems in Prehistory: North Africa and the Levant, Dallas: Southern Methodist University: 113-126.

Roset J.P. 1981, ‘Les plus vieilles Céramiques du Sahara’, Archaeologie 43.

Roset J.P. 1983, ‘Nouvelles données sur le problème de la Néolithisation du Sahara méridional : Air et Tenéré au Niger’, Cahiers O.R.S.T.O,M. 13 : 119-142.

Roubet C. 1979, Economic Pastorale Préagricole en Algérie Orientale, Le Néolithique de Tradition Capsienne. Paris : Etudes d’Antiquités Africaines.

Sahly A. 1978, ‘La station ibero-manusienne du Marjane (Tabarka: Tunisie), Africa 5: 9-20.

Shaw B.D. 1976, ‘Climate, Environment and Prehistory in the Sahara’, World Archaeology 8: 133-148.

Souville G. 1970, ‘L’industrie Prehistorique recueillie à Bu Njem’, Libya Antiqua 6-7: 169-173.

Stucchi S. 1967, ‘Prime tracce tardo-Minoiche a Cirene’, Quaderni di Archeologia della Libya 5 : 19-45.

Tiné S. 1987, ‘Ceramica Prebattiatica nell’area cienea’, Quaderni di Archeologia della Libia 12 : 15-16.

Vance-Haynes C. 1980, ‘Geological evidence of pluvial climates in the Nabta area of the western desert, Egypt’, In :

Van Noten F. 1978, Rock Art of Jebel Uweinat (Libyan Sahara), Graz: Adeva.

Vaufrey R. 1955, Prehistoire de l’Afrique 1, Le Maghreb. Paris: Masson.

Vickers M. 1972, ‘Cyrenaica 1962-72’, Archaeological Reports 18: 27-47.

Vita-Finzi C. and M. Fabbri 1967, ‘Nuove stazioni litiche di Libia’, Libya Antiqua 3-4: 229-231.

Wendorf F. and R. Schild (eds) 1968, Prehisory Nubia, Dallas.

Wendorf F. and R. Schild (eds) 1976, Prehisory of the Nile Valley, New York: Academic Press.

Wendorf F. and R. Schild (eds) 1980, Prehistory of the Eastern Sahara, New York: Academic Press.

Wendorf F. and R. Schild (eds) 1989, Prehistory of Wadi Kubbaniya, Dallas.

White D. 1986, ‘Excavations on Bate’s Island, Marsa Matruh’, Journal of the American Research Center in Egypt 23: 51-84.