إسهام تادرارت أكاكوس في دراسة التغير الثقافي في الصحراء

 

 

 

إسهام تادرارت أكاكوس في دراسة التغير الثقافي في الصحراء

باربارا باريش

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

حتى وقت قريب مضى، شكلت اقتصاديات الرعي للفترة من الألفية السادسة حتى الرابعة قبل تاريخ اليوم الحدث الأساسي المعترف به حتى الآن لتطور الإقامة الإنسانية في الصحراء. رغم أن مناطق قليلة تميزت باقتصاديات تألفت أساساً على قاعدة صيد الحيوانات الصغيرة والجمع، فإنها جميعها صُنفت في إطار لافتة "النيوليتى الصحراوي". نتج عن ذلك تناسق ظاهري للمعطيات والذي كان في واقع الأمر جد متنوع ونال فرديته فقط بعد فترة طويلة من الدراسات المكثفة.

 

أسهمت أعمال الاستكشاف في سلسلة تادرارت أكاكوس في توضيح تلك الاختلافات الإقليمية، بجذبها إلى دائرة الضوء، عن طريق المعطيات الآثارية والبيئية القديمة، مجالين اجتماعيين اقتصاديين ارتبطا بنظامين بيئيين كانا، على التوالي، على هامش السلسلة وداخلها. شكّلا طريقتين للحياة، متباعدتين زماناً ومكاناً، واللتين تبدوان بعد المقارنة التفصيلية لبيئتيهما الثقافيتين المحليتين، عنصرين غير متزامنين في عملية وحدوية حدثت أساساً لكن ليس كلياً في ذات المكان. أشارت الدراسات ذات الصلة بالبيئة الحياتية ومجمل المعطيات الآثارية بوضوح تام إلى وجود ظروف ملائمة لإقامة طويلة الأمد وتطور تقني واقتصادي مستمر.

 

لم تكشف دراسة النباتات عن اختلافات أساسية في طيف اللقاحات التى تم الحصول عليها من المنطقتين الأساسيتين اللتين تمت دراستهما. في كلا الحالتين يمكن للمرء ملاحظة سيادة نوع نباتي منفتح : نظام الوادي الصمغ العربيالحشائش Acacia-Panicum أو الطرفاء-السويقة Tamarix-Stipagrostis التى ظلت غير متبدلة على امتداد السلسلة الإستراتيجرافية في تين طره شرق، وتين طره شمال، ووان موهجاج. ترجع الاختلافات الوحيدة إلى توزيع النباتات– أي، أكثر انفتاحاً في الجزء الشمالي الشرقي (بالتالي ملائمة لاستخدام مكثف أكثر للمنطقة) وانخفاض ملحوظ في مجموعة الجراميناي المتحركة من طيف طره شرق (المستوى Rinf-RSup) إلى طره شمال (المستوى I).

 

نتجت استمرارية الغطاء النباتي عن موارد المياه الجوفية التى جعلت من الممكن وجود ظروف ملائمة للإبقاء على الحياة الإنسانية حتى في أزمان الجفاف الملحوظ. أشارت دراسة العوامل الثابتة الفيزيقية غير المناخية بوضوح إلى وجود، بخاصة على طول المنحدر الشرقي، موارد مياه جوفية، تراكمت خلال الأطوار الغنية بالرطوبة، والتي تم تخزينها على مدى فترات طويلة من الزمن وتم تحريرها تدريجياً. فوق ذلك، بما أن الظروف الملائمة للحفاظ على مصادر المياه الجوفية تلك وجدت فقط في الحزامات الخارجية إلى الشرق وإلى الغرب- يمكن افتراض أن ذلك حفز درجة معينة من حركية أنماط الإقامة الإنسانية، للوصول إلى تلك المناطق الملائمة في أوقات الضغط، إلى جانب تحفيز امتداد لمنطقة الإقامة في استغلال الموارد المتناثرة أكثر من تلك المتمركزة.

 

من الواضح أن تلك الافتراضات الأخيرة تتطابق مع تلك الناتجة عن دراسة اللقاحات التي أشارت بجلاء إلى عالم نباتي منفتح في تين طره ملائم لاستخدام الأرض بصورة مكثفة أكثر. على العكس، في المناطق المحمية أكثر، مثل حوض تشوينت، فقد وفر التأثير الذي مارسه الوضع الهيدرولوجي للمنحدر الشرقي مناخات محلية بدرجة رطوبة مناخية أعلى وهطول أمطار محلية. قاد ذلك إلى تمركز أعلى لمصادر المياه الجوفية، مع التطور الناتج لنباتات أكثر غزارة (تيفا) والتي بقيت حتى عندما بدأت في التقلص مصادر الحزامات الهامشية.

 

تسمح لنا الظروف الهيدرولوجية والنباتات بالتفكير في إمكانية أن تكون الثلاثة نماذج الاقتصادية التي توضحها دراسة المخلفات الحيوانية القديمة (الاركوزيولوجية archaeozoological) قد تطورت بدون انقطاع. البينة على هذه الاستمرارية يوفرها أيضاً غياب انقطاعات فعلية في التواتر الاستراتيجرافي الإقليمي (باستثناء عندما تُهجر القليل من المواقع لأسباب محلية)، وكذلك نمط تقني شهد فيه التواتر الحجري لوادي تين طره الاحتفاظ بنمط إقامة ثابت وناجح، والذي يشير إليه كلوز Close 1987 بـ "عملية تكيف متطورةa developing process of adaptation". في ضوء تلك الاكتشافات، لا يوجد سبب لتوصيف إنتاج الطعام في هذه المنطقة بوصفه عملية مبتكرة أو حتى ثورية في طبيعتها. بالطبع، قد يبدو أكثر فائدة توجيه البحث إلى إعادة تركيب الميكانيزم الذي أدى إلى التغير.

 

يمكن النظر إلى اكتساب الجماعات في مناطق الصحراء لأنماط اقتصادية جديدة كجوانب من استراتيجية تكيفية، طالما أن ظاهرة التغير الثقافي حدثت في تلك المناطق في نفس وقت التحولات البيئية. لا شك أن وعياً جديداً بعمليات التفاعل بين مجال الثقافة ومجال البيئة هو الذي أتاح للجوانب المختلفة أن تجتمع مع بعضها كمراحل في عملية تطورية في إطار مزيج شكلّ لفترة طويلة العصر الحجري الحديث الصحراوي Saharan Neolithic.

 

طالما تم تقبل الجوانب أعلاه "كتلاً" ثابتة، وأقيمت خصائصها "النيوليتية" بمواجهة الخصائص "ما قبل النيوليتية"، سيكون هناك فقط جزء من عملية التطور مثبت، كما أشرنا سابقاً، كعملية موحدة. نقطة انطلاق لتحول في المنظور نتيجة جهد بذلته فرق بحثية عديدة تتمثل في الاعتراف بمحتوى قبل تكيفي pre-adaptation إلى الاقتصاد الإنتاجي وبحقيقة أن الأبحاث ركزت على كم المادة المائعة التي مثلت "بدايات" التغير.

 

الظروف الأخيرة، ذات الصلة بمجمل الصحراء الشرقية، والوسطى، والوسطى الشرقية (المصرية الغربية، وشمال السودان، وجنوب ليبيا، والنيجر) ترجع بتواريخ حتى إلى ما وراء 9000 سنة مضت (جدول 1). التعريف "ما قبل الباليوليتي المبكر" الذي اقترحه سميث قد يبدو بصورة خاصة ملائماً للسحنات المسجلة في تلك المناطق(1). نتعامل في الواقع مع محتويات تحتفظ رغم وجود فخار بها بأسلوب حياة باليوليتي باستثناء الوجود الفجائي والمتقطع لأنواع نباتية أو حيوانية في مرحلة تدجين بدئية. مقارنة بهذا، يبدو حلول اقتصاديات رعوية إنجازاً لاحقاً يمكن إرجاع تاريخه إلى الألفية السادسة الماضية: من جوانب أشد قدماً، كما في وان موهجاج بـ ليبيا، إلى جوانب أكثر تطوراً كما في أدرار بوس بالنيجر.

 

في ضوء ما ذُكر أعلاه، لم يعد صالحاً تعريف موحد للجماعات الصانعة للفخار في منطقة الصحراء بل وأن تعريفاً كهذا قد يكون مضللاً. بعكس ذلك، فإن كل المحتويات الآثارية لألفيات عديدة تشكل، واحدة بعد الأخرى، جوانب محددة لعملية موحدة لتطور متنوع.

 

عندما نحاول، على أية حال، سبر المزيد من المستويين للتطور اللذين ناقشناهما أعلاه، بخاصة فيما يتعلق بعلاقاتهما، يبدو واضحاً أن أسس التغير كانت موجودة سلفاً في النظام الباليوليتي المتأخر. بالتالي، يمكن النظر للبيئة الصحراوية منطقةً هامةً للغاية لاستكشاف بدايات إنتاج الطعام، مثلها مثل مناطق غرب آسيا كما كان هو الحال لزمن طويل. الميكانيزمات الطبيعية المحتواة في الانتقال من البليستوسين إلى الهولوسين هي ذاتها في كلا هاتين المنطقتين، وكحقيقة قائمة، يمكن تفسيرها عن طريق الأسس نفسها التي تميزها الايكولوجيا والجغرافيا التاريخية. واضح للغاية، أن المنطقتين تختلفان في بعض الأوضاع والتطورات، على سبيل المثال، فإن وادي النيل بأحداثه المناخية المتميزة- يمكن ربطه فقط بطريقة غير مباشرة بأحداث الصحراء المناخية، لكن الصناعات الباليوليتية والايبي باليوليتية المزدهرة في مصر العليا والنوبة بنهاية عصر البليستوسين كانت متقدمة بصورة طفيفة للغاية عن التطورات الصحراوية وأظهرت جوانب ما قبل تكيفية لإنتاج الطعام من النوع الذي تطور لاحقاً في الصحراء.

 

أضاءت المكتشفات في السنوات الأخيرة بعض الجوانب القليلة، التي تمثل أهمية كبيرة بالنسبة لأبحاثنا، والتي يمكن النظر إليها بوصفها ثلاث مجموعات متجاورة رغم أنها منفصلة : الآيير تنيرى الأكاكوس؛ والصحراء المصرية؛ وشمال السودان (خريطة 1). هذا التجميع يتضح في المحتويات الآثارية الخصوصية والكرونولوجيات المتمايزة. في الحقيقة على المرء أن يثبت بحذر شديد كرونولوجيا بتواريخ تتفاوت من 10.000 إلى 7000 سنة مضت، لتجنب خلط المستويات. رغم أنه لا يوجد أي شك في حقيقة نشوء صلات بين المجموعات المختلفة فإنه من الصعب للغاية التعرف على تلك الصلات بالتفصيل طالما أن كل سلسلة مكتشفات لها خصائصها المميزة في إطار محتوى مشترك عام.

 

(جدول 1) كرونولوجيا المواقع الرئيسة في النيجر وليبيا

النيجر

تامايا ملت

9350 ± 170 سنة مضت

 

تيمت

9550 ± 100 سنة مضت

 

 

تاجلاجل

9370 ± 130 سنة مضت

 

 

 

 

 

 

 

تين طره الكهفان

9350 ± 110 سنة مضت

ليبيا

 

 

 

تين طره شرق

9080 ± 70 سنة مضت

 

 

 

 

 

 

 

تين طره شمال

5970 ± 50 سنة مضت

ليبيا

 

 

 

وان موهجاج

6035 ± 100 سنة مضت

 

 

 

 

 

 

 

أغوراس– ن تاست، أدرار بوس

5760 ± 500 سنة مضت

النيجر

 

 

 

أغوراس– ن– تاست، أدرار بوس

4440 ± 120 سنة مضت

 

توفر تادرارت أكاكوس واحداً من أكثر التواترات شمولاً بفضل تكرار الترسبات الآثارية وحالة حفظها وعمقها التي تسمح لنا بتتبع عمليات التطور عبر الزمان. إلى ذلك يمكن إضافة ارتباط وثيق ببينة الفن الصخري، والذي يمكن أن يقدم إسهاماً اثنولوجياً في إعادة التركيب. كما ويسمح للفن نفسه أن يقتني محددات كرونولوجية بالإضافة إلى مفاتيح أسلوبية تفسيرية. من وجهة نظر آثارية، تتوافق البيئتان المحليتان في الأكاكوس، الشمالية الشرقية والوسطى، مع سحنات آثارية متباينة : تلك الموجودة في وادي تين طره ووادي تشوينت (الذي توجد فيه سقيفة وان موهجاج).

 

تمثل سحنات تين طره، والتي قامت بدور تمهيدي لإنتاج الأدوات اللاحقة خلال زمن قصير نسبياً، الأفق الأكثر قدماً للجامعين وصائدي الأسماك الذين فضلوا الاستقرار في المنحدر الشرقي للسلسلة بسبب ميزاتها الخاصة للإقامة الإنسانية (نمط تصريف أفضل يحفز على الإقامة، ومياه جوفية غير عميقة، ومعابر إلى المنحدر الغربي).

 

استمر هذا المستوى للاستغلال من الألفية العاشرة حتى السابعة الماضية كما تدلل عليه ستراتيجرافية الكهفين الثلاثية، طره شرق وطره شمال (IV-V) والتي توجد صلات بينها. أبعد إلى الجنوب، دائماً في المنحدر الشرقي، يمكن التعرف على هذا الأفق في مواقع فوزيجارن، وتيهدين، وسقد التي تم مسحها الآن فقط.

 

تمثلت سمة مشتركة لكل تلك المواقع في المكان الاستراتيجي بالنسبة للوديان التي تحتوي على تمركز كل المياه والنباتات والحيوانات. يوفر موقع تين طره، الذي تم التعرف عليه "شبه قرية"، بينة مدهشة دالة على أن عادات الحياة شبه المستقرة بُدء في اقتنائها. في الغالب الأعم أن الموقع بدأ كإقامة فصلية (خلال موسم الجفاف، في منطقة أمطار المونسون هذه، في الشتاء)، في حين أن الإقامة اقتنت طابعاً أكثر استقراراً خلال فترة الجفاف المعترضة (8500 - 8200 سنة مضت) وهو ما تؤكد عليه البقايا الرسوبية في المسطح الأوسط*.

 

في الواقع، إذا كانت عادة اصطياد الأسماك قد عملت لمصلحة اقتناء عادات استقراروية لدى المجموعات الإنسانية، إلى حين استمرار أمطار المونسون، فإن الأخيرين كانوا مضطرين لإتباع ترحال فصلي. من جانب ثانٍ، التحول الذي حدث في تين طره شرق (المستوى 7990±70 - 8460±60) مع تشييد أكواخ أولية باستخدام كتل حجرية جدراناً حدودية، يشير إلى عدم استمرارية الترحال وبداية استغلال مكثف لذلك الجزء من البيئة الممكن الوصول إليه لقربه. الزيادة الواضحة بالإضافة إلى تلك التغيرات في عدد الخراف البربرية (أمورتاجوس ليرفيا) وبدرجة أقل، الغزلان، يمكن أن تخدم مؤشراً لتطور أشكال التحكم في قطعان الحيوانات Close 1980: 151. فوق ذلك، يشهد وجود حجارة طحن في المستوى CI-CII على ممارسة نشاطات جمع شملت في الغالب الأنواع العشبية التي تنمو في محيط الإقامة. هذا النزوع يمكن ربطه بعناصر مشابهة ميزت منطقتي نبتا بلايا وبئر كسيبا في الصحراء المصرية. كما هو الأمر في حالتنا، أدت تلك المواقع إلى نشوء ظروف ملائمة لتدجين أنواع حيوانية، الأبقار بصفة خاصة الموجودة في بيئات لازالت باليوليتية متأخرة في طابعها. بالطبع، كما سنفصل لاحقاً، في كلتا الحالتين يمكن أن يكون هذا النزوع الجديد قد تم تحفيزه في أوقات الضغط على الموارد التي توفرها البيئة.

 

استُكملت الأبحاث التي أجريت في منطقة تين طره وأُثريت بتلك الأبحاث في منطقة وادي تشوينت. إذا كان من الممكن استنباط تغير في نمط الإعاشة الأصلي بنهاية دورة تين طره نسبة لتحول الاهتمام باتجاه النشاطات التدجينية المنتقاة مع الحيوانات والنباتات، فإن تواتر وان موهجاج يسجل مزيداً من التطور.

 

إمكانية ربط تواتر وان موهجاج مع الطور الختامي لأفق تين طره أكد عليها اكتشاف أنواع من المصنوعات الفخارية والحجرية في المستويات السفلى في وان موهجاج، والتي كانت مثلها مثل الظروف المناخية والبيئية، مختلفة عما تلاها. حتى لو تركنا ذلك جانباً، فإن مجمل التقنية في مستويات وان موهجاج الأخرى يُنظر إليها اشتقاقاً لسحنات تين طره مع بعض التعديلات. شملت تلك التعديلات في الفخار المزيد من التوحد في أنماط الزخرف بفعل استخدام الأدوات ذات السنين بطريقة محورية، وفي الأدوات الحجرية المرققة، وفي الاختفاء المتصاعد لأسلوب الرتوش المدببة وذات الوجهين، وفي مدى محدود لفئات الأدوات. يشير كل هذا سوياً مع التغير في النشاطات الاقتصادية، إلى نزعة محلية باتجاه التدجين. بنهاية هذه العملية، أصبح من اليسير ملاحظة التغيرات التي حدثت عن طريق الاختلافات في استخدام الأرض وأنماط الاستقرار.

 

بنظرة أولية فإن مواقع سكن الرعاة يمكن ربطها بسقائف الصيادين/ الجامعين/ صائدي الأسماك، لكن دراسة أكثر عمقاً أظهرت طابعها المؤقت واستخدام يختلف عن المميز للمعسكر القاعدة للجماعات الممارسة استغلالاً متسع الطيف للبيئة المحلية. ظل الصيد ممارساً، كما يتضح من وجود الرؤوس ذات الوجهين في القطاع القاعدي للاستراتيجرافيا وفي المناظر التي تصور صيادين في الجدار الخلفي لسقيفة وان موهجاج والتي يمكن ربطها بأسلوب "الرأس المستديرة" والمنظر الذي يصور مركباً Barich 1987. لا يوجد شك، على كلٍ، في أن الأبقار، والخراف، والماعز كانت أكثر الموارد الاقتصادية أهمية للمجموعة.

 

قاد ارتباط الحيوانات المدجنة الكبيرة والصغيرة من المستويات 2d-2c في وان موهجاج (قبل 6035±100 سنة مضت) غوتيه لمراجعة تحديده لـ، "البقريات الكبيرة large bovid" في عالم تين طره شرق الحيواني بكونها مدجنة. من المعروف جيداً أن الخراف/الماعز كانت أنواعاً مجلوبة والتي تظهر في نبتا في محتويات نيوليتية وسطى(3). بالتالي، قد يرى في أبقار وان موهجاج نتاج إدخال يجعل التحديد السابق لها بوصفها أصيلة بلا معنى.

 

في اعتقادي، على أية حال، حتى لو نُظر إلى وجود نوع عتيق من الأبقار في أفق تين طره بحسبانه نتيجة إدخال، فإنه قد يصلح مؤشراً للاتصالات المؤسسة قبل التاريخ القديم عن طريق مجموعات صيادين وقد يفسر بالطبع اقتناء الحيوانات الصغيرة، سوياً مع نوع متطور أكثر من الأبقار، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

 

تُظهر هذه الصعوبة، مهما كانت المعطيات غنية وشاملة، أنه من غير المحتمل أن تسمح بإعادة تركيب تفصيلية للنظام ما قبل التاريخي. ما هو مطلوب من المعطيات تقديمه بدلاً هو طرح فرضية بالنسبة لتفسيرات أكثر عمومية بشأن طريقة تفاعل النظام، غض النظر عما إذا تشكلت على أساس معطيات مشتقة من الملاحظة أو مستقلة، تستعين بمبادئ نمطية ذات صلة بميادين مختلفة.

 

شددت أبحاث حديثة على الوضع الحرج للدراسات الخاصة بمجتمعات الصيادين/الجامعين Bettinger 1980، مؤكدة على ضرورة التعميمات التي تمتد إلى التركيبات التكيفية ذات الطبيعة البيوجغرافية والاقتصادية لبيئة الإنسان Kirch 1980; Lightfoot 1983. قيمتها موروثة في الطبيعة "الشمولية" للتفسير الذي تقدمه. إلى حد ما يتعلق الأمر بالنماذج البيئية فإنها تنظر عموماً لتطور إنتاج الطعام تعديلاً للمجموعات ذات الاقتصاد الاستحواذي الصرف إلى وجود مقيدات بيئية خاصة. فوق ذلك، فإن تلك الأبحاث تشدد بصفة خاصة على الدور الذي يقوم به تقلب الموارد عنصراً في زيادة أو تنوع القاعدة المستغلة(4). هذا النوع من التفسير قد يسهم في إعادة تركيب المرحلة الختامية للعملية عندما تكون الجماعات قد أدركت، بنهاية البليستوسين، القيمة الغذائية الكامنة للأنواع الصغيرة المصطادة التي تكثر في بيئتهم(5). حتم هذا سلسلة من التغيرات ذات الصلة التكيفية، مثل : أ) استحداث أدوات خاصة ملائمة لاستغلال الموارد الجديدة؛ ب) زيادة تلك الموارد بسبب موثوقيتها العالية؛ ج) الشكل الأقدم للاستقرار الناتج عن استغلال معمم للبيئة التي كانت محلية من حيث إمكانية الوصول إليها بالنسبة للمجموعات الإنسانية.

 

العبور إلى التدجين الفعلي يُنظر إليه وفق هذا النموذج كحالة لمزيد من النمو أو التجديد التقني تبعاً لمحاولات زيادة وفرة الموارد عن طريق زيادة تنوعها. لم يشتمل هذا على المناطق الغنية بالموارد لكن مناطق أخرى حيث كان ذلك ممكناً، بطريقة ما، لرعاية استخدامها "التعامل معها" Hayden 1981: 527-529). معروف جيداً أن ليس من سبب لمجموعة أن تحفز إنتاجيتها في أوقات – أو مناطق – موهوبة جيداً لدعم مجتمعات صيد/جمع Binford 1968.

 

لدى مقارنة وضعنا المحلل وقائعياً مع التفسيرات ذات الطابع العام نجد أننا ننقاد إلى الاستنتاج بأن المستوى المتميز لدينا بمستخدمي الفخار المبكرين يتوافق مع مرحلة الباليوليتي المتأخر الختامية ذات التنوع الشديد لقاعدتها الاقتصادية عندما كانت هناك زيادة في موثوقية الموارد عن طريق استخدام الأنواع صغيرة الحجم، وتعقد تقني أعلى، وسكن مستقر مبكر. من وجهة نظر بنيوية، ترتيب وسيط بين "مجتمعات الترحال غير المعقدة" و"مجتمعات الاستقرار المعقدة" من النوع الذي اقترحه ليتفوت، سيبدو الأكثر ملائمة ليقود إلى تطور تخزين أولي للبضائع وتداولها عن طريق التبادل مع السكان المجاورين، بهدف تعويض آثار النقص Lightfoot 1983: 198-199.

 

في ورقة كنت قد نشرتها قبل عدة سنوات Barich 1987h أشرت إلى فرضية طرحها غوتيه Gautier 1984: 71، فقد قال بأنه من المحتمل أن تكون أولى الحيوانات المدجنة قد تم تبادلها ومداولتها وسط المجتمعات التي وجدت بها أصلاً الشروط المسبقة للإنتاج. يكون هذا أكثر احتمالاً إذا أخذنا بالحسبان، على أساس مقارنة المكتشفات، وجود بينة على تبادل عناصر تقنية أو، ربما، أفكار فقط. في الوقت ذاته، على كلٍ، تم طرح تشديد على صعوبة إعادة تركيب تحركات أُحادية الاتجاه.

 

بالرجوع إلى مجموعة الثلاثة مواقع المذكورة سلفاً، لا يوجد شك بأن منطقة نبتا، في الصحراء المصرية، تقدم القليل من التناظرات مع الوضع المميز لـ تادرارت. أولاً، في التواتر الثقافي العام للمنطقة، فقد سمحت فترة الباليوليتي الختامي بالتعرف على أبقار في طور تدجين أولي Gautier 1980 (المواقع E-77-3 and E77-7) وتبعتها سحنات استخدام فخار. التعرف على أكواخ مصفوفة، تتوافق مع وحدات عائلية، في داخل إقامات مبكرة مرتبطة بمصنوعات فخارية (E-75-6 المستوى الأعلى)، المؤرخ حوالي 8100 سنة مضت. في الموقع نفسه، فإن التواتر العالي للغزلان يقود للاستنتاج بإمكانية ترويضها، إن لم يكن تدجينها تدجيناً كاملاً. هذا التقارب في المنطقتين يرتبط بنموذج اقتصادي مشابه، وتدعمه تشابهات في المجاميع الصوانية، حيث أن النصال ذات الرأس والمدببة تمثل الأنواع الأكثر استخداماً. للفخار خصائصه المميزة : يصبح أكثر تواتراً في النيوليتى الأوسط (على سبيل المثال الموقع، المستوى الأسفل مؤرخ بحوالي 7100 سنة مضت) ويقدم سمات قد تربطه بفخار الخرطوم المبكرة.

 

إذا كان كل ذلك يجعل التبادل بين المجالين المصري والصحراء الليبية أمراً محتملاً، فإن درجة القرابة نفسها يجب الاعتراف بها مع النيجر Roset 1982, 1983. المستوى شبه المستقر للصيادين يتمثل في هذه منطقة في مواقع غربون، وتيمت، وتاجلاجل، حيث يوجد استغلال معمم للبيئة، مع تشديد خاص موجه لنشاطات صيد الأسماك والجمع. ضمت مجاميع الأدوات عناصر مسجلة في تين طره وكانت متطورة باتجاه التقنية ذات الوجهين من النوع الموثق في الأكاكوس. ما هو مدهش أيضاً وجود فخار مع أنماط زخرفية تقارب إلى حد بعيد الزخرف المشهود في الأكاكوس، وينتمي للفترة المبكرة نفسها. فوق ذلك، شهدت أغوراس ن تاست التدجين الأولي فيها مع بداية الألفية السادسة الماضية، ومثل الأكاكوس تبع التدجين الأولي طور متطور للرعي (التنيري) الذي انتشر على امتداد حزام الصحراء الوسطى خلال الألفيتين السادسة والخامسة.

 

تعطي مكتشفات الصحراء المصرية وكذلك مكتشفات النيجر نهوضاً لتواتر يمكن ربطه بذلك المقترح بالنسبة لـ تادرارت أكاكوس. نمط للتطور مشابه يمكن العثور عليه في منطقة الخرطوم بالسودان المجموعة الثالثة رغم أنه في هذه الحالة توجد في الوقت الراهن إمكانيات أقل لمقارنات محددة في السجل.

 

ختاماً، فإن كل تلك الأوضاع تقدم الحجج التكيفية نفسها لوجود عناصر متشابهة للعلاقات المتبادلة وهذا ما يعطى صلاحية لنموذج التفسير المقترح على أساس العناصر الايكولوجية للانتقال البليستوسين/الهولوسين. يجوز القول بلا تردد بأن مخطط إعادة التركيب العامة يمكن تعديله للأوضاع عن طريق تثبيت عناصر محددة للتبادل. فيما يتعلق بسلسلة الأكاكوس، تسمح لنا البينة بالنظر للمنطقة بوصفها منطقة إقامة طويلة الأمد، بدون استبعاد تحركات وتبادلات للبضائع يعهد بها لمجموعات. قد يبدو أن المبادلات في إطار امتداد قصير في الأطوار المبكرة (المتمثلة في الكهفين والمستويين Rinf-RSup لـ تين طره شرق) كانت موجهة بصورة انتقائية إلى المناطق الشرقية التي يتيسر الوصول إليها. بالتالي فإنه في وقت الإقامة في تين طره شرقCI والأفق الأسفل لـ تين طره شمال قد تكون جماعات أفضل تنظيماً وتحت ضغط الصعوبات المناخية المجددة غامرت بالتحرك بعيداً حتى الصحراء الغربية، مقتنية بالتالي الخراف والماعز وأبقار أكثر تطوراً. في اعتقادي، على أية حال، ظلت الأكاكوس المعسكر القاعدة وكانت مأهولة باستمرار. يسمح هذا للتغيرات الملاحظة في نمط الإعاشة– عن طريق الاستحواذ على أنواع متطورة أكثر لتتوافق مع التحول البطئ، خطوة اثر خطوة، للنظام التقني الفرعي.

 

وفرت الأكاكوس على مدى زمني طويل بينة لتحول مجتمعات الصيادين إلى مجتمعات رعوية متطورة. هذه الظاهرة، المرتبطة بالأطوار الرئيسة للفن الصخري، لنمط التطور غير المتزامن الذي تم اقتراحه تقدم إطاراً يمكن تثبيت على الأقل أسلوبين لـ تادرارت أكاكوس داخله: طوري "الرؤوس المستديرة" و"الرعاة"(6).

 

من المحتمل للغاية أن تكون الاقتصاديات الرعوية في الصحراء في الألفيتين الرابعة والثالثة الماضية قد مثلت قوة جذب هائلة للمحاربين - التجار العابرين للمنطقة. تجعل الطريقة البدوية للحياة من الصعوبة بمكان الكشف عن بينة دالة على مرورهم عبر الأكاكوس، باستثناء القليل من أشكال العربات المنطلقة بأقصى سرعتها ومناظر "أسلوب الحصان" مع أشكال من نوع تخطيطي. قد يبدو معقولاً أن ننسب المباني الميجاليتية إلى تلك المجموعات، حيث أنها تقع في ارتباط بنقاط إستراتيجية للدخول إلى الوديان.

 

 


(1) التعريف هذا يستخدم بمرجعية خاصة لمواقع قليلة في مالي (آسيلار) والنيجر (عوتيدات، تامايا ملت) (Smith 1980: 452).

(2) يرجع هذا المؤلف بخاصة إلى ستراتيجرافية تين طره ويشير إلى عدد من الارتباطات بالتواتر المناخي لـ تبستي.

(3) بالنسبة لدخول الخراف/الماعز إلى أفريقيا – حيث من المعروف عدم وجود نظائر برية – فإن الرجوع يتم (Gautier 1980: 336) إلى تاريخ مبكر للغاية أعلنت فيه تلك الأنواع ظهورها في المواقع الغر آسيوية (زاوي، وشيمي، وشانيدار، والعراق، منذ حوالي 11.000 سنة مضت). يترك هذا وقتاً كافياً لها للانتشار من أماكنها الأصل لكن يجعل من الصعب كذلك تتبع المسارات المتبعة.

(4) الإشارة بصفة خاصة إلى النموذج التفسيري لـ هايدن (Hayden 1981). يوفر هذا النموذج تقييماً محدداً للفائدة من النموذج النظاموي كأداة مكملة لتوثيق المعطيات، مع مرجعيةمحددة لمجال التجارب في الصحراء (Barich 1985).

(5) الأنواع المعاد اختيارها R-selected species، وفق التعريف الذي يقدمه بيانكا (Pianka 1974). يستخدم الايكولوجيون مفهوم R- (يشير إلى "معدل زيادة السكان") و K- (يشير إلى "الطاقة الحاملة للبيئة") الاختيار بوصفه وسيلة لوصف إستراتيجيات إعادة الإنتاج.

(6) "طور الحيوانات المتوحشة" يمكن ربطه بفترة الباليوليتي الختامي، في قمة نظام الصيد المتميز باستخدام التقنية الليفالوازية، المشهودة باللقي السطحية في وادي تيهدين.

 

Barich B.E. (1985), ‘La spiegazione sistemica: sua rilevanza per la archeologia sahariana’. In Studi di Paletnologia in onore di Salvatore M. Puglisi, a cura di Liverani M., Palmieri A. e Peroni R., Università di Roma “La Sapienza”: Roma: 95-104.

Barich B.E. (ed.) (1987b), Archaeology and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus 1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368.

Barich B.E. (1987h), ‘Uan Muhuggiag and the Pastoralism in the Central Sahara’. In: B.E. Barich (ed), Archaeology and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus 1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368: 255-266.

Bettinger R.L. (1980), ‘Explanatory/predictive models of hunter-gatherer adaptation’. In: M.B. Schiffer (ed.), Advances in Archaeological Method and Theory, vol. 3. New York: Academic Press: 189-255.

Binford L.R. (1968), ‘Post-Pleistocene adaptations’. In: S. Binford and L.R. Binford (eds), New Perspectives in Archaeology. Chicago: Aldine: 313-341.

Close A.E. (1980b), ‘A study of stylistic variability and continuity in the Nabta area’, In: Wendorf and Schild (eds), Prehistory of the Eastern Sahara, New York: Academic Press: 292-298.

Gautier A. (1980), ‘Contributions to the archaeozoology of Egypt’, In: Wendorf and Schild (eds), Prehistory of Eastern Sahara. New York: Academic Press: 317-344.

Gautier A. (1984), ‘Archaeozoology of the Bir Kiseiba region, Eastern Sahara’. In: A.E. Close (ed.), Cattle-Keepers of the Eastern Sahara: The Neolithic of Bir Kiseiba, Southern Methodist University, Dallas: 49–72.

Hayden B. (1981), ‘Research and development in the Stone Age: technological transitions among hunter/gatherers’, Current Anthropology 22 (5).

Lightfoot K. (1983), ‘Resource uncertainty and buffering strategies in an arid, marginal environment’. In: G. Bronitsky (ed.), Ecological Models in Economic Prehistory. Arizona State University: 189-218.

Kirch P.V. (1980), ‘The archaeological study of adaptation: theoretical and methodological issues’. In: M.B. Schiffer (ed.), Advances in Archaeological Method and Theory, vol. 3. New york: Academic Press: 101-148.

Pianka E.R. (1974), Evolutionary Ecology. New York: Harper.

Roset J.P. (1982), Tagalagal : un site a ceramique au X millenaire avant nos jours dans l’Air (Niger). Centre de Recherche de l’Academie des Inscriptions et Belles-Lettres : 565-570.

Roset J.P. (1983), ‘Nouvelles données sur le problème de la Néolithisation du Sahara méridional : Air et Tenéré au Niger’, Cahiers O.R.S.T.O,M. 13 : 119-142.

Smith A.B. (1980a), ‘The Neolithic tradition in the Sahara’. In: M.A.J. Williams and H. Faure (eds), The Sahara and the Nile. Rotterdam: Balkema: 451-465.