ندوة: المدينة في الوطن العربي في ضوء الاكتشافات الآثارية: النشأة والتطور

 

 

المدن والتمدن :

من منظور رؤية تطورية للتعقد الثقافي

"دراسة حالة : الجرميون في فزان و المرويون في وادي النيل السوداني- مقاربة"

أسامة عبدالرحمن النور

قدمت هذه الورقة لـ ندوة: "المدينة في الوطن العربي في ضوء الاكتشافات الآثارية: النشأة والتطور"، التى كان من المفترض انعقادها في الرياض في نوفمبر 2004. وبما أن الندوة لم يتم انعقادها ارتأيت نشر البحث على صفحات أركامانى.

موجز الورقة

حول أهمية النقلة النيوليتية وإشكالاتها

المدن والمدنية

المدنية الجرمية في صحراء فزان : دراسة حالة

 

 

 

 

 

 

موجز الورقة

ارتبطت مسألة نشوء المدن بإشكالية "التعقد الثقافي"، أي بظهور الثقافات المعقدة والتي طرحت من خلال المجادلات حولها العديد من التساؤلات الخاصة بجوهر التعقد الثقافي.

 

تحاول هذه الورقة إحداث مراجعة، من واقع أحدث المعطيات الآثارية من وادي النيل السوداني والصحراء الليبية إلى الغرب منه، معنى بعض المصطلحات واستخدامها بحذر أكبر في إطار إشكالية التعقد الثقافي. فالورقة تنطلق من فرضية أنه ولإنجاز تفسير شامل للتعقد الثقافي لا بدَّ من دراسة الدوافع التى أفضت إلى نشوء المدن ولأسباب تعدد الأشكال التى اتخذها. تسعى الورقة إلى اعتماد تفسير تطوري لهذه الظاهرة وهو ما سيفرض بالضرورة إعادة صياغة المفهوم نفسه ودمجه مع متغيرات خاصة بحالات منفردة. من هنا المحاولة في هذه الورقة لتحليل ظهور المدن انطلاقاً من فاعلية الأنظمة المختلفة لانتقال السمة الثقافية.

 

تجادل الورقة بأن مصطلح "المدينة والتمدن" لا بدَّ من إخضاعه لمراجعة جذرية ذلك أن الجانب الحاسم لهذه الظاهرة لن يكون هو وجود أو عدم وجود منشئات وصروح معمارية ضخمة أو سمات أخرى وإنما يتوجب التعبير عنه من خلال علاقة أنماط سلوكية مرتبطة بالتمدن وبالشفرات الثقافية للاتصال والتلاؤم الشامل وما إلى ذلك.

 

 

تقدم نتائج الأبحاث الميدانية الجارية حالياً في سلاسل الصحراء الوسطى الليبية وفي صحراء مصر الغربية وفي وادي النيل السوداني وفي السهول الممتدة إلى الغرب منه من المعطيات المادية ما يدفع إلى إعادة تركيب التاريخ الثقافي القديم للمنطقة في مجملها. تستخدم الدراسة مصطلح "الصحراء الليبية" بمعناها الواسع استناداً إلى التسمية الإغريقية القديمة، بحسبان أن "ليبيا القديمة" تسمية محفوفة بالمرونة بما يجعلنا نطلق هذا الاسم على منطقة الصحراء الكبرى الحالية بأكملها خاصة الأجزاء الوسطى منها وامتداداتها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. في الوقت نفسه ترفض الدراسة مبدأ التقسيم الحديث للصحراء إلى ليبية شمالية تمثل مجالاً للدراسات البحر أبيضية متوسطية، وجنوبية سودانية تمثل مجالاً للدراسات الأفريقية، باعتبار أن ذلك يمثل إقحاماً لطابع الحداثة على التاريخ القديم. من ثم فإن الدراسة تسترشد بالتوجه الجديد في علم الآثار الأفريقي المستند على نتائج أبحاثه العديدة في الصحراء الوسطى. كذلك تسترشد الدراسة بنتائج أعمال الاستكشاف والتنقيب الآثارى الجارية في وادي النيل السوداني وفي السودان الأوسط. بالإضافة إلى نتائج الأعمال الميدانية الجارية في صحراء مصر الغربية.

 

حول أهمية النقلة النيوليتية وإشكالاتها

بداية نقول بأن دراسة الانتقال إلى حياة الاستقرار وظهور المدينة في التاريخ لا بدَّ وأن تبدأ بالتراجع القهقري إلى ما اصطلح على تسميته وفق جوردون تشايلد بـ "ثورة العصر الحجري الحديث" تعبيراً للأهمية المبدئية التى اقتناها إنتاج الطعام بالنسبة للتاريخ الثقافي للبشرية. وفي الوقت الذى نعترف فيه الآن بأن أشكال حياة العصر الحجري الحديث لم تتطور أو تنتشر من مركز أوحد في مكان ما من الشرق الأدنى، كما اعتقد جوردون تشايلد، إلا أنه لا بدَّ من الإقرار بأن العصر الحجري الحديث كان بحق عصراً ثورياً بمعنى واسع. فقد حول إنتاج الطعام في نهاية المطاف معظم ثقافات العالم محدثاً في الآن نفسه تحولات في عالم الطبيعة (1) هذه الثورة النيوليتية ذات أبعاد ثلاثة على الأقل : التدجين، وأنماط للحياة المستقرة جديدة، وتقنيات جديدة. هذه الأبعاد ستكون موضوع هذه الورقة.

 

بالتدجين نشير في هذه الورقة تحديداً إلى الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبين واحد أو أكثر من الأنواع النباتية أو الحيوانية. وندرك اليوم أن التدجين كان عملية أكثر من كونه حدثاً. ومن ثم لازال الجدل دائراً عن الكيفية التى دشنت بداية لتلك العملية. طرحت العديد من الآراء ذات الأهمية بالنسبة لهذه الإشكالية (انظر: جوردون تشايلد "د.ت."؛ Boserup 1965 ؛ Flannery 1973).

 

تكمن الثورة الاجتماعية- الاقتصادية المنجزة الحقيقية لا في التدجين في حد ذاته "بل في الأفكار القابعة في أساسه، في الرؤية الكونية التى أفضت إلى حدوثه والتي تطور عنها، وفي مجموعة المفاهيم التى كانت منبعاً لطريقة تجربة حياتية مختلفة ومحيطات الفرد الطبيعية" (موري: تحت الطبع). ما حدث هو أن التأثير المتنامي تدريجياً لكل ما استوعبه عقل الإنسان بدون وعى خلال الألفيات المبكرة، بدعم بدئي، بلا شك، متلقى من علاقاته المتبادلة مع البيئة، والذي تسبب في اتخاذ "الخيارات" نفسها في تلك المناطق الواقعة حول مدار السرطان كما اتخذت في مناطق أخرى بطرق مختلفة وبوسائل متعددة.

 

ما من شك في أن المناخ يمثل عنصراً لا بدَّ من الالتفات إليه انطلاقاً من حقيقة أنه مارس تأثيراً كبيراً في حياة الإنسان وفي إدراكاته المعرفية. كثيراً ما يتم القفز إلى استنتاجات متعجلة بأن الظروف ما قبل التاريخية "القاسية" ما كانت لتسمح بتطور نماذج ثقافية من النوع الذى يتطلب توفر شروط مسبقة تتمثل في سيادة ظروف بيئية ملائمة. حالياً تتوفر لدينا نتائج تظهر قدراً عالياً من التوافق من أعمال بحث أجريت في مناطق مختلفة من الصحراء، رغم أن أعمال البحث تلك تناولت بيئات ايكولوجية متباعدة ومتنوعة مورفولوجياً وفسيولوجياً (أسامة النور 2003).

 

هنالك فجوات في معلوماتنا عن الثقافة المادية، ولا تبدو المعطيات المتوفرة متناقضة فحسب، بل أنها لازالت تواجه بالتحدي والرفض. لنأخذ مثالاً عمل ميتر Maitre, 1971 والذي قدم أولى التواريخ لموقع الفخار في لاونى في الهوقار بالجزائر، وأيضاً للموقع في امينكى Camps, 1968. فقط قبل سنوات قليلة مضت عدت تلك التواريخ غير صحيحة وغير معتد بها، ذلك أنها جرت على عكس مجمل البينة المتوفرة حينها، كما ولم تك مقبولة بعد فكرة إجراء المراجعة المستمرة للبحث. لكن عدد "المفاتيح" ظل في تصاعد مستمر. قادت المعطيات الهائلة المتوفرة من الصحراء الوسطى والصحراء الشرقية إلى طرح تاريخ قديم للغاية للنقلة النيوليتية، مع إرجاع الفخار إلى مراحل أسبق تعود إلى حوالي الألفية العاشرة قبل تاريخ اليوم. تمَّ جلب الفخار وكذلك البقايا الحيوانية إلى الضوء، رغم أن الأخيرة احتوت على قدر من عدم الموثوقية تحديداً فيما يتعلق بأي من الأنواع تم تدجينها أو أنها كانت في طور التدجين Gautier, 1987. الملاحظات التى قدمها وندورف Wendorf, 1984 تجعل، على كلٍ،من الواضح وجود معطيات أخرى جديرة بالأخذ في الحسبان إلى جانب تلك المشتقة من اللقي مباشرة. ويرجع وندورف إلى المناخ القديم والبيئة بإشارته إلى ضرورة الالتزام بتفسير اللقي بحسبانها تعود إلى فترة الثيران (البوفيد) في الفن الصخري الصحراوي التى كانت فعلياً حينها تحت سيطرة الإنسان، في طور من الأطوار الجنينية (الترويض أو ما قبل التدجين) والتي علّمت الطريق المؤدية تدريجياً باتجاه التدجين الكامل والتهجين المتحكم فيه.

 

في المناطق الأكثر وسطية للصحراء فإن الصورة تكون أشد اتساعا واختلافاً: من النيجر حتى مالي، ومن الهوقار حتى تاسيلي، ومن الأكاكوس حتى مساك، كشفت السلاسل الوسطى المحيطة بالمنطقة ولازالت تكشف عن هُويَّة ثنائية متعددة الأبعاد، والتي يجب تحليلها في إطار بيئتها الايكولوجية المحلية قبل الشروع في دراسة طبيعتها المتنوعة والشاملة والمدهشة.

 

إلى جانب البينة التى توفرها أعمال التنقيب الآثارى، والمناخ القديم وكل فروع المعرفة اللصيقة الأخرى يمكن إضافة إسهام الفن الصخري، إذ انه برغم التردد القائم لازال بشأن التواترات والكرونولوجيا، فإن الفن الصخري يمثل عنصراً ذا ثقل كبير في دراسة تلك الحضارات القديمة للغاية، وتوفر مناظره الهائلة إمكانيات استثنائية للتفسير. ما يبدو صلباً بخاصة في هذه المجادلة هو بالتحديد طبيعتها غير المتخصصة، علاقتها بالنمو البطئ والمتقدم للوعي الذى يشكل النقطة البدئية لكل من التطورات الثقافية نفسها، وكل المعلومات المكتسبة التى سبقتهما بالتأكيد وتكمن في أساسيهما.

 

بهذه الطريقة يكتسب الفخار، أيضاً، قيمته الكلية وأهميته، ما عاد ينظر إليه بوصفه مجرد عنصر يوفر "حاويات" لمنتجات الطعام، ولا بوصفه مجرد بينة دالة على حياة مستقرة. مثله مثل عناصر ثقافية عديدة أخرى، يظهر الفخار في الألفية العاشرة قبل تاريخ اليوم في مرحلة تطور تقنى متقدمة. أمشاط الفخار التى لا زالت تستخدم في إنتاج الفخار وفي أشكال متنوعة من الزخرف والتشكيل Camps, 1969; Roset, 1987; Petit-Maire, 1971; Barich, 1987; Aumassip, 1980-81 تشير إلى أننا نتعامل هنا مع بينة دالة على عمليات ذهنية بلغت مرحلة نضوجها. المهارات الكثيرة التى وجدت في عملية إنتاج الفخار لازالت مصدر دهشة، عندما نلاحظ أنها تنتمي إلى بيئة اعتمدت قيمها الثقافية على وجود "لصيق بالطبيعة" Bedaux, 1986; Delneuf, 1984. طالما أن هذا الفخار كان قد فُسر لفترة تفسيراً صحيحاً بوصفه مؤشراً نيوليتياً Camps, 1971 رغم أن العديدين رفضوا وجهة النظر تلك – فانه يمكن رؤيتها بالتأكيد إثباتاً أكثر منها مجرد بينة دالة على سلسلة غذاء مختلفة، طالما أن تلك السلسلة تعتمد على الاستخدام الأكثر استمراراً وشيوعاً للأنواع النباتية. وفي الوقت الذى يصح فيه عدم وجود آثار للنباتات المدجنة في هذه المنطقة بعد في الفترات المبكرة، فان هناك بالتأكيد بينة واضحة وجلية في هذا الفخار دالة على بداية تعامل وعلاقة جديدة مع البيئة النباتية جالبة معها نوعاً جديداً من التكيف البيئي. لم يستخدم الفخار بالضرورة لاحتواء النباتات فحسب، إذ قد يكون استخدم للألبان ومنتجاتها، وإذا أصبح ممكناً التدليل على وجود حليب في حاويات قديمة فإن ذلك سيوفر زاداً إضافياً جيداً بالنسبة لأولئك الذين يرون ضرورة الدفع إلى الوراء بتاريخ بداية "النقلة النيوليتية"، بمراحلها العديدة والمختلفة في مسار رحلة الإنسان البطيئة للإنعتاق من أسر الطبيعة  Aumassip, 1984; Roset, 1987

 

في اعتقادي انه لمن الأهمية بمكان إعادة تقييم دور الفخار وأهميته، وملاحظة أن الطريقة التى يحول بها الإنسان الصلصال إنما تقف شاهداً على بروز ثقافة جديدة جوهرية، ذلك أن هناك الكثير من المهارات التقنية المحتواة في صناعة الفخار: درجات الحرارة العالية التى يتوجب التوصل إليها، على سبيل المثال، واختيار الصلصال والتعامل معه، والصلابة والخلطة التى يتوجب اختيارها لإعطاء الصلصال الجسم والمادة المطلوبة، واختيار الأشكال لتتلاءم مع المتطلبات الحياتية للمجموعة. كل تلك الاعتبارات وغيرها يبدو أنها تفرض علينا النظر للفخار بوصفه مؤشراً للتغير في سلوك الناس تجاه الطبيعة. يبدو محتملاً الآن أن إنعتاق الإنسان من أسر الطبيعة مرَّ بمرحلة طويلة من الخطوات: تقنيات بقاء مختلفة، أو تقنيات اقتصادية متنوعة بالمعنى الأكثر اتساعاً للمصطلح، قد تكون وجدت متزامنة لفترات طويلة. قد تكون تعاقبت أو تداخلت، ولسنا مجبرين لازلنا للاعتقاد بأن النشاطات "الاستحواذية" – مع كونها مرتبطة بأدوات ما بعد باليوليتية Epipalaeolithic النوع - وصلت فجأة إلى نهايتها عندما وصلت الأفكار "النيوليتية" إلى المسرح. يشير البحث الذى أجرى حتى الآن إلى أن سكان المناطق شبه الاستوائية قاموا بالفعل بدور هام في التحرك قدماً باتجاه اقتصاد يعتمد على "إنتاج" جزء من متطلبات الطعام. ليس هذا هو المكان للاسترسال في عرض النظريات المختلفة الخاصة بالتثبيت المحتمل لتقنيات اقتصادية جديدة خلال هذه الفترة الطويلة في أجزاء قارات أخرى وفي بيئات مشابهة (يمكن للمزيد حول الموضوع مراجعة Butzer, 1972)، كما وليس هنا مكان تقديم تقييم نقدي للنظريات الخاصة "بمعدلات انتشار العصر النيوليتى" القائمة على أساس اكتشاف الفخار (للمزيد يمكن الرجوع إلى Edmonson, 1961)، أو على ملاحظات مثيرة مثل انتشار الزراعة المبكرة وسط سكان أوربا (للمزيد راجع Ammerman & Cavalli-Sforza, 1971).

 

ينصب اهتمامي في تقديم إجابة على سؤالين يتعلقان بجذور النظام الاقتصادي القائم على أساس إنتاج الطعام في أفريقيا ككل وفي الصحراء على وجه الخصوص: كيف حدث الانتقال، وما هي أسبابه؟ المحاولات للإجابة على هذين السؤالين دائماً ما تظهر هذا القدر أو ذاك من الاختلاف، بيد أن تلك المحاولات غالباً ما تحتوى كل منها على إسهام إيجابي جيد في حل المشكلة. من جانب نظري، يمكن للمرء أن يذهب للقول بأنه مهما كان تناول المسألة ذاتياً وتقليدياً فإنه يحتوى في حد ذاته على جرثومة الإجابة التى نسعى للوصول إليها. بمصطلحات عملية، على كلٍ، يكون أكثر فائدة ملاحظة أن الجانب السيكولوجي للسؤال يحتاج بدوره إلى اهتمام، طالما أن اللحظة التى يحدث فيها الوعي بالظاهرة دائماً ما تكون ذات أهمية قصوى. يمكننا بالتأكيد قبول الفرضية القائلة بأن أحداثاً طويلة ومتنوعة مثل تلك التى شملت تدجين النباتات والحيوانات ستكون لها جذور يصعب تتبعها تعود إلى عصور سابقة للعصر النيوليتى بكثير، لكن علينا أيضاً أن نتذكر حقيقة أن نوعاً خاصاً من الإنسان، الذى كان يمنح اهتماماً متزايداً للعناصر الفيزيقية لبيئته من أجل التعرف على تلك الأكثر ملائمة لوجوده الذاتي، يحتاج إلى تطور ثقافي قبل أن يتمكن من تحديد الأحداث المتكررة وجعلها موضوعية بحيث يصبح قادراً على إدراك أهميتها بصورة كلية. إن تحليل بعض جوانب التجسيد المادي للواقع هو ما يشير، بالطبع، إلى حدوث سلسلة طويلة من "الإبداعات" على مدى فترة زمنية وفي أماكن مختلفة، إلى أن حانت اللحظة التى أضحت فيها قيمتها أمراً معترفاً به بصلابة من جانب المجموعة ككل. تمثل جانب آخر هام للمشكلة، على كلٍ، في حاجة المجموعات المعينة إلى تحسين فرص البقاء عن طريق استغلال البيئة بطريقة خاصة. وبما أن كل عنصر لتقنيات الاقتصاد، من أكثرها أولية إلى أشدها تعقيداً، يكون هدفه الأساس موجهاً للحفاظ على النوع، فانه يبدو ليّ بأن إمكانية إنتاج الطعام والامتلاك البطئ للثقة في أن الطعام يمكن إنتاجه بالفعل، عدت، بل وكانت بالفعل، ميزة بيولوجية هائلة عندما يكون الأمر متعلقاً بتقييم خيارات إطالة أمد حياة أفراد المجموعة. هذه هي، احتمالاً، النقطة التى تأخذ فيها العناصر الأخرى "للخيار" الثقافي القيام بدورها. واضح انه ولكيما يتم تثبيت هذه العملية بصلابة، لا بدَّ من الاستجابة إلى بعض الشروط. في المقام الأول ضرورة توفر النباتات والحيوانات القابلة للتدجين؛ من ثم لا بدَّ وان تكون البيئة قد مارست ضغطاً على الإنسان بما جعل من اليسير عليه تغيير الاتجاه بالنسبة للبحث عن الطعام؛ كما لا بدَّ وان تكون مرحلة معينة للتطور الثقافي مختلفة ، لكنها ليست بالضرورة "أدنى"، عن مرحلة الثقافات المعاصرة في مناطق أخرى - قد تسببت في أن تحس بعض المجموعات الإنسانية بميزة مثل هذا التحول بالنسبة لنشاطات الإعاشة التقليدية. حقيقة كون هناك بعض السكان الآخرون الذين يعيشون، على الأقل، في ظروف بيئية شديدة الشبه قد استمروا في الاحتفاظ بطرق الصيد وصيد الأسماك والالتقاط لأزمان طويلة، إنما تعكس، في اعتقادي، بوضوح مدى التعقد الثقافي للمسألة. في إطار وضع ثقافي قد تكون بعض العناصر الوراثية وفرت في البداية نوعاً من الحافز باتجاه خيارات بعينها، والتي تم من ثم تعديلها ليمكنهم التحكم في تلك الخيارات وجعلها أكثر قابلية للتحقيق على المستوى العملي. أشار دوبجانسكي إلى أن فاعلية السكان في بيئة معينة يمكن أن تكون نتاج توازن جيد بين عدد من المتغيرات: التنظيم الاجتماعي، والتكيف السيكولوجي، والتقنية، والعناصر العاطفية Doobzhansky, 1965. حتى لو تم افتراض كون تلك العناصر العاطفية، الناتج النهائي لسلسلة طويلة من العلاقات المتداخلة التى بلغت المرحلة الأخيرة لتطورها، عاملاً محتماً، فإنه لا بدَّ قد كان لها تأثير بعيد المدى على الخيارات الاقتصادية بالنسبة لبعض المجموعات الإنسانية، انطلاقاً من حقيقة أن الإقلاع عن نوع معين من الاقتصاد - صيداً كان أو صيداً للأسماك أو الالتقاطأو الرعي - كان ولازال في حالات مرفوضاً حتى لو عنى ذلك تدهوراً مؤسفاً. يبدو ليّ أيضاً أن تأثيرات المناخ - في مناطق بعينها - لا بدَّ وقد كان لها دور أكثر من مجرد ثانوي بالنسبة لسلوك بعض السكان. بالتالي غالباً ما تصبح كل محاولة لتسليط الضوء على جذور عملية التدجين بحاجة إلى إدراك المدى الواسع للعناصر التى يمكن التعرف على قلة فقط من بينها.

 

عند هذه النقطة يكون من الضروري التشديد على انه وفي المرحلة البدئية للتحول، والتي يمكن نعتها بحق بـ "الثورية"، تقوم الجماعات الإنسانية بتثبيت انفصالها عن البيئة المحيطة التى ظلت تتعايش معها حتى تلك اللحظة في تآلف وتكافل. لا بدَّ وأنه كان هنالك اعتبار لفرص البقاء في الكثير من القرارات (اختيار موقع الإقامة بعيداً عن الأخطار على سبيل المثال)، وبالنسبة لإنتاج الطعام فقد حدث تغير أساسي وحاسم في هذا الوقت. لا بدَّ من الإقرار بأن فرص البقاء تلك، من الناحية النظرية، كانت قد تزايدت عندما تمت عملية إنتاج الأداة الأولى، إلا انه وخلال فترة الانتقال الطويلة من البليستوسين إلى الهولوسين، أدركت بعض المجموعات ببطء في بعض الأماكن أن مستقبلها ما عاد يعتمد فقط على النشاطات غير المأمونة والخطرة المرتبطة بالصيد. أضحى ذلك جلياً ومؤكداً جزئياً عن طريق "التجديد" الدوري الممكن لبعض النباتات والحيوانات. أخذت عملية الحفاظ على النوع، أو على الأقل على بعض المجموعات في إطاره، تعتمد على شئ لم يعد يشتمل على درجة عالية من الصدفة والمغامرة. الثمن الذى توجب سداده تمثل في الاستقرار، لكن بوصفه عادة مكتسبة أكثر منها طريقة حياة محددة (قرى الأكواخ يمكن العثور عليها في مناطق محددة حتى في العصر الباليوليتي الأعلى : انظر: Klima, 1954). على كلٍ، لا مجال لدينا لمعرفة إلى أي مدى كانت طريقة الحياة هذه أو النزوع إليها السبب أو النتيجة للظاهرة التى تهمنا. يبدو لي انه من الجلي للغاية أن عملية التطور البيولوجية في هذه المرحلة من التاريخ القديم لا بدَّ وقد اتبعت عدداً من المسارات المختلفة، كما ويبدو من المقبول أيضاً افتراض ظهور طريقة للحياة تعتمد على مراكمة الاحتياطي أو الفائض القابل للتعويض من فترة لأخرى، في فترة سابقة لنشوء المجتمعات الزراعية أو الزراعية المختلطة. مثل ذلك الاحتياطي أو الفائض كان من الممكن استخدامه ولا شك لدعم الوجود البسيط للمجموعة، لكنه كان من الجائز أيضاً "إعادة توجيهه" (إذا استخدمنا تعبير تينبيرجن الدقيق) بعدد من الطرق، إلى درجة بعيدة لأسباب عاطفية ترتبط بثقافة معينة. إنها لحقيقة مدهشة، على سبيل المثال، أن نجد أن مفاهيم السلطة والثروة في العديد من مجتمعات الصيد أو الرعي المعاصرة تمثل شيئاً جد مختلف عن تلك التى تطورت في مجتمعات ترجع بجذورها إلى الزراعة المختلطة. بعض من المفاهيم الأساسية تكون، في مثل مجتمعات الصيد أو الرعي تلك، مرفوضة لصالح قيم لا تتعدى كونها نظرية الطابع بالنسبة لرؤى ثقافة المجتمعات الزراعية؛ في حين أن أخرى مقلوبة رأساً على عقب. يحدث هذا ليس فحسب في المجتمعات التى تتطلب فيها سلطة التدرج الربط بقيم الكرم والإيثار وانعدام النزعة العدوانية تجاه المجموعة، لكن أيضاً في المجتمعات الأخرى التى تكون فيها الثروة - في الحالات النادرة التى تتراكم بها فعلياً - غير قابلة للتوريث (انظر لمناقشة أكثر استفاضة للموضوع Coon, 1971)، بل يتم تقاسمها بين أعضاء المجموعة بوفاة المالك. أعتقد أيضاً انه تجدر ملاحظة إمكانية أن تكون عناصر ثقافية أو معتقدات دينية قد أسهمت في استمرارية اقتصاد الصيد بتحولها إلى عائق منيع يقف في وجه تبنى النشاطات الزراعية الممارسة لدى مجموعات مجاورة. عبادة الأم الأرض، على سبيل المثال، لا بدَّ وان لها جذور عميقة لدى مجموعات معينة وسط الهنود الأمريكيين، طالما أن شاماناتهم (2) ذكروا، في نهاية القرن التاسع عشر، بأن قضية رفض تبنى التقنيات الزراعية أمر ارتبط أساساً بمعارضة نوع معين من "العمل" الذى كان من الممكن أن يتسبب في جرح الأرض وخدشها، مما قد يفضى إلى منع أعضاء المجموعة من الحلم وبالتالي فقدان إمكانية اكتساب الحكمة Arrowsmith, 1973. كذلك أجد أن ملاحظة بوتزر Butzer, 1972 بشأن عدم وجود اختلافات تقنية واجتماعية هامة بين الاقتصاديات الزراعية البدئية ومجتمعات الصيد-الجمع الصامدة، بل ان العملية التطورية التى نجمت عن الأولى اتبعت سبلاً مختلفة وجعلت الأشياء أشد يسراُ بالنسبة لبعض المجموعات التى امتلكت ميزة مدى أكثر اتساعاً من المهارات، بالإضافة إلى الإمكانيات المادية لمراكمة الاحتياطي، وهى إمكانيات اتسعت تدريجياً مع التطور البطئ للتبادل والتنامي التدريجي للعدوان الضمنوعى.

 

عند هذه النقطة في دراسة فترة تميزت بهذا القدر من الأهمية في تاريخ الجنس البشرى، لا شكَّ في ان الملاحظات المستخلصة من عدد من فروع المعرفة المختلفة بحاجة إلى ربطها بعضها بالآخر، مثل علم الوراثة، والدراسات الخاصة بسلوك الحيوانات، وعلم النفس؛ وفي الوقت نفسه لا بدَّ من ملاحظة نتائج البحث الباليوأنثروبولوجي. في الغالب ما تكون جذور نظام إنتاج الطعام مرتبطة ببدايات تقلص مساحة المجموعة، مصحوبة بتحرك جوهري في المصالح الحياتية باتجاه الفردية المتنامية. أظهر كل من علم النفس وعلم الوراثة، على سبيل المثال، انه حيثما وجدت مجموعات أحياء في حالة تنافس من أجل شئ ضروري للبقاء، يتخذ الاصطفاء بين المجموعات الريادة على الاصطفاء بين الأفراد في إطار المجموعات نفسها.

 

إعادة تركيب المناخ القديم، على كلٍ، ليست كافية في حد ذاتها للسماح بتركيب نموذج لما أفضى إلى النقلة النيوليتية، بأجزائها المركبة اللانهائية. كان المناخ ولا شكَّ أحد أهم العناصر، لكنه لا يجوز بحال عده العنصر الحاسم، طالما أن ظروفاً مشابهة توجد في أجزاء كثيرة من العالم لم تنشأ فيها ضرورة للزراعة ولا للرعي أو لهما معاً. علينا الاعتراف بأن قوى مختلفة لا حصر لها كانت فاعلة سوياً لتفضي إلى ظهورهما، وان ذلك حدث في أجزاء مختلفة من الأرض خلال الفترة الزمنية نفسها من التاريخ الطويل. البيئة، بالتالي، بقدرتها الخارقة على الخلق والتدمير، لا بدَّ وان كان لها دورها في بداية النقلة النيوليتية، مع انه يتوجب علينا استخدام خيالنا لإعادة خلق كل تلك الجوانب الخاصة بها والتي لا يمكن إعادة تركيبها مطلقاً: العمليات الذهنية المحتواة، والتطور العصبي المترتب بصورته العامة، إلى جانب رؤية للعالم الذى يشهد تعديلاً تدريجياً عبر سيطرة الإنسان المتنامية على محيطه الطبيعي، وسلسلة الإبداعات الثقافية الآخذة في التحول إلى ضرورات فعلية لا يمكن تجاوزها.

 

أدرك الإنسان أن قدراته الذاتية المتنامية تمنحه حق السيادة على الطبيعة، ويضعه هذا الوعي ليس فحسب خارج الطبيعة بل فوقها. واضح بالنسبة ليّ أن هذا الطور الحرج الذى نسميه "النقلة النيوليتية" لا بدَّ وقد دام على مدى فترة أطول مما كنا نعتقده في السابق، وقام بدور هام وحيوي في تدعيم الخطوط التى سارت عليها المجموعات الإنسانية المختلفة.

 

سيكون من الخطأ، على كلٍ، التساؤل عن لماذا اتخذ سلوك الإنسان أشكالاً مختلفة إلى هذا القدر، إذ انه ومع كل الدعم الذى توفره فروع المعرفة المكملة لعلم الآثار، فان إجابات على مثل هذه التساؤلات ستكون دوماً ذاتية الطابع، لن تكون أكثر من تفسيرات بسيطة لمراحل تطور يفترض أن ارتباطاته قد فقدت وإلى الأبد. كل ما بمقدورنا فعله هو أن نلاحظ بعض "الحقائق" و "نقرأ" تلك الحقائق بطريقة تأخذ في الحسبان كل من وظائفها التاريخية والبيولوجية، دون أن نقيم مواجهة بين إحداها والأخرى بطريقة لا زالت، فيما يبدو، مدعاة لنشوء مجادلات حول ما إذا كانت إحداها تمثل ثقلاً أكثر من الأخرى.

 

المدن والمدنية

يقودنا هذا إلى طرح الكثير من التساؤلات عن جوهر التعقد الثقافي الذى ارتبط بالعملية النيوليتية والذى أفضى إلى ظهور المدينة والمدنية، وعن ماهية العوامل التى تسببت في ظهور أولى أشكال المجتمعات المدنية المعقدة في الزمان والمكان المحددين الذين ظهرت فيهما. أثبتت الأحوال أن إعطاء محتوى مفهومي لمصطلح "المدنية" يشكل تحدياً بالنسبة لكل من علماء الآثار وفلاسفة التاريخ على حد سواء. والقائمة الخاصة بثقافات ما قبل التاريخ في العالمين القديم والجديد طويلة ومتنوعة. كيف تطورت تلك الثقافات؟ ولماذا تظل مسألة غامضة الإجابة عنها معقدة ومضنية؟ يدرك علماء الآثار من جانبهم أن المصنوعات المادية التى يتعاملون معها ليست أكثر من مجرد انعكاسات غير دقيقة للأنظمة الاجتماعية المعقدة. لكنه، وبما أن تلك الموضوعات كانت في وقت ما جزءاً من تلك الأنظمة فإنها من الممكن أن تخدم بينة ملموسة لطابع المدنيات القديمة.

 

كان جوردون تشايلد قد عدد قبل خمسة عقود السمات التى يرى بأنها أسهمت بصورة رئيسة في نشوء مجتمعات المدن والمدنية: الكتابة، والحيوانات المستخدمة قوةً للسحب، والعربات ذات الدولابين، والمراكب الشراعية، والإنتاج الفائض، والتخصص الحرفي، والري، والرياضيات. وكلها كانت حوافز لها تأثير حسب رأيه (جوردون تشايلد "د.ت."). ومع أن كل تلك السمات يمكن أن تكون قد ميزت مدنيات الشرق الأدنى القديم التى كان تشايلد قد تعرف عليها، إلا أن قائمته تلك لا يجوز عدها قابلة للتطبيق بصورة شمولية. أو لم يتضح أن بعض ثقافات الهنود الحمر الأمريكيين مثل مدنيتا المايا والانكا افتقدتا عدداً من تلك السمات التى يعددها تشايلد؟

 

كان علماء آثار ما قبل التاريخ، في ندوة انعقدت في عام 1985 بجامعة شيكاغو، قد اتخذوا خطوة نحو إدراك حسي أكثر دينامية لمفهوم المدنية، واقترح الأنثروبولوجي كلاودي كلوكهون تحديداً للمدنيات بحيث يرى أنها ذلك النوع من المجتمعات الذى يمتلك: (1) مدناً يبلغ عدد سكانها ما لا يقل عن 5000 نسمة؛ (2) الكتابة؛ (3) منشئات معمارية ذات طابع طقوسي تتسم بالضخامة Kraeling and Adams 1960.

 

لكن، على سبيل المثال، إذا كان بمقدور ثقافة أن تضم آلاف الأشخاص في موقع إقامة مستقرة دائمة فإنها لا شك تمارس شكلاً من أشكال الحكم أو السيطرة الإدارية وكذلك إعادة توزيع السلع والخدمات غير المعتمدة على قاعدة عشائرية ضيقة. وتعكس الكتابة مصالح ترتبط بالاحتفاظ بسجلات وحسابات دقيقة تمتد من التقارير الاقتصادية وسجلات الضرائب إلى القواعد القانونية والعرف والتقاليد. أما النشاطات المعمارية الضخمة التى تنشأ نتيجة لها الأهرام أو المعابد أو غيرها من أشكال المعمار الطقوسي الطابع فإنها تشكل، ولا شك، فائضاً إنتاجياً اجتماعياً طالما أن تلك المشاريع لا تسهم بصورة مباشرة في تغطية الحاجات الآنية والأساسية مثل الطعام بالطريقة نفسها التى يسهم بها حفر قناة أو فجارة للري على سبيل المثال. فالثقافة التى يكون بمقدورها إنتاج معمار طقوسي الطابع وضخم إنما تكون قد حققت قدراً من النجاح مكنها، في المقام الأول، من تغطية احتياجات مواطنيها من جانب، وفرض درجة من السيطرة عليهم من جانب ثانٍ.

 

اليوم لا يمكن وصف تعريفات من مثل ما يطرحه كلوكهون بالدقة فيما يتعلق بصلب الموضوع طالما أن مثل تلك التعريفات تبتعد عن السؤال الأساسي: كيف ظهرت المدنيات ولماذا طالما أننا نعدها نتاجاً تاريخياً. احتمال قد يمكن طرحه وهو أنه قد يكون من المفيد عد المدنية ميكانيزماً تكيفياً. فعلى سبيل المثال قد يكون نشوء مجتمع ضخم ومعقد قد جاء كضرورة لاحتواء الزيادات السكانية المتسارعة الناجمة عن النجاحات المحققة في مجال النشاطات الزراعية. لكن، أيضاً، ربما يكون الأمر بعكس ذلك تماماً بحيث يشكل سكان جوعى مكدسون القوة الدافعة لتشييد قنوات الري الضرورية سعياً لتحقيق المزيد من إنتاج المحاصيل. أو قد يكون الاحتياج للسيطرة على المياه وإمداداتها فرض على مجتمعات بأكملها الإذعان إلى قرارات زعيم منظم يسود فوق الجميع. ظل المؤرخون يتجادلون على مدى أزمان فيما بينهم حول الدافع الذى أدى إلى نشوء المدنيات في مناطق مختلفة. هل نشأت مدنية من المدنيات نتيجة للحروب وضرورة تنظيم الدفاع المشترك؟ هل يحتمل أن يكون الدين أو نشوء دولة دينية قد قام بدور في بعض الحالات؟ هل أن نظاماً جديداً ناشئاً اتخذ ذريعة لتقنين الاستحواذ وحمايته بدرجات متفاوتة على الموارد والثروة الناجمة عن الإنتاج المتزايد؟ تلك وغيرها من الفرضيات الأخرى تم اختبارها في مواجهة المعطيات المتوفرة من مجتمعات ما قبل تاريخية منفردة لكن ظلت النتائج النهائية قليلة وقاصرة. فهل ستسهم النتائج المتحصل عليها في الصحراء الوسطى مؤخراً في تقديم بعض "المفاتيح" التى قد تساعد في اختبار تلك الفرضيات؟

 

بوجه عام يمكننا افتراض عدم وجود عنصر واحد رئيس من شأنه أن يدفع بصورة ثابتة المجتمع على درب المدنية. ويعتمد المؤرخون المعاصرون بدلاً عن ذلك تفسيرات متعددة الأبعاد تأخذ في الحسبان الطابع المعقد لكل المجتمعات. فكل نظام ثقافي مؤلف من عدة مركبات بما في ذلك تقنيته، واقتصاده المعاشي، وتنظيمه الاجتماعي، وتعبيراته العقائدية والرمزية، واتصالاته وتجارته مع المجموعات الأخرى. وطالما أن كل عنصر من تلك العناصر الخاصة بذلك المركب متداخل مع عناصر المركب الأخرى فإن المجتمع ككل عليه أن يتكيف حيثما ظهر تغير في أي من عناصره، أو في عدد من عناصره، أو في علاقة عناصره إحداها بالأخرى. وإذا وصلت الثقافة إلى مرحلة حرجة يمكنها إنجاز التطور الذى نسميه "المدنية".

 

فالمدنية مثلها مثل أية استجابة معقدة أخرى للتكيف، تحتوي على إحداث تعديل بؤري يهدف إلى التلاؤم مع ظروف متغيرة. وقد عبر روبرت فينيك عن ذلك قائلاً "يمكننا القول بأن الانتقال إلى النظام الاجتماعي الأكثر تعقيداً قد تم برغم تأثيره على نوعية الحياة، وأن أسبابه لا يجوز البحث عنها في خيارات الأفراد أو المجموعات حول الطريقة التى يريدون العيش بها، وإنما في العناصر المادية للايكولوجيا والاقتصاد والتقنية" Wenke 1984.

 

يعد ظهور المدن أكثر الإنجازات دينامية ودرامية المرتبطة بالمدنيات. فالمدنيات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنشوء حياة المدينة مع أنه ليس كل المدنيات قد أفرزت مدناً حقيقية. وكان ردمان Redman 1978 قد أشار إلى أن معظم المدن القديمة اشتركت في سمات أساسية لخصها في : (1) عدد سكان كبير مع كثافة واضحة؛ و(2) التعقيد والاعتماد المتبادل؛ و(3) التنظيم الرسمي والمجرد؛ و(4) نشاطات غير زراعية عديدة؛ و(5) تفرعات عديدة للخدمات المركزية لسكان المدينة ولسكان التجمعات الصغيرة المحيطة بالمدينة على حد سواء.

 

المدنية الجرمية في صحراء فزان : دراسة حالة

انطلاقاً من الإطار النظري أعلاه تحاول هذه الورقة الآن النظر إلى أحدث المعطيات التى وفرتها أعمال الاستكشاف والتنقيب الجارية في صحراء فزان ومدنيتها الجرمية. تصف المصادر اليونانية والرومانية عموماً الجرميين طبقاً لسلسلة جد محدودة من الكتابات النمطية عن سكان الصحراء وفق منظور مفترض. النعوت المستخدمة لوصف الجرميين تبين المشكلة بصورة واضحة. فالجرميون يوصفون بأنهم: عديدين، ومتوحشين، وقساة، ويسكنون العشش، ومتفرقين، ومختلطين، وبلا قانون، يتلقون الجزية، وخفيفي التسليح، وقطاع طرق، وسود البشرة. وهناك إشارات للزراعة وأشجار النخيل، لكن تلك تتراجع إلى الخلفية في مواجهة الروايات المتكررة لقصة هيرودوت عن أبقار الجرميين ذات القرون التى تبلغ طولاً يفرض عليها أن ترعي الحشائش وهى تسير إلى الخلف (هيرودوت، التواريخ، الكتاب الرابع، ص. 125، الفقرة 183). من السجل الكتابي المتراكم يمكن للواحد أن يستنتج بأن الجرميين كانوا قبيلة بدوية شبه مترحلة، مع قليل اهتمامات بالزراعة.

 

الآن أصبحت إشكالية المدنية الجرمية في فزان، والتي شغلت جزءاً كبيراً من جنوب ليبيا في فترة معاصرة بصورة عامة للإمبراطورية الرومانية، تحتل مكانة تزداد أهمية في المجادلة الدائرة حول الزراعة والمدنية في الصحراء الوسطى. تمثل البينة الهائلة للتكيف الإنساني مع ظروف الصحراء والتطور المبكر للواحات المروية في هذا الجزء من الصحراء، أهمية كبيرة لدراسة الحالة هذه (انظر Barker and Gilbertson 2000 بالنسبة للموضوعات العامة المحيطة بعلم آثار الصحارى). يفرض الجفاف الشديد في فزان تحديات هائلة أمام الإقامة الإنسانية، ويطرح السؤال عن الكيفية التى تمكن بها الجرميون والسكان اللاحقون من ممارسة الزراعة المستقرة في المنطقة. كشفت الأعمال الميدانية التى أجراها الإيطاليون في ثلاثينيات القرن المنصرم، ودانليز، وأيوب في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم شيئاً من مدنية الجرميين، لكنها تركت العديد من الأسئلة المتعلقة باقتصادهم بلا إجابة Pace, Sergi and Caputo 1951; Ayoub 1967; Daniels 1970; id.1989. أصبحت تلك المشكلة الآن تحت المجهر بفعل أعمال الاستكشاف والمسح والتنقيب الآثارية الأخيرة التى تشير إلى أن نهوض الدولة الجرمية، من بدايتها في القرن السادس ق.م. حتى قمة ازدهارها في القرن الميلادي الثالث، تُعلم رقياً هائلاً في التنظيم السياسي والاجتماعي-الاقتصادي لفزان. حقيقة فإن العديد من النقاط لازالت غامضة، بأمل أن يتم توضيحها مع تقدم عمليات البحث الآثاري الجارية في المنطقة. لكن يبدو من الواضح الآن كيف كانت الدولة الجرمية مختلفة ومبدعة إذا ما قورنت بالأشكال السابقة للتكتل الاجتماعي في المنطقة نفسها. إذا أشرنا إلى المظاهر الأساسية، فإن الصحراء الوسطى قدمت للمرة الأولى بينة دالة على التمدن، وعلى تمركز السلطة السياسية، وعلى كنوز ثروات لافتة للانتباه (في الجبانات الملكية)، وعلى استغلال زراعي مكثف للواحات، وعلى التجارة بعيدة المدى، وعلى صناعة المعدن (الحديد)، وعلى استخدام الكتابة. عندما يتم وضع تلك الإنجازات في منظور متكامل صحيح فإنه سوف تتضح الحاجة لإعادة تقييم لتاريخ المنطقة قائم على بذل المزيد من الجهد البحثي الميداني وعلى تجميع المعطيات ووضعها في محتواها التاريخي المناسب.

 

من بين الإشكالات التاريخية العديدة التى يتوجب علينا حلها (أو على الأقل تحديدها) في هذا المحتوى، سأفرز إشكاليتين منها : إشكالية التقنية المتوفرة لمثل هذا النهوض الهائل لدولة معقدة في قلب الصحراء؛ وإشكالية الأسباب التى أدت إلى زوالها المفاجئ. حالياً نمتلك فقط بينة استنتاجية بين يدينا، لكنه لا يجوز القول بأن الوقت لازال مبكراً لإثارة النقاش، جزئياً بغرض توجيه مجال البحث الميداني إلى أهداف أكثر تحديداً.

 

بالنسبة للإشكالية الأولى، تحديداً التطبيق التقني، فإن السمات الأساسية هي الفجارات والإبل. يبدو واضحاً- على الأقل بالنسبة ليّ- أن الزيادة المفاجئة في السكان وكثافتهم في وادي الآجال (حول جرمة) وفي وادي تنزوفت (حول غات) لا يمكن لها أن تكون قد حدثت بدون إدخال البستنة القائمة على قاعدة أشجار النخيل والري (تحديداً نظام الفجارة). لدى إعادة تركيب التغيرات التقنية والديموغرافية كبيرة الحجم، علينا أن نتبنى منظوراً أكثر اتساعاً. حالياً، فإن التفاوت بين الاستغلال الرعوي والجرمي للمنطقة مدهش للغاية، رغم أن الانتقال كان تدريجياً وتحتوى أنماط الإقامة الرعوية المتأخرة على سمات سوف تسود لدى الجرميين.

 

خلال الفترة الطويلة (حوالي 10.000 إلى 3000 سنة مضت)، عندما نتج عن الظروف الايكولوجية في فزان نوع من السافانا كافية لإعالة كم كبير من الأبقار والأغنام، جرى استغلال المنطقة عن طريق مجموعات صغيرة تتحرك بين الجبال والسهول، على ضفاف البحيرات والبرك، مع معسكرات فصلية (للمزيد من التفاصيل انظر: أسامة النور 2004). أثر الاقتصاد الرعوي على مجمل المنطقة (من وديان الجبال إلى السهول المنفتحة) بطريقة متجانسة. خلال المرحلة الرعوية المتأخرة، عندما أخذ المناخ في التدهور (أساساً بين5000 و3000 سنة مضت)، بدأت مواقع الإقامة الرعوية تتمركز حول قاع الأودية (مع الواحات الممتزجة بها) وفي الجبال، وهجرت العروق. عندما اكتملت عملية التصحر، أصبحت الإقامة الإنسانية متمركزة في الواحات النواة، وتم تحول كامل في النظام السابق: إقامة متمركزة بدلاً عن منتشرة؛ البستنة زائد التجارة بدلاً عن الرعاوة. لا يمكننا أن نتصور أن هذا النظام الجديد برز إلى الوجود بدون أو قبل إدخال تقنيات زراعية وتجارية جديدة. هنا، فإن معرفتنا لا يمكن وصفها بأكثر من كونها متنافرة. أشجار النخيل ترجع بموثوقية إلى وقت مبكر من الألفية الأولى؛ إدخال نظام الفجارة في حوالي القرن السادس ق.م. يظل أمراً قابلاً للنقاش؛ وإدخال الإبل يفترض أنه أعقب ذلك التاريخ (السنوات الختامية للألفية الأولى ق.م.). على كلٍ، خلال فترات أوج ازدهارهم (القرون الأول-الثالث الميلادية) امتلك الجرميون كل الأدوات اللازمة لفرض سيطرتهم على الصحراء. لكني أعتقد بأن وفرة الأدوات هذه لا بدَّ وأنها وجدت خلال المراحل المبكرة لتطور الدولة الجرمية في القرن السادس ق.م. أعترف بأن المعطيات المناسبة غير كافية في الوقت الراهن، لكن هذه مشكلة بينة مفقودة وليست بينة عكسية.

 

ركزت أعمال المسح والتنقيب الآثارية التى قام ماتنجلي بتنفيذها في وادي الآجال، وهو الوادي الوسط من حزام الواحات الثلاث الأساسية التى تؤلف فزان، والمعروفة بكونها قلب أرض الجرميين وتضم عاصمتهم في مدينة جرمة، جاراما سابقاً (Mattingly et al. 2003، لتركيب أكثر شمولية). عرفت جرمة منذ أعمال التنقيب التى أجريت في ستينيات القرن المنصرم باحتوائها على المباني ذات الأساسات الحجرية التى ترجع إلى تاريخ روماني Ayoub 1967. على مدى خمس سنوات، قام فريق ماتنجلي بالتنقيب في ما يبدو معبداً مجاوراً هنا، متتبعاً الموقع الحضري بدءاً من آخر أطوار السكن فيه في بدايات القرن العشرين الميلادي انتهاءً ببدايات الموقع في حوالي 300 سنة ق.م. (لمراجعة التقارير المبدئية لأعمال التنقيب انظر: Mattingly et al.1997; id. 1998; id. 1998a, id. 1999; id. 2000; id. 2000a; id. 2003).

 

في وقت متوافق مع أعمال التنقيب، أجرى ماتنجلي كذلك أعمال مسح آثاري في وادي الآجال، والتي ألقت الضوء على السر الغامض لمواقع الإقامة الجرمية، والتي ظل مشكوكاً فيها مع الجبانات العديدة الهائلة على امتداد جرف السلسلة الجبلية. يشير الكشف عن العديد من مواقع الإقامة في مركز الوادي التى تعود إلى تاريخ جرمي، والمؤلفة من قرى نووية وأيضاً على الأقل من موقعين حضريين إضافيين، إلى أن تقديرات أعداد السكان الجرميين قد تحتاج إلى مراجعة تنحى نحو الزيادة Liverani 2000; id. 2000a; id. 2000b: id. 2000c; Mattingly 2000; Edwards 2001. ويقدر ماتنجلي بأن الحد الأقصى للسكان تراوح بين100/50 ألف نسمة. تثير هذه التقديرات إشكالية أساسية تتعلق بالكيفية التى وفرت بها المجتمعات الصحراوية العديدة الغذاء لنفسها.

 

توفر بقايا المئات من قنوات الري تحت الأرضية بلا شك جزءاً من مفتاح الإجابة. هذا النوع من النظام منتشر عبر العالم في الأراضي الجافة، ويظهر تحت مسميات مختلفة: فجارة، وقناة، وفلج ومسميات أخرى Cressey 1958; Goblot 1979; Balland 1992. يصف ماتنجلي الفجارة بأنها .. "قناة تحت الأرض تسد المياه الجوفية (حنفية)، عادة في منحدر تل أو في منطقة السفح، وتقود الماء إلى سطح الأرض بعيداً أسفل التل عن طريق نفق قليل الانحناء. السمة التى تميز تشييد الفجارة أن النفق لا يكون أفقياً من طرف التل، لكن، بدلاً عن ذلك، تحفر ممرات عمودية (أشبه بالبئر) على بعد مسافات محددة وتحفر الأنفاق بمسافات قصيرة بين قاع ممرين. تسمح الممرات بإزالة الأوساخ وتهوية النفق أثناء أعمال الحفر، وتسمح لعدد من فرق الحفر العمل في وقت متزامن، وتسمح لاحقاً بإجراء عمليات الصيانة وعمليات تنظيف الأنفاق. الرديم المستخرج من الممرات والأنفاق يكوم حول فم مداخل الممرات، خالقاً خط جد متميز من الحلقات" Matingly 2003:37.

 

أحصى ماتنجلي وجود 600 فجارة حالياً في فزان، اشتملت على حفر أكثر من مائة ألف ممر يبلغ عمق الواحد منها في حالات أربعين متراً ومع إجمالي قنوات تمتد إلى عدة آلاف الكيلومترات. ورغم أنه يصعب تحديد تاريخ دقيق ومؤكد لها فإن هناك بينة تشير إلى أنها ترجع في الأساس لفترة الجرميين؛ وواضح أنها وفرت إمكانية الزراعة الواسعة والممتدة لمنطقة الوديان والواحات. فقد نجحت أعمال التنقيب في وادي الآجال في الكشف عن بقايا نباتية والتي يمكن مواجهتها بمعطيات المصادر التاريخية.

 

تشير البينة النباتية المتحصل عليها من مشروع فزان وكذلك أعمال التنقيب البريطانية الأسبق في فزان بوضوح إلى الطبيعة الزراعية للاقتصاد الجرمي. فمنذ الألفية الأولى المبكرة توجد بينة وفيرة من زنككرا تشير إلى زراعة أشجار النخيل المروية، وقمح الخبز، والشعير، وكرمة العنب، وشجرة التين van der Veen 1992; Daniels 1989:56-58. كل المحاصيل المزروعة كانت تحتاج إلى ري. يبدو أنه بحلول الأزمان الجرمية المتأخرة أضيفت محاصيل ثانوية أخرى مثل الدخن والذرة السكرية احتمالاً Mattingly et al. 2000:233-35. كشف هام آخر في وادي الآجال هو أن الجرميين احتفظوا بالخنازير جنباً إلى جنب مع الخراف، والماعز، والكلاب، والأبقار، والحمير، والخيول، والجمال. ويبدو أن الحيوانات قامت بدور متزايد ثانوي مقارنة بالزراعة في المجتمع الجرمي. يتجلى ذلك بوضوح في نظام الري بالفجارات.

 

تتكون طبقة الصخر المائي المستغلة لحفر الآبار في وادي الآجال من رمال ايولية تغطي طبقة طين غير منفذة للماء فقط تحت أمتار قليلة من السطح (مترين حول جرمة، حتى 15 متر في فجاية والقرية). في قدم منحدر الحمادة تحتوي الترسبات الطميية على ماء، وفي عمق أكبر توجد طبقات صخور مائية في حجر جيري وحجر رملي صدعي. كانت تلك الصخور المائية في أسفل المنحدر هي التى نقرتها أنظمة الفجارات بهدف توفير المياه المنحدرة إلى أنظمة الحقول في وسط الوادي الأسفل.

 

رغم الصعوبات في التأريخ، وفرت الأعمال الميدانية الجارية حالياً في وادي الآجال عدداً من المؤشرات لتأريخ الفجارات مما دفع ماتنجلي للاستنتاج بأن فجارات وادي الآجال شيدت بعد أن توقف استخدام الجبانات غير الحاملة للفخار، لكن إما قبل أو أثناء فترة استخدام الجبانات المتجمعة بكثافة المؤرخة بالفترة من القرن الثاني ق.م. حتى القرن الرابع الميلادي. يمكن أن تكون الفجارات سابقة تاريخياً لتلك الجبانات والتي قد يكون مكانها أختير في هذه الحالة بحيث يتم تجنب الفجارات، أو أن تكون حفرت عندما كان الناس لا يزالون يدفنون في الجبانات المتجمعة، والتي تم بالتالي احترامها. هذا بالإضافة إلى موقع إقامة تم الكشف عنه في فجاية (مع فخار مؤرخ بالقرون الأول-الرابع الميلادية) من فوق رديم فجارة ومواقد مجروفة من الموقع المقطوع في الضفة. توفر هذه الإقامة تاريخاً بدئياً لهذه الفجارة، التى لا يمكن، على الأقل، أن تكون تالية للقرن الرابع الميلادي وقد تكون أقدم بكثير.

 

ويرى ماتنجلي بصورة أكثر عمومية، بأن هناك ارتباط لتجمعات الفجارة ونقاط ظهورها مع المواقع الجرمية في أرضية الوادي. ورغم وجود بعض الارتباطات المتداخلة للفجارات بمواضع القصور أو أية إقامة ما بعد جرمية (وهى نقطة سبق أن أشار إليها كلتسيش وبايرد Klitzsch and Baird 1969: 73-80)، فإن هذا مشهود بدرجة أقل من الارتباط المتداخل بين الإقامة الجرمية ومواقع الجبانات؛ وإلى الغرب من أوباري في تفارات وتين ابوندا توجد فجارات وجبانات جرمية، لكن أعمال المسح التى قام بها قسم الدراسات التاريخية بجامعة سبها لم تكشف عن وجود لقصور أو أية إقامة ما بعد جرمية (أنظر : أسامة عبدالرحمن النور 2004a)؛ بل وكشفت المتابعة الميدانية للعديد من القصور الإسلامية أنها قد أعقبت عموماً الإقامات الجرمية في المواضع نفسها، وهو ما قد يشير في اعتقادي إلى إمكانية أن تكون بعض القصور الإسلامية قد ورثت فجارات فاعلة موجودة سلفاً.

 

العديد من النقوش بالأبجدية الليبية/التيفناغ يبدو ارتباطها بممرات الفجارة بالقرب من منبع العديد من الفجارات. ورغم وجود نقوش أبجدية ليبية/تيفناغ ومناظر فن صخري في عدد من الصخور الضخمة حول منحدر تجاليت، فإن النقوش القريبة من الفجارات توجد ليس على مسافة بعيدة من الأخيرة. بدلاً، فإنها على صخور مجاورة مباشرة لممرات الفجارة، بالتالي لا بدَّ أن تحمل معنىً مرتبطاً بالفجارات. لكن هذه الفرضية قد تطرح تفسيراً يظل غامضاً إذ من المحتمل أن تكون تلك النقوش تسجل أسماء الناس الذين اشتركوا في عملية تشييد الفجارات وصيانتها، أو أسماء المالكين للفجارات. لسوء الطالع أنني لم أتمكن بعد من تأريخ تلك النقوش. تظهر الأبجدية الليبية في النقوش على الأقل منذ القرن الثاني ق.م.، ولازالت مستخدمة اليوم لتسجيل اللغة الطارقية تماهاغ، ويعرف الخط اليوم بـ تيفناغ. لازالت دراسة نقوش التيفناغ في طورها الجنيني.

 

هناك عناصر أخرى تدعم تاريخاً قبل روماني لإدخال الفجارات إلى فزان. فمن المعروف أن أعمال التنقيب الآثاري التى نفذها شارلس دانيلز في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم كانت قد كشفت عن بقايا قمح، وعنب، وتين، وتمر، سوياً مع نباتات شملت الكرفس، والشمارة، وعشبة توابل في محتويات تؤرخ بالقرن التاسع حتى القرن الرابع ق.م. في قلعة زنكيكرا التلية van der Veen 1992:7-39. وبما أن المناخ كان في كل الاحتمالات جافاً للغاية في الألفية الأولى السابقة للميلاد بما لا يساعد في نمو تلك المحاصيل بدون ري، وبما أن التواريخ من ترسبات الحجر الجيري في قدم المنحدر تشير إلى أن العيون هنا قد جفت، فإن ذلك يمثل بينة دالة على وجود نوع من الري الاصطناعي في فزان في الفترة الجرمية المبكرة. يدعم ذلك الارتباطات المكانية لتجمعات الفجارات مع الإقامة الجرمية في أرضية الواحات، وربما أيضاً مع الجبانات الجرمية في قدم المنحدر. بصورة أكثر عمومية، يشير اكتشاف أعداد المواقع الجرمية ضمنياً إلى مستويات سكانية كبيرة مدعومة بزراعة مستقرة، وستبدو الفجارات ضرورية للحفاظ على تلك المستويات من السكان.

 

المحصلة الكلية، أنه من المؤكد أن الفجارات أدخلت إلى فزان فيما قبل القرن الرابع الميلادي، وهناك حالة قوية لتأريخ إدخال تقنية الفجارة بمرحلة التمدن الجرمية المبكرة في القرون الختامية السابقة للميلاد قبل تطوير صلات تجارية وثيقة مع روما. ليس من الضروري النظر إلى الإمبراطورية الرومانية مصدراً جاء منه نظام الري بالفجارات؛ استخدمت الفجارات في صحراء مصر الغربية منذ على الأقل النصف الثاني للقرن الخامس ق.م.، في الفترة الأخمينية. ثبتت الدراسات الأخيرة في الواحة الخارجة أن أنظمة "القناة" هناك تؤرخ بعهد ارتاكيركس الأول (466-426 سنة ق.م.): تشمل هذه البينة المنشئات الأخمينية التى بنيت من فوق تلال تشييد "القناة" ومع مواد من أعمال الصيانة المتعاقبة موضوعة إلى جانبها، وأوستراكا ديموطيقية تشير إلى توزيع المياه Wuttmann 2001. آخذين في الحسبان الصلات الثقافية والتجارية بين مصر وفزان منذ أزمان مبكرة، يصبح محتملاً إلى حد بعيد أن تكون الفجارات قد أدخلت إلى فزان من مصر خلال النصف الثاني من الألفية الأولى السابقة للميلاد.

 

التدليل على أن الفجارات في وادي الآجال تؤرخ بأزمان الجرميين يمكننا من طرح عدد من الاستنتاجات حول المجتمع الجرمي. إنها تفسر الكيفية التى تمكن بها الجرميون من استغلال وادي الآجال، وأيضاً وادي البرجوج، وواحة مرزق والحفرة. كانت الفجارات هي القاعدة الهيدرولوجية للمدنية الجرمية، ومكنت من نشوء زراعة كبيرة مستقرة لإعالة أعداد كبيرة من سكان هذه المنطقة الجافة. كان إدخال تقنية الفجارة ولا شك عنصراً هاماً في ظهور دولة جرمية موحدة، مما يسمح بري مناطق أوسع وخلق فائض زراعي أكبر، وظهور متطلبات تعتمد على اقتناء الرقيق.

 

ما هو نوع التنظيمات الاجتماعية التى كانت مطلوبة لبناء الفجارات وصيانتها؟ واضح أن العمل المدخل في بناء الفجارات وصيانتها أكثر بكثير من مجرد إهماله. قدر لو أن فجارة تمتد لأربعة كيلومترات، مع متوسط عمق ممر 13 متراً بمسافات 10 متر تفصل بين الممر والذي يليه، تتطلب 48.000 رجل Lô 1953: 168 الـ 550 فجارة في وادي الآجال وحده قد يكون تشييدها استهلك طاقات 73.000 رجل يعملون يومياً على مدي عام (أو فريق مؤلف من 1000 شخص، على مدى 73 سنة). صيانة قنوات الفجارة يختلف كثيراً طبقاً لجيولوجية المكان، رغم أن أرقاماً من تابلبالا في الجزائر تقترح مئات الآلاف من سلال الرمل ومواد أخرى يتوجب إخراجها سنوياً من داخل فجارة واحدة Champault 1969: 104.

 

بينما كانت هناك طرق مختلفة لتنظيم العمل في بناء الفجارة، بدءاً من حفاري القنوات المتخصصين أو ما يسمون بـ الـ "موكاني" في فارس، والذين يشكلون طبقتهم الخاصة، انتهاءً بحفاري فجارات الواحات الجزائرية من الأرقاء، فإن فرضية قابلة للدراسة قد تؤكد بناء الفجارات الجرمية في فزان باستخدام العمل العبودي. فالجرميون اصطادوا بلا جدال التروجلوديت الإثيوبيين منذ أزمان مبكرة، غالباً لاستخدامهم عبيداً (هيرودوت، الكتاب الرابع). كانت المتاجرة بالرقيق ولا شك مركباً هاماً في تجارة الجرميين وترحالهم عبر الصحراء وقد تكون أيضاً عنصراً يفسر كمية البضائع الرومانية المستوردة في فزان Liverani 2000b.

 

إن طريق القوافل التي وصفها هيرودوت، تؤكد على أن السمات الأساسية للتجارة عبر الصحراوية، كما هي معروفة من المصادر القروسطية، وجدت منذ القرن السادس ق.م.: مراحل يومية تبلغ حوالي 50 كلم، وسلسلة 10 مراحل من واحة إلى التى تليها. إذا كان مثل هذا الترتيب موجود في القرن السادس ق.م.، فإنه وبلا شك وجد في فترة القرون الأول-الرابع الميلادي. كانت المملكة الجرمية الواقعة في قلب شبكة الطرق الصحراوية، في موضع يسمح لها بالقيام بوظيفة الوكيل المركزي لمجمل المنظومة، أو على الأقل لجزء كبير منها. وقد أدت مملكة جرمة ذلك الدور، ليس بطريقة مفككة، كمركب "قبلي" لرعاة وقطاع طرق، كما اعتقد ولازال الكثيرون من دارسي تاريخ العالم القديم، ولكن عبر خطوط ثابتة لدولة مركزية مستقرة. الثروات المكنوزة في الجبانات الملكية في جرمة هي النتاج الختامي لتجارة منظمة نقلت الملح من الصحراء إلى الحزام السوداني، وجلبت الذهب والرقيق من الحزام السوداني إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، وأخيراً زيت الزيتون والسلع الترفية من المصنوعات الحرفية المتقدمة من البحر الأبيض المتوسط إلى قلب الصحراء.

 

يقودنا هذا إلى دور التجارة عابرة الصحراء التى مثلت مرتكزاً أساسياً بالنسبة للمدنية الجرمية. هذا الأمر لازال بالطبع يحتاج إلى تجميع بينة أشد "قوة"، لكن يبدو واضحاً من أعمال التنقيب التى أجرتها البعثة الإيطالية الليبية المشتركة في موقع أغرام نظاريف، وموقع الفيويت، وممر ارلارلارن بالأكاكوس؛ وأعمال المسح الآثاري التى نفذها قسم الدراسات التاريخية بجامعة سبها (أسامة عبدالرحمن النور 2004a) أن الحد الجنوبي لمملكة جرمة قد تم تنظيمه وفق إجراءات تحكم إقليمي صارمة: حصون، وقلاع، وممرات جبلية وفرت كلها إدارة منتظمة للتجارة بعيدة المدى، من أجل التحكم والضرائب، وأيضاً من أجل توفير الدعم اللوجستي اللازموالإمداداتللقوافل.

 

يقع حصن أغرام نظاريف في نقطة إستراتيجية مرتفعة : من خلفه واحة البركت، ويواجه وادي تنزوفت - الممر الإجباري بين سلسلتي التاسيلي والأكاكوس المتوازيتين - ممر يقود من فزان جنوباً بالاتجاه العام إلى حوض التشاد. مزيد من الطرق تلتقي أيضاً في المنطقة نفسها: طريق تقود جنوب-غرب (عبر التاسيلي) بالاتجاه العام إلى منحنى النيجر، وأخرى تقود شرقاً (عبر الأكاكوس) باتجاه منطقة مرزق. خلال ألفيات طويلة من التجارة الصحراوية، ظلت واحة غات، في قلب وادي تنزوفت، واحدة من أهم النقاط المفتاحية في مجمل شبكة طرق القوافل. علمت الطريق المتجهة جنوباً، بالاتجاه العام لحوض التشاد، بوجود أطلال قلعة دائرية، حوالي20كلم. إلى الجنوب من أغرام نظاريف، مشابهة من حيث البناء والفخار لموقع أغرام نظاريف واحتمالاً ما ترجع إلى الأفق الكرونولوجى والوظيفي نفسه. الطريق التى تعبر تاسيلي باتجاه جانيت مباشرة، والتي تقود في النهاية إلى منحنى النيجر، علمت بمباني حجرية كبيرة أسفل قرية الفيويت الحالية. حفرية تجريبية بدأت في 2001، وأجري تنقيب كامل في موسم 2002: يمكن تأريخ الموقع بثقة بالقرن الأول ق.م.، بالتالي فإنه أقدم من أغرام نظاريف، لكنه هو الآخر يرجع للفترة الجرمية الكلاسيكية. لا يشكل مثل هذا التاريخ مصدراً للدهشة: معروف جيداً أن الطريق من غات إلى جانيت عُلمت بتمركز كثيف للنقوش الصخرية مع تصوير للخيول والمركبات الجرمية. مع ذلك فإن قرية الفيويت كانت ذات خصائص اقامة زراعية أكثر منها محطة تجارية. أما بالنسبة للطرق عبر الأكاكوس، فإن تلك من الممكن التعرف عليها آثارياً في الممرات الجبلية. واحد من تلك الممرات، ممر ارلارلارن، عُلم في الواقع بنقش طويل باللغة الليبية القديمة وهو نقش أهم من مجرد النقوش القصيرة من نوع "أنا" بزيادة الاسم الشخصي. الممر كان لازال مستخدماً في الأزمان الحديثة من قبل قوافل الجمال المخترقة للأكاكوس بهدف توفير يوم كامل في الرحلة من غات إلى مرزق. وعلمت طريق النهاية السفلى لممر آخر، ممر أغلاشم، بمدفن تلي ملكي (أو لزعيم) نقب فيه دي ليرنيا وأثبت أن تاريخه جرمي. تجدر الإشارة إلى أن مدفن أغلاشم هو الوحيد في مجمل المنطقة ومنعزل ولا يرتبط بأي موقع إقامة: مؤشر إضافي، كما يلمح إلى ذلك دي ليرنيا، لوظيفته معلماً حدودياً، غالباً من قبل أسرة زعماء سيطروا بشكل ما على معابر الجبال.

فيما وراء الأكاكوس، باتجاه مرزق، تم التحكم في طرق القوافل عن طريق قلاع احتلت مواقع إستراتيجية. واحدة من تلك القلاع (غير بعيدة عن معسكر عويس) تم تسجيلها في العمل المسحي الأخير الذى أجراه قسم الدراسات التاريخية بجامعة سبها (أسامة عبدالرحمن النور 2004a). تضم القلعة المربعة قرية، وتقع في ملتقى وادي. التاريخ المبدئي لها (على أساس تيبولوجية البناء والفخار السطحي) ينتمي إلى أفق أغرام نظاريف نفسه (القرن الميلادي الثالث)؛ تاريخ أكثر دقة يمكن طرحه بعد أعمال التنقيب المزمعة.

 

ما تكشف عنه أعمال الاستكشاف والتنقيب الجارية هو نوع من "اللايم الجرمي"، غير المختلف كثيراً عن "اللايم الروماني" المؤسس أيضاً على نظام قلاع تقام في مواقع إستراتيجية وتتحكم في تجارة القوافل. النظامان كانا قيد الاستخدام في القرنين الميلاديين الثالث والرابع، عندما بلغت كل من الإمبراطورية الرومانية ومملكة جرمة قمة قوتهما وامتداداتهما الإقليمية. قد يكون ممكناً الافتراض بأن اللايم الجرمي أنشئ على قاعدة النموذج الذى وفره الرومان؛ ومع ذلك فإن التاريخ النسبي الدقيق للنظامين يحتاج للمزيد من الدراسة، وذلك لاختبار الفرضية المعاكسة، تحديداً بأن اللايم الروماني قد تأثر بنموذج القلاع ونقاط التفتيش الصحراوية المتطورة حينها في المنطقة الجرمية. التشابه بين حصن أغرام نظاريف و"القرى التلية" غير المنقب فيها في منطقة اللايم الروماني فيما قبل الصحراء لافت للانتباه.

 

أما بالنسبة للإشكالية الثانية، تحديداً انهيار المملكة المتمركزة في فزان، فإنه من المعروف جيداً أن ذلك لم يكن حدثاً منعزلاً، لكنه اتبع المسار نفسه الذى ميز انهيار المنطقة المضمنة داخل اللايم الروماني؛ وأن ذروة المملكة الجرمية معاصر للإمبراطورية الرومانية. هذا التطابق بين الظروف السياسية في قلب الصحراء وفي ساحل البحر الأبيض المتوسط يمكن أن يجلي نفسه في المرحلة التكوينية أيضاً، عندما سار التنظيم الأولي للجرميين موازياً لتأسيس المستعمرات الفينيقية والإغريقية على ساحل ليبيا. بالطبع فإننا نتحدث عن نهوض وانهيار أكثر السمات تباهياً: المعمار الصروحي، الدولة المركزية، والسيطرة الإقليمية، والكنوز الجنائزية وما إلى ذلك. يمكنني حتى تصور أن إجمالي عدد السكان ظل إلى حد كبير غير متأثر بهذا التغير، رغم أنهم اختلفوا من حيث الجوهر الاجتماعي-السياسي؛ وأن جزءاً من النشاطات التجارية قد يكون استمر بعد الانهيار، ليكتسب دافعاً جديداً بعد قرون قليلة لاحقة عبر تنظيم قبلي (مشيخات)· أكثر منه تنظيم دولة. الشئ نفسه يصدق بالنسبة للقطاع الجنوبي للتجارة عبر الصحراوية، تحديداً الشريط الساحلي-السوداني: لكن في هذه الحالة لا يمكن مقارنة المعرفة الآثارية الراهنة مع القطاع البحر أبيضي متوسطي. مع ذلك، يمكننا أن نشير في كل من منحنى النيجر وفي منطقة تشاد إلى نهوض بدئي للصلات الصحراوية في حوالي منتصف الألفية الأولى السابقة للميلاد.

 

يمكننا الآن الإقرار بأن نهوض التجارة عبر الصحراوية في القرن السادس ق.م. اعتمد على وجود مشيخات أو دويلات مبكرة في فزان، وكذلك على وجود مستعمرات تجارية في الطرف البحر متوسطي، واحتمالاً أيضاً على نوع من تنظيم اجتماعي-سياسي جنيني في مناطق الساحل الصحراوي. كذلك يجوز لنا الإقرار بأن أوج التجارة كان عندما استطاعت الدولة الجرمية المركزية التفاعل مع الإمبراطورية الرومانية على ساحل البحر المتوسط ومع دولة غانا المبكرة (والدويلات المشابهة) في منطقة الساحل الصحراوي، بل حتى أن التنظيم السياسي "القوي" كان أشبه بتقليد للإمبراطورية الرومانية. عند هذه النقطة علينا الاعتراف أيضاً بأن انهيار الدولة الجرمية "القوية" قد يكون ببساطة بفعل انهيار الإمبراطورية الرومانية وتدهور التجارة عبر الصحراوية التى اعتمدت على وجود الأسواق البحر ابيضية المتوسطية. كالعادة، فإن الإمبراطوريات تولد هوامش لها، ولا بد وأن ينهارا معاً.

 

بما أن هذه الورقة طرحت هدفاً محدداً وهو تحليل المعطيات الآثارية الأخيرة المستخلصة من الأعمال الميدانية الجارية حالياً في صحراء فزان، فإن نقاط أساسية تصلح أساساً لدراسة مقارنة أكثر اتساعاً بين مملكة مروي في وادي النيل السوداني وبين مملكة جرمة الفزانية يمكن الإشارة إليها هنا.

 

إذا كان الاقتصاد الجرمي اعتمد قاعدة له، إلى جانب التجارة بعيدة الآفاق، الزراعة المروية اصطناعياً في وادي الآجال، فإن ممالك السودان النيلية لا تظهر بينة دالة على تطور شبكة ري اصطناعي معقدة، بل ويجوز القول بأن مملكة مروي ركزت إلى جانب زراعة الرقع المحدودة على ضفتي النيل على الزراعة المطرية في السهل الممتدة للجزيرة المروية، وعلى استغلال الوديان دون إنشاء نظام لري اصطناعي.

 

تشابه أكبر يمكن تتبعه في مجال النشاطات التجارية ودورها في نشؤ مدنية جرمة ومدنيات وادي النيل السوداني. فمن المعروف أنه ومع انبلاج فجر المدنية المصرية الفرعونية سعي المصريون إلى الحصول على سلعة هامة تمثلت في الذهب المتوفر بكثرة في أجزاء كثيرة من السودان (أرض كوش)، مع أن استخراجه تطلب جهوداً مضنية. ومع أن الذهب كان سلعة ذات أهمية كبيرة في أزمان سابقة للمملكة المصرية الحديثة، فإنه وفي عصر هذه الأخيرة تصاعدت عملية استغلال مناجم الذهب في السودان، ويبدو أن هذه السلعة كانت واحداً من المبررات الأساسية للاستعمار المصري للسودان. جاء "ذهب الواوات" من التلال إلى الشرق من الأطراف الشمالية للسودان القديم (النوبة السفلى) حيث تم الوصول إليها أساساً عن طريق وادي العلاقي الذى يتجه إلى الجنوب الشرقي من المحرقة على النيل (للمزيد عن المناطق الغنية بالذهب انظر : Vercoutter 1959) إلى تلال البحر الأحمر البعيدة. إلى الجنوب من الجندل الثاني، كانت المناطق الغنية بالذهب أقرب إلى النيل حيث استخرج "ذهب كوش" واستخدمت الطريق النيلية إلى حمل هذه السلعة إلى مصر. رغم أنه كانت هناك تقلبات في حجم الذهب المصدر إلى مصر من السودان فإن التجارة ظلت مستمرة طيلة الأزمان الفرعونية ويحتمل أن الذهب كان من بين السلع الأساسية التى تاجر فيها المرويون لاقتناء بضائع عديدة ذات أصل شمالي والتي وجدت في المدافن الملكية (قائمة تحليلية قدمها توروك Tőrők 1989). يبدو محتملاً أن سيطرة البطالمة طالت الأطراف الشمالية للسودان القديم، وذلك بهدف السيطرة على ذهب تلال البحر الأحمر عن طريق الطرق نفسها التى فتحها فراعنة المملكة المصرية الحديثة.

 

لا نعلم الكثير عن مدى تأثير الإجلاء المصري بنهاية المملكة الحديثة ونشوء المملكة السودانية في نبتة على التجارة النيلية - مع أن الارتباط السياسي بين البلدين خلال الأسرة السودانية الخامسة والعشرين الحاكمة في مصر، في الغالب ما يكون قد جعل الطرق التجارية مفتوحة، ورغم أننا لا نجد في النصوص المصرية البينة نفسها لسلع أفريقية في مصر، وبما أن الكثير منها كان ضرورياً لطقوس المعابد فإنها لا يمكن أن تكون قد توقفت كلياً. السلع المصرية ظلت توجد في السودان، على الأقل بالنسبة للجزء المبكر من الحكم النبتي. مع تحول الإقامة الملكية إلى مروي، فإن حجماً قليلاً من التجارة يمكن مشاهدته آثارياً لكن تلك قد لا تكون هي الصورة الحقيقية للوضع ويبدو أن الأطراف الشمالية للسودان القديم قد هجرت تماماً.

 

إعادة تواصل التجارة تتجلى في الأزمان البطلمية عندما أعيد افتتاح الطرق إلى مناجم الذهب في تلال البحر الأحمر. في الوقت نفسه نشط الطرق النيلية التجارية على امتداد العصر المروي. الطريق النيلي مع بعض الطرق الأرضية، لا بدَّ وقد بقي كما كان عليه الأمر في الأزمان الفرعونية لكنه مد إلى الجنوب بتحول مركز السودان التجاري إلى العاصمة في مروي. هذا الطريق المطول جنوباً إلى مروي لا بدَّ وأنه استفاد من إمكانية عبور البيوضة. موقع مدينة مروي، الذى كان قد وجد منذ منتصف القرن الثامن ق.م.، قد يكون استفاد من هذا الطريق، الذى يسير تقريباً عكس النيل، إلى جانب وصوله إلى الأودية الخصبة التى ترويها الأمطار في الضفة الشرقية بإمكانياتها الزراعية الهائلة Shinnie 1989: 24-25. قد يشير ذلك أيضاً إلى التحول جنوباً للوصول إلى منطقة السلع الأفريقية التى تحتاجها مصر Adams 1988: 35، إما بفعل تغير مناخي طفيف أو بفعل الاستغلال الفائض للموارد الطبيعية. خلال هذه الفترة توجد بينة وافرة للواردات من مصر والأجزاء الأخرى من العالم الأبيضي المتوسطي. في الأطراف الشمالية للسودان القديم، حيث كان الحصول على السلع المصرية أيسر، فإن أعداداً من تلك السلع تم العثور عليها، حسب كلمات آدمز " على الأقل وجدت بعض السلع المستوردة مدفونة تقريباً في كل مقبرة مروية في النوبة السفلى" Adams 1988:28. بعيداً إلى الجنوب حتى مروي وجدت العديد من السلع الأبيضية المتوسطية والمصرية الأصل في المدافن الملكية.

 

من المحتمل أن كرمة لم تكن مجرد نقطة اتصال بالنسبة لوادي النيل، لكن المملكة كانت أيضاً ملتقى طرق بين الصحراء الشرقية والصحراء الغربية. أعمال المسح التى نفذتها البعثة الألمانية في الصحراء الشرقية، بخاصة في وادي هور ووادي شو، دللت على صلات وثيقة بين الفخار المميز لهما وبين فخار وادي النيل. ويشير الفن الصخري إلى صلات أخرى مع صيادي الصحراء. وتظهر ايقونيتهم علاقة جد مقنعة ببعض النماذج الرمزية للمجموعة المسماة "النوبية الثالثة" وكرمة. هنا علينا أن نذكر اكتشاف أقراص ريش النعام الملحقة برؤوس الخراف والتي رسبت في مقابر كرمة. تلك الزخارف، التى أكملت في حالات بقلادات من الخرز، تذكرنا بالخراف ذات "قرص الشمس" والتي تميز الصور الصحراوية بشدة.

 

كانت مروي، الواقعة جنوبي الصحراء، منفتحة أيضاً على التجارة في اتجاهات أخرى، ورغم شح البينة المباشرة، طالما أنها كانت تصهر الحديد والنحاس، وتصنع الفخار والزجاج إلى جانب سلع أخرى بما في ذلك المجوهرات الذهبية Shinnie and Kense 1982، فإنه في الغالب ما نشطت الحركة التجارية في اتجاهات أخرى بالإضافة إلى الشمال. المعلومات عن الطرق التى اتبعها المرويون أو الشكل الذى نظمت به تجارتهم لازالت بعد مبدئية لكنه بالإضافة إلى طريق البيوضة وامتداداته، أساساً عن طريق النهر إلى مصر، فإن طريقاً مؤكدة أخرى، أصبحت معروفة جيداً في الأزمان اللاحقة، سارت من النيل إلى البحر الأحمر حيث كان البطالمة ناشطين في اقتناء الأفيال Burstein 1989: 4-10. كما ويحتمل أن تكون طريق أخرى انطلقت غرباً مع الوديان إلى كردفان ودارفور، حيث جلبت من هناك العديد من السلع الترفية النادرة. بالمثل قد تكون طريق سارت بمحاذاة نهر عطبرة إلى الهضبة الإثيوبية، حيث نشأت في القرون الأخيرة السابقة للميلاد مملكة أكسوم. تم الكشف عن القليل فقط من الموضوعات المروية في أكسوم أو العكس، رغم أن عملة، ونقشين وجرافيتي في جدران هرم ملكي معروفة، لكنه كما يشير شيني Shinnie 1967: 52-56 فإنه طالما أن جيش عيزانا سار في هذه الطريق من الهضبة إلى النيل في منتصف القرن الرابع الميلادي فلماذا لا يكون التجار قد استخدموها في فترات أسبق.

 

مسألة تفكك مملكة مروي يلمح إلى أوجه تشابه كبير مع الأسباب التى أفضت إلى زوال مملكة جرمة مع أن هذا الأخير لا يمكن رسمه بموثوقية، لكنه من المحتمل أن مملكة جرمة، مثلها مثل نظيرتها المروية، تشظت إلى عدد من الوحدات الإقليمية الأصغر. في الحقيقة فإنه وبعد أزمة القرن الرابع استمرت التجارة عبر الصحراوية، لكنها لم تعد تعتمد على وجود سلطة دولة مركزية قوية في قلب الصحراء. بدلاً أصبحت معتمدة على وكالات قبلية، أكثر تفككاً من السابق، ووجدت تكيفاً أفضل ("أفضل" لكونه أقل تكلفة) لبيئة الصحراء. فقدان السيادة الإقليمية للدولة الجرمية قد يكون ترك تأثيراً على إمدادات الرقيق وعمليات التجارة الصحراوية. بالنسبة لمروى فإن الأسباب الكامنة التى أدت إلى بداية انهيارها يمكن رؤيتها في تحول الطرق التجارية من النيل إلى البحر الأحمر فمنذ بداية القرن الميلادي الأول، وظهور مملكة أكسوم منافساً في التجارة عبر البحر الأحمر، وأزمة الإمبراطورية الرومانية التى عانت من قلة الطلب على المنتجات المروية، وأخيراً عرقلة البليميين النوباديين لطرق القوافل، كل تلك العوامل تكاتفت لتؤدى في نهاية المطاف إلى عزلة المملكة عن عالم البحر الأبيض المتوسط وإلى بداية انهيارها الاقتصادي. هذا بالإضافة إلى عامل آخر يشير إليه بعض الباحثين وهو التغير الذى أصاب المناخ في هذا العصر مما أدى إلى تدنى منسوب هطول الأمطار وبالتالي إلى تقليص الرقعة المزروعة وجفاف المراعى. هذا العامل الأخير كان فاعلاً بدوره في تدهور مملكة جرمة وانهيارها حيث أن مشكلة انخفاض طبقات الصخور المائية يمكن أن تكون تضاعفت بفعل صعوبة إضافية تمثلت في ضعف القيادة السياسية التى أصبحت عاجزة عن توفير الأعداد اللازمة من الرقيق للمحافظة على أنظمة ريها الحيوية. الحل المبدئي للجرميين لمشكلة كيفية زراعة الصحراء شملت الاستخدام العبقري لمصادر المياه الجوفية والاستغلال المكثف للقوة العاملة. الظروف ما بعد الجرمية شهدت تدنياً نسبياً للزارعة الفزانية مما يشير إلى الظروف الهيدرولوجية المتبدلة وإلى درجة استغلال أقل لقوة العمل الإنساني. نمتلك الآن بفضل البينة التى يجلبها إلى الضوء ماورو كريماشي والخاصة بالجانب البيئي للمسار المنحنى نفسه. فالمخطط الدندروكرونولوجي من أشجار السيبرس من تاسيلي (كما تم حفظها في بعض الأبواب الخشبية القديمة في غات)يشير إلى أن نهوض الدولة الجرمية استفاد من الظروف المناخية الملائمة نسبياً؛ لكن تدهورها تبع التصحر الختامي للمنطقة وزوال تجارة الرقيق، واستنزاف إنتاج الذهب في حوض النيجر الأعلى، وأخيراً الاحتلال الاستعماري الأوربي للمالك السودانية.

 

الهوامش

(1) أصبح واضحاً منذ فترة أن المفاهيم القابعة في أساس مصطلح "النيوليتى"(العصر الحجري الحديث) كما هو مطبق بالنسبة للصحراء بحاجة إلى إعادة نظر؛ ومعروف جيداً أن التقدم النظري الهائل قد تحقق من خلال السعي للوصول إلى تفسير مناسب ومتناسق لمجمل المعطيات التى تراكمت في السنوات الأخيرة. يبدو ثابتاً الآن، في الحقيقة، أن النقلة النيوليتية- (مصطلح Neolithisation كما يستخدم في هذه الورقة، مفضل أكثر من مصطلح العصر الحجري الحديثNeolithic في أية مناقشة للعملية التى نمت فيها الظاهرة وتطورت. رغم أن تعليل أصله لم يعد يعكس الفكر المعاصر، آخذين في الحسبان ارتباطه بما قبل التاريخ "الحجري"، فإنه يبدو لي أن استبداله أو تعديله لتجنب المزيد من الارتباك النظري لن يكون مجدياً.)- لا يمكن تثبيتها في جراب واحد لنوع من التركيب الصارم، ذلك أن الماضي قد أبان أن التعريفات الصارمة تتهاوى بالتدريج كلما تحققت إنجازات علمية جديدة؛ تزداد معرفتنا اتساعا، وتتعرض أساليب الباحثين إلى تعديلات. لكن ذلك لا بدَّ أن يكون وفق مبادئ محددة والتي، بعيداً عن جعلها أسيرة تصنيفات مسبقة ثابتة، تضعها في مركز منظومة منفتحة لا مجال فيها للمحدوديات القديمة غير الضرورية. هكذا هو الوضع بالنسبة للعديد من مناطق الصحراء حيث تسجل البينة المادية المحددة بالنسبة للعملية التى تحقق عبرها تدجين النباتات والحيوانات غياباً كلياً، إلا أنَّ ذلك لا يعنى أن مثل تلك العملية لم تك جارية. لا نستطيع أن نستنتج كونها كانت جارية بالفعل من مجرد "مفاتيح" تسمح لنا – آخذين في الحسبان مستوى تطورنا الذهني – بالتعرف على نوع مختلف من الوعي الخاص بمجموعة إنسانية هي في وضع، وتعرف ذلك، أعلى بالنسبة "للطبيعة" التى ظلت دوماً قاعدة لغذائها إلى جانب كونها مسرحاً لميلادها وتطورها.

(2) الشامانية: هي مجموعة من المعتقدات والطقوس التى يحاول من خلالها رجل يدعى الشامان، والكلمة من أصل مغولي، باستحضار القوى الخفية في سبيل تجنب كارثة لها علاقة بسوء الحظ والنحس أو التصدي لها. فالشامان باستحضار الأرواح الخفية المساعدة والصديقة، يقوم بإبعاد تأثير الأرواح الشريرة التى تتسبب في الكوارث والمجاعات والأمراض. ومن أجل بلوغ هذا الهدف يلجأ الشامان إلى طقوس وعمليات سحرية، مستخدماً في بعض الأحيان المخدرات. أما اليوم فقد أصبحت الشامانية مصطلحاً يطلق على جميع الظواهر السحرية الشبيهة لتلك التى تأسست عليها التسمية والتي وصفها وروج لها وعمقها عالم الأديان مرسيا إلياد انطلاقاً مما شاهده في الهند (عن فردريك معتوق، معجم العلوم الاجتماعية، أكاديميا انترناشونال، بيروت 1998، ص. 299).

(3) لمناقشة أكثر تفصيلاً لمفهوم "المشيخات" يمكن الرجوع إلى أسامة عبدالرحمن النور، "شرق السودان: دلتا القاش في ما قبل التاريخ"، أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانية، العدد الخامس، مارس 2004

المراجع

أسامة عبدالرحمن النور، 2002، "ملاحظات حول إشكالية الانتقال إلى إنتاج الطعام: العلاقة بين الصحراء ووادي النيل السوداني في الهولوسين. ضمن أعمال ندوة التواصل الحضاري العربي السوداني الليبي، مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، طرابلس أبريل 2002 (تحت الطبع).

أسامة عبدالرحمن النور، 2003، "الانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي والاكتشافات الآثارية في الصحراء الليبية"، ورقة قدمت للمؤتمر التاسع للجمعية التاريخية الليبية المنعقد في غات ديسمبر 2003، (تحت الطبع ضمن أعمال المؤتمر)

أسامة عبدالرحمن النور، 2004، "شرق السودان: دلتا القاش في ما قبل التاريخ: لمحة موجزة عن أهم نتائج البحث الميداني في شرق السودان"، مجلة أركاماني الالكترونية للآثار والأنثروبولوجيا السودانية، العدد الخامس، مارس 2004

أسامة عبدالرحمن النور، 2004a، "تقرير عن نتائج المسح الآثاري لوادي تنزوفت والمنطقة المحيطة: مايو 2004"، أوراق قسم الدراسات التاريخية بجامعة سبها (تحت الطبع)

جوردون تشايلد، ماذا حدث في التاريخ، ترجمة جورج حداد، القاهرة: الشركة العربية للطباعة والنشر (د.ت.).

هيرودوت، الكتاب الرابع من تاريخ هيرودوتوس، الكتاب السكيثي والكتاب الليبي، نقله عن الإغريقية د. محمد المبروك الذويب، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، ليبيا 2003.

Adams W.Y. (1988), ‘The Nile Trade in Post Pharaonic Times’, Sahara1: 21-36.

Ammerman, A.J. and Cavalli-Sforza, L.L. (1971). 'A population model for the diffusion of early farming in Europe'. In Proceedings of the Research Seminar in Archaeology and Related Subjects, Sheffield.

Arrowsmith,W. (1973). 'Indian speeches and the death song of Red Bird'.  American Poetry Review, 2, No. 1, 10-13.

Aumassip, G. (1984). 'La néolithisation au Sahara'. In: Compte rendu du Séminaire du Laboratoire de Géologie du Quaternaire. La néolithisation au sahara (ed. N.Petit-Maire), Marseilles.

Aumassip, G. (1986). Le Bas Sahara dans la préhistoire, C.N.R.S., Paris.

Ayoub M.S. (1967), Excavations in Jerma between 1962 and 1966, Tripoli.

Baker G. and D. Gilbertson (eds) (2000), The Archaeology of Drylands. Living at the margin, London: One World Archaeology series 39, Routledge.

Balland D. (ed.), 1992, Les eaux cachées. Etudes géographiques sur les galleries drainantes souterraines.Paris: Département de Géographie, Univers Sorbonne.

Barich, B.E. (1987). Archaeology and environment in the Libyan Sahara. The excavations in the Tadrart Acacus, 1978-1983, B.A.R., I.S., 368, Oxford.

Bedaux, R. (1986). 'Recherches ethno-archéologiques sur la poterie des Dogon (Mali)'. In: Opzoek naar mens en materiele cultuur (ed. J.D. van der Waals), Groningen.

Boserup Ester (1965), The Conditions of Agricultural Growth, Chicago: Adeline.

Burstein S.M. (1989), Agatharchides of Cnidus on the ErythraeanSea. London.

Butzer, K.W. (1972). Environment and archaeology, Methuen, London.

Camps, G. (1968). Amekni: Néolithique ancient du Hoggar, Mém. Du C.R.A.P.E., 10, Arts et Métiers Graphiques, Paris.

Camps, G. (1971). 'À propos du Néolithique ancient de la Méditerranée occidentale'. In: Bull.Soc.Préhist.Fr., 68, 48-50.

Camps, G. (1974). Les civilizations préhistoriques de l’Afrique du Nord et du Sahara, Doin, Paris.

Camps, G. (1982). 'Beginnings of pastoralism and cultivation in North-West Africa and in the Sahara; origins of the Berbers'. In: The Cambridge History of Africa, Vol.1 (ed. J.D.Clark), Cambridge University Press, pp. 548-623.

Champault D. 1969, Une oasis du Sahara nord-occidental: Tabelbala, Paris: CNRS.

Coon, C.S. (1971). The hunting peoples, Boston.

Cressey G.-B. 1958, 'Qanats, karez and foggaras', Geographical Review 48: 27-44.

Daniels C.M. (1970), The Garamantes of southern Libya, London: The Oleander Press.

Daniels C.M. (1989), 'Excavation and fieldwork amongst theGaramantes', Libyan Studies 20: 45-61.

Delneuf, M. (1984). 'La céramique néolithique du Sahara Occidenal', In: Compte rendu du Séminaire du laboratoire de Géologie du Quaternaria. La néolithisation au Sahara (ed, N.Petit-Maire), Marseilles.

Dobzhansky,T. (1962). Mankind evolving. The evolution of the human species, Yale University Press, New Haven.

Edmonson,M.S. (1961). 'Neolithic diffusion rates', Current Anthropology, 2, No.2, pp.71-86.

Edwards D. 2001, 'Archaeology in the southern Fezzan and prospects for future research', Libyan Studies 32: 49-66.

Flannery K.V. (1973), ‘The Origins of Agriculture’, Annual Review of Anthropology 2: 217-310.

Gauthier, A. (1987). 'The archaeological sequence of the Acacus'Archaeology and environment in the Libyan Sahara. The excavations in the Tadrart Acacus, 1978-1983 (ed, B.E.Barich), B.A.R., I.S., 368, Oxford, pp. 283-312.

Garcea, E. (1992). 'Il problema dell’adattamento dell’uomo all’ambiente sahariano nelle trasfomazioni climatiche degli ultimi 20.000 anni'. In: Arte e culture delSahara preistorico (ed. M.Lupacciolu), Quasar, Rome, pp. 57-61.

Goblot H. 1979, Les qanats: une technique d'acquisition de l'eau, Paris: Mouton.

Klima, B. (1954). 'Palaeolithic huts at Dolni Vestonice', Czechoslovakia Antiquity, 109, pp. 4-14.

Klitzsch E and D.W. Baird 1969, 'Stratigraphy and palaeohydrology of the Jerma (Jarama) area, southwest Libya', In: W.H. Kanes (ed.), Geology, archaeology and prehistory of southwestern Fezzan, Libya (Petroleum Exploration Society of Libya, Eleventh annual field conference 1969): 67-80: Castelfranco-Veneto.

Kraeling C.H. and Adams R.M. (1960), City Invincible. Chicago: University of Chicago Press.

Liverani M. (2000), 'Salt from the Garmantes', Archaeology Odyssey, March/April 2000: 20-28.

Liverani M. (2000a), 'The Garamantes: a fresh approach', Libyan Studies 32: 17-28.

Liverani. M.( 2000b), 'The Libyan caravan road in Herodotus IV. 181-184', Journal of the Economic and Social History of the Orient 43. 4: 496-520.

Liverani M. (2000c), 'Looking for the southern frontier of the Garamantes', Sahara 12: 31-44.

Lô Capitaine 1953, 'Les foggaras du Tidikelt', Travaux de l'Institut de Recherches Sahariennes 10: 139-179.

Maitre, J.P. (1971). 'Contributions à la préhistoire de l’Ahaggar, 1, Téfedest centrale', Mém. Du C.R.A.P.E., 17, Arts et Métiers Graphiques, Paris.

Mattingly D.J. (2000), 'Twelve thousand years of human adaptation in Fezzan (Libyan Sahara)', In: G. Barker and Gilbertson (eds), The Archaeology of Dryland. Living at the margin. London: Routledge.

Mattingly D.J., M. Al-Mashai, P. Balcombe, S. Chapman, H. Coddington, J. Davison, D. Kenyon, A.I. Wilson, and R. Witcher (1997), 'The Fezzan Project 1997: methodologies and results of the first season', Libyan Studies 28: 11-25.

Mattingly D.J., M. Al-Mashai, P. Balcombe, S. Chapman, H. Coddington, J. Davison, D. Kenyon, A.I. Wilson, and R. Witcher (1998), 'The Fezzan ProjectI I: research goals , methodologies and results of the 1997 season', Libyan Antiqua 3: 175-199.

Mattingly D.J., M. Al-Mashai, H. Aburgheba, P.Balcombe, E. Eastaugh, M. Gillings, A. Leone, S. Mclaren, P. Owen, R. Pelling, T. Reynolds, L. Stirling, D. Thomas, D. Watson, A.I. Wilson, and K. White (1998), 'The Fezzan Project 1998: preliminary report on the second season of work', Libyan Studies 29: 115-144.

Mattingly D.J., M. Al-Mashai, P.Balcombe, N. Drake, S, Knight, S. Mclaren, R. Pelling, T. Reynolds, D. Thomas, A. Wilson, and K. White (1999), The Fezzan Project 1999: preliminary report on the third season of work', Libyan Studies 30: 129-145.

Mattingly D.J., M. Al-Mashai, H. Aburgheba, P. Balcombe, E. Eastaugh, M. Gillings, A. Leone, S. Mclaren, P. Owen, R. Pelling, T. Reynolds, L. Stirling, D. Thomas, D. Watson, A.I. Wilson and K.White 2000, 'The Fezzan Project II: preliminary report on the 1998 season, Libyan Antiqua 4: 219-249.

Mattingly D.J., M. Al-Mashai, P. Balcombe, T. Barnett, N. Brooks, F. Cole, J. Dore, N. Drake, D. Edwards, J. Hawthorne, R. Helm, S. Knight, A. Leone, S. Mclaren, R. Pelling, J. Preston, T. Reynolds, A. Townsend, A. Wilson, and K. White (2000a), The Fezzan Project 2000: preliminary report on the fourth season of work, Libyan Studies 31: 103-120.

Mattingly D.J., N. Brooks, F. Cole, J. Dore, N. Drake, A. Leone, S. Hay, S. Mclaren, P. Newson, H. Parton, R. Pelling, J. Preston, T. Reynolds, I. Schrüfer, D. Thomas, A. Tindall, A. Townsend, and K. White (2001), 'The Fezzan Project 2001: preliminary report on the fifth season of work', Libyan Studies 32: 133-153.

Mattingly D.J., C.M. Daniels, J.N. Edwards, and J. Hawthorne 2003,The Archaeology of Fezzan I, Synthesis, London.

Pace B., S. Sergi, and G. Caputo (1951), Scavi Saharianii. Ricerche nell'Uadi el-Agial e nell'Oasi di Gat, Roma: Monumenti Antichi XLI. Accademia dei Lincei,

Petit-Maire, N. (1982). Le Shati lac Pleistocène du Fezzan (Libye), Marseilles.

Redman C.L. (1978), The Rise of Civilization, San Francisco: W.H.Freeman and co.

Roset, J.P. (1987). 'Néolithisation, néolithique et post-néolithique au Niger nord-oriental', XIIth Congress INQUA, Ottowa.

Shinnie P.L. (1967), Meroe- Civilisation of the Sudan. London.

Shinnie P.L. (1989), ‘The Culture of Meroe and its Influence in the Central Sudan’, Sahara 2: 21-30.

Shinnie P.L. and F.J. Kense (1982), ‘Meroitic Iron Working’, Meroitic Studies.  Meroitica 6: 18-28.

Tőrők L. (1989), ‘Appendix A to Kush and the External World ', Studia Meroitica 1984: Meroitica 10: 117-89.

van der Veen M. 1992, 'Garamantian agriculture: the plant remains from Zinkekra, Fezzan', Libyan Studies 23:7-39.

Vercoutter J. (1959), ‘The Gold of Kush', Kush VII; 120-153.

Wendorf, F. (1984). 'A brief summary of the earliest Neolithic settlements in the Eastern Sahara', In: Compte rendu du Séminaire du Laboratoire de Géologie du Quaternaire. La néolithisation au Sahara (ed, N.Petit-Maire), Marseilles.

Wenke R.J. (1984), Pa Herns in Prehistory (2nd Ed.), Oxford: OxfordUniversity Press.

Wuttmann M. (2001), 'Les qanats de 'Ayn-Manâwit', P. Brian (ed.), Irrigation et drainage dans l'antiquité. Qanats et canalisations souterraines en Iran, en Egypte et en Grece, Collection "Persica": 109-135, Paris.