الأوابد الميجاليتية ما قبل الإسلامية في تادرارت أكاكوس

 

الأوابد الميجاليتية ما قبل الإسلامية في تادرارت أكاكوس

ماسيمو باستروشي

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

 

 

 

 

 

 

 

في هذه الدراسة الموجزة سيتم اختبار الأوابد الميجاليتية ما قبل الإسلامية في المنطقة الشمالية لسلسلة تادرارت أكاكوس، بخاصة، تلك الأوابد في جبل قيلو وعويس (وادي تسبغت و تين عقيرات) والتي تم تنقيبها جزئياً Barich 1974، وذلك على أساس تيبولوجية ركبها المؤلف بالنسبة لمنطقة الصحراء الوسطى. سيتم تحليل الجوانب الخاصة التي تميز هذه الأوابد الميجاليتية عن الصروح الجنائزية لمنطقة جرمة (وادي الآجال). يحلل المؤلف عدداً من الأشكال، الردمية الفوقية التلية ذات الشكل V في جبل قيلو والتي تبدو الأكثر إثارة. هذا النوع من الأوابد، ردمية فوقية تلية مع مدخل بجناحين أشبه بالممرات، تتم مقارنته بأوابد مشابهة في الصحراء الوسطى. يستبعد المؤلف أية علاقة محتملة لتلك الأوابد بالسكان القدماء للمنطقة مشيراً إلى صعوبة توفير تأريخ كرونولوجي محدد لها بفعل غياب بينة آثارية محددة.

 

في هذا الخصوص، يجدر الإشارة مباشرة إلى أنه في حين تصنف الردميات الفوقية التلية في هذه المنطقة ضمن "الصروح الجنائزية ما قبل الإسلامية"، المميزة للصحراء الوسطى، فإنها تختلف عن التيبولوجيات الميجاليتية في مناطق فزان الأخرى، على سبيل المثال مدافن جرمة في وادي الآجال حيث عثرت بعثة باس وكابوتو وسيرجي (بين آبار تين أبوندا والأبيوضة) على حوالي 45.000 مقبرة ما قبل إسلامية Caputo et Alii 1951؛ وزعم ريجاسى أنه لم يحدث أن رأى "مثل هذه الكمية من الردميات الفوقية التلية" في أي منطقة أخرى من الصحراء. هناك تحديداً أفرز كابوتو ردميات فوقية تلية مختلفة: قزعية الشكل، ذات شكل فوهة البركان الزائفة، طبلية الشكل، مع "قناطر زائفة"، مستديرة، مع قباب زائفة – وردميات فوقية مع مسلة أو اثنتين. في الأكاكوس الشمالي بخاصة في منطقة عويس/تين طره، على بعد مسافة غير بعيدة من المدافن الجرمية المذكورة أعلاه، عثرت البعثة المشتركة على البنيات التالية: ألواح حجرية، وأنصبة حجرية، وردميات فوقية تلية مخروطية ومخروطية مربعة الطرف، وردميات فوقية تلية مسطحة بالإضافة إلى أوابد ذات V شكل  Barich 1974: 14-15.

 

إذا تغاضينا عن النعوت المختلفة المستخدمة، فإن الأنواع التى لاحظتها باريش مماثلة تماماً للأوابد المكتشفة الأكثر شيوعاً في الصحراء، احتمالاً باستثناء البناء في جبل انتريكي (ألواح حجر رملي)(1).

 

بالنسبة للبنيات في الأكاكوس الشمالي، علينا أن نتذكر أن ألواح الحجر الرملي وجدت عموماً في بطن أحواض الوديان الجافة، وقد يكون ذلك مؤشراً إلى حداثة تشييدها – أي إما أنها معاصرة أو لاحقة للجفاف الختامي للمنطقة. في الأكاكوس الشمالي، فإن هذا النوع من البناء يوجد عادة في جبل انتريكي.

 

في الوقت نفسه، فإن الأنصبة الحجرية، مثل تلك التى وجدت في منطقة سقد، كانت في بطن الوديان الجافة، إما منعزلة أو في مجموعات، في صف أو متناثرة. تم تنقيب مجموعة أنصبة واحدة في منطقة تين طره بلا نتيجة Barich 1974: 15. أنصبة مشابهة وجدت في كل من تبستي (حيث رتبت في حالة واحدة في صفوف تغطي منطقة تزيد عن 23 متر مربع) وعلى بعد مئات الكيلومترات إلى الغرب، كما في أدرار ايفوقاس. يجدر أيضاً إضافة أن بنيات مشابهة توجد في مناطق عديدة من الصحراء وهى غير مرتبطة بطقوس دفن بل غالباً بطقوس استعطاف (تبرك!)؛ كل مسافر يمر بها عليه أن يترك حجراً فوق الكوم إما رمزاً للإخلاص والتكريس أو لحماية نفسه من روح المكان. هذه العادة - التى لازالت ملاحظة اليوم Lhote 1976: 52 – تمثل بالتالي عنصراً مربكاً في دراسة البنيات الجنائزية ما قبل الإسلامية.

 

التصنيف أعلاه "مفتوح" (انظر Baistrocchi 1984: 597)؛ يأخذ في الحسبان البناء المعماري للأوابد ما قبل الإسلامية أكثر من توزيعها الإقليمي. لا يعني ذلك القول بأن الأنواع المختلفة من المباني لا يمكن أن تكون متعاصرة مع نماذج أخرى في إطار المناطق نفسها. يحتمل أيضاً أن تكون المباني التلية ما قبل الإسلامية، في مواقع معينة، قد أعيد استخدامها من قبل البدو المسلمين من قبائل الطوارق.

 

المباني التلية الموصوفة بـ المخروطية و المخروطية مربعة الأطراف هي الأكثر شيوعاً وانتشاراً في الصروح الجنائزية ما قبل الإسلامية. يمكن تتبعها من أقصى الغرب في موريتانيا حتى النوبة، ومن تفيلفالت المغربية حتى أكتاف جبال الآيير، ومن تبستي حتى الانيدي. مثل كل البنيات في الصحراء هي أكوام حجارة مجمعة بطريقة غير مربوطة بصورة جيدة وغير مثبتة ومرتبة وفقاً للبناء الموصوف أعلاه. في الأكاكوس الشمالي، وبالطبع في كل مكان في الصحراء، يوجد هذا النوع من الصرح الجنائزي عادة في المرتفعات والقمم. هكذا الحال، على سبيل المثال، بالنسبة للردميات الفوقية التلية في وادي تين اقيارت، والذي يبلغ نصف قطره ثمانية أمتار Barich 1974: figs. 1,2.

 

"ردميات" وادي تسبغت وتين اقيارت (شكل 1) أكبر (بنصف قطر أكثر من 10 أمتار) وتعلم بنيتها الدائرية، المدعومة بحجارة مثبتة في الأرض، بألواح حجرية موضوعة في القمة.حتى الردميات في أشكالها البسيطة (مثل المذكور أعلاه) وفي النماذج المركبة – هي من بين المباني الأكثر شيوعاً في الصحراء من المغرب  حتى الآيير.

شكل 1 : ردمية حجرية في وادي تسبغت، تادرارت أكاكوس

 

من بين كل الصروح ما قبل الإسلامية المكتشفة في الأكاكوس الشمالي، فإن الأكثر إثارة هي الردميات الفوقية التلية ذات الشكل Vوالقائمة في نقطة بداية وادي تين طره (شكل 3 أ و ب) إلى الغرب من جبل قيلو؛ ردمية تلية مماثلة وجدت أيضاً في منطقة وادي تسبغت. الأولى من هاتين الردميتين التليتين تم تنقيبها. يتألف الجسم الأساسي من ألواح حجر رملي نصبت عمودياً. يتفرع من الردمية المركزية ممران في زاوية مستقيمة كل من الآخروشيدا بصفي ألواح حجارة. شملت أعمال التنقيب Barich 1974: 18 فقط الجزء المركزي للردمية التلية، والذي أعيد تجميعه في شكله الأصلي بعد التنقيب، وتم استرداد جزء من الهيكل المدفون على عمق 70 سم في وضع جنيني، مع الأوصال السفلي محنية ومثنية مقابل الرأس. أودعت البقايا الهيكلية (حوالي نصف جمجمة، وعظام من الصدر والأوصال السفلى) في قسم ما قبل التاريخ بالمتحف القومي للآثار في طرابلس بانتظار المزيد من الدراسة. تم العثور أيضاً على صروح جنائزية بـ "ذراعين" أو أشكال V، رغم انها مختلفة الأشكال، في شمال الأكاكوس، وفي تين أبوندا، وأبعد إلى الغرب في منطقة غات، وفي البركت (شكل 2). الردميات الفوقية التلية التى وجدت في حدود تنيرى في بئر فالزلز (في افلاهل) وفي حوض تفساست ذات الشكل نفسه (شكل 4). الردميات الفوقية ذات الشكل V وتلك ذات الذراعين قد وجدت أيضاً في العديد من المناطق الأخرى في الصحراء الوسطى، رغم أن بنيتها قد تختلف من منطقة إلى أخرى، كما على سبيل المثال الردمية الفوقية التلية في توفين وتلك في إن اكر، وتان اينسنس، وجارا تسمّد.

 

شكل 2: ردمية فوقية حجرية دائرية في جبانة البركت، غات

 

بعد وصف الظاهرة يمكن طرح بعض الملاحظات العامة عن الردميات الفوقية التلية والغرض منها.

 

حتى الآن، أثارت الصروح ما قبل الإسلامية اهتماماً متقطعاً من قبل المتخصصين المهتمين في الأساس بدراسة الفن الصخري الصحراوي وكانت أعمال التنقيب محدودة وأجريت في عجلة. بالتالي، فإن المعطيات القليلة المتوفرة لدينا متنوعة ومتضاربة، ولا تسمح لنا بتركيب إطار مرجعي ومقارنة. نفتقد العناصر لتشكيل نظرية عامة حول أهمية الصروح والهدف منها، بالاعتماد فقط على شكلها وبنيتها. حتى المادة التى تم استرجاعها من بين الصروح المنقبة لا تسمح بعقد مقارنات أو صلات مباشرة مع المعطيات التى تمكنا من اقتنائها من حفر الترسبات في السقائف في قاعدة الجدران الحاملة لنقوش أو رسوم. حتى الآن فإن تأريخ الردميات الفوقية التلية ما قبل الإسلام يظل غير دقيق: ترجع أقدم البنيات إلى نهاية الفترة النيوليتية والتي يمكن أن تكون في هذه المنطقة بين الألفيتين الأولى والثانية قبل الميلاد، والأصغر إلى السكان الطوارق الذين تحولوا كلياً إلى الإسلام، حيث أنه ومن ذلك الزمن وما بعده تتخذ البنيات الجنائزية الخصائص المميزة للعقيدة الإسلامية.

 

بالتالي، يجوز للمرء القول بأنبناة الردميات الفوقية التلية لا يوجد ما هو مشترك بينهم وبين الناس الذين سكنوا السقيفة الجنوبية لتين طره والمؤرخة من 5260±130 سنة مضت حتى 7070±60 سنة مضت حتى 9080±70 سنة مضت Barich 1974

 

أ

ب

شكل 3 أ وب: تادرارت أكاكوس (ليبيا): ردمية فوقية تلية ذات شكلفي جبل قيلو

 

الموضوعات الجنائزية من جانبها لا تساعد كثيراً في توفير معلومة، باستثناء في حالة الردمية الفوقية التلية لتين هنان في أبالسا، حيث وجد سراج روماني داكن يحمل نصب انتصار تذكاري مؤرخ حوالي القرن الرابع. الموضوعات الجنائزية بصورة عامة فقيرة للغاية وتتألف عادة من لحاء بيض النعام للعقود، وخرز من الحجر أو الزجاج، أسورة برنزية قليلة وفخار. على سبيل المثال، لم تعط الردمية التلية في جبل قيلو مواد جنائزية باستثناء شظايا قليلة من لحاء بيض النعام.

 

شكل 4: تنيري (تشاد) a ردمية فوقية تلية ذات V شكل في فالزلز، b ردمية فوقية تلية ذات الشكل V حوض تفساست

 

يتوجب القول كذلك بأن هناك العديد من الرسوم الصخرية الرائعة في الأكاكوس لكن البنيات الجنائزية نادرة للغاية. الظاهرة نفسها كان قد لاحظها يوتى في تاسيلي– ن– آجر المواجهة للأكاكوس؛ هذه الحقيقة قادته للتأكيد بعدم إمكانية إقامة صلة مباشرة بين وجود الردميات الفوقية التلية والفن الصخري بالتالي "الطريقة التى دفن بها أهل فترة الرؤوس المستديرة ورعاة الأبقار بقايا موتاهم تظل سراً غامضاً" Lhote 1976: 59. أبعد من ذلك، لا بدَّ من إضافة أن المناطق الأخرى ذات الصخور الأقل، مثل المناطق المحيطة بـ تنيري، غنية بالآلاف من الردميات الفوقية التلية.

 

في الختام، إذا كان العلماء قد تمكنوا من تثبيت كرونولوجيات نسبية للفن الصخري في مناطق الصحراء، وكرونولوجيا مطلقة بالنسبة للأكاكوس الأوسط Mori 1965: 233-241، فإن الصروح الجنائزية ما قبل الإسلامية نادراً ما توفر أي مؤشر صلب للتاريخ. بالطبع، فإن الحقيقة أن تلك البنيات ارتبطت بطقوس دفن لازال معناها غير مفهوم بصورة كاملة. لم يتم بعد تثبيت عما إذا كانت المدافن قد وضعت وفق اتجاه مخطط له، رغم أن الردميات التلية ذات الشكل Vفي جبل قيلو قد وضعت متجهة إلى الغرب (شكل3- ب) ويمتد ذراعاها باتجاه غروب الشمس. من جانب ثان، بعض الردميات الفوقية التلية الأكثر شيوعاً في الصحراء – "ذات الشكل المفتاح" تتجه بالعكس. إنها كثيرة بخاصة في منطقة فادنون، لكن يمكن العثور عليها أيضاً في المناطق المجاورة الأخرى (اويد دجرات، وتفدست، وتاسيلينآجر). وفقاً لبعض الباحثين، يمكن أن يكون الممر الحجري الذى يقود إلى الردمية المركزية قد وضع من قبل البناة باتجاه شروق الشمس (في معظم الحالات متجهة إلى الشرق) في اليوم الذى حدثت فيه الوفاة Milburn 1979: 59. هذه فرضية مثيرة مع أنه حتى الآن لا تجد دعماً علمياً لها Baistrocchi 1984: 610.

 

بالتالي، يمكن فقط عن طريق مسح منتظم، رغم صعوبة إنجازه لاتساع المنطقة، تجميع معطيات متجانسة لتفسير علمي للظاهرة. مثل هذه الدراسة أصبحت أكثر إلحاحا حيث أن التدهور البيئي في بعض المناطق قد بدأ بالفعل، وفي حالات بلغ درجة متقدمة.

 


(1) للمزيد من تيسير تناول الموضوع، أقدم وصفاً موجزاً لتيبولوجيات الصروح الجنائزية ما قبل الإسلامية للصحراء الوسطى في حين أنه لوصف أكثر تفصيلاً أحيل القارئ الى دراستى المفصلة المنشورة في "وقائع الندوة الثانية الأوربية الأفريقية" (Baistrocchi 1984).

 

REFERENCES

Baistrocchi M. (1987), ‘Pre-Islamic Megalithic Monuments of Northern Tadrart Acacus’. In: B.E. Barich (ed.), Archaeology and Environment in the Libyan Sahara. The Excavations in Tadrart Acacus 1978-1983. Oxford: British Archaeological Reports: International Series, № 368: 87-95.

Barich B.E. (1974), ‘La serie stratigrafica dell’uadi Ti-n-Torha (Acacus, Libia)’. Origini, 8, 7-184.

Caputo G. (1951), ‘Parte seconda’. In: Pace B., Sergi S. and Caputo G. Scavi Sahariani. Ricerche nell’Uadi el-Agial e nell’Oasi di Gat. Monumenti Antichi XLI, Accademia Nazionale dei Lincei: 201-442.

Lhote H. (1976), Les Gravunes Rupestres de l’Oued Djerat (Tassili-n-Ajjer), Algiers, Mem. du CRAPE 25.

Milburn M. (1977), ‘On the key-hole tombs (Monuements en trou de serrure) of central Sahara’, Libya Antiqua 13 -14: 385-390.

Mori F. (1965), Tadrart Acacus. Arte rupestre e culture del Sahara. Torino: Einaudi.