أعمال المسح التى قامت بها اليونسكو للوديان الليبية : التغير البيئي والاستقرار البشري في تريبوليتانيا

أعمال المسح التي قامت بها اليونسكو للوديان الليبية :

التغير البيئي والاستقرار البشري في تريبوليتانيا

جراهام باركر

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

مقدمة

المواقع السكنية ما قبل التاريخية

الزراعة الرومانيةالليبية

الزراعة والبيئة في ما قبل الصحراء

 

 

 

 

مقدمة

المشروع الذي هو موضوع هذه الورقة بدأ في عام 1979 بمذكرة مباشرة من منظمة اليونسكو لاستقصاء طبيعة الزراعة القديمة في منطقة ما قبل الصحراء التريبوليتانية في شمال غربي ليبيا وذلك بهدف تقديم تصور آثاري بالنسبة للمشاريع الحديثة للتنمية الزراعية في المنطقة نفسها. وقد نُفذ العمل الميداني في السنوات 1979 و 1980 و 1981 و 1984 و 1989. قاد العمل في المشروع البروفسور جونز G.B.D.Jones من جامعة مانشستر وشخصي. تم تطوير الإسهام البريطاني تحت رعاية جمعية الدراسات الليبية Society for Libyan Studiesالتي نشرت مجلتها "الدراسات الليبية Libyan Studies" تقارير الأعمال الجارية الخاصة بالمشروع سنوياً اعتباراً من عام 1979.

 

إقليم الدراسة منطقة ما قبل الصحراء التريبوليتانية هو الأرض الواقعة بين المنطقة الساحلية والصحراء الفعلية. يتكون الإقليم من سهل صخري مرتفع متموج يمتد على مدى مائة كيلو متر من الشمال إلى الجنوب، أساساً من الحجر الجيري المكسو في بعض المناطق بالبازلت. يخترق الإقليم واديان : سوف الجين وزمزم. الواديان الرئيسان هذان يبلغ عرض كل منهما عدة كيلو مترات، إلا أن روافدهما في العادة عبارة عن جداول ضيقة. تتشكل قاعدة كلا الواديين من مركب عناصر مختلفة من التربة الخصبة المؤلفة من طين ورمل ومواد عضوية وحصى. يتجاوز معدل الأمطار إلى الشمال في منطقة ما قبل الصحراء في التلال الجبلية وفي السهل الساحلي 200 مليمتر سنوياً، وهو المعدل الأدنى للزراعة البعلية غير المروية اصطناعياً. جعلت هذه الوضعية من ذلك الإقليم منطقةً مفضلةً للإقامة والاستقرار في القدم كما هو حالها اليوم. ينخفض معدل الأمطار في ما قبل الصحراء بشكل متسارع كلما اتجهنا جنوباً ليصل إلى 25 مليمتر سنوياً أو أقل في التخوم الجنوبية مع الصحراء الصخرية وبحار رمال الصحراء.

 

تتعرض أنماط استخدام الأرض لتغيرات أساسية في الوقت الراهن تحت وطأة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية التي تشهدها ليبيا الحديثة. لكن نمط الحياة التقليدي الذي طوره البدو لمواجهة هذه البيئة العدائية تميز، قبل كل شئ، بالكثافة السكانية المتدنية وبالترحال الفصلي وبالاعتماد على الريفية الرعوية. يتم بذر الحبوب (الحنطة والشعير) في تربة الوديان الخصبة بعد أمطار الخريف، ومن ثم ينتقل البدو جنوباً بأغنامهم وجمالهم إلى تخوم الصحراء لقضاء فصل الشتاء ليعودوا مجدداً إلى الشمال مع حيواناتهم في فصل الربيع لحصد مابذروه خريفاً. يتم قضاء فصول الصيف في المراعي الجافة من إقليم ما قبل الصحراء حيث تتوفر المياه فقط، إلى جانب الآبار العميقة المنعزلة، في الأحواض المحفورة في الصخر والتي تتجمع فيها مياه ما قبل الشتاء. تتكون المواقع السكنية إما من خيام أو ملاجئ محاطة بالحجارة ومسقوفة إما بالأخشاب أو الخيام. يتم الاحتفاظ بالحيوانات عادة في زرائب تُشيد من أغصان مقطوعة أو من زرائب شوكية.

 

نوع الآثار سريعة الزوال التي يخلفها مثل هذا النمط الحياتي يختلف جوهرياً عن الكثير من آثار المواقع السكنية القديمة الأخرى. وقد ذكر المستكشف الألماني هنريخ بارث Heinrich Barth الأعداد الهائلة من الأطلال القديمة، بخاصة القصور أو المزارع المحصنة الموجودة أساساً على جانبي الوديان الضيقة، مشيراً إلى أن تلك الآثار كثيراً ما ترتبط بأنظمة جدران حجرية منخفضة الارتفاع على امتداد الوديان وعبرها Barth 1857. وتعني القصور كثافة سكانية في المواقع السكنية ونوعاً من الاستقرار فيها في القدم يختلف اختلافاً بيناً عن نظم الاستقرار البدوية التقليدية. كما وتعني أنظمة الجدران وجود نظام زراعي مع مدخلات تنظيمية وتكنولوجية أكبر مما هو معروف في الزراعة البدوية. وقد أشارت الدراسة الآثارية المنتظمة الأولى إلى أن نظام القصر يرجع إلى تاريخ روماني، وظل الرأي السائد أن تلك القصور شكلت تخوماً دفاعية تألفت من جنود مزارعين (Limitanei) حماية للمدن الساحلية الرومانيةالليبية ومواقعها الزراعية الغنية من غارات بدو الصحراءBrogan 1964; Borgan and Smith 1957; Goodchild 1950.

 

من ثم تم تحفيز مشروع مسح الوديان الليبية عن طريق اليونسكو بحسبانه أول دراسة حديثة في علم آثار المواقع السكنية لمنطقة ما قبل الصحراء. الحق يقال فإننا كنا بحاجة للتوصل ليس فحسب للكيفية التي أدت بها الأنظمة الزراعية الرومانيةالليبية وظيفتها، وإنما أيضاً استقصاء الأسباب التي أدت إلى نشوئها وانهيارها. لذلك كان لا بدَّ للمشروع منذ لحظة انطلاقه أن يتبنى تناولاً متعدد المراحل طالما أنه يبدو مستبعداً فهم الزراعة الرومانيةالليبية بمعزل عن الأنظمة السابقة لها واللاحقة للمواقع السكنية واستخدام الأرض في منطقة ما قبل الصحراء. آخذين في الحسبان هذا البعد الزراعي فقد تميز المشروع على امتداده بالاستقصاءات التي راعت تكامل العلوم والتي ربطت علم الآثار بالعلوم الطبيعية، بخاصة علم النبات وعلم الحيوان والجيومورفولوجيا.

 

اشتملت المرحلة الأولى من المشروع على التصميم التخريطي المبدئي عن طريق مسح اعتمد على فرق متحركة بالسيارات لزيارة كل الوديان على امتداد جوانب الوديان Barker and Jones 1981. من ثم تم اختيار سلسلة منتقاة من الوديان في الشمال والوسط والجنوب لاستكشاف المنطقة بحثاً عن المزيد من الدراسات التفصيلية مشياً على الأقدام مع تنفيذ رسم تخريطي كامل للآثار السطحية مما هو بادي للعيان إلى المواد الصوانية المتناثرة إلى التخريط التفصيلي لأنظمة الجدران في الوادي Barker 1985. وشملت المرحلة الثالثة للمشروع الاستكشاف التفصيلي بما في ذلك التنقيب في بعض المزارع الرومانية وأنظمتها الزراعية Barker and Jones 1984; Barker et al. 1991; Hunt et al. 1986.

 

المواقع السكنية ما قبل التاريخية

أشار التحليل المبدئي للتجميع السطحي للمادة الصوانية Hivernel 1985 إلى تواتر تجمعات محلية أصيلة في العصر الحجري الوسيط (الميزوليتي) أو ما أطلق عليه مصطلح ايبي باليوليتي Epipalaeolithic، وأنماط مميزة للعصر الحجري الحديث (النيوليتى) مع مجمع واحد فقط يمكن تصنيفه مجمعاً حجرياً قديماً (باليوليتياً) أعلى من حيث تيبولوجيته. وفي حين يكون جائزاً أن بعض المواد العاترية المصنفة بحسبانها منتمية للعصر الجليدي المتأخر فإن شح المواد التي تشير إلى مواقع سكنية خاصة بالعصر الحجري القديم الأعلى في ما قبل الصحراء لا تثير الدهشة إذا ما راعينا البينة المناخية على امتداد شمال أفريقيا والخاصة بالجفاف الشديد الذي ميز بيئة العصر الجليدي المتأخر 20.000-10.000سنة مضت.

 

مع التحسن المناخي في الهولوسين المبكر تم استغلال السهل المرتفع في منطقة ما قبل الصحراء عن طريق سكان مسلحين بتقنيات ايبي باليوليتية ونيوليتية. تتألف البينة الدالة على الاستقرار البشري في المنطقة خلال تلك الفترة من سلسلة مواقع تحتوي على رسوم صخرية. تتكون تلك الرسوم من أشكال الأبقار المعروفة في موقع مايا ديب بما في ذلك بقرة واحدة بقرص بين قرنيها Graziosi 1934; id. 1941، والأبقار والنعام في الشل (Graziosi,Ibid)، وبقرة وغزال وزرافة وأشكال آدمية في موقع الطُبقة. ويشير الدمج بين رسم الأبقار وحيوانات القنص في تلك المواقع إلى حقيقة أن ما قبل الصحراء كانت منطقة مأهولة بسكان مزجوا النمط الحياتي البدوي بنشاط الصيد، وذلك مقارنة مع جنوب ليبيا تقريباً في حوالي 6000-3000 ق.م.

 

ترتبط المواقع الحاوية على رسوم صخرية في تريبوليتانيا عموماً بالمواقع التي تم الكشف فيها عن بينة وافرة من المواد الصوانية السطحية الايبي باليوليتية والنيوليتية في الأطراف الجنوبية الغربية للسهل المرتفع في ما قبل الصحراء علىالحدود مع الصحراء الحجرية للحمادة الحمراء. يتميز سطح الأرض في تلك المنطقة بتضاريس متموجة مرصعة بواحات وعيون مياه منعزلة وهو ما يجعلها جد مختلفة عن السطح السائد في السهل الحجري المرتفع وفي مجاري الوديان الجافة.

 

كذلك كانت المنطقة ممراً شمالياً طبيعياً للبدو الذين يقضون فصل الشتاء في أطراف الصحراء. ويبدو أن منطقة الرسوم الصخرية شكلت الجزء الأكثر حرجاً من المناطق الإعاشية بالنسبة لكل من الصيادين/الجامعين والبدو. شكلت جلاميد الصخر المغطاة بالنقوش، في الغالب، علامات حدودية بالنسبة لمجموعات اجتماعية معينة. فإذا وضعنا في الحسبان أن الصيادين/الجامعين والبدو يُظهرون ميلاً لتحديد مناطقهم الموسمية بصورة واضحة، مع الحق في استخدام بعض الموارد المشتركة المحكمة بشدة بالنسبة لآخرين، فإن موقع الرسوم التريبوليتانية بالقرب من عيون المياه والواحات لا بدَّ وأن يكون ذو أهمية بخاصة إذا راعينا البينة التي تشير إلى الجفاف المتزايد خلال الفترة التي تمثلها الرسوم والصناعات النيوليتية.

 

لم يتم الكشف خلال المشروع عن أية مصنوعات فخارية مميزة لمرحلة ما قبل التاريخ. تألفت البينة الرئيسة للاستقرار في منطقة ما قبل الصحراء من سلسلة رسوم يرجع تاريخها إلى العصر ما قبل التاريخي المتأخر والمرحلة السابقة مباشرة للعصر التاريخي في موقع الطُبقة: بعض الأشكال النحيلة الصغيرة لحيوانات تقف على أربعة أرجل، وبشر، وأشجار نخيل، واحتمالاً عربة بعجلات. وكما هو الحال في مناطق أخرى من الصحراء الليبية فإن تلك الرسوم الصخرية المتأخرة تشير من جانب إلى بينة تدلل على سيادة ظروف صحراوية كما هو الحال اليوم، ومن جانب ثانٍ على الصلة مع ثقافات مصر السابقة مباشرة للمرحلة التاريخية وللعصر التاريخي المبكر.

 

فوق ذلك فإن البينة المتوفرة بكثافة عن الاستقرار في العصر الرومانيالليبي تشتمل على مزيد من المؤشرات للاستغلال المحدود لإقليم ما قبل الصحراء في الفترة السابقة مباشرة للعصر "ما قبل الكلاسيكي". وقد أصبح واضحاً من أعمال المسح التفصيلية لمواقع الاستقرار في الوديان أن أركيولوجية العصر الرومانيالليبي تشتمل على عينات متسعة من الآثار. فإلى جانب المزارع المحصنة أو القصور اشتملت الآثار الرئيسة على مواقع سكنية مغلقة في أعالي التلال، وحقول زراعية مفتوحة (غير محصنة)، وأكواخ منفردة، ومجموعة لما يبدو أنه قواعد خيام أشبه بمخلفات المعسكرات البدوية الحالية المهجورة. لازالت مسألة تحديد تاريخ لتلك الآثار من خلال المواد الصنعية السطحية تمثل إشكالية إذ أن السطح المفرغ للسهل المرتفع ما قبل الصحراوي هو بمثابة لوح فارغ من الناحية الآثارية بالنسبة لمراحل القدم المختلفة. على كلٍ، هناك تعالقات بين المواقع المتماثلة وبين الموضوعات الصغيرة الخاصة بالمواقع السكنية والجنائزية التي تحتوي على مصنوعات فخارية رومانيةليبية لكنها ترتبط بدلاً عن ذلك بأدوات صوانية نيوليتية وما بعد نيوليتية. تشير تلك التعالقات إلى احتمال قوي للطابع البدوي للسكان الرعويين الذين سكنوا إقليم ما قبل الصحراء في القرون السابقة مباشرة للتحول الرومانيالليبي، والذين استغلوا في الغالب نموذجاً أقل تعقيداً لتقنية جدران الوادي التي وصفناها سابقاً.

 

الزراعة الرومانيةالليبية

بدأ التحول في القرن الميلادي الأول، مع فرض نظام مزارع في الإقامة المحلية أشبه من حيث الشكل بمعمار "المزارع الفيلا" لمناطق التلال الجبلية التي وفرت الثروة الزراعية الأساسية للمدن الساحلية مثل لبدة Mattingly 1985; 1988.

 

نفذنا أعمال تنقيب آثاري في الأكوام المرتبطة بمزارع ما قبل الصحراء للكشف عن ترسبات نباتية وحيوانية بوصفها تقدم معلومة مباشرة عن أنظمتها الزراعية. أظهرت دراسة البقايا النباتية van der Veen 1985 أن المزارع الجديدة أنتجت الشعير محصولاً أساسياً إلى جانب أنواع متنوعة من القمح، بالإضافة إلى العدس والخضروات مثل البطيخ، ومحاصيل الأشجار : الزيتون، والعنب، والبلح، واللوز. وجدت في العديد من المزارع آلات لعصر الزيتون والخمر، وهى نماذج مصغرة لمعاصر مزارع الجبل Oates 1953. في واحدة من المعاصر نقبنا فيها في مزرعة بوادي العمود Barker and Jones 1984، في الجزء الجنوبي لما قبل الصحراء، كانت سعة خزان الزيت الرئيس 3000 لتراً وخزانين إضافيين بسعة إجمالية 1200 لتر. لا يوجد سوى القليل من الشك في أن تلك الأشكال في ما قبل الصحراء كانت مشاريع معتبرة قادرة على إنتاج الزيت والخمر بما يفيض لإرساله إلى الأسواق الساحلية Mattingly 1986.

 

سادت الخراف والماعز بنسب متساوية وسط العينات الحيوانية من المزارع Clark 1986.تشير معدلات الوفيات إلى أهمية إنتاج اللحوم وإلى نظام عناية مشابه إلى حد بعيد للنظام البدوي التقليدي، مدعوم في المزارع الجنوبية مثل العمود بصيد الغزلان.

 

في هذه البيئة الهامشية، تم الحفاظ على نظام الزراعة الجديد عن طريق أساليب متطورة للري بمياه الفيضان الموجهة إلى تركيز مياه الأمطار الجارية من أحواض كبيرة في أرض مزروعة محددة في بطن الوادي Baker 1985. معظم الجدران شيدت بغرض التحكم في المياه وتخزينها، ويُظهر تنفيذها معرفة محلية تفصيلية بخصائص المياه الجارية فوق السطح Gilbertson et al. 1984. جدران أخرى تفصل الأرض الزراعية عن الرعوية، في حين كانت أخرى حدوداً للحقول أو حدوداً أكبر. غذت قنوات بجدران خزانات، أو تحكمت في المياه المندفعة إلى الحقول. أحد الأنظمة الأكثر بروزاً خرط حول وادي العمود: دخلت مياه الفيضان إلى الحقول عن طريق سلسلة سدود بما يمكن من توجيه المياه الفائضة إلى الوادي الرئيس إلى مجاري تصريف حجرية. في قطاع وادي منصور في الجزء الشمالي لمنطقة الدراسة، أشارت دراستنا إلى أن المنطقة كانت مقسمة إلى ثلاث مزارع أو "ملكيات"، تمثل كل منها 35-50 هكتاراً من الأرض المزروعة في بطن الوادي Hunt et al. 1986. كانت إحدى المزارع تضم نظام حقل إضافي في الوادي الرافد في الجانب الجنوبي، والذي يبدو أنه قسم إلى منطقة منفصلة للتخزين، ومشتل لأشجار الزيتون، وحقول حبوب تتوسطه.

 

تشير النقوش التي تم العثور عليها إلى أن المزارعين كانوا ليبيين مترومنين أكثر من كونهم مستعمرين، وهى فرضية تدعمها الطبيعة الليبية للمعمار الطقسي Mattingly 1986; 1987. ظاهرة ما قبل الصحراء يبدو أنها كانت مثالاً لنوع عملية إنشاء الحدود المعروفة في أماكن أخرى على هامش العالم الروماني، حيث شجعت التهدئة الرومانية الإيجابية النخب الريفية للارتباط بالسوق الرومانية مراكمةً للثروة.

 

في القرنين الميلاديين الثاني والثالث هجرت تلك النخب مزارعهم المفتوحة منتقلين إلى نظام المزارع المحصنة بقوة، القصور. تشير الترسبات النباتية والحيوانية، وآلات المعاصر وأنظمة الأسوار إلى استمرار النظام القديم للإنتاج الزراعي بدون تغير ملموس، لكن حجم الملكيات الزراعية انخفض بصورة عامة بمعدل زيادة عدد القصور مقارنة بالمزارع المفتوحة السابقة. سادت رؤية تقول بأن القصور كانت خاصة بالجنود المزارعين (الليمتاي)بوصفها أنظمة "دفاعية في العمق" تفصل الأراضي الساحلية الغنية عن بدو الصحراء، لكن أصبح واضحاً الآن أن القصور كانت في الأساس استجابة للمنافسة المحلية على الأراضي والهيبة، ونتاجاً للتصفيات الداخلية وسط السكان الأصليين. تزايد عدد السكان النسبي (في مثل هذه البيئة الهامشية) المتنافسين بحدة على أراض ومصادر مياه محدودة كان لا بدَّ وأن يكمن في قاعدة النزاعات والتصفيات.

 

الزراعة والبيئة في ما قبل الصحراء

استمرت مأهولةبعض قصور الأطراف الشمالية لما قبل الصحراء حتى بداية العصر الإسلامي وما بعده، لكن معظمها كان قد هجر في القرن الخامس الميلادي. لماذا فشل نظام القصور؟ من الممكن تصور عدد من العوامل سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وايكولوجية. المحتوى السياسي هو الأسهل للملاحظة : لا بدَّ وأن اقتصاداً نقدياً في ما قبل الصحراء كان جذاباً للنخبة الليبية المحلية طالما كانت المدن الساحلية مزدهرة، وقد أدى التدهور في الاقتصاد البحر أبيضي متوسطي في القرنين الرابع والخامس إلى تقليل حافز إنتاج فائض في الهامش الجنوبي. تؤكد المراجع التاريخية إلى عودة القبلية وإلى نمط إنتاج إعاشي في ما قبل الصحراء بحلول تلك الفترة Mattingly 1987.

 

يوجد كم كبير من الأدب فيما يتعلق بالمحتوى المناخي للزراعة الرومانية في شمال أفريقيا، لكن لازالت شحيحة وغير موثوقة بينة محددة ترتبط ارتباطاً بيناً بالمعطيات الآثارية بالنسبة للإقامة واستخدام الأرض. لم تكشف الدراسات التي أجراها الجيومورفولوجيون التابعون للمشروع عن بينة واضحة دالة على حدوث أية تغيرات مناخية بين الفترة الرومانية - الليبية والوقت الحاضر، مع أن الفترات الرطبة للهولوسين المبكر خلقت آثارها في السهل، والتي يمكن ربط تعريتها بالزراعة الرومانيةالليبية Barker and Jones 1982; Barker et al. 1983; Gilbertson et al. 1987; Hunt et al. 1986. هناك بينة واضحة دالة على تأثير الزراعة الرومانيةالليبية على المنظر الطبيعي للسطح.

 

على سبيل المثال، توضح الترسبات في خزان رومانيليبي في وادي منصور أن تعرية السهل كانت قد بدأت في فترة حياة المزرعة Hunt et al. 1986. تشير الحواجز في منظومة بوابات التصريف في مزرعة وادي العمود إلى وعي المزارعين بتأثيرات التعرية الناتجة عن المياه المتدفقة وإلى اتخاذهم الخطوات الكفيلة بالتحكم فيها Barker and Jones 1984. تقدم لقاحات عثر عليها في وادي منصور تحت جدران الوادي يحتمل أن يرجع تاريخها إلى الفترة الرومانية-الليبية بينة ظروف نباتية في الفترة ما قبل الرومانية مشابهة للوقت الحالي، لكن لقاحات في الحفر الحجرية والتي يعتقد بأنها لأشجار زيتون، ومن الفترة الرومانيةالليبية، تشير إلى نباتات أقل واحتمالاً رعي أكثر كثافة حول المزرعة Hunt et al. 1986. تراكمت طبقة ترسبات حصى وأكوام 4-8 أمتار في المنحدر تحت مزرعة أبزام بالقرب من بني وليد خلال الـ 500 سنة من عمر المزرعة Gilbertson and Hunt 1988; Gilbertson et al. 1987.

 

توفر دراسة الترسبات في خزان رومانيليبي آخر، في وادي ميمون (على بعد 20 كيلو متر إلى الجنوب من وادي منصور)، والترسبات النباتية والحيوانية المحتواة فيها، بينة إضافية لنشاط تعرية خلال فترة حياة المزرعة Hunt et al. 1987.

 

مع أن تلك الأمثلة لتواريخ دقيقة للربط بين المعطيات الآثارية والبيئية القديمة لازالت قليلة، إلا أنها على الأقل متطابقة. النتائج المبدئية لمشروعنا تشير إلى أن النظام الزراعي المكثف المرتبط بالمزارع الرومانيةالليبية زاد معدلات التعرية في بيئة هي في الأساس هامشية. هذه العملية كانت عاملاً معتبراً في الدفع بانهيار النظام الزراعي في وقت كانت فيه النزعات الاقتصادية والسياسية غير مواتية لاستمراره. تراجعت منطقة ما قبل الصحراء إلى النظام التقليدي للزراعة الإعاشية والتي استمرت إلى يومنا هذا.

 

REFERENCES

 

Barker G. (1985), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey: developing methodologies for investigating ancient floodwater farming’, In: D. Buck and D. Mattingly (eds), Town and Country in Roman Tripolitania: Studies in honour of Olwen Brogan. Oxford: British Archaeological Reports, International Series 274: 291-306.

Barker G. and G.D.B. Jones (1981), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey 1980’. Libyan Studies, 12: 9-48.

Barker G. and G.D.B. Jones (1984), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey VI: investigations of a Roman-Libyan farm, pt. I’. Libyan Studies, 15: 1-44.

Barker G., D.D. Gilbertson, C.M. Griffin, P.P. Hayes and D.A. Jones (1983), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey V: sedimentological properties of Holocene wadi floor and plateau deposits in Tripolitania, northwest Libya’. Libyan Studies. 14: 69-85.

Barker G., D.D. Gilbertson, G.D.B. Jones and D.A. Welsby (1991), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey: the 1991 season’. Libyan Studies. 22: 31-60.

Barth H. (1857), Travels and Discoveries in North and Central Africa. London: Longmans.

Brogan O.  (1964), ‘The Roman Remains in the Wadi el-Amud’. Libya Antiqua, 1: 47-56.

Brogan O. and D.J. Smith (1957), ‘The Roman Frontier Settlement at Ghirza: an interim report’. Journal of Roman Studies, 47: 178-184.

Clark G. (1986), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey XIV: archaeological evidence for stock-raising and stock management in the pre-desert’, Libyan Studies 17: 49-64.

Gilbertson D.D. and C.O. Hunt (1988), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey XIX: a reconnaissance survey of the Cenozoic geomorphology of the Wadi Merdum, Beni Ulid, in the Libyan pre-desert’. Libyan Studies, 19: 95-121.

Gilbertson D.D., C.O. Hunt, J. Briggs, G.M. Coles and N.M. Thew (1987), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey XVIII: the Quaternary geomorphology and calcretes around Gasr Banat in the pre-desert Tripolitania’. Libyan Studies, 18: 15-27.

Goodchild R.G. (1950), ‘The “Limes Tripolitanus” II’. Journal of Roman Studies, 40: 30-38.

Graziosi P. (1934), ‘Ricerche preistoriche nel Fezzan e nella Tripolitania’, Bollettino Geografico 4: 9-11.

Graziosi P. (1941), L’Arte rupestre del Sahara Libico, Florence : Vallecchi.

Hivernel F. (1985), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey XI: preliminary lithic report’, Libyan Studies 16: 29-50.

Hunt C.O., D.D. Gilbertson, R.D.S. Jenkinson, M. van der Veen, G. Yates and P.C. Buckland (1987), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey XVII: palaeoecology and agriculture of an abandonment phase ar qasr Mm10, Wadi Mimoun, Tripolitania’, Libyan Studies 18: 1-13.

Mattingly D.J. (1986), ‘New perspectives on the agricultural development of Gebel and pre-desert in Roman Tripolitania’, Revue de l’Occident et de la Méditerranée 41-42: 45-65.

Mattingly D.J. (1987), ‘Libyans and the “Limes”: culture and society in Roman Tripolitania’, Antiquités Africaines 23: 71-94.

Oates D. (1953), ‘The Tripolitania Gebel: settlement of the Roman period around Gasr ed-Daun’. Papers of the British School at Rome 21: 81-117.

Van der Veen M. (1985), ‘The UNESCO Libyan Valleys Survey X: botanical evidence for ancient farming in the pre-desert’, Libyan Studies 16: 15-28.