أفريقيا تحت أضواء جديدة
بازل دافيدسون
مقدمة للترجمة العربية للكتاب التى قام بها للعربية الأستاذ جمال محمد أحمد
الذى نشرته دار الثقافة فى بيروت 1961
أفريقيا السوداء، فالحديث كله هنا وفى الكتاب يدور حول أفريقيا جنوب الصحراء، كما كانوا يعبرون، تمييزاً لها عن أفريقيا العربية فى الشمال.
لو لم تكن لهذا الكتاب حسنة غير ابراز دور العرب فى اكتشاف أفريقيا وحياتها، لاستحق عناية القارئ العربي، ولاستحق عناء تعريبه، ذلك أننا لا نعرف إلا القليل من هذا الجانب المضئ المشرق من حيوية العرب على عهودهم الزهر. لهم فى أفريقيا تاريخ يمتد لصبا الزمان أول الدهر؛ أشار إليه الرحالة الإغريقي مؤلف كتاب "الكشاف البحري" فى القرن الأول الميلادي، حين كتب يعجب لكثرة السفن العربية على الساحل الشرقي للقارة، ويشيد بقدرة العرب على العيش الجميل مع الأهلين حتى فى ذلك الزمان البعيد؛ يتزاوجون فتختلط الأنساب، ولا يجد الخصام سبيلاً بينهم وبين القوم؛ يعرفون لغاتهم ويتطلع هؤلاء للتعرف على لغتهم التى كانت تفتح لهم آفاق التجارة والثقافة؛ ويمارسون ما لا يأبون من عادات القبائل؛ تجئ سفنهم من الجزيرة العربية ومن كل صوب فى المحيط الهندي بالخناجر والرماح والزجاج، وتقلع من لدنهم تحمل العاج وقرون الخرتيت وجلود السلحفاة وزيت النارجيل. رأى الرحالة الإغريقي فى القرن الأول الميلادي عيشاً رافهاً آمناً بعضه من بعض، ولم يجد الرؤساء فى الإقليم الأفريقي حرجاً من التضامن مع كل ملك يحكم الجزيرة العربية، ولم يحسوا فى هذا التضامن غير المتكافئ تبعية يكرهونها أو شعور بتحقير. عرف التجار من جنوب الجزيرة إذن ساحل القارة وبضعاً طيباً من داخلها منذ كانت تجارة وتجارة فى الإقليمين، كما عرف رحالة القرون الوسطى أشطاراً من غرب أفريقيا ووسطها معرفة هى اليوم نقطة البدء فى تاريخ القارة على عهد الوسيط، وقد تصدى دافيدسون لهذا الجانب على نحو جدير بقراء العرب أن يتدبروه، وان يتابعوا الذى لم يجد له المؤلف فسحة فى فصوله.
ويصمت التاريخ كله لا العربي وحده، بعد رحلة صاحب "الكشاف البحري" وتمضي الحياة بالعرب والأفريقيين عن أعين الراصدين، لا يغير نموذج التجارة والحياة فيها شئ، حتى يتدفق على الساحل المهاجرون العرب بعد وفاة الرسول حين تضطرب الحال بينهم فى بلادهم، فلا يقدر عليها إلا المحاربون من أجل شئ عزيز قريب الى نفوسهم. يفد طلاب السلامة هؤلاء والأمن والرخاء، ويجدون لمواهبهم التجارية والثقافية مجالاً أحدث أثره لا على الساحل وحده بل على الحياة فى البلاد العربية : تزخر مثلاً أسواقهم فى القرن الثامن بمصنوعات الحديد من زمبابوي فى أعماق القارة الأفريقية، ترد على الدواب عبر ذلك القفر فى روديسيا الحديثة لتحملها مراكب العرب الى كل مكان فى بلادهم البعيدة، ويدل على هذا النشاط الجديد بين القارة والجزيرة كثرة الزنوج فى بلاد العروبة : كان "لا يفقد غائبهم" فى الحروب أيام ثورتهم على دهاقينهم فى فرات البصرة، "كلما قتل منهم قتيل سد مسده غيره فلا يظهر أثر فقده" كما يقول ابن أبي الحديد، فى حديثه عن ثورة الزنوج. وتكاثر العرب على الساحل فامتد سلطانهم فى القرن العاشر من القرن الأفريقي قبالة جنوب الجزيرة حتى أسفالا قرب واق الواق الشهيرة شهرة الأساطير، ولا غرابة، فقد كانت قصص ألف ليلة وليلة تتجمع فى ذلك العهد، وبعضها استوحى ولا شك من رحلات العرب الجريئة فى هذا الإقليم، ويقودك الأهلون حتى يومنا هذا الى صخرة فى مالندي يؤمنون بأنها صخرة السندباد. وفى القرن العاشر هذا الذى نتحدث عنه وصل على بن الحسين جزيرة كلوا قرب دار السلام الحديثة، وظل خلفاؤه على عرشها حتى القرن السادس عشر حين تغلب عليهم البرتغاليون.
وتدخل القارة هنا التاريخ مرة أخرى بعد مؤلف "الكشاف البحري" على يد الادريسي فى القرن السادس عشر؛ رسم هذا الجغرافي الجليل، أول خريطة لأفريقيا عرفها التجار والملوك فى القارة الأوربية؛ لم ير هؤلاء بطليموس فى القرن الثالث، وكانت هذه أدق وأشمل، تعززها كتابات عن تعدين الذهب والحديد فى سفالا قرب واق الواق، وفى مدن الداخل؛ ولم يكن عسيراً على الادريسي أن يجمع ما جمع من حقائق ألهبت خيال قارئيه، فقد كان الساحل كله آنذاك منازل يقطنها العرب مثل جيدي التى اشتهرت فى نهاية القرن الذى كان يكتب فيه الادريسي، ولم تبق نقطة على الساحل لا تنتمي للعرب، حين جاءت موجة من مهاجريهم فى القرن الثالث عشر، وقد اجتاح المغول دار الإسلام حتى الفرات؛ لحق هؤلاء بأهليهم على الشاطئ وجاءوا بدم جديد دافق ظهرت آثاره فى عماراتهم الزاهرة وأسواقهم النافقة، التى وصفها ابن بطوطة حين جاء الإقليم فى الربع الأول من القرن الرابع عشر وكانت حيوية عصية عجزت هجمات البرتغاليين سنة 1498 عن أن تفل من حديدها؛ مضوا يردون هجمات الواغلين بيد ويبنون باليد الأخرى، كما ترى اليوم من بقاياهم فى خليفى وكلوا. ظلوا على هذا الحال حتى سنة 1521 حين استحال التعمير وقد قويت يد البرتغال ووهنت يدهم، وما كانت لتهن لولا تفوق هؤلاء فى السلاح، وتنازع الأمر بين قادة العرب.
ألقت مراكب البرتغاليين مراسيها على الساحل فى السابع من ابريل سنة 1498، ولقوا من العرب وأحلافهم الأهلين كل عون وود الى أن بان لهؤلاء ما يضمر الواغلون، أدركوا أنهم يريدون الإنقضاض على تجارتهم، فتحول الود عداءً مسلحاً بعد عشرين عاماً من العيش الخادع، وتمكن البرتغاليون من الساحل مائتي عام. آلت إليهم فيها خيراته وخيرات الداخل، وان لم يسكن العرب على هزيمتهم؛ كان العمانيون من حين يسعون لاسترداد ما كان لهم، حتى لنجحوا مرة فى حصار قلعة ممبسا الضخمة، التى تحتل قلب المدينة حتى يومنا الراهن. ومضت ثلاثة وثلاثون شهراً على هذه الحال بين سنتي 1696 و 1698، ولولا خلافهم لاستعادوا أرضهم، ولم يصبروا حتى منتصف القرن الثامن عشر حين استطاعوا بهجمة عازمة قادرة على اخراج البرتغاليين من الساحل، وان لم يستطيعوا رأب صدعهم إلا بعد خمسين عاماً من هذا التاريخ. كثر المتطلعون للسلطات والقيادة بعد أن رحل العدو، وكثرت حروبهم الصغيرة حتى جاء عمان السيد سعيد سنة 1804، وقضى على الدعاة والطامحين بشدة مراسه وبعون أحلافه من الإنجليز، وفى سنة 1832 نقل عرشه لزنجبار حيث يحكم أبناؤه اليوم فى ظل الحليف الذى ملك الأمر كله من بعد، وبالسيد سعيد يبدأ عهد جديد فى اكتشاف القارة، إذ تيسر بعده أن يسافر الأوربيون للداخل يحرسهم أمنه الذى نشره فى الإقليم من جزيرته القريبة.
هذه قصة من أروع الصفحات فى التاريخ الأفريقي كله أو التاريخ العربي فى أفريقيا، وليس بعيداً أن يتفرغ لها يوماً من الأيام، طلاب هذا أو ذاك من شباب العرب، فيتقنوا آثار هذا الأندلس الأفريقي قبل أن تعفي عليه رمال الأيام أو تدخل هذه الكتب والمذكرات والرسائل العديدة التى كتبها الرحالة والمبشرون والقناصل الأوربيون ضمير العالم كله على أنها وحدها هى سجل الحوادث هناك، وما هى- حتماً- كذلك. كتبت كلها بأعينهم، وكان صعباً عليها أن ترى حسنة فى العرب، فقد التقوا هناك فى زمان جاهر فيه كل جانب أخاه بالعداء، بعد أن عجزت المخاتلة بينهما والمداورة أن تحفظ السلم؛ وما ندري أية جهة سيتجه هذا الشباب ليكتب هذا التاريخ بعين العرب أيضاً، فقد كانت الأندلس الأفريقية- فيما نعرف الآن- أمية لا تكتب؛ عاش فيها رجال أخطروا أنفسهم اخطاراً، تلوح صورهم خلال كتابات الأوربيين زاهية مليئة بالألوان تغريك بالبحث؛ أفراد من الناس اقتحموا هذه المجاهل "من يوغندا فى الشمال الى نياسا فى الجنوب" وأذاعوا الذعر "من نياسا فى الجنوب الى سواكن فى الشمال" لا تسندهم حكومة ولا تعضدهم جماعة : سعيد بن جمعة، سالم محمود بن خميس بن بهلول وعشرات غيرهم من أهل التجارة والسياسة فى إقليم يوغندا الحديث، ومحط بن خلفان، وبوانا عمر، والشريف ماجد وعشرات غيرهم من أهل الحذق والمال فى نياسا الحديثة وتنجانيقا، وسليمان بن الزبير رسول سلطان برغاش فى زنجبار الذى كان يقطع القارة من شرقها لغربها للتجارة حيناً وللنفوذ أحياناً أخر؛ وسيدهم كلهم الذى أذاق ليوبولد ملك البلجيك، مر العذاب، طبوطب كما تسميه مصادر الفرنجة، الرجل الداهية البصير بكل شبر فى الجبال والغاب والبحيرات، تلوح لك منه صورة مثيرة غريبة كأنها ابداع فنان، تود لو لمستها بيدك لتعرف، ولكنها تتأرجح عن بعد كالسراب وتخطئها الحواس. ظل من الظلال خلال الكتب، كان يعرف مواهبه ويدرك وهو فى غياهبه تلك مصادر القوة انى تنبع وأي مسار تسير توالت عليه الفتوق آخريات أيامه فى الكونغو الأعلى ونكأه ما كان بينه وبين تجار العرب من عصبية هناك، وخشى أن ينتفخ ليوبولد بهذا الخلاف فخرج يقصد زنجبار- حيث أهله وماله، ولقيه على الطريق عند بحيرة تنجانيقا سنة 1890 مبعوث جمعية من جماعات التبشير، وما نظن إلا أنه لمح الشماتة فى عينيه، قال وهو يحاوره : "الرجل الأبيض أكثر قوة وعدة مني. سيبتلع كل الذى اقتنيت كما ابتلعت ما ملك المجوس فى الإقليم. أرى سحباً فى الجو قاتمة، والرعد يقترب. أنا ذاهب". وبعد سنتين اثنتين من هذا استعرت الحرب بين العرب والأوربيين فى الكونغو وانتهى أمرهم هناك بعد. رجل طيف ليت أحداً جمع عظامه ودمه وروحه، إذن لجمع تاريخ إقليم، فى حياة رجل.
كان للعرب ايراد الأمور واصدارها فى الداخل البعيد من الساحل حين جاءت طوائف المبشرين حداة النفوذ الأوربي، حملة أعلام الحكومات والشركات، ولكنهم لم ينفسوا عليهم شيئاً بادئ الأمر؛ فقد كانت تجارة الرقيق والعاج فى يدهم لا يشركهم فيها أحد، وكان هؤلاء يسكنون إليهم، فقد كانوا أهل بشر وكرم ومزاج للعيش الجميع، لا يألفه الأهلون الأصليون آنذاك، ولكن الود لم يدم طويلاً بين الطرفين، واصرخ هؤلاء قومهم وراء البحار، واحتدم الصراع حيناً بالسلاح وحيناً بالمماكرة، وأوضح سجل الحوادث الذى تركه الأوربيون أنفسهم ان الغلبة فى البدء كانت للعرب، فقد كانت المعركة معركة حذق ودراية ومداجاة، وكان هؤلاء قطان البلاد، أحلاف الزعامات والقبائل، يعرفون كيف يعمون أمرهم على العدو، حتى ليضيق هذا ويغتاظ حين يفسد أمره وتعلو يد العرب.. تساءل القنصل البريطاني فى يوغندا عشية الانقلاب العربي فى أكتوبر 1888 فى بلاط الملك، وكان يحسب انه حليفه ضد العرب : "هذه حوادث منكرة، علينا ان نقف عندها ونسائل أنفسنا أي قانون سيسود أواسط أفريقيا : الأوربي أم العربي؟" وكانت غضبة لها ما بعدها فيما نعرف. عوقب العرب أشد العقوبة، أما سيدهم فى لندن، فأسلم نفسه لغيظ لا يعين على الابصار : كانت جمعيات المبشرين من كاثوليك وبروتستانت تخوض حرباً عنيدة مع العرب- أسميت من بعد "حرب العرب" فى نياسا، وكان أنصارهم يلحون على الحكومة القائمة يومها فى لندن أن تعززهم بالسلاح والرجال، ولم تكن هى فى وضع يمكنها من التجاوب مع المعارضة، فقد كانت مرارة الخصام على انقاذ غردون فى الخرطوم عالقة بكل لسان. قال سالسبري يسوق المعاذير كيلا يفعل : "اننا لن نحسن الى تلك الجهود العظيمة فى تبشير هذه البلاد وتمدينها ان نحن اتخذناها سبباً من أسباب الحرب مع قاذورات البشرية التى تنتشر فى ذلك الإقليم العريض الطويل الذى يحكمه اساساً عرب عالجنا نماذج منهم فى السودان، يجمعون للقسوة التى لا ترحم عصبية دينية لا تبصر. انه جيش فظيع من الخبث لن يقضي عليه سوى انتشار المسيحية وذيوع المدنية بينهم بالتدريج" [6 يوليو 1888].
وكان غير عادل فى الذى قال، ذلك لأن العرب، وان كان من حق التاريخ أن يصم تجارتهم للرقيق أقبح الوصم، تركوا حيث حلوا أسواقاً نافقة، وطرائق للتجارة مطروقة، ونواة للإدارة والحكم، وسبلاً للزرع والحصد، بنى عليها الأوربيون حين تسلموا الأمر من بعد. ما عدل حين أسماهم "قاذورات البشرية" فقد أثبت البحث الحديث أن "العرب تركوا أثراً حقيقياً على وجه تلكم الأرض : أزالوا فدادين من الغاب وزرعوا فوقها محاصيل متنوعة" الى آخر ما يقول الأب سلمانز فى كتابه عن "المسألة العربية والكنغو" حين يتحدث عن الآثار الاقتصادية التى خلفها العرب فى الإقليم وعن أثر "العنصر العربي" فى تقسيم القارة بين القوى الأوربية، ولم تكن تجارتهم للرقيق، وقد اتخذت تكأة لرميهم بكل منقصة بأبشع من تجارة الأوربيين فيها كما يبين لنا كتابنا هذا الذى بين يديك بالأرقام ولعل من محامد العرب فى هذا الباب، أن العلائق بينهم وبين رقيقهم كانت إنسانية الى حد بعيد. كتب ديوارت باربوسا سنة 1815، وتجارة الرقيق لا تجارة غيرها آنذاك : "حال الرقيق فى ممبسا تدل على ما لأسيادهم العرب هنالك من إنسانية، يعجز الواحد أحياناً عن أن يميزهم عن أسيادهم، إذ يبيح هؤلاء لهم أن يقلدوهم فى اللباس وفى غيره من شئون العيش" ولك أن تقابل هذا بأية صفحة أردت من صفحات قصة جوزف كونراد "قلب الظلام" لترى العلائق بين المخاطرين من أوربا وبين عمالهم من الأفريقيين، لا قبل أربعمائة عام، بل فى مطالع هذا القرن، والعصبية الدينية التى تحدث عنها سالسبري فى خطابه الحانق المغتاظ لعبت دوراً ولا ريب، لكنك ان قرأت السجل بانعام نظر وحيدة، رأيت أن أوربا هى التى كانت تقذف بالدين فى الميدان، لا العرب : أراد كارل بيتر وصحابه من رواد الاستعمار الألماني فى تنجانيقا سنة 1885 ان يكون التبشير "أداة مهمة من أدوات الاستعمار- الأوربي المسلح" فيما يقول رونالد أوليفر صاحب "العنصر التبشيري فى شرق أفريقيا" وكانوا يحثون حكوماتهم على "ان تمتزج الحركة التبشيرية بالحركة التوسعية فى ألمانيا"- أمور يجزم المؤرخون انها لعبت دوراً فى تحول العرب عن التعاون مع الأوربيين، وكانوا لا يكرهون التعامل التجاري معهم بادئ الأمر، يشترون سلاحهم ويبيعون لهم العاج، وما كان ممكناً بعد هذا أن يقوم التعاون بين الفريقين، كانت "كل محطة تبشير مقالة فى الاستعمار" والاستعمار معنى من معاني الاحتكار كما كتب رسول الحكومة البريطانية فى نيسالاند عام 1890 ولن تجد شيئاً من هذا الانتفاع بالدين فى السجل العربي فى أواسط أفريقيا، ولعلهم أعجز من أن ينظموا حركة تبشيرية كالتى نظم الأوربيون.
وكان صراعاً غير متكافئ على أية حال، كانت أوربا، وقد وطدت الثورة الصناعية اقدامها فيها، واثقة من نفسها معتدية، يؤمن غلاة الناس فيها برسالة قارتهم السعيدة، ويؤمن أكثر الناس فيها بالبحث عن أسواق لبضائعها، وما تريد من خامات لها عبر البحار بأي سبيل، يريدون ليعوضوا بأفريقيا عن أمريكا وقد خرجت من النطاق البريطاني سنة 1783، والثورة الصناعية بنجاحها تغير من كل شئ فى حياة الأوربيين المادية منها والنفسية وتوحي إليها بأنها افضل الناس وأجدرهم بالقيادة، وأحقهم بما تنتج الأرض العريقة، ولم تكن صدفة محضاً أن تتكون الجمعية الأفريقية فى بريطانيا بعد خمس سنوات فحسب من هذا التاريخ، وهى الجمعية التى عملت على اكتشاف القارة الأفريقية فى الداخل أكثر مما فعلت جمعية أخرى أو شخص بذاته، وتدفق القناصل الى زنجبار وقداتصلت السبل وامنت الطرق- كما قلنا- على عهد سلطانها المسقطي السيد سعيد، جاءوا : الولايات المتحدة سنة 1837، وبريطانيا سنة 1841، وفرنسا سنة 1944- يتنسمون الأخبار، ويتطلعون للداخل يريدون لسلطانهم أن يمتد فيحوز وجدان القارة من ناحية وثروتها من ناحية، وكان العرب قد سبقوهم لهذين، فيما أخبرهم لفنجستون فى رسائله : كان يجد آثارهم أينما حل. حسب نفسه سار طريقاً ما سارها أحد قبله حين عبر القارة من بتشوانا لاند خلال صحراء كلهاري وحول بحيرة نقامي وفوق نهر زمبيزي، فأنجولا وعبر القارة مرة أخرى الى إقليمين عند ساحل موزمبيق، بعد سبع سنوات من الاقدام انتهت سنة 1856، ثم عرف ان عربياً اسمه سعيد بن حبيب بن سليم اللفيفي، طوف ما طوف هو قبله بشهور قليلة، لا تسنده صحيفة ولا جماعة ولا تعني بأمره دولة كما كانت الحال مع لفنجستون وغيره من الأرواح الجريئة التى كشفت القناع عن القارة لأوربا المعتدية الجديدة المصنعة. وكان هذا شبيهاً بحال العرب فى صراعهم للبقاء آخر الأمر. تأتيهم أخبار الجيوش الخديوية فى طريقها لأواسط القارة صوب يوغندا، فيتلهفون، ينصتون لعلهم يجدون حليفاً يعين، وتأتيهم أخبار غزوات الإمام المهدي الموفقة، فينصتون مرة أخرى لعل علماً من أعلام العرب، يأتي لنجدتهم وهم أفراد مبعثرون لا يقيدهم نظام ولا يقودهم زعيم، ويتسامعون بنوايا سلطان زنجبار فيتمنون أن تجئ نجدة منه وهو سيدهم فى الاسم، ولا يقع شئ من هذا؛ على النقيض تتقدم أوربا الفتية القادرة المنتظمة وتقسم الإقليم كله فتاتاً بينها، ولا يسع السلطان سعيد فى زنجبار سنة 1895 وهو يرى الحلقات حوله تكتمل يوماً بعد يوم ورعاياه يفدون بأخبار الهزائم من الداخل، الا ان يقول يتحسر على نفسه وآله "لست إلا عصفورة فى مخالب صقر".
هذا عن شرق أفريقيا ووسطها البعيد ولكن الرباط العربي بغربها فى القديم لا يقل قوة عن هذا الذى رأينا بعضه فى الشرق والوسط، اتصلت هذه وتلك بجنوب الجزيرة العربية منذ فتح التاريخ عينيه ينظر، واتصل الغرب بالشمال الأفريقي وشماله الشرقي منذ أحقاب ممعنة فى القدم، وكانت الصحراء كالبحر هنا، تتناثر على حوافيه فى الشمال والجنوب المدن كالموانئ، تخرج القوافل من فاس ومراكش وقسطنطينية والقيروان، تحمل الملح، وكانت سلعة عزيزة فى الجنوب والغرب، لغانا ومالي وجن وجاوا وتمبكتو وكانو، وتعود قوافلها تحمل الذهب والرقيق. عرف الجانبان من الصحراء، طرقاً ثلاثة للقوافل، أولها غربية تقلع من مراكش متجهة للمنحنى الشمالي من النيجر، والى الإقليم الشاسع غربه صوب المحيط وثانيها طريق وسط يبدأ عند تونس ويتجه للإقليم الكبير الواقع بين بحيرة تشاد ونهر النيجر، وطريق ثالث من الشرق لدى طرابلس ومصر، يسير للإقليم الواقع حول شاد كله، طرق كلها تدلك على ما كان من صلات قديمة قريبة بين الشمال الأفريقي، والإقليم العريض الذى عرف من بعد بالسودان، حين جاءه الرحالة العرب، ويقص عليك كتابنا هذا الذى بين يديك كثيراً من مفاخرهم فى هذه المسالك الوعرة. ظلت هذه الصلة تجارية صرفاً حتى كان أول العهد المسيحي، حين دفعت التقلبات السياسية فى الشمال، شعوباً عدة وقبائل مختلفة للنزوح عبر الصحارى للجنوب، هرباً من الحروب. توالت هذه الأفواج حتى القرن الثالث عشر، ونشأت معها منازل من المهاجرين العرب والبربر المتهودين، تعيش آمنة وسط أرض الزنج، يتراحمون ويتقاسمون العيش، ويتبادلون ما عندهم من ثقافات، كما فعل أهل جنوب الجزيرة العربية فى شرق أفريقيا، وابتلع بحر الزنج هذه القطرات الوافدة، فلم يعد ما يميز قادماً من مقيم، وظلت حياتهم هكذا آمنة لا يروعها شئ، حتى وجدت أوربا طريقها إليهم، تتاجر فى الرقيق، بادئ الأمر وتتولى شئونها شيئاً فشيئاً منذ القرن الخامس عشر، تمهد لاستعمارها فى النهاية.
وللعرب فى هذه القصة دور مركزي، فقد اندفعوا بعد الإسلام للشمال الأفريقي على النحو الذى يعرفه القارئ العربي، وكانوا قبلها جماعات لا خطر لها ولا شأن من المخاطرين، فتح الطريق لهم سهلاً معبداً بعد فتح مصر (639-642)، فاستولوا على الشمال بعد غزوات موفقة معروفة، يقدر المؤرخون ان ربع مليون من العرب استقرت بعدها فى الإقليم واختلطت بأهله البربر، فاتخذوا الدين الجديد عقيدة، واللغة الغالبة لساناً وترعرع سلطانهم وامتد بين القرنين الحادي عشر والثاني عشر، على يد بني هلال وبني حسن، وغيرهما من قبائل العرب، وهى القرون التى شهدت بدايات الإمبراطوريات الإسلامية التى يتحدث عنها كتابنا هذا فى اختصار لا يخل. كانت هجرات الشمال الأفريقي والشمال الشرقي فى السودان القديم الممتد بين النيل والنيجر- متقطعة، قبل أن يستقر العرب استقراراً فى الشمال، ولكنها اتصلت اتصالاً واسعاً بعد هذا العهد، فاتسع نطاق التجارة والهجرة والاستيطان فبعد أثر العرب فى حياة الزنج وعمق. ما كان مجيئهم للاغارة كما فعل البربر قبلهم، ولا للاقامة الهاربة من الاضطهاد كما فعل اليهود والبربر المتهودين، حين شق عليهم العيش مع الروم. كان التجار والمهاجرون العرب يحملون رسالة ويتحدثون لغة مرموقة وكانوا بعد هذا يبحثون عن مجال للعيش والتجارة أوسع، واتخذت آثارهم هذه سمتها القوية التى بقيت لليوم فى سحنة الكثيرين، ودين الأكثرية، ولغةالأقلية، خضع المزيج الذى تكون فى الإقليم من بربر وزنج لسلطان العرب الفتي فاستأثروا بالتجارة والثقافة والحكم لا يشركهم فيها أحد، وترى آثار هذا فى التكوين الجسدي للشعوب التى تعيش شمال الغرب جنوب الصحارى، فالدم الغالب شمال السنغال والنيجر هو الدم الخليط من الزنج والبربر والعرب، والدين الغالب هو الإسلام، واللغة العربية ليست عربية على الأكثرية، ثم يغلب الدم الزنجي جنوب هذين النهرين وان كنت ترى حتى يومنا هذا الأثر الذى تركته تجارة القادمين ودينهم وعاداتهم، رغم القرون التى مضت الآن على تلك الصلة.
هذا عن القارئ العربي عامة والكتاب، أما القارئ السوداني خاصة فلن أمضي وقتاً طويلاً معه أغريه، ذلك لأن السودان القديم هنا فى "أفريقيا تحت أضواء جديدة" بطل من أبطال قصة الحضارة الأفريقية، واضح الميزات والسمات. هذا الكتاب حتم على القارئ السوداني الذى لم يتخصص فى تاريخ بلاده القديم، ويريد ليقف على معالمه الكبرى، والفصل الذى كتبه دافيدسون هنا خير خلاصة كتبت فى أية لغة حتى الآن عن تاريخ مروي الذى عرف لليوم، فأكثره كما سترى فى الكتاب حبيس فى ضمير الغيب بعد، وليس من شك أنه دلل بالذى ساقه من شواهد وبينات على مسئولية السودان أولاً والعالم ثانياً فى العمل على اكتشاف ما بقي من آثار دفينة فى صحراء مروي القديمة، لا لأنها قطعة من تاريخ السودان فحسب بل لأنها نقطة الانطلاق فى تاريخ القارة، ويرجو الواحد منا أن تصل آراؤه فى هذا السبيل أهل المال، ممن يحرصون على التاريخ الأفريقي، وهو بضع من تاريخ العالم الواسع، حجبته القرون تحت التراب. كانت مروي همزة الوصل بين أفريقيا السوداء وحضارة البحر الأبيض المتوسط ومصر القديمة، حملت ما انجز الإقليمان صوب الغرب نحو المحيط الأطلسي، وصوب الشرق نحو المحيط الهندي، ولم يبق المؤلف شيئاً يقوله الواحد للقارئ غير المختص.
المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية