الكتاب الإغريق والرومان القدماء عن كوش
ايسيدور كاتسنلسون
ترجمة أسامة عبدالرحمن النور
لم تحتفظ الكتابات الإغريقية والرومانية القديمة بالكثير من المعلومات عن كوش القديمة- إثيوبيا النيلية كما أسماها الإغريق والرومان. فوق ذلك فإن تلك المعلومات جاءت متقطعة وذات طبيعة صدفية. غالبية تلك المعلومات وردت فى أعمال المؤرخين والجغرافيين الهلينيين وترجع الى فترة متأخرة نسبياً. الى جانب ذلك فإن الكتاب القدماء يقدمون إشارات قيمة للغاية بالنسبة لتاريخ هذه المنطقة وجغرافيتها تساعد فى تحديد جوانب متفرقة من تركيبها الاجتماعي الاقتصادي ليس فحسب فى النصف الثاني للألفية الأولى قبل الميلاد والقرون الميلادية الأولى، بل فى أزمان أسبق بكثير. من الضروري كذلك الأخذ فى الحسبان، أن الكثير من المعلومات وصل إلينا فقط عن طريق أعمال المؤلفين الإغريق والرومان، ذلك أن المصادر الأخرى صمتت عن ذكرها. من هنا تتضح أهمية تناول، ولو بايجاز، تلك الأعمال بخاصة المعلومات ذات الصلة بنبتة ومروي، وبذل محاولة تصنيفها وتحديد طبيعتها، وهى مهمة لم يتم الاضطلاع بها حتى الآن من قبل أي من الباحثين (1). لانجاز هذه المهمة من الضروري اجراء دراسات وأبحاث أكثر تفصيلاً ودقة.
صُورت كوش بالنسبة لإغريق النصف الأول من الألفية الأولى ق.م. وما بعدها، كما سنوضح لاحقاً، بلاد أسطورية خرافية، تقع فى مكان بعيد ما فى الشرق، على ساحل المحيط (هومر، الكتاب الثاني، الجزء الأول؛ الأوديسا). هناك يعيش الإثيوبيون، الذين حرقت الشمش وجوههم. إنهم- أصدقاء الآلهة، ويحضر الأخيرون طقوس القرابين التى يقيمونها. ما كانت لدى إغريقي تلك الفترة أية تصورات واضحة ودقيقة عن مكان وجود كوش. حتى نهاية الثقافة الإغريقية القديمة أطلقت تسمية إثيوبيين على الشعوب التى تتميز بسواد البشرة، لكن تم التمييز بين إثيوبيين شرقيين وآخرين غربيين. ضمن الإثيوبيين الشرقيين صنف سكان الهند، كما يمكن ملاحظة ذلك من الإليادة (2). وصلت فيما يبدو الى إغريق العصر الهومري معلومات مشوشة وغير محددة عن بلد شرقي بعيد. فى واحد من الألواح البيلوسية (Py.En.74/11)، والتى يرجع تاريخها للقرن الثالث عشر ق.م.، ورد ذكر لإنسان يحمل اسم إثيوبيوس (الإثيوبي) Webster,1960:94. من هنا يمكن الاستنتاج بأن هذا الاسم وجد منذ أزمان سابقة لوصول الإغريق الى كوش، التى نالت اسم "إثيوبيا"، كبلاد سكانها من ذوي الوجه الأسود. لاحقاً هكذا أصبحوا يسمون كافة الأراضي التى يكون سكانها سود البشرة.
يتسع أكثر الأفق الجغرافي فى "الأوديسا". مع ذلك ففى هذه الملحمة عندما جرى الحديث عن الإثيوبيين الغربيين (3) ما كانت الاشارة الى سكان كوش، وإنما عن سكان موريتانيا Finsler,1908 طالما أن رحلات أوليس، يجب نسبتها الى الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط. حتى مصر بدت لهومر بلاداً بعيدة لا يسافر إليها أحد برغبته. رغم أن منلاي فى روايته لـ تلماخ عن الأحداث بعد السيطرة على اليون وذكره لرحلته الى قبرص، وفينيقيا، ومصر، والأثيوبيين (4) الخ.، فإنه من غير الواضح عما كان الحديث فى هذه الحالة يدور تحديداً عن سكان كوش. من غير المستبعد أن يكون المقصود هنا أي بلد ساحلي كان سكانه سود البشرة. كما هو واضح من المحتوى، لم يتجاوز منلاي حدود البحر الأبيض المتوسط؛ كل البلاد التى عددها تقع على السواحل. عموماً ليس هناك أساس لافتراض أن أغارقة العصر الهومري توغلوا الى أبعد من السواحل الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط. معرفتهم بمصر، النسبية للغاية، لم تتجاوز فى أحسن الحالات مناطق الدلتا.
تعرف أكثر قرباً بالمناطق الساحلية لمصر يمكن الكشف عنه فى النشيد الرابع عشر "الأوديسا". من رواية أوديساي يمكن تكوين تصور عن دور القرصنة فى توسيع المعارف الجغرافية لإغريق العصر الهومري. اللافت للانتباه، أنه فى روايته، التى قد تلامس الى حد ما الحقيقة، يظهر قيصر اتاكا نفسه بوصفه قبرصياً، مؤكداً على قدم العلاقات العدائية فى أحيان والسلمية أحياناً أخرى مع مصر.
على أية حال، النقطة الأبعد جنوباً فى وادي النيل التى يمكن أن يكون الإغريق قد وصلوا إليها فى العصر الهومري كانت فى طيبة. حتى اعتلاء بسامتيك الأول العرش تمكن مغامرون إغريق متفرقون، يجمعون ما بين التجارة والقرصنة، من الوصول الى وادي النيل - هنا فى هذه الحالة تكون رواية الأوديسا ذات معنى - لكنهم لم يتجاوزوا مدن الدلتا، ومن ثم فإن معلوماتهم عن كوش لم تتعد المعلومات السماعية 1893, Mallet .
بدءاً من منتصف القرن السابع فى عهد بسامتيك الأول وخلفائه الإغريق وصل الى مصر الجنود المرتزقة، ولاحقاً التجار والحرفيون وتوغلوا الى أعماق مصر. بدءاً من حكم بسامتيك الثاني (594- 588 ق.م.) توجد بينة مؤكدة دالة على الوصول الى كوش. تتألف تلك البينة من واحد من أقدم آثار الكتابة الإغريقية المبكرة - النقوش فى أبى سمبل (5)، التى خلفها فقى الغالب المرتزقة الذين وصلوا الى منطقة الشلال الثاني ضمن أفراد الحملة التى تعقبت الهاربين الذين تحولوا الى جانب ملك الكوشيين (هيرودوت، الكتاب الثاني) (6). وظلت كوش، وفقاً بالشذرات الأدبية التى وصلت لنا من تلك الفترة، بالنسبة للإغريق بلاداً مدهشة. ففى أعمال هسيود Straube,1963 وميمنيرم المعاصر لسولون Bergk 1843 ترد إثيوبيا والإثيوبيون فقط فى محتوى أسطوري، لكن من غير الممكن مطابقتها ببلد بعينه أو بشعب محدد. يصعب الاتفاق مع الفرضية القائلة بأن هسيود طابق إثيوبيا بليبيا، ذلك أن التقاليد الإغريقية المتأخرة طابقت "الإثيوبيين غير المستقرين" ليس فقط بسكان كوش Forbiger,1877. عموماً رأى بأن الإثيوبيين "انتشروا فى كل االأطراف الجنوبية للأرض المعروفة له" Томсон,1953: 49 . لهذا السبب يتأسف المرء لفقدن عمل عالم المنطق جيكاتي المليتي، الذى زار مصر تقريبا قبل ماءة سنة قبل هيرودوت وتمكن من جمع معلومات مثيرة عن كوش. عمله Periodos ges - يعد الأول فى سلسلة أعمال إغريقية كتبت عن مصر. يحتمل أن تكون مقتطفات من مذكراته عن كوش وجدت فى أعمال علماء منطق آخرين من الجامعين معلومات عن مصر (8) Wiedemann,1884
هكذا، فإن هيرودوت هو المؤرخ الإغريقي الأول الذى حفظ لنا معلومات موثوقة الى حد ما عن كوش. كما هو معروف، فقد زار مصر فى سنة 448 أو 447 ق.م. Legrain,1955 وبقي فيها قرابة الأربعة أشهر Sourdille,1910. بالتالي، فإن الوقت كان كافياً له للتعرف على الكثير من المعلومات. لم يكتب له الوصول الى كوش، لكنه زار المنطقة الحدودية- جزيرة ألفنتين- حيث وجدت آخر حامية فارسية فى الجنوب.
كانت العلاقات بين الكوشيين والفرس بعيدة عن أن توصف بالحميمة. ومع أن الكوشيين كان قد توجب عليهم دفع جزية الى قمبيز، علماص بأن ذلك لم يك لفترة طويلة، إلا أنهم كثيراً ما اقلقوا بهجماتهم المناطق الحدودية. لذلك فإن الابحار فى النيل الى الجنوب من ألفنتين كان أمراً محفوفاً بالمخاطر. فوق ذلك، يجب ألا ننسى أن كل القرن الخامس ق.م. كان مشحوناً بانتفاضات المصريين ضد الفرس، مع مراعاة أن الكوشيين قاموا بدور كبير للغاية فيها. واحدة من أكبر تلك الانتفاضات نجح الفرس فى اخمادها فقط فقط قبل 6 -7 سنوات سبقت زيارة هيرودوت Волков,1915
تنحصر أهمية المعلومات التى أوردها هيرودوت عن كوش ليس فحسب فى قدمها، لكن أيضاً فى تنوعها. فى الحقيقة فإن الجزأين الثالث والرابع من "التواريخ" احتفظت بالكثير من المعطيات عن هذه البلاد، وهى معلومات تقارب الحقيقة الى حد بعيد.
يفرق هيرودوت أيضاً بين "الإثيوبيين الشرقيين"، ذوي الشعر السبيبي، و"الإثيوبيين الليبيين" الذين يكون "شعرهم مفلفل الى درجة لا توجد لدى شعب آخر". بالإثيوبيين الشرقيين غالباً ما كان يقصد شعوب جيدروسيا وكرمانيا؛ فى حين المقصود، فى الغالب، بالإثيوبيين الغربيين هم الكوشيين الذين يعيشون، حسب قوله، "فى قطر نائي فى جنوب غرب الأرض الصالحة للسكن- إثيوبيا. فيها يوجد الكثير من الذهب، وفيها ترعى أفيال ضخمة، وتنبت أشجار من كل الأنواع". ويحدد بدقة تخوم كوش الشمالية- جزيرة ألفنتين. كما ويلاحظ هيرودوت الاختلاف بين سكان مناطق الشلالات النيلية السفلى المتاخمة لمصر وبين "الإثيوبيين طوال الأعمار"- قبائل شلالات النيل العليا المتزنجون. الحقيقة، أن وصفهم الوارد فى سرد حملة قمبيز، مشحون أدبياً بالصيغ الجمالية المميزة للتقاليد الإغريقية القديمة، مع أن المصريين فى عصر انهيار دولتهم تمكنوا من خلق تصور كمالي لمملكة مروي القوية المستقلة حيث حفظت العبادات القديمة Beardsley,1929; Säve-Söderbergh,1946. لم يغب عن هيرودوت التأثير الثقافي للمصريين على الكوشيين، وهو ما يجعله متميزاً عن بعص الكتاب اللاحقين، على سبيل المثال ديودور الذى يعبر عن وجهة نظر مغايرة كلياً. من بين المعلومات المؤسسة بحق الاشارة الى "مائدة الشمس" فى مروي- المنصوبة أمام معبد الشمس، حيث قدمت لحوم الحيوانات المذبوحة قرباناً الى الجمهور Garstang,1911، وكذلك الاشارة الى التقاليد المتبعة هناك فى اختيار الوريث للعرش عن طريق الوحي Säve-Söderbergh,1946، مع أن تلك المعلومات قد لا تتوافق مع الحقيقة فى حالات. الواضح، أنه فى أزمان هيرودوت كان الرحالة الإغريق يمتلكون قدراً من المعلومات عن العاصمة الجنوبية البعيدة، ذلك أن سرد هيرودوت ينطلق من أرضية تقاليد إغريقية وليست تقاليد مصرية كما هوالحال بالنسبة لسرده عن مصر.
وصلت الى هيرودوت مأثورة اخضاع سنوسرت والفراعنة الآخرين لكوش، رغم أن سجل هيرودوت بهذا الخصوص ملئ بالتحريف وتشويش التواريخ، والحقائق، والأسماء: زسوسترس (7) يعد الملك الوحيد الذى خضعت له كوش. هذا الخطأ من اليسر تفسيره: ظلت طازجة ذكرى سيادة الكوشيين على مصر، وهى سيادة ظل الكوشيون يؤكدون شرعيتها (على سبيل المثال نستاسن) حتى عندما كانت مصر تحت السيادة الفارسية.
حرفت ايضاً رواية احتلال الكوشيين لمصر. غير واضح من هم الـ 18 ملكاً الذين حكموا مصر. كان لبسيوس قد طرح فرضية فى وقته تقول بأن هؤلاء شملوا الى جانب ملوك الأسرة الخامسة والعشرين فراعنة الأسرتين الخامسة والسادسة Lepsius,1849. إلا أن الأخيرين ترجع أصولهم الى إقليمي ألفنتين وطيبة. ممطوطة أيضاً وجهة نظر بودنجير (8). إذا استبعدنا احتمال الخطأ فى هذه الحالة فإن سؤالاً يبرز بشأن المصدر الذى استند إليه هيرودوت فى وضع ملوك كوشيين، مثل كاشتا، وبعانخي (بيَّا)، وتانوت أماني، وكذلك أمراء مستقلين أو شبه مستقلين حكموا فى تلك الفترة الغامضة فى أقاليم متفرقة ونسبوا لأنفسهم لقب سيد كل الأرض، سوياً مع الملوك المصريين. يحتمل أن تكون إفادة هيرودوت اعتمدت على المأثور الشفهي أو على سجل من سجلات احد الأقاليم الجنوبية لمصر، والتى كانت تربطها علاقات صداقة بالكوشيين فى عصر السيادة الاشورية والسيادة الفارسية، حيث أن الكوشيين أسهموا بنشاط فى انتفاضات المصريين ضد المحتلين الأجانب، ونظر الى ملوك كوش بوصفهم حكام مصر الشرعيين. جلي أن التقاليد التى حفظها هيرودوت تؤكد على العلاقات الحميمة للمصريين بالكوشيين. الحقيقة أن مانيثو فى فترة لاحقة، وهو من أصل سيفينتي، عكس فى كتاباته وجهة نظر مصر السفلى المعادية لبيَّا وخلفائه Струве,1930، الذين أخضعوا تحت قبضتهم مدن الدلتا. هكذا نجد أن شباكا وتهارقا يمثلان، من وجهة نظره، قتلة قساة Manetho,1958. لكن هيرودوت لا يتبنى وجهة النظر الشمالومصرية هذه، ففى كتاباته يصور سباكون (شباكا) حاكماً عادلاً وإنسانياً، الإثيوبيون بالنسبة لهيرودوت خيرون، وبلادهم غنية وخيراتها وفيرة. يحتمل أن "أب التاريخ" وقع تحت تأثير الشعور الطيب السائد فى التقاليد المصرية تجاه الكوشيين بالاضافة الى روايات المرتزقة الإغريق عن الكنوز التى لا حصر لها لدى ملوك نبتة ومروى. ما كان الأمر صدفة أن هربت الفرق الإغريقة فى عهد ابري الى كوش Sauneron and Yoyotte,1952.
من بين الملوك الكوشيين عرف هيرودوت بالاسم واحداً منهم فقط- ساباكون- شباكا، والذى تحدث عنه أكثر من مرة. خمسون سنة دامت فترة حكم شاباكا على حد تعبير هيرودوت، بالتالي فإنها تتوافق مع فترة حكم الأسرة الخامسة والعشرين (9). الحقيقة، أنه من خلال مثل هذا المنظور الكرونولوجي، إذ لم يتم استبداله كلياً، يصبح من غير الواضح: هكذا يصبح من غير الممكن تحديد الملك الضرير انسيس الذى حل محل ساباكون (هيرودوت، الكتاب الثاني، 137). المأثور الذى يقدم لخروج الإثيوبيين من مصر يتداعى مع "مسلة الحلم" الشهيرة للملك تانوت أمانى Urkunden III,57-77، حيث وردت الوقائع وفق ترتيب مختلف : حلم الملك سابق للحملة على مصر. كذلك فإن تحديد الأطر الزمنية لحملة سنحاريب على مصر فى عهد الملك ستون يتسم بقدر من شبه الخيال ولا يتطابق مع الواقع. فالملك الأخير هذا لا يوجد أثر واحد دال عليه. يحتمل أن يكون ستون هذا واحداً من أمراء مصر السفلى. حملة سنحاريب يمكن احتمالاً ارجاعها لعهد تهارقا أو شبتاكا، الذين دخلا فى مواجهات مع الأشوريين، وهى مواجهات نالت حظاً وافياً من السرد فى الكتاب المقدس [ايسيا، 37-9؛ كتاب الملوك 19-9] والحوليات المسمارية Streck,1916. أخبار بسامتيك الأول بوصفه الخلف للأسرة الخامسة والعشرين تتطابق تماماً مع الواقع التاريخي، وكذلك الأخبار عن حملة بسامتيك الثاني على كوش وهو الشئ الذى تؤكد عليه نقوش المرتزقة الإغريق فى ابوسمبل التى سبق ذكرها. فى الحقيقة فإن هيرودوت يعد الملكين شخصاً واحداً. فيما يتعلق بذكر اخضاع قمبيز "للإثيوبيين المجاورين لمصر"، فإن هذه الحقيقة لا يجدر اعتمادها الآن (10). هامة للغاية الملاحظات المتقطعة عن "الإثيوبيين طويلي الأعمار" (11)، والذينيشار بهم الى القبائل التى تعيش فى شلالات النيل العليا. هذه هى المعلومات الأولى التفصيلية، رغم أنها غير موثوقة تماماً، عن سكان المناطق الشمالية لوسط أفريقيا. الى جانب الخرافات الأسطورية، المعتادة فى الروايات الإغريقية عن الشعوب البعيدة، فإن فيها، بلا شك، نطفة من الحقيقة الهامة بالنسبة لنا والتى سوياً مع المصادر المحلية يمكنهاأن توضح خصائص الأوضاع اجتماعية لتلك القبائل ليس فى القرن الخامس ق.م. فحسب بل حتى فى القرون السابقة.
من أين استقى هيرودوت معلوماته عن كوش؟ الاجابة محتواة فى الفصل التاسع والعشرين لكتابه الثاني : "حتى مدينة الفنتين وصلت بنفسي وكنت شاهد عيان، أما بشأن البلدان الواقعة ما وراء ذلك فقد عرفت عنها من الروايات".
وقد قدم المرتزقة الإغريق، الذين رافقوا حملة الفرس التأديبية على كوش، وكذلك بعض التجار الإغريق الفرادى، وأيضاً المصريون، ولو أن الأخيرين بشكل أقل، الى هيرودوت المعلومات التى تهمه (12). هكذا، فإن الأخبار التى أوردها هيرودوت عن كوش تماثل، من حيث الموثوقية والجودة، تلك التى أوردها عن مصر . الاختلاف فقط فى أنه فيما يتعلق بكوش فقد وجد نفسه مضطراً للاعتماد على المصادر، طالما أنه لم يذهب الى هناك وبالتالي ما كان أمامه من طريق للتأكد والتدقيق. بعض وصفه حي للغاية ومعبر وصحيح، على سبيل المثال وصفه لمنطقة الشلال الأول - حتى فيله. التصور العام عن الأماكن الواقعة الى الجنوب من فيله، مع عدم دقة تحديد بعد المسافات بين بعض المواقع المأهولة والخطأ فى تثبيت أمكنتها، لا عبار عليه فى وصف هيرودوت. هكذا نجد أنه يحدد موقع مروي أبعد الى الشمال من موقعها الفعلي، وسمى جزيرة فيله بـ تاكمبسو، رغم أن تاكمبسو تمتد على ضفتي النيل فى منطقة سينا وتتطابق فى الغالب مع الدوديكاسخيون Sethe,1901: 3-7. الرواية الخاصة بتتويج بسامتيك الأول وبالهجوم الأشوري، كما هو الحال فى العديد من الروايات التاريخية، مأخوذة عن معبد بتاح فى منف Wiedmann,1890:26-27, 397.
من كل ما قيل يمكن استنتاج، أنه على الرغم من المعلومات الكثيرة الخاطئة والخيالية، فإن روايات هيرودوت تشكل مصدراً هاماً يكمل معلوماتنا عن كوش، ليس فقط من حيث أسبقيته أو من حيث أنه أصبح أساساً استقت منه الأعمال اللاحقة - ديدور، سترابو وغيرهما، ولكن بفضل سلسلة من المعلومات الموثوقة المحتواة فى كتابي "التواريخ" الثاني والثالث (13).
تقريباً فإن مثل هذا التقييم لعمل هيرودوت قدمه بعد ثلاث سنوات هرمينجهاوسن فى رسالته لنيل دكتوراة الفلسفة المشار إليها سابقاً. يرى هرمينجهاوسن أن المعلومات الأساسية عن كوش وصلت الى المؤرخ الإغريقي عن المصادر التالية:
1- التجار المصريون فى الفنتين (وصف وادى النيل الكوشي -الكتاب الثاني، 29-31).
2- مصريون آخرون، بما فى ذلك احتمالاً، الكهنة (الرواية الخاصة بـ سابكون وسيتون - الكتاب الثاني، 137-139- 149).
3- أحد الاغارقة أو شخص آخر، زار كوش (وصف البلاد- الكتاب الثالث، 17-25).
يروي هيرودوت كل ما وصل إليه من معلومات بدقة. فوق ذلك، يحاول أن يكون أقرب فى سرده للمصدر، كما يتضح من تحليل الفصل الذى كرسه لكوش فى كتابهالثالث (14).
من بين الكتاب الإغريق الذين وصلت إلينا أعمالهم الأقرب الى هيرودوت زماناً ومن حيث محتوى العديد من الروايات يمكن ذكر ارسطو (384-322 ق.م.). أكثر من ذلك، فإن بعض المقاطع تكاد تكون مأخوذة مباشرة عن عمل هيرودوت. فى رأي أرسطو، تقع إثيوبيا فى نهاية الأرض المسكونة؛ فيما وراء ذلك تستحيل الحياة بفعل الحرارة الحارقة. لديه معلومات عن جبال الفضة التى ينبع منها النيل، والتى تفصل ما بين الإثيوبيين الشرقيين والغربيين. المظهر الخارجي للقبائل الزنجية يصفه أرسطو بدقة (تاريخ الحيوان، الكتاب الثالث،9)، وهو أمر طبيعي حيث أن الإغريق قد تعرفوا بالزنوج منذ أزمان طويلة سبقت أرسطو Lowenherz,1861؛ ويفسر تجعد الشعر المميز للزنوج بعوامل المناخ. وجاء وصفه للنظام السياسي فى كوش قريباً من وصف هيرودوت. ايضاً أخذ عن هيرودوت وصف "الثعابين المجنحة". بالتالي يجوز القول بأن تصورات أرسطو عن كوش اعتمدت على أعمال "أب التاريخ"، لكن عرض أرسطو الجغرافي أكثر اتساعاً: فهو يعرف الجبال والأنهار فى تلك البلاد، بخاصة الفروع الشرقية للنيل. لكنه وبصفة عامة فإن معرفة أرسطو بليبيا لم تتجاوز مستوى العلم الإغريقي فى العصر ما قبل الهلنستي على حد تعبير بولشرت Bolchert,1908.
وسعت حملات الاسكندر المقدوني كثيراً من أفق الإغريق الجغرافي. انهم يصلون الى بلدان وبحار بعيدة، وتنامت كميات الأعمال الوصفية لمناطق متفرقة. فى الحقيقة فإن تلك الأعمال الوصفية قد خلطت الخيالي بالواقعي. فيما بعد هيرودوت حتى نهاية القرن الرابع، عندما أقيمت مسلة نستاسن، لم تتوفر عن كوش أية كتابات. وقد غطت النقوش التى تم الكشف عنها فى كوة بعض الفراغات، لكن ذلك ليس بالشكل الكامل.
لهذا السبب تحتل أهمية خاصة ما توفر فى شكل مقتطفات لدى الكتاب المتأخرين عن أعمال جيل من رحالة، وعلماء، ومؤرخي، وجغرافيي القرنين الأولين للعصر الهلنستي.
بلا شك، فإن الأول منهم كان فيلون، الذى كان احتمالاً أدميرالاً لبطليموس الأول. وصف رحلته الى كوش باسم اثيوبيكا، وأعطى سلسلة من التحديدات الفلكية الدقيقة لبعض النقاط، والتى استخدمها فيما بعد كل من جيبارخ وارتوسفين (15). عنوان فيلون يتكرر فى أعمال الكتاب اللاحقين الذين كتبوا من بعده حول الموضوع نفسه.
(1) يذكر بادج Budge 1907 فقط هيرودوت، وديدور، وسترابو، وبليني الأكبر، مترجماً مقتطفات مطولة من أعمالهم. لا يوجد عرض مفصل حتى فى عمل آركل Arkell 1961 الذى تميز بدقة التوثيق (بخاصة المعطيات الآثارية). وفى عمل شيني Shinnie 1967 عن الثقافة المروية تمت الإشارة الى المصادر الإغريقية والرومانية بشكل مقتضب.
(2) يلاحظ أن سترابو ينفي بشدة إمكانية أن يكون هومر قد تعرف على الهند. بالنسبة لمفهوم إثيوبيتين أنظر Bataille 1952
(3) للتحولات فى مفهوم الإثيوبيين الشرقيين والغربيين فيما بعد هومر أنظر Lesky A., Athiopika
(4)"ويقول هومر، أن منلاي "وصل" الى إثيوبيا، مدركاً بأنه لم يصل الى هناك بالفعل، وانما وصل الى حدودها مع مصر. يبدو أن الحدود فى تلك الفترة كانت قريبة من طيبة، أقصد الحدود فى سينا وفيلة. الأولى من المدينتين تقع فى مصر، وفى فيلة يعيش المصريون والإثيوبيون. بالتالي، ليس هناك ما هو مستبعد فى أن يكون منلاي قد وصل الى فيلة، ووصل المنطقة الحدودية مع إثيوبيا وقد يكون توغل الى ما وراء ذلك" (سترابو).
(5) التأريخ السابق الذى ينسبها الى فترة حكم بسامتيك الأول أضحى مرفوضاً فى الوقت الراهن Sauneron and Yoyotte 1952. أنظر الطبعة الجديدة للنقوش Bernard and Masson 1957.
(6) طابق كل من يورك وليك، وهما أول من نشر نقوش المرتزقة الإغريق، المكان المذكور فيها بأبى سمبل. وطرح فرانس فرضية تقول بأن المكان هو بسلكس (دكة). وأدخل فيدلمان تعديلاً فى قراءة بسلكس مشيراً الى أنها تشير الى كورتي الواقعة بين الشلال الأول وألفنتين Wiedemann 1880. وكان هو أول من أرخ النقوش بصورة صحيحة. الجذر "كرك" لازال محتفظ به فى تسميات العديد من الأمكنة فى النوبة الشمالية- كيركاسور، جرجي وغيرهما. ويرى كل من سونرون ويوتى، مؤلفا الدراسة الرائعة الأخيرة عن حملة بسامتيك الثاني هذه- أنها كانت حملة دفاعية هدفت الى التحوط من هجوم قد يشنه الكوشيون. احتمال أن يكون جيش الفرعون قد وصل حتى الشلال الرابع بل والى أبعد من ذلك Sauneron and Yoyotte 1952. وفى مقال ركز فى الأساس على الإشكاليات الجغرافية رأى مؤلفه، ك.بيرو، أن النقش يخص جنود الفرقة التى وضعت لحماية مؤخرة الجيش Préaux 1957. لكنه وفى هذه الحالة يبدو غير واضح لماذا ورد فى النقوش اسما القائدين للجيش- بوتامسيتو وأماسيس.
(7) زيزوسترس فى قراءة الكتاب الإغريق القدماء (ارسطو، وبوليبى، وماجاسفين، واراتوسفن، وديدور وغيرهم) - شخصية أسطورية تشمل فى ذاتها سمات عدد من الفراعنة المحاربين الذين وسعوا حدود مصر فى عصر المملكتين الوسطى والحديثة: سنوسرت الأول وبخاصة سنوسرت الثاني، وكذلك بالطبع رمسيس الثاني. حاول بعض علماء القرن التاسع عشر مطابقة زيزوسترس بـ سنوسرت الأول والثاني (ويلكنسون)، وسيتي الأول ورمسيس الثاني (لبسيوس وبونزين). مع ذلك فإن مطابقة كاملة غير ممكنة، ذلك أن زيزوستريس فاقد لأية سمات تاريخية محددة، ويرجع اسمه الى فراعنة الأسرة الثانية عشر Lange 1954.
(8) يرى م. بودنجيرا Büdinger 1872 أن هيرودوت، بوصوله الى طيبة، علمَّ فى دفتر مذكراته ثلاثة ملوك كوشيين معروفين- شباكا، وشبتاكا، وتهارقا- بثلاث شرطات، وفيما بعد، لدى كتابته لمؤلفه، قرأ الشرطات بوصفها ΙΗ أي 18. يصعب علينا تصور أن يكون هيرودوت، مثله مثل عالم معاصر أو سائح، ظل يتنقل حاملاً معه دفتر يومياته لتدوين ملاحظاته.
(9) يرى ستروفه أن ثلاثة ملوك الذين كونوا وفق مانيثو الأسرة الخامسة والعشرين، حكموا 40 سنة: من 726 حتى 686 ق.م. فوق ذلك، حكم كاشتا 31 سنة (763-732 ق.م.). تيحدد البعض فترة خمسين سنة لحكم هذه الأسرة 715-663 ق.م. حين حكم كل من شاباكا، وشبتاكا، وتهارقا [أنظر: Drioton and Vandier,1962]
(10) الفرضية التى كان شيفر فى وقته بأن قمبيز كان هو تحديداً الملك الذى يمكن قراءة اسمه فى مسلة نستاسن قد تم دحضها كلياً حيث أن نستاسن حكم بعد قرنين كاملين عقب قمبيز.
(11) انطلاقاً من المعنى العام للمحتوى، يدور الحديث عن "الإثيوبيين طوال الأعمار" (aithiopes makrobioi)، وليس عن "الإثيوبيين ذوى الأقواس الطويلة"، كما حاول اثبات ذلك لاست Last,1923، الذى حاول ارجاع الكلمة bios الى الكلمة الهوميرية "قوس"، وليس للكلمة "حياة". لاحقاً، فى اعتقاده، خلط الكتاب الإغريق، بما فيهم هيرودوت، بين المفهومين. إلا أن bios "قوس"- كلمة نادرة الاستخدام. تعريف الإثيوبيين بوصفهم "طوال الأعمال" تتطابق أكثر مع التصور الأسطوري عنهم.
(12) هكذا نجد فى أساس روايته عن حملة قمبيز الى مصر وكوش (هيرودوت، الكتاب الثالث، 1-38)، كما يتضح من اللون السياسي لروايته، يكمن مصدر مصري معاد للغزاة، وهى رواية أدخل عليها هيرودوت هنا وهناك بعض التعديلات طبقاً لروايات الإغريق والفرس الذين عاشوا فى مصر (الكتاب الثالث، 4، 7، 9)، وواضح أيضاً من أين اقتطف بعض الفقرات الكاملة (الكتاب الثالث، 20-24). ويرى سيف سيودربيرج Säve-Söderbergh,1946 أن مصادر هيرودوت كان معادياً لقمبيز فقط لا للفرس، وأن المعلومات لا يمكن أن يكون قد تحصل عليها من مصريين، وإنما من إغريق أو فرس. مع ذلك فإن حجج عالم المصريات السويدي غير مقنعة فى بعض نقاطها. الى تلك الأسطر التى نشرتها فى 1962 Кацнельсон يمكنني الآن اضافة أن استنتاجاته القابلة للجدل قد تم دحضها فى رسالة دكتوراة قدمت فى جامعة هامبورغ مكرسة لوصف هيرودوت لكوش Herminghausen,1964
(13) من بين الأعمال التى كتبت عن كوش ولم تصل إلينا، فإن الأقرب من حيث الفترة الزمنية لعصر هيرودوت، يأتي فى المقام الأول عمل ديموقريط الأبديري (460/470 ق.م.) الذى زار كوش فى الغالب، وهو ما يشير إليه ديوجين اللائيري (الكتاب التاسع/7-2) Mallet,1922
(14) هيرمنجهاوسن المرجع المذكور ص.87. وفى تقييم موجز لعمل هيرودوت وصل شيني الى استنتاج مماثل : رغم أن المعلومات التى أوردها هيرودوت عن جغرافية مملكة مروي غير كاملة فإنها صحيحة فى الأساس. فى بعض الروايات يوجد قدر من اللون الخرافي Shinnie,1967
(15) يحتمل أن تكون المعلومة التى أوردها بليني عن موقع مروي ترجع الى فيلون، الذى كان عمله فيما يبدو بيد جيبارخ. فالى هذا الأخير يستند بليني مباشرة. مع ذلك يتشكك بيرجر فى مصداقية زيارة فيلون الى مروي Berger,1887-1893. يحتمل أن تكون بعض القياسات الفلكية قد انجزت فى مروي بجهد محلي حيث أنه قد تم الكشف من خلال أعمال التنقيب التى أجريت فى المدينة الملكية على أدوات للقياسات الفلكية، وهو ما قد يدفع للافتراض بوجود مرصد فلكي Garstang,1914. فكما هو معروف كان المصريون قد راكموا خبرات معتبرة فى متابعة النجوم ومنثم كان من الممكن أن تنتقل الخبرات الى الكوشيين. حتى فىالمدن الريفية المر<َوية وجدت ساعات شمسية مشابهة للمصرية، لكنها صنعت بلا ريب فى كوش، حيث وجد الكثير من الحرفيين المهرة Crowfoot,1911.
Arkell A.J., A History of the Sudan from the Earliest Times to 1821, 2 Ed. London 1961
Bataille A., Les Memnonia, Recherches de papyrologie et d'épigraphie grecques sur la nécropole de la Thèbes en Egypte aux époques hellenistique et romaine, La Caire 1952
Beardsley G.H. 1929, The Negro in Greek and Roman Civilization, Baltimore
Bergk I. (ed) 1843, 'Poetae Lyrici Graeci', Leipzig
Bernard A. and O.Masson 1957, 'Les inscriptions grecques d'AbouSimbel, REG, t.70, No329
Budge E.A.W.1907, The Egyptian Sudan, vol.2, London
Budinger M. 1872, Zur ägyptischen Forschungen Herodot's 5. Die äthiopische Dynastie -"Sitzungsberichte der Wiener Akademoe der Wissenschaften". Philos.-hist. Classe. Bd 72
Струве В.В. 1930, Манефон и его время Записки коллегии востоковеов при Азиатском музее АН СССР т.3 вып.1,т.4
Finsler G. 1908, Homer, Leipzig-Berlin
Forbiger A. 1877, Fragmenta historicorum der alten Geographiem Bd 2, Hamburg
Garstang J. 1911, Meroe, The City of Ethiopians, Oxford
Lange K. 1954, Sesostris. Ein ägyptischer König in Mythos, Geschichte un Kunst, München
Legrain Ph.E. 1955, Hérodote. Introduction, 2 Ed. Paris
Lepsius R. 1849, Die Chronologie der Ägypter, Berlin
Preaux C. 1957, Les grecs à la découverte de l'Afrique par l'Egypte, CdE, t.27, No64
Mallet D. 1893, Les premiers établissements des Grecs en Egypte (VII et VI siècles), Paris
Manetho 1958, Aegyptiaca (Epitome), ed. W.G.Waddell, London; Loeb Classical Library
Sauneron S. and J.Yoyotte 1952, 'La campagne nubienne de Psammetique II et sa signification historique', BIFAO, t.50
Säve-Söderbergh T. 1946, 'Zu den äthiopischen Episoden bei Herodot', Eranos, t.44
Shinnie P.L 1967, Meroe: A Civilisation of the Sudan, New York-Washington
Sourdille C. 1910, La durée et l'étendue du voyage d'Hérodote en Egypte, Paris
Straube H.1963, Westkuschitische Völker Süd-Äthiopiens, Stuttgart
Томсон Д.О. 1953, История древней географии Мockвa
Webster T.B.L. 1960, Von Mykene bis Homer. Anfänge griechischer Literatur und Kunst im Lichte von Linear B. München und Wien
Wiedemann A. 1880, Die griechische Inschrift von Abu-Simbel, Rheinisches Museum fur Philologie, NF Bd 35
Wiedemann A. 1884, Ägyptische Geschichte, Bd I, Gotha
Волков И.М. Арамейские документы иудейской колонии на Элефантине в V до Р.Х. Москва ('Культурно-исторические памятники дрвнего Востока',вып.2
"Urkunden des ägyptischen Altertums", herausg. von G.Steindorff, III. H.Schäfer, Urkunden der älteren Äthiopenkönige, Liefer. 1-2, Leipzig, 1905-1908.
Streck M. 1916, Assurbanipal und die letzten assyrischen Könige bis zum Untergange Ninveh's, Bd 2. Leipzig.
Drioton E.and Vandier J. 1962, L'Egypte, 4Ed., Paris.
Last H. 1923, 'Aithiopes makrobioi', The Classical Quarterly, vol. 17, no.1.
Säve-Söderbergh T. 1946, 'Zu den athiopischen Episoden bei Herodot', Eranos, t.44.
Кацнельсон И.С. 1962, Античные писатели о Куше,-ПС,вып. 7(70).
Herminghausen D. 1964, Herodots Angaben über Athiopien mit einer kritischen Untersuchung ihrer Quellen und ihrer Funktion im Zusammenhang mit den Angaben über Ägypten, Hamburg (Dissertation zur Erlangung der Doktorwürde der Philosophischen Fakultät der Universität Hamburg).
Wiedmann A. 1890, Herodotos zweites Buch mit sachlichen Eraläuterungen, Leipzig.
Sethe K. 1901, Dodekaschoinos, Zwölfmeilenland an der Grenze von Ägypten und Nubien, Leipzig.
Mallet D. 1922, Les rapports des Grecs avec l'Egypte (de la conquête de Cambyses, 525, a celle d'Alexandre,331), Le Caire (MIFAO, t.48).
Shinnie P.L. 1962, Meroe. A Civilisation of the Sudan, New York-Washington.
Lowenherz J. 1861, Die Äthiopien in altgriechischen Kunst, Göttingen.
Bolchert P. 1908, Aristotels Erkunde von Asien un Libien, Berlin.
Berger H. 1887-1893, Geschichte der wissenschaftlichen Erdkunde der Griechen, Berlin.
Garstang J. 1914, 'Fifth Interim Report on the Excavations at Meroe in Ethiopia', Annals of Archaeology and Anthropology, University of Liverpool, vol.7.
Crowfoot J.W. 1911, The Island of Meroe, London.
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية