أغرام نظاريف والحدود الجنوبية للمملكة الجرمية

 

 

 

أغرام نظاريف والحدود الجنوبية للمملكة الجرمية

ماريو ليفراني

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

 

يُعلم نهوض الدولة الجرمية، من بدايتها في القرن السادس السابق للميلاد حتى قمة ازدهارها في القرن الميلادي الثالث، رقياً هائلاً في التنظيم السياسي والاجتماعي- الاقتصادي لـ فزان. حقيقة فإن العديد من النقاط لازالت غامضة، بأمل أن يتم توضيحها مع تقدم عمليات البحث الآثاري الجارية في المنطقة. لكن يبدو من الواضح الآن كيف كانت الدولة الجرمية مختلفة ومبدعة إذا ما قورنت بالأشكال السابقة للتكتل الاجتماعي في المنطقة نفسها. إذا أشرنا إلى المظاهر الأساسية، فإن الصحراء الوسطى قدمت للمرة الأولى بينة دالة على التمدن، وعلى تمركز السلطة السياسية، وعلى كنوز ثروات لافتة للانتباه (في الجبانات الملكية)، وعلى استغلال زراعي مكثف للواحات، وعلى التجارة بعيدة المدى، وعلى صناعة المعدن (الحديد)، وعلى استخدام الكتابة. عندما يتم وضع تلك الإنجازات في منظور متكامل صحيح فإنه سوف تتضح الحاجة لإعادة تقييم لتاريخ المنطقة قائم على بذل المزيد من الجهد البحثي الميداني وعلى تجميع المعطيات ووضعها في محتواها التاريخي المناسب.

 

لحسن الحظ فإن البعثتين الآثاريتين العاملتين حالياً في المنطقة، تحديداً البعثة البريطانية العاملة في جرمة ووادي الآجال، والبعثة الإيطالية-الليبية المشتركة العاملة في وادي تنزوفت وفي جبال الأكاكوس ومساك، تبديان اهتماما تكاملياً (أكثر منه متوازياً) والذي يمكن أن يسهم في إعادة تركيب شاملة للدولة الجرمية وثقافتها في جوانب مختلفة. ففي حين تعمل البعثة البريطانية في مركز المملكة، فإن البعثة الإيطالية-الليبية المشتركة تعمل في حدود المملكة الجنوبية؛ وفي حين يمكن للبعثة الأولى أن تكشف عن نظام الزراعة والري، فإن الثانية يمكنها أن تكشف بصورة أفضل عن منظومة شبكة التجارة.

 

كما هو معروف جيداً، فإن لـ جرمة تاريخ طويل من أعمال البحث للبقايا الجرمية، في حين أن أبحاث البعثة الإيطالية-الليبية المشتركة عن أطوار الإقامة الإنسانية في وادي تنزوفت وفي واحة غات/بركت بدأت في العام 1997 حيث كانت أبحاثها في السابق محصورة في مجال ما قبل التاريخ فقط. بالتالي فإن تقديمي للمعطيات المناسبة والخطوط العامة للإشكاليات التاريخية ذات الصلة سوف تحتاج إلى تعديلات عندما تتم دراسة المادة الآثارية وتصنيفها بصورة أكثر تفصيلاً وعندما تكتمل التحاليل المختلفة والتواريخ.

 

يتوجب تذكر أن عملنا قسم إلى ثلاث مناطق اهتمام، كلفت فرق مختلفة بإنجاز كل قسم. الفريق الذي ترأسه البروفسور ماورو كريماشي تمكن، عن طريق المسح المنظم الشامل في وادي تنزوفت والمناطق المحيطة، من إماطة اللثام عن معطيات مهمة خاصة بالفترة الجرمية، كما وتمكن من إعادة تركيب الخطوط العامة الأساسية للتغير البيئي الذي نتجت عنه واحات الأزمان التاريخية. وركز الفريق الذي ترأسه سافينو دي ليرنيا مجهوداته على القوائم التفصيلية وعلى أعمال تنقيب مختارة في المدافن التلية في المنطقة نفسها، وذلك بغرض فهم أفضل للانتقال من مرحلة الرعاوة المتأخرة إلى الأفق الجرمي من حيث الجوانب الاجتماعية (الزعامة، والتراتب، والاثنية وما إلى ذلك). اتضح بصورة خاصة أن المدفن التلي غير العادي (والمعروف مسبقاً) في أغلاشم هو مدفن زعيم يعود تاريخه للفترة الجرمية. أما بالنسبة للفريق الثالث، فقد ركزت جهدي على التنقيب في حصن أغرام نظاريف، الواقع على حافة واحة البركت. في محتوى مؤتمر "الأراضي الجافة" هذا، فرض علىَّ الوقت المتاح التركيز، من مجمل أعمال مشروعنا، فقط على نتائج التنقيب في أغرام نظاريف: لكنه من العدل أن نلفت انتباه القراء إلى أن العمل الذي قام به فريقا كريماشي ودي ليرنيا هو واعد بالقدر نفسه، وأن العلاقة المتداخلة بين الفرق الثلاث والاستخدام المترابط للنتائج يمثل احتمالاً النقطة الأقوى لمشروعنا.

 

يقع حصن أغرام نظاريف في موقع إستراتيجي مرتفع (شكل 1) : من خلفه واحة البركت، ويواجه وادي تنزوفت، الممر الإجباري بين سلسلتي التاسيلي والأكاكوس المتوازيتين ممر يقود من فزان جنوباً بالاتجاه العام إلى حوض التشاد. مزيد من الطرق تلتقي أيضاً في المنطقة نفسها: طريق تقود جنوب-غرب (عبر التاسيلي) بالاتجاه العام إلى منحنى النيجر، وأخرى تقود شرقاً (عبر الأكاكوس) باتجاه منطقة مرزق. خلال ألفيات طويلة من التجارة الصحراوية، ظلت واحة غات، في قلب وادي تنزوفت، واحدة من أهم النقاط المفتاحية في مجمل شبكة طرق القوافل. دللت أعمال التنقيب التي قمنا بتنفيذها بأن دوراً كهذا أنجز في الأزمان الجرمية.

 

أغرام نظاريف عبارة عن قلعة مسورة يبلغ حجمها 140x50 متر، تسيطر على الوادي من على ارتفاع وراء بطن الوادي: لا يمكن

(شكل 1) منظر قمر صناعي للجزء الجنوبي لوادي تنزوفت

لأي فرد المرور عبر سرير الوادي دون أن تتم ملاحظته من القلعة. تسجيل طبوغرافي أولي متكامل للقلعة نفذه كل من سافينو دي ليرنيا وجيوفاني بيرتولاني في موسم 1999 (شكل 2). تسجيل طبوغرافي ثانٍ نفذه كريستيانو بوتزولو خلال موسم 2001 ويتم نشره هنا للمرة الأولى في شكله المبدئي (شكل 3). يبلغ عرض سور القلعة المترين، واحتفظت بعض أبراجه بارتفاع يقارب الأربعة أمتار فوق الأطلال المتبقية (شكل 4). في الجانب الشرقي، في مواجهة مجرى الوادي، يوجد مدخل مركزي ضخم مع منحدرين صمما للجمال أو لحيوانات حمل أخرى، ومع بوابة مزوية مصحوبة هي الأخرى بمنحدر بعد الحافة الشمالية. في المنطقة التي تم التنقيب فيها، بالقرب من أحد الأبراج، تم التعرف أيضاً على ممر صغير يصلح لمرور المشاة فقط (شكل 5). في الجانب الغربي، في مواجهة واحة البركت، فإن حالة الحفظ بالنسبة لسور المدينة أسوأ كما وأن تراكم الرمال بحجم أكبر، مع ذلك فإن التعرف على مدخل في ذلك الجانب محتمل إلى حد بعيد. توجد داخل أسوار المدينة العشرات والعشرات من الوحدات السكنية الصغيرة، النموذج الأساسي لها مؤلف من منازل بحجرتين. المنازل المختلفة إما أنها ملاصقة لسور المدينة، أو موزعة عشوائياً في الفناء الداخلي، وتفصل بينها أزقة صغيرة (شكل 6).

 



(شكل 2) أغرام نظاريف، خريطة عامة للموقع، رسمت في 1998

(شكل 3) أغرام نظاريف، خريطة عامة للموقع، رسمت في 2001



(شكل 4) أغرام نظاريف، منظر عام لأعمال التنقيب

(شكل 5) أغرام نظاريف، خريطة الغرفة والمجاورة



(شكل 6) أغرام نظاريف، خريطة الغرفتين AN-11-12

(شكل 7) أغرام نظاريف، خريطة الغرفتين AN-1-3

 

تم هجران القلعة خلال القرن الرابع (كما سنرى في حينه)، وانهارت الأسوار الحجرية وغطت الرمال المتحركة الموقع إلى قمة الجدران الباقية. في طور ما بعد الإقامة، خلال ما يزيد عن الألفية ونصف الألفية، تمت زيارة الموقع، واستخدم من قبل الرعاة والعابرين كمأوى ليلي. في بعض الغرف أو أجزاء منها وفي الأزقة بقيت الترسبات السفلية في حالة حفظ لا بأس بها وغير ممسوسة تحت ركام الأسوار المنهارة.. قمنا بالتنقيب خلال خمسة مواسم         (1997، 1999، 2000، 2001، 2002) في عدد من الغرف (وحالياً وحدتين سكنيتين بغرفتين) وأزقة تمكننا الآن من تقييم الموقع. إلى جانب الغرف التي قمت شخصياً بالتنقيب فيها، فإن معظم العمل نفذته لوسيا موري : والتي أحس بالعرفان تجاهها لإدارتها للعمل سواء في روما أم في الموقع. غرف أخرى أجرت التنقيب فيها آنا ليونى وأسونتا ستوبيلو في موسم 2000، وماريا كارميلا جاتو وكاترينا اوتومانو في موسمي 2001 و2002.

 

نقبنا بالتالي حوالي 20 غرفة ووحدات أخرى. لا يسمح ليّ الوقت هنا بوصف كل عملية منفردة، بالتالي قمت باختيار عمليتنا الأولى، بما في ذلك الوحدة AN1-3 والزقاق الملاصق AN2، نموذجاً (شكل 7 أعلاه). نموذج الغرفتين كان حجمه 6x5 متر، وهو ملاصق لسور المدينة ومحمي به بحيث أن جداره الخلفيمحتفظ بارتفاع يبلغ 2.5 متر. وقد قطعت الأرض الصخرية وسويت لاحتواء الجدران والأرضية. غطيت الجدران الحجرية بجص سميك وخشن؛ وكُسيت الأرضيات بطبقة من الطين القوي، لكن السطح البيني بين أرضية "المعيشة" والرمل المتراكم كان بعيداً عن أن يكون نظيفاً. تم حفر العديد من الحفر في الصخر منذ التأسيس الأصلي للمبنى، بعض تلك الحفر غير منتظم (في الغرفة AN1)، لكن واحدة منها، في حالة حفظ جيدة (AN3)، احتوت على حصى تمر ملتصقة بالجص (شكل 8). تشهد بعض حفر أعمدة غير منتظمة في AN1 تشهد على استخدام فواصل خشبية. في AN3 بنيت الفواصل الداخلية من الحجارة والطوب غير المحروق. رغم انه في حالة معظم الوحدات لا يوجد ما

(شكل 8) أغرام نظاريف، الحفرة AN-3

يشير إلى نموذج آخر غير المسكن الشخصي لأسرة نووية، فإنه في حالة AN1-3 قد يشير التراكم الكبير لشظايا أمفورات للزيت وغياب مكان لموقد إلى تفسير المبنى بوصفه مخزناً. في AN1-3 توجد بينة لتعديلات أدخلت بعض وضع المخطط النهائي للمبنى.

 

الوحدات الأخرى مشابهة، رغم أنها أقل تنظيماً في تخطيطها. معظمها يضم بينة دالة على تعديلات أدخلت خلال فترة استخدامها : أبواب مفتوحة أو مغلقة، نصف غرفة مملوء ومغلق، طبقات نحيفة للأرضية، جدران مشيدة باستخدام تقنية أقل دقة وما إلى ذلك (شكل 9). وحدة واحدة فقط، تحديداً AN11-12 (شكل 6 أعلاه)، تختلف من حيث الحجم (أكبر حجماً من الوحدات الأخرى: حوالي 7x10 متر، ويحتمل أيضاً من حيث الوظيفة : بعض بقايا أحواض صغيرة محفورة في الصخر ومبنية جزئياً بطوب غير محروق يمكن أن تكون مكرسة لنشاط محدد لست قادراً على التعرف عليه (شكل 10). في هذه الحالة أيضاً شيد الجزء الأعلى للجدار باستخدام تقنية غير دقيقة مما يشير إلى استخدام لاحق للمأوى.

 

(شكل 9) أغرام نظاريف، غرفة AN-5

(شكل 10) أغرام نظاريف، غرفة مع تفاصيل AN-11

 

الطابع المتقطع للتواجد المتأخر تشهد عليه حقيقة عدم العثور على شقوف فخار قروسطي في الموقع، في حين ينتمي كل الفخار الذي عثر عليه في الأرضيات إلى أفق متجانس واحد. خلال الموسم الأول تمكنا (لحسن الحظ) من اقتناء تواريخ مشتقة راديوكاربونياً ومن فخار مستورد متطابقة للموقع. التواريخ الراديوكاربونية 1880±75 و 1760±70سنة مضت. يتمثل الفخار المستورد في شظايا أمفورا رومانية من ساحل الأبيض المتوسط، تنتمي للأشكال المعروفة بمصطلح تريبوليتانا1 (القرن الأول الميلادي) و/أو تريبوليتانا3 (القرنين الثالث-الرابع). في المواسم اللاحقة تم العثور على المزيد من شظايا الامفورا الرومانية، وتم اقتناء القليل من التواريخ الراديوكاربونية، التي إما أكدت على التواريخ المتحصل عليها سابقاً، أو تنتمي لاستخدامات مرحلية لاحقة للأطلال. يمكن بثقة تأريخ موقع أغرام نظاريف بفترة مبكرة من القرن الميلادي الرابع، ومرحلته الكلاسيكية، تقريبياً معاصرة لأوج ازدهار المملكة، ومع البقايا الصروحية في المدينة العاصمة جرمة ومع الجبانات الملكية في منطقة جرمة. بالنسبة للفخار، ففي حين عرفت الامفورا الرومانية، فمن المحتمل أن بعض شظايا فخار ملون، غير محلي، أشبه بذلك المسمى فخار عصر الحديد الأوسط لحوض التشاد، وهو نوع من الفخار كان قد تم تطويره منذ القرن الميلادي الثالث. الأمر كذلك فإن كلا النهايتين لطرق القوافل العابرة للصحراء تجدان تمثيلاً في موقعنا. من بين المكتشفات الصغيرة علينا أن نذكر الأعداد الهائلة من حجارة الطحن (العديد منها أعيد استخدامه في الجدران: شكل 11). مثيرة للدهشة سلسلة من الهاون الصغيرة المصنوعة من حجر بركاني أملس : واحدة منها تحمل آثار لون أحمر، وتحتوي أخرى آثار حريق ويمكن أن تكون استخدمت مصباحاً (شكل 12). أخيراً فإن بعض خبث الحديد يثير إشكالية انتشار صناعة الحديد على امتداد الساحل والصحراء في القرون الميلادية الأولى. لاستكمال صورة الموقع علينا أن نذكر أنه عبر الوادي قبالة أغرام نظاريف وإلى الجنوب على امتداد ميلين، توجد جبانة ضخمة مؤلفة من مدافن تلية دائرية حجرية ترجع بدورها للأفق الجرمي.

(شكل 11) أغرام نظاريف، حجارة طحن

(شكل 12) أغرام نظاريف، مصباح (؟) من حجر بركاني أملس

 

كل المدافن تعرضت للنهب أو نقبت بطريقة رديئة في الماضي، لكن في مثل هذه الحالات يمكن إلى حد ما الكشف عن بينة. أعدنا فتح واحد من المدافن التلية خلال الموسم الأول (شكل 13)، لكن مسحاً شاملاً، وتسجيلاً طبوغرافياً، وتصنيفاً تيبولوجياً، وتنقيباً تجريبياً خطط لتنفيذه مستقبلاً.

 

أشرت بصورة عامة إلى محتوى أغرام نظاريف، لكن علينا الآن الانتقال من الجغرافيا إلى البقايا الآثارية. عُلمت الطريق المتجهة جنوباً، بالاتجاه العام لحوض التشاد، بوجود أطلال قلعة دائرية (يبلغ قطرها حوالي 50 متر)، حوالي 20 كيلو متر إلى الجنوب من أغرام نظاريف، مشابهة من حيث البناء والفخار لموقعنا الرئيس، واحتمالاً أن ترجع إلى الأفق الكرونولوجى والوظيفي نفسه (شكل 14). سيكون مهماً فتح حفرية تجريبية في القلعة، وقد تم تضمين مثل هذه العملية في برنامج موسم 2002: لكن بحلول تلك الفترة كانت المنطقة قد أصبحت خارج دائرة الوصول إليها وصارت مرتبطة بتعليم الحدود بين ليبيا والجزائر.

 

(شكل 13) جبانة أغرام نظاريف، مدفن رقم 1 بعد تنظيفه

(شكل 14) الحصن الدائري في الركن الجنوبي لوادي تنزوفت

 

الطريق التي تعبر تاسيلي باتجاه جانيت مباشرة، والتي تقود في النهاية إلى منحنى النيجر، عُلمت بمبان حجرية كبيرة أسفل قرية الفويت الحالية. حفرية تجريبية بدأت في 2001، وأجري تنقيب كامل في موسم 2002 : يمكن تأريخ الموقع بثقة بالقرن الأول ق.م.، بالتالي فإنه أقدم من أغرام نظاريف، لكنه هو الآخر يرجع للفترة الجرمية الكلاسيكية. لا يشكل مثل هذا التاريخ مصدراً للدهشة : معروف جيداً أن الطريق من غات إلى جانيت عُلمت بتمركز كثيف للنقوش الصخرية مع تصوير للخيول والمركبات الجرمية. مع ذلك فإن قرية الفويت كانت ذات خصائص إقامة زراعية أكثر منها محطة تجارية (شكل 15).

(شكل 15) الفويت، خرطة عامة للمنطقة المنقب فيها 2002

 

أما بالنسبة للطرق عبر الأكاكوس، فإن تلك من الممكن التعرف عليها آثارياً في الممرات الجبلية. واحد من تلك الممرات، ممر ارلارلارن، عُلم في الواقع بنقش طويل باللغة الليبية القديمة (شكل 16) وهو نقش أهم من مجرد النقوش القصيرة من نوع "أنا" بزيادة الاسم الشخصي. الممر كان لازال مستخدماً في الأزمان الحديثة من قبل قوافل الجمال المخترقة للأكاكوس بهدف توفير يوم كامل في الرحلة من غات إلى مرزق. وعُلمت طريق النهاية السفلى لممر آخر، ممر أغلاشم، بمدفن تلي ملكي (أو لزعيم) نقب فيه فريق دي ليرنيا وأثبت أن تاريخه جرمي (شكل 17). تجدر الإشارة إلى أن مدفن أغلاشم هو الوحيد في مجمل المنطقة ومنعزل ولا يرتبط بأي موقعإقامة : مؤشر إضافي، كما يلمح إلى ذلك دي ليرنيا، لوظيفته معلماً حدودياً، غالباً من قبل أسرة زعماء سيطروا بشكل ما على معابر الجبال.

 

(شكل 16) نقش باللغة الليبية القديمة في قمة ممر ارلارلارن المخترق للأكاكوس

(شكل 17) المدفن الرئيس في أغلاشم، منظر عام

 

فيما وراء الأكاكوس، باتجاه مرزق، تم التحكم في طرق القوافل عن طريق قلاع احتلت مواقع إستراتيجية. واحدة من تلك القلاع (غير بعيدة عن معسكر عويس) تم تسجيلها في موسم 2002، وخطط لإجراء تنقيب فيها في موسم 2003. تضم القلعة المربعة قرية، وتقع في ملتقى وادي (شكل 18). التاريخ المبدئي لها (على أساس تيبولوجية البناء والفخار السطحي) ينتمي إلى أفق أغرام نظاريف نفسه (القرن الميلادي الثالث)؛ تاريخ أكثر دقة يمكن طرحه بعد أعمال التنقيب المزمعة. قلعة أخرى تم أيضاً التعرف عليها، وسيتم تسجيلها خلال موسم 2003.

(شكل 18) حصن عويس، من الداخل

 

بالطبع نحتاج لتجميع بينة أشد "قوة"، لكن يبدو واضحاً أن الحد الجنوبي لمملكة جرمة قد تم تنظيمه وفق إجراءات تحكم إقليمي صارمة: حصون، وقلاع، وممرات جبلية وفرت كلها إدارة منتظمة للتجارة بعيدة المدى، من أجل التحكم والضرائب، وأيضاً من أجل توفير الدعم اللوجستي اللازم والإمدادات للقوافل. ما نكتشفه هو نوع من "اللايم الجرمي"، غير المختلف كثيراً عن "اللايم الروماني" المؤسس أيضاً على نظام قلاع تقام في مواقع إستراتيجية وتتحكم في تجارة القوافل. النظامان كانا قيد الاستخدام في القرنين الميلاديين الثالث والرابع، عندما بلغت كل من الإمبراطورية الرومانية ومملكة جرمة قمة قوتهما وامتداداتهما الإقليمية. قد يكون ممكناً الافتراض بأن اللايم الجرمي أنشئ على قاعدة النموذج الذي وفره الرومان؛ ومع ذلك فإن التاريخ النسبي الدقيق للنظامين يحتاج للمزيد من الدراسة، وذلك لاختبار الفرضية المعاكسة، تحديداً بأن اللايم الروماني قد تأثر بنموذج القلاع ونقاط التفتيش الصحراوية المتطورة حينها في المنطقة الجرمية. التشابه بين حصننا في أغرام نظاريف و"القرى التلية" غير المنقب فيها في منطقة اللايم الروماني فيما قبل الصحراء لافت للانتباه (شكل 19).

 

(شكل 19) خريطة قرية بانات التلية، في جبل نفوسة بمنطقة ما قبل الصحراء

لدى دراستي لطريق القوافل التي وصفها هيرودوت (شكل 20)، شددت على أن السمات الأساسية للتجارة عبر الصحراوية، كما هي معروفة من المصادر القروسطية، وجدت منذ القرن السادس ق.م. : مراحل يومية تبلغ حوالي 50 كيلو متر، وسلسلة 10 مراحل من واحة إلى التي تليها. إذا كان مثل هذا الترتيب موجوداً في القرن السادس ق.م.، فإنه وبلا شك وجد في فترة القرون الأول-الرابع الميلادي. كانت المملكة الجرمية الواقعة في قلب شبكة الطرق الصحراوية، في موضع يسمح لها بالقيام بوظيفة الوكيل المركزي لمجمل المنظومة، أو على الأقل، لجزء كبير منها. وقد أدت مملكة جرمة ذلك الدور، ليس بطريقة مفككة، كمركب "قبلي" لرعاة وقطاع طرق، كما اعتقد ولازال الكثيرون من دارسي تاريخ العالم القديم، ولكن عبر خطوط ثابتة لدولة مركزية مستقرة. الثروات المكنوزة في الجبانات الملكية في جرمة هي النتاج الختامي لتجارة منظمة نقلت الملح من الصحراء إلى الحزام السوداني، وجلبت الذهب والرقيق من الحزام السوداني إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وأخيراً زيت الزيتون والسلع الترفية من المصنوعات الحرفية المتقدمة من البحر الأبيض المتوسط إلى قلب الصحراء.

(شكل 20) طريق القوافل الليبية طبقاً لـ هيرودوت

 

من بين الإشكاليات التاريخية العديدة التي يتوجب علينا حلها (أو على الأقل تحديدها) في هذا المحتوى، سأفرز إشكاليتين منها: إشكالية التقنية المتوفرة لمثل هذا النهوض الهائل لدولة معقدة في قلب الصحراء؛ وإشكالية الأسباب التي أدت إلى زوالها المفاجئ. حالياً نمتلك فقط بينة استنتاجية بين يدينا، لكنه لا يجوز القول بأن الوقت لازال مبكراً لإثارة النقاش، جزئياً بغرض توجيه مجال النشاطات إلى أهداف أكثر تحديداً.

 

بالنسبة للإشكالية الأولى، تحديداً التطبيق التقني، فإن السمات الأساسية هي الفجارات والإبل. يبدو واضحاً - على الأقل بالنسبة ليّ - أن الزيادة المفاجئة في أعداد السكان وكثافتهم في وادي الآجال (حول جرمة) وفي وادي تنزوفت (حول غات) لا يمكن لها أن تكون قد حدثت بدون إدخال البستنة القائمة على قاعدة أشجار النخيل والري (تحديداً نظام الفجارة). لدى إعادة تركيب التغيرات التقنية والديموغرافية كبيرة الحجم، علينا أن نتبنى منظوراً أكثر اتساعاً. حالياً، فإن التفاوت بين الاستغلال الرعوي والجرمي للمنطقة مدهش للغاية، رغم أن الانتقال كان تدريجياً وتحتوى أنماط الإقامة الرعوية المتأخرة على سمات سوف تسود لدى الجرميين.

 

خلال الفترة الطويلة (حوالي 10.000 إلى 3000 سنة مضت)، عندما نتج عن الظروف الايكولوجية في فزان نوع من السافانا كافية لإعالة كم كبير من الأبقار والأغنام، جرى استغلال المنطقة عن طريق مجموعات صغيرة تتحرك بين الجبال والسهول، على ضفاف البحيرات والبرك، مع معسكرات فصلية. أثر الاقتصاد الرعوي على مجمل المنطقة (من وديان الجبال إلى السهول المنفتحة) بطريقة متجانسة. خلال المرحلة الرعوية المتأخرة، عندما أخذ المناخ في التدهور (أساساً بين 5000 و 3000 سنة مضت)، بدأت مواقع الإقامة الرعوية تتمركز حول قاع الأودية (مع الواحات الممتزجة بها) وفي الجبال، وهجرت العروق. عندما اكتملت عملية التصحر، أصبحت الإقامة الإنسانية متمركزة في الواحات النواة، وتم تحول كامل في النظام السابق : إقامة متمركزة بدلاً عن منتشرة؛ البستنة زائد التجارة بدلاً عن الرعاوة (شكل 21). لا يمكننا أن نتصور أن هذا النظام الجديد برز إلى الوجود بدون أو قبل إدخال تقنيات زراعية وتجارية جديدة. هنا، فإن معرفتنا لا يمكن وصفها بأكثر من كونها متنافرة. أشجار النخيل ترجع بموثوقية إلى وقت مبكر من الألفية الأولى؛ إدخال نظام الفجارة في حوالي القرن السادس ق.م. يظل أمراً قابلاً للنقاش؛ وإدخال الإبل يفترض أنه أعقب ذلك التاريخ (السنوات الختامية للألفية الأولى ق.م.). على كلٍ، خلال فترات أوج ازدهارهم (القرون الأول-الثالث الميلادية) امتلك الجرميون كل الأدوات اللازمة لفرض سيطرتهم على الصحراء. لكني أعتقد بأن وفرة الأدوات هذه لا بدَّ وأنها وجدت خلال المراحل المبكرة لتطور الدولة الجرمية في القرن السادس ق.م. أعترف بأن المعطيات المناسبة غير كافية في الوقت الراهن، لكن هذه مجرد "مشكلة بينة مفقودة" وليست بينة عكسية. بالتالي سأضمن من بين أكثر الاحتياجات أهمية في برنامجنا البحثي مطابقة البقايا "الجرمية المبكرة" في منطقة غات/بركت، مع المحتويات الآثارية الملائمة لتوفير بينة مع (أو ضد) وجود بستنة مكثفة ووجود الإبل في المرحلة التكوينية.

 

أما بالنسبة للإشكالية الثانية، تحديداً انهيار المملكة المتمركزة في فزان، فإنه من المعروف جيداً أن ذلك لم يكن حدثاً منعزلاً، لكنه اتبع المسار نفسه الذي ميز انهيار المنطقة المضمنة داخل "اللايم الروماني"؛ وأن ذروة المملكة الجرمية معاصر للإمبراطورية الرومانية. هذا التطابق بين الظروف السياسية في قلب الصحراء وفي ساحل البحر الأبيض المتوسط يمكن أن يجلي نفسه في المرحلة التكوينية أيضاً، عندما سار التنظيم الأولي للجرميين موازياً لتأسيس المستعمرات الفينيقية والإغريقية على ساحل ليبيا. بالطبع فإننا نتحدث عن نهوض وانهيار أكثر السمات تباهياً : المعمار الصروحي، الدولة المركزية، والسيطرة الإقليمية، والكنوز الجنائزية وما إلى ذلك. يمكنني حتى تصور أن إجمالي عدد السكان ظل إلى حد كبير غير متأثر بهذا التغير، رغم أنهم اختلفوا من حيث الجوهر الاجتماعي-السياسي؛ وأن جزءاً من النشاطات التجارية قد يكون استمر بعد الانهيار، ليكتسب دافعاً جديداً بعد قرون قليلة لاحقة عبر تنظيم قبلي أكثر منه تنظيم دولة. الشئ نفسه يصدق بالنسبة للقطاع الجنوبي للتجارة عبر الصحراوية، تحديداً الشريط الساحليالسوداني : لكن في هذه الحالة لا يمكن مقارنة المعرفة الآثارية الراهنة مع القطاع البحر أبيضي متوسطي. مع ذلك، يمكننا أن نشير في كل من منحنى النيجر وفي منطقة تشاد إلى نهوض بدئي للصلات الصحراوية في حوالي منتصف الألفية الأولى السابقة للميلاد.

(شكل 21) توزيع المواقع الرعوية، والرعوية المتأخرة، والجرمية في وادي تنزوفت. Ñ مواقع رعوية، · مواقع رعوية متأخرة، ÿ مواقع جرمية.

 

يمكننا الآن الإقرار بأن نهوض التجارة عبر الصحراوية في القرن السادس ق.م. اعتمد على وجود مشيخات أو دويلات مبكرة في فزان، وكذلك على وجود مستعمرات تجارية في الطرف البحر متوسطي، واحتمالاً أيضاً على نوع من تنظيم اجتماعي-سياسي جنيني في مناطق الساحل. كذلك يجوز لنا الإقرار بأن أوج التجارة كان عندما استطاعت الدولة الجرمية المركزية التفاعل مع الإمبراطورية الرومانية على ساحل البحر المتوسط ومع دولة غانا المبكرة (والدويلات المشابهة) في منطقة الساحل - بل حتى أن التنظيم السياسي "القوي" كان أشبه بتقليد للإمبراطورية الرومانية. عند هذه النقطة علينا الاعتراف أيضاً بأن انهيار الدولة الجرمية "القوية" قد يكون ببساطة بفعل انهيار الإمبراطورية الرومانية وتدهور التجارة عبر الصحراوية التي اعتمدت على وجود الأسواق البحر ابيضية المتوسطية. كالعادة، فإن الإمبراطوريات تولد هوامش لها، ولا بدَّ وأن ينهارا معاً.

 

تلك هي الجوانب الاجتماعية السياسية للمسار المنحني. لكننا نمتلك الآن بفضل البينة التي يجلبها إلى الضوء ماورو كريماشي والخاصة بالجانب البيئي للمسار المنحنى نفسه. فالمخطط الدندروكرونولوجي من أشجار السيبرس من تاسيلي (كما تم حفظها في بعض الأبواب الخشبية القديمة في غات) يشير إلى أن نهوض الدولة الجرمية استفاد من الظروف المناخية الملائمة نسبياً؛ لكن تدهورها تبع التصحر الختامي للمنطقة. في الطور الأول حاول الجرميون مواجهة المناخ المتردي (وبالتالي انحسار إنتاج الطعام) عن طريق تطوير نشاطاتهم التجارية، لكن في المدى البعيد أثبتت مثل تلك الاستراتيجية عدم جدواها، وأصبحت التجارة نفسها مقيدة إدارياً.

 

في الحقيقة فإنه وبعد أزمة القرن الرابع استمرت التجارة عبر الصحراوية، لكنها لم تعد تعتمد على وجود سلطة دولة مركزية قوية في قلب الصحراء. بدلاً أصبحت معتمدة على وكالات قبلية، أكثر تفككاً من السابق، ووجدت تكيفاً أفضل ("أفضل" لكونه أقل تكلفة) لبيئة الصحراء، وأمكنه أن يستمر حتى الأزمان الحديثة، حتى تم انهياره النهائي بزوال تجارة الرقيق، وباستنزاف إنتاج الذهب في حوض النيجر الأعلى، وبالاحتلال الاستعماري الأوربي للمالك السودانية.