فى أثر الرعاة المبكرين

 

 

في أثر الرعاة المبكرين

رودولف كوبر

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

 

فرضية أساسية لمشروع البحث تكمن في افتراض أن تاريخ القارة في مجمله حُتم بصورة نهائية بفعل بداية الجفاف الذى أصاب الصحراء حوالي 5.000 ق.م. وفرت التحركات السكانية التى حفزها هذا الجفاف دوافع أساسية لنشوء المدنية الفرعونية في وادي النيل. أثرت هذه العملية بدورها على توزيع السكان واللغات إلى يومنا في مجمل القارة بصورة أساسية بحيث يجوز للمرء عد الجفاف الذى ضرب الصحراء والنتائج الايكولوجية التى نجمت عنه، بالتالي، قوة دافعة في تاريخ أفريقيا.

   قوة دافعة للتاريخ الأفريقي

   المجال الحيوي على مدى 5.000 سنة

   الطرق الأفريقية إلى العصر الحجرة الحديث (النيوليتى)

  مصر أيضاً هبة الصحراء

   النيل الأصفر

   هل كانت هناك العديد من الطرق إلى رأس الرجاء؟

   مثال اورووانجى

   التنوع الاقتصادي لتقليل المخاطرة

 

 

منذ بداية الستينات قام علم الآثار الأفريقية بدور أساسي في البحث بجامعة كولون. في هذا الوقت أسهمت معاهد الدراسات الأفريقية وعلم آثار ما قبل التاريخ بجهد مشترك لتسجيل الفن الصخري لجنوب أفريقيا. في عام 1989 تم تأسيس معهد هاينرخ- بارث لآثار أفريقيا وتاريخها، والذي أصبح حالياً معهداً للآثار واللغات إلى جانب علم النبات، والجغرافيا، والمصريولوجيا، والتاريخ، والاثنولوجيا في مشروع تكاملي طويل المدى.

 

الهدف هو معرفة الكيفية التى كيَّف فيها الناس الاقتصاد ونمط الحياة للظروف الايكولوجية القاسية في الصحارى وشبه الصحارى الأفريقية خلال العشر ألف سنة الماضية بالنظر إلى العلاقة بين التطور المناخي والثقافي. اللافت للانتباه هو السبل التى تلاءم فيها الناس مع الظروف القاسية، وكيف أثروا فيها من جانبهم، وأي من إستراتيجيات البقاء طوروا في تلك المناطق حتى يومنا هذا. يضع اختيار مصر، والسودان، وناميبيا مجالات العمل الرئيسة في شمال شرق أفريقيا وجنوبها الغربي نقطة مركزية للبحث. تمَّ تنفيذ ذلك لتمكيننا من إجراء مقارنة عبر قارية شاملة بهدف تحديد الاختلافات والتماثلات في السلوك الإنساني إلى جانب تبيان العلاقات الثقافية التاريخية الكامنة.

 

قوة دافعة للتاريخ الأفريقي

فرضية أساسية لمشروع البحث تكمن في افتراض ان تاريخ القارة في مجمله حُتم بصورة نهائية بفعل بداية الجفاف الذى أصاب الصحراء حوالي 5.000 ق.م. وفرت التحركات السكانية التى حفزها هذا الجفاف دوافع أساسية لنشوء المدنية الفرعونية في وادي النيل. أثرت هذه العملية بدورها على توزيع السكان واللغات إلى يومنا في مجمل القارة بصورة أساسية بحيث يجوز للمرء عد الجفاف الذى ضرب الصحراء والنتائج الايكولوجية التى نجمت عنه، بالتالي، قوة دافعة في تاريخ أفريقيا.

 

تحتم الزراعة وفي المقام الأول الرعي أساس الحياة الإنسانية وشكلها في أجزاء كبيرة من القارة الأفريقية. يصبح ذلك بصورة خاصة بالنسبة لمناطق جافة واسعة والتي تغطى أكثر من ثلث مجمل القارة. هنا بالتحديد طور الرعاة البدو إستراتيجيات إعاشة على مدى آلاف السنوات ساعدت في تكييف نمط الحياة الإنسانية لمواجهة تحديات بيئة قاسية.

 

يُظهر التاريخ المعروف للظهور المبكر لتدجين الحيوانات في أجزاء مختلفة من القارة فارق زمني من الشمال الشرقي عن الجنوب الغربي. المؤشرات الدالة على تدجين الأبقار في صحراء مصر الغربية بحوالي فترة مبكرة من الألفية التاسعة ق.م.، غض النظر عن الخلاف بشأن ذلك، تبدو صحيحة وفق اختبارات الدنا DNAالحديثة. الأدلة الأكثر قدماً من السودان تؤرخ على كلٍ بالألفية الرابعة، ومن شرق أفريقيا بالألفية الثالثة ق.م. في منطقة رأس الرجاء فان الأبقار تظهر بعد عدة مئات من السنوات بعد الخراف والماعز، والتي أظهرت نفسها بحوالي بداية العصر المسيحي. هذا المسار الافتراضي "لبداية إنتاج الطعام" في أفريقيا حتمته حقيقة أن الخراف والماعز، خلافاً للأبقار، لم يكونا نوعان محليان بالنسبة لأفريقيا. إذا استبعد المرء فرضية المعبر عن طريق المحيط الهندي، وهو ما لا توجد مؤشرات دالة عليه، فان النوعين يكون قد وصلا مدجنين من الشرق الأدنى إلى شمال أفريقيا ومن هنا بدأت رحلتهما الطويلة على امتداد القارة.

 

المجال الحيوي على مدى 5.000 سنة

تحديداً خلال أزمان التحول الثقافي الأشد، في بداية الهولوسين، حدثت إعادة تعمير الصحراء الليبية في شمال القارة والتي تعد عموماً أحد أكثر أقسام ما قبل تاريخ العالم القديم إثارة، بعد الامتداد أبعد إلى الجنوب في نهاية عصر الجليد أصبحت الظروف الحياتية في الصحراء أكثر عدوانية مما هي عليه اليوم. في حوالي 12.000 سنة مضت تحسنت الظروف ومع صحوة الحيوانات والنباتات ادعى الناس الصحراء ملكاً لهم مجدداً. انطلاقا من هذه الخلفية يجد علماء الآثار أنفسهم في موقع نقطة بداية مذهل يمكن مقاربته بذلك الذى يجد فيه عالم الأحياء القادر على ملاحظة ظهور الحياة على جزيرة بركانية جديدة آخذة في الظهور من البحر. في حالة الصحراء الشرقية فان مجمل العملية واضحة بما في ذلك نهايتها ولذلك فان موضوع الاستقصاء محدد للغاية زمانياً. في أيامنا هذه فان الصحراء الليبية فيما بين واحة الخارجة ووادي هور وفيما بين الكفرة ووادي النيل- وهى مساحة 720.000 كيلومتر مربع، ضعف مساحة ألمانيا- خاوية من الحياة الإنسانية مرة ثانية.

 

الطرق الأفريقية إلى العصر الحجرة الحديث (النيوليتى)

كان أصل هذا الطور المسمى النيوليتى- الرطب، تحسن مناخي ما كان في الواقع لا "رطباً" ولا "نيوليتياً" وفق كل المعطيات المناخية والنباتية المتوفرة، موجود في الجزء الجنوبي للصحراء. قطعاً فان أمطار المونسون التى نبدأ هنا انتشرت نسبياً بسرعة باتجاه الشمال. النتائج الأكثر حداثة من أعمال التنقيب في بحر الرمال الكبير لغرب مصر يضع إعادة تعمير هذه المنطقة الأشد جفافاً في منتصف الألفية التاسعة ق.م. يقدم هذا تاريخاً بعدة مئات قليلة لاحقة بعد وقوع هذا التحول الجذري في الأجزاء الجنوبية للصحراء. كانت مواقع الإقامة إلى أخضعت للدراسة تقع كلها على ضفاف منطقة بحيرات مؤقتة التى نشأت في قاع الرمال المتحركة التى تكونت بنهاية البليستوسين. ورغم أن القليل فقط من البقايا النباتية والحيوانية تم تأريخها إلى الآن، فان الأدوات الحجرية الإيبى باليوليتية تشير إلى أن السكان المبكرين وصلوا إلى هذه المنطقة رعاة وجامعين للطعام.

 

قد لا يكون مهماً ذكر حقيقة عدم العثور على أي فخار هناك في تلك المواقع لولا اكتشاف فخار متطور بأسلوب الخطوط المتموجة في جبل نبتا بالقرب من بئر كيسيبا وفي الجلف الكبير على بعد حوالي 300 كيلومتر فقط أبعد إلى الجنوب. هنا كما هو الحال في مواقع أخرى امتدادا من وادي النيل السوداني حتى مالي يؤرخ الفخار بالألفية التاسعة ق.م. اللافت للإنتباه انه لا يوجد من بين تلك المواقع موقعاً يحتوى على أية خصائص أخرى مميزة للنيوليتى. غالباً بتوجهها نحو الماء فانها قد تشير إلى نمط حياة يقوم على صيد الأسماك وجمع الطعام.

 

لماذا؟ وما هو؟ التحول الذى أصاب حياتهم الاقتصادية ودفع بالسكان إلى الهجرة من مواقع إقامتهم، وإلى من خلفوا معرفتهم بالإنجازات مثل تقنية تصنيع الفخار؟ وبأي طريق تم الانتقال إلى الرعوية؟ تلك هي الإشكالات الأساسية للبحث في مجال ما قبل تاريخ المنطقة. بصورة عامة هناك نزعة باتجاه نموذج أفريقي لهذا التحول الثقافي الجذري يختلف عن النموذج التقليدي الخاص ببداية إنتاج الطعام والذي يعنى الانتقال من الصياد والجامع للطعام المتنقل إلى مزارع مستقر منتج للفخار. غيَّر صائدوا الأسماك والجامعون المرتبطون محلياً والذين أنتجوا الفخار نمط حياتهم ونمطهم الاقتصادي بالانتقال إلى حياة البداوة الرعوية. قاد البحث الآثارى للنباتات Archaeobotany إلى الاستنتاج بأن السافانا في ذلك الوقت وفرت كميات من الحبوب البرية. فقط تناقص هذا المورد وتكدس السكان في مناطق الواحات ووادي النيل قاد إلى تطور المدنية.

 

مصر أيضاً هبة الصحراء

يرتبط إدخال زراعة الحبوب في العالم القديم ارتباطا وثيقاً بإشكالية عما إذا كان هناك تحول في أمطار الشمال الشتوية إلى الجنوب بما يوازى تحول أمطار المونسون، وأين تقع الحدود بين الاثنين. هذه المسألة أساسية لاستصدار أي حكم بشأن الصلات المحتملة بين شمال شرق أفريقيا، والشرق الأدنى، والبحر الأبيض المتوسط. الصلات مع الشرق الأوسط يشير إليها ظهور الخراف والماعز في بداية الألفية السادسة ق.م.، واحتمالاً أيضاً بعض أساليب الفخار غير المزخرف في الصحراء الليبية الشمالية. في الوقت نفسه فان بعض الخصائص الفنية المستخدمة في إنتاج الأدوات الحجرية تأخذ في الظهور، على سبيل المثال الرتوش الوجهى، والتي تصبح عناصر مميزة للنيوليتي في مصر ولمصر الأسرية بعد عدة مئات السنوات. تبدو التأثيرات الشمالية والجنوبية وكأنها قد التقت في مكان ما بالقرب من خط عرض الواحة الداخلة. هنا نجد سمات مميزة للمنطقتين، على سبيل المثال، رؤوس أسهم جيدة الرتوش من الشمال وفخار غنى بالزخارف من الجنوب بدون أن نستطيع قول شئ محدد بخصوص امتداد الوقت حتى الآن. على كلٍ فان تطوراً عاماً مرئياً يخلق فيه التداخل بين النزعات الأفريقية والشرق أوسطية الشروط النيوليتية المسبقة لأصول المدنية الفرعونية. هذا التطور الذى يتكرر فيما بعد في أصل الدولة المصرية بفعل العناصر الثقافية الجنوبية والشمالية يقع بداية في "السافانا الغربية"، وبعد جفافها في حوالي 5.000 ق.م. تتزايد تلك العناصر في وادي النيل. هل يشير ذلك إلى أن مصر ليست فحسب هبة النيل، كما كتب هيرودوت، لكنها أيضاً هبة الصحراء؟

 

النيل الأصفر

وفق ما يربو على 500 تاريخ راديوكاربونى (C14) تناقص سكان أجزاء كبيرة من الصحراء الليبية الشمالية في الألفية السادسة ق.م. في حين استمر الجنوب يوفر شروط حياة بخاصة للرعاة لعدة آلاف السنوات. أولئك الرعاة ورد ذكرهم عدة مرات في المصادر المصرية القديمة. عادة ما يشار إليهم بأنهم لاجئين بيئيين بفعل الجفاف المتزايد باحثين عن ملجأ في وادي النيل- عادة بلا جدوى.

 

وادي هور، وهو نهر جاف يمتد طوله إلى 1.000 كيلومتر، كانت له أهمية خاصة منطقةً للإقامة والتبادل التجاري على الحدود مع السهل- يتجه من جبال انييدى إلى بحيرة نشاد إلى النيل إلى الجنوب من دنقلا واحتفظ بأهميته بلا شك منطقةً اتصال بين دواخل أفريقيا ووادي النيل حتى أزمان قريبة. الإقليم الأسفل للوادي الذى يمتد قرابة 400 كيلومتر من جبل رحيب شرقاً إلى النيل لم يعلم بعد حتى في أكثر الخرائط حداثة. الدليل على أن وادي هور كان بمثابة سلسلة من على الأقل البحيرات المرتبط بعضها بالأخرى حتى الألفية الثانية ق.م. تم الكشف عنه فقط خلال السنوات الأخيرة. أعطى ذلك أساساً جديداً لكل الاحتمالات عن الصلات الثقافية بين النيل ودواخل أفريقيا. لم يكن وادي هور هاماً فحسب حطاً شرقياً غربياً للتجارة وموقعاًللإقامة يوفر موارد هائلة للصيد وصيد الأسماك خلال فترة الهولوسين المبكر لكنه وفي أزمان لاحقة أصبح منطقةً للاحتفاظ بالأبقار، وأيضاً كان له دور الوسيط والمرحلة الانتقالية للثقافة بتحرك السكان الذى حدث في الألفية الخامسة بفعل الجفاف الذى أصاب الصحراء. بهذه الوظيفة فقد فرض نفسه عتبةً ايكولوجية يمكن للناس التوقف فيها ولثقافاتهم أن تتطور في وجه التوسع المخيف للصحراء التى هجمت عليهم.

 

الكم العادي للمكتشفات في ضفتي وادي هور مشهود قبل حقبة فروبينيوس التى قادها ل. الماسى في عام 1933 وظلت عرضة للجدل. في هذا المسار طرح فروبينيوس الفرضية الجريئة التى مفادها أن وادي هور هو "النيل الأصفر" الذى يجرى إلى الشمال. منذ بداية أبحاث الصحراء الشرقية لجامعة كولون في عام 1980 فان المواد الفخارية والحيوانية الهائلة استخدمت للإجابة على أسئلة متعلقة بأركيولوجية الإقامة (الاستقرار). خلال السنوات الأخيرة أصبح ممكناً عن طريق أعمال المسح المنتظمة وبالاعتماد على كرونولوجية الفخار المفصلة تطوير الخطوط الأولى لمسار الاستقرار. طبقاً لذلك انعكس رد فعل مباشر على الجفاف المتزايد بالتشديد على تحويل مواقع الإقامة من السهول المحيطة ومن أسفل وادي هور إلى وسط الوادي وهناك من الأطراف إلى الأجزاء الواقعة إلى الأسفل. يصح الشئ نفسه بالنسبة للإفادات التى يمكن أن يتوصل إليها المرء بخصوص عظام الحيوانات المكتشفة: خفضت نسبة تربية الأبقار ليحل محلها الرعي المتزايد للخراف والماعز والتي تجد حتى اليوم مرعاً فقيراً لها بعد الجمال الخاصة ببعض البدو الكبابيش.

 

هل كانت هناك العديد من الطرق إلى رأس الرجاء؟

المزيد من تأثيرات التحولات الايكولوجية للصحراء والنتائج الناجمة على الاقتصاد والتحرك السكاني في الأجزاء الأبعد جنوباً في القارة تظل صعبة الإدراك حتى الآن. إلى الجنوب من وادي هور تظل مساحات شاسعة في جنوب السودان غير مستقصاة فيما يخص علم آثار ما قبل التاريخ. شرق أفريقيا هي المصدر الأقرب المتوفر، الذى يبرهن على الرعاوة في الألفية الثالثة ق.م. في الوقت نفسه توجد المؤشرات الأولى الدالة على رعى الأبقار في غرب أفريقيا.

 

يفترض عادة أن هذه المنطقة كانت نقطة بداية لتحرك لغوى وسكاني شمل مجمل جنوب أفريقيا. هذا التحرك الذى صار يعرف بهجرة البانتو يحتل أهمية كبرى بالنسبة للبحث التاريخى للقارة الأفريقية ويرتبط أيضاً بانتشار إبداعات اقتصادية وتقنية. كثيراً ما جرت محاولات- عادة ما تهمل النقد المصدر الأساسي- لربط المعطيات الآثارية مع وبدعمها بإعادة التركيب اللغوية. في جوانب عديدة فان المجادلة، مستعيدة دوامة المناقشة حول اللغات الهندو-أوربية، تشدد على ضرورة تواريخ مؤكدة والتعاون السريع بين علم اللغويات وعلم الآثار. ويربط مركز كولون للبحث التعاوني شمال أفريقيا وجنوبها من وجهة النظر هذه. يركز المشروع بحثه في مجال ما قبل التاريخ على الـ 3000 سنة الأخيرة التى بدأت فيها الرعاوة، وصناعة الفخار، والزراعة، والتعدين رحلتها إلى رأس الرجاء. الأسئلة المتعلقة بالطرق، وبالتواتر والتركيبات الخاصة ببداية إنتاج الطعام في جنوب أفريقيا- احتمالاً أن تكون مرتبطة بالتعدين- تفسح المجال لطرح العديد من الفرضيات التى يجرى اختبارها الآن عن طريق العمل الآثارى الميداني في شمال ناميبيا.

 

مثال اورووانجى

المنطقة التى تعد الأقل دراسة من الناحية الآثارية هي بالرغم- أو احتمالاً بسبب- هذه الحقيقة تدعى كونها معبراً لطرق الهجرات الشمالية والشرقية والجنوبية. الهدف هو تثبيت إطار كرونولوجي والذي يمكن ملئه بالمعطيات الاقتصادية والإيكولوجية وبمعطيات علم النباتات القديمة وعلم الحيوانات الحفرية. تبدو كاوكولاند في شمال غرب ناميبيا المنطقة الأكثر ملائمة لمشروع البحث هذا، طالما أن رعاة الأبقار الهمبا، وهم مجموعة تقليدية من شعب هيريرو، يمثلون نموذجاً يعطى رؤية واضحة لنمط الحياة التقليدي للرعاة الأفارقة. أثبت البحث الميداني بسرعة الاحتفاظ بظروف مواقع سكنية مكشوفة في العراء والكشف عنها، حيث تبدو البينة الدالة على الرعاة أكثر موثوقية. من جانب ثانٍ أصبح ممكناً التنقيب في ستراتيجرافيا داخل الكهوف في منطقة اورووانجى إلى الغرب من منطقة العاصمة وبوو خلال الموسم الأول للعمل الميداني. تظهر هذه الاستراتيجرافيا لقي فخارية تصل إلى عمق متر واحد بالإضافة إلى عظام خراف وماعز في العديد من الطبقات. تشير البقايا النباتية العديدة إلى مناخ شبه جاف دائم نسبياً خلال فترة الإقامة والتي تم التعرف عليها عن طريق سلسلة من التواريخ الراديوكاربونية. تعطى تلك عمراً تقريبياً 2000 سنة بالنسبة للظهور المبكر للفخار وتربية الحيوانات. تاريخ آخر يؤكد تلك الأدلة المبكرة لهذه الظواهر الثقافية في ناميبيا يأتي من موقع "جيدولد" حوالي 200 كيلومتر بالإضافة أيضاً إلى أدلة من حفريات أخرى في جنوب أفريقيا.

 

التنوع الاقتصادي لتقليل المخاطرة

في المسار التاريخى اللاحق لهذه الصورة الاختبارية للتطور ما قبل التاريخى المتأخر وأصل اللغات والمجموعات السكانية الحديثة المطوية في جنوب أفريقيا، والتي نتجت بسبب الاختلاف الإقليمي والزماني في ظهور رعى الأبقار، والزراعة، والتعدين. بالتالي لا يبدو من المنطقي ربط بدايات الاقتصاد الإنتاجي بالمصطلح "نيوليتي". التحول الثقافي التاريخى الذى يوصف تقليدياً بـ "الثورة النيوليتية"- والذي يعنى بداية الزراعة، ورعى القطعان، والإقامة الدائمة وتقنية الفخار في الشرق الأدنى وأوربا- في الغالب المحتمل  قد حدث في القارة الأفريقية في هذا الشكل في وادي النيل. على سبيل المصادفة فان نظرة إلى ماضي أفريقيا وكذلك إلى حاضرها تُظهر أن الاقتصاديات وأنماط الحياة المتنوعة تتجلى بأشكال وترتيبات مركبة مختلفة. كذلك فان التطور لا يحدث خطياً، أي، تطورياً أو ارتقائياً باتجاه أشكال أعلى من المدنية. الأقرب هو أن الهدف النهائي كان هو تقليل المخاطرة. كان على الناس بخاصة في مناطق جافة أن يندفعوا إلى نشر استخدام الموارد وفي أثناء ذلك تقبل مبدأ التراجع من الزراعة إلى صيد الحيوانات. غض النظر كانت بداية رعى الأبقار مرحلة تاريخية في المناطق المختلفة للقارة باستقلال عن مسألة عما إذا كان تدجين الأبقار قد وصل من الشرق الأدنى أو عما إذا كان من الممكن عده إنجازاً أفريقيا مستقلاً يرجع تاريخه إلى الألفية التاسعة ق.م.

 

نموذج التطور الهولوسينى في شمال شرق أفريقيا وجنوب غربها المرسوم بعاليه يعتمد جزئياً على نتائج غير منشورة حتى الآن والتي تم تحقيقها من قبل مجموعة البحث التكاملي. الأشخاص المرتبطون بهذا العمل هم: مارتن البرخت، وهالا بركات، وهوبرت بركى، وهلجا بسلر، وهولاف بوبنزر، وباربارا ايشورن، وتوماس فرانك، وبرجيت جيهلن، وبرجيت كيدنج، وكارين كندرمان، وستيفان كروبيلن، وردولف كوبر، وجورج لنستيدر، وستيفانى نوسباوم، وجورجن ريختر، وهيكو ريمير، وهايمز ساندر، وفيرنر شوك، وستيفان فينزيل، ورالف فوجلسانج، وباربارا زاخ.