أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
المنتدى الثقافي

غناء العزلة ضد العزلة

غناء العزلة ضد العزلة

الصادق الرضي

كما يتسرب الضوء شفيفاً

صوب سطح البحر

وهو محملاً بروائح القمر النبىَّ

خلاصة السحر

غناء النشوة الكبرى،

وهفهفة العناصر في تراكيب الضياء،

تتصاعد الأرواح في الأمواج

وهي ترتل الفضة

شيئاً من خواص الماء

خيطاً من دخان الرغو

في همس المزامير

ووشوشة الغناء على شفاه الحور

إذا يسبحن بين القاع والسطح

فضاء الرهبة الصدفية

اللالون

حيث الصمت فاتحة الوجود الداخلى

لدولة البحر وقانون المياه

خذ من شعاع الشمس نافذة

وحلق في فضاءات الغياب

الى رحيل أبدى

لامكان الآن لك

والله يسكن بالأماكن كلها

وجهاً يضوء بالأزقة

شارعاً يمتد في كسرة الخبز- الطعام المستحيل

                                 الى ثياب الفقراء-

ماذا يلوح بالنوافذ؟!

هل ترى منديل عاشقة؟

بلون البحر

دمع صبابة في نهد عاشقة

بطعم النار

يقطر

والعصافير اكتمال للندى

في شرفة الحلم

تسد الأفق

تبحث عن طفولتها بذاكرة الفضاء الرحب

والفجر المُعلب في رفوف الصمت

واللغة الخفية للغناء على مسام العشب

والشجر المخبأ في تماثيل الشجر

الحزن لايتخير الدمع ثياباً

كي يسمى بالقواميس بكاءً

هو شيئ يتعرى في فتات الروح

يَعبُر من نوافير الدم الكبرى

ويهرب من حدود المادة السوداء

شيئ ليس يفنى في محيط اللون

أو يبدو هلاماً في مساحات العدم

الحزن فينا كائن يمشى على ساقين,

دائرة تطوف فى فراغ الكون,

تمحو من شعاع الصمت

ذاكرة السكون المطمئنة

كيف ترفض الجدائل فضة في الضوء

ترفض الفقاقيع التى

                   مابين امرأة الرزاز

إشارة للريح فى المطر الصبى

إضاءة فى الماء

خيطاً من حبيبات االندى

سحراً

صلاة

هيكلاً

قوس قزح؟!

ذلك سر الكون

              أن تبصر في كل حسن

              آية لله

والسحر الإلهى المهيب

ذلك سر العدل

أن تتفجر الأشياء,

تفصح عن قداستها,

ترى في الشئ ما كان إحتمالاً

ثم تنفتح الكنوز

الأرض كانت تدخر القمح

لأطفال لها

فقراء لايتوسدون سوى التراب,

قل للذين يوزعون الظلم - باسم الله - فى الطرقات

إن الله في نار الدموع

وفى صفوف الخبز

والعربات

والأسواق

والغرف الدمار

البحر ... ياصوت النساء الأمهات ,

القحط ... ياصمت الرجال الأمهات,

                            الله حىلايموت

كيف إستوى ماكان بالأمس هواءً نتناً

ريحاًًًً بغيضاً

بما كان هواء طيباً

ريحاً يؤسس معطيات الشارع الكبرى

عبيراً ضد تلك الرائحة

ما أشبه الليلة بالبارحة!

كل ماكنا نغنيه

على شارع النيل

                تغيّب,

وانطوى في الموج منسياً,

                          حطاماً

فى المرافئ أو طعاماً للطحالب

فى إنزلاق الصوت للقاع

                        وفى صمت المسافات القصيّة

نحن فى ساعة الحزن

                     وميقات الفجيعة

                     والفراغ العاطفى,

                     الوطنى

الآن لن نبكى

ولكن من يساوم بالغد الآتى,

ماذا سوف نخسر

نحن رتبنا بلاداً

لاتقابل غير وجه الذات بالمرآة

إمرأةً هي اللغة الرماد ..

تخون عاشقها ولا تخشى مصابيح النهار ..

لا تثق بالقلب

إن العشق يؤذى

بينما يجدى التحرك فى السكون

                               فى مساحات الأنا

                               وعى التكون

                               وإبتكار الفرد مجموعاً,

يوازى سلطة الإطلاق

تحديد الموضع بالإشارة نحوها بالإسم

                             تفتيت الهلام

                             وإختراق السر

                             فتح نوافذ الأشياء

                             تكريس التفاصيل الدقيقة

                                             قوة

تنسف الأحلام والذكرى

                       وأشباه الحبيبات - الدمى والأصدقاء!

لا تثق بالقلب

كى يتصاعد الضوء على كل المساحات

وحدق جيداً

إختر مكانك واحترق حيث انتهيت

أنت منسوب الدم الآن,

وأنت الإشتعال - النار

مجمرة الغضب

أنت إذاً ضياء اللحظة الآتى

أنا أنت

نحن الناس والشارع

والعواميد التي تمتد بالأسفلت

                             صوتي, صوتك

                             المشروخ في صدأ المقاعد

                             وإنهيار البرلمان

لم أقل أن الفضيحة

قد تراءت تحت أكمام الجلاليب

تعرّت في تلافيف العمامة

                         وامتداد اللحيّة الزيف

لماذا لم تقل ؟!

             أن العمارات إستطالت

أفرغت أطفالك الجوعى على وسخ الرصيف!

أنت تعرف أنهم يقفون ضدك

                        ضدنا

                        ضدى

أعرف اننى سأظل ضد السلطة اللاوعى

نحن الآن في عمق القضية

                               مركز النار

                               وبالهامش تبقى

سلطة اللغة الخفية كى تعلق بالفراغ

نعم سننسى كل ما يأتون من فعل

                                 وقول

سوف نصلبهم عرايا بالمسامير

على بوابة التاريخ ..

                  ثم نعبى الأيام النسيان

                  والصمت الخرافى المهيب

لست من نور لتغفر

أنت من طين لتبنى

               فأبنى لى بيتاً

               لنا

               لك

               للصغار القادمين

إن يك للعدل فى الأرض وجود

فليكن دمنا هو المقياس

إن تكن السماء مقابلاً للأرض

فلتكن الدماء مقابلاً للأرض

          قال الله كونوا

          ثم كنا

          هل تحققنا تماماً

          من وجود الذات في أرواحنا

          ضد التكون

                      وانطلاق الكائنات؟!

نحن نخرج عن حصار العزلة الكبرى

لنكتب عن غناء العزلة الكبرى

ولكنا نصاب بضربة حزن

أوان خروجنا فى داخل الصمت

                             وفى جوف السؤال؟

المناحة الكوشيَّة

إهداء إلى مجدى وكل أزهار السودان التى احترقت قبل الأوان

نورالدين منان

قتلوك يا ولداه.. يا حباه ليس الحب يقتل

فرحلت كالأيام .. كالأحلام .. ليت الظلم يرحل

***

يا أيها الكوشى كانوا هم عراة الفكر حين أتوك غيلة

فرحلت أنت عن المكان .. عن الزمان.. عن الحبيبة والقبيلة

أزف الرحيل وأمك الثكلى تعد لك الحريرة والضريرة والعديلة

هجم التتار عليك والخرطوم حبلى بالأغانى والأمانى المستحيلة

***

ماذا تبقى من زمان الحب والتذكار فى عهد التتار؟

ماذا تبقى غير قبض الريح فى الزمن البوار؟

كيف الظلام أتى إلى السودان .. صادر شمسه الغيلان فى وضح النهار؟

ماذا دهى السودان والد ذلك الرهط الجميل؟

أين الملوك ذوى الدفوف

أين الآلى نقشوا على الصخر الحروف!!

وأين تهارقا النبيل؟

أين الجواد بروحه عبدالفضيل؟

أين الشفيع وصحبه .. أين الشموخ العبقرى

أين الامام وأين عبدالخالق المحجوب .. أين الأزهرى؟

أين الفتى عبداللطيف ..وأين جوزيف العفيف؟

ذاك الفتى الأبنوس ذو الظل الخفيف

أين القوام السمهرى؟

***

هجم التتار ولم تفرخ في الديار إوزة أو عم نيل

ويّحي على السودان زاغ من المدار

إلى الفراغ بلا وداع أو عويل

والناس ما برزوا لسارقه وما امتشقوا الصقيل

ويّحي على حلفا .. على شجر النخيل

أبكى على نفسى .. على الصمت الطويل

أبكى على ام درمان أم أبكى هوى عزة الخليل؟

يا حسرتى ! أبكى على من يا ترى!

أبكى على ذاك الذى ترك البلاد مهاجرا

أو من قضى خلف السجون مثابرا

من دك عرش الظلم هز منابرا

ومن استمات على المبادئ صابرا

أبكيه محمود الخصال وثائرا

من سار نحو الموت حلق طائرا

أبكى على من يا ترى!

أبكى على أسد الشرى

أبكى على المك العظيم إذ انبرى

ركل المهانة وازدرى

حرق الدخيل بجيشه لما افترى

أبكى على سكك الحديد وعطبرة

أبكى على وطن تمدد فى الثرى

متسربلا بجراحه حتام يشكو للورى!

***

لو جنة الخلد اليمن

لا يعدل السودان وطن

روض حوى من كل فن

النيل والروض الأغن

أنا آه من حب الوطن

قد هدنى .. هد البدن

***

قم أيها الكوشى كالعنقاء من قلب الرماد

واستنهض التاريخ والأمجاد من واد لواد

قم زلزل الأرض الرحيبة إنها حبلى بزاد .. أى زاد

وتماسكى يا أم مجدى.. كلنا مجدى وحبك فى ازدياد

هزى جريد النخل نأتى فوق صافنة الجياد

بالطار والجرجار والطنبور ترقص كل فاتنة لمجدى فى بلادى

لا وقت للأحزان لا تتوشحى ثوب الحداد

هاتى أناشيد النضال فكل قافيَّة تنادى:

هذا عريس المجد يشمخ فوق هامات الأعادى

***

لا تجزعى أماه لو طال الحصار

لن تنحنى تلك الجباه الشامخات كما المنار

لن تنحنى للإنكشار

ولى زمان الانكسار

لا تفزعى أختاه من جند التتار

فغدا يعود فتاك من خلف البحار

كالرعد كالغيم المحمل.. للديار

سيعود للخرطوم فارسها وينقشع الغبار

عن عاشقين تعانقا فى انبهار

وتعاتبا فى مقرن النيلين فى وضح النهار

لا تجزعى أماه لو طال الحصار

فغدا سينهزم التتار

ويحقق السودان أروع انتصار

***

سيان عند الموت قزم أو مليك

وغدا سينهزم التتار وأنت تبقى رغم أنف القانليك

جرحا يضيء الدرب للفجر الوشيك

***

ولداه أنت هنا ستبقى رغم أنف الظلم حيا

وسيذهبون كما الدخان كما الهبوب وأنت تحيا

لحنا طفوليا تردده الحناجر للفتى السمح المحيا