أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
سودان المستقبل

مستقبل السودان في ظل تنامي الجهويات



مستقبل السودان في ظل تنامي الجهويات

عبد المنعم عباس الأحيمر

- نقلا عن صحيفة الرأي العام -


مرّت المجتمعات البشرية بصيغ متدرجة في مسير تطورها الاجتماعي عبر تاريخها الطويل فاستهلته بحقبة التقاط الثمار ثم عصر الصيد والذي تلاه اكتشاف النار الى فترة تدجين وتأليف الحيوان وبدوره تبلورت على أثره حرفة الرعي حتى عهد الدولة وظهور الزراعة واكتشاف المحاصيل الغذائية مروراً بعهد الثورة الصناعية بطابعها الاقتصادي الرأسمالي في البلدان الأوروبية. وكما هو بديهي أن الإنسان كائن اجتماعي لا تستقيم حياته إلا في جماعات متقاربة وقبل بزوغ الدولة كان انتماؤه الأول للقبيلة والتي مثلت له الوحدة السياسية الحاكمة وفق أعراف وتقاليد محلية تختلف من قبيلة لأخرى وبهذا الفهم تعتبر القبيلة أولى درجات السلم في تطور الإنسانية وهي نوع أول من العنصرية وكنموذج ما حدث في العصر الجاهلي قبل الإسلام بالنسبة للعرب ورغم أنهم ينتمون لعنصر واحد تجمعه حزمة من القيم المتشابهه والمتماثلة واللغة الواحدة إلا أنهم في تلك الفترة تعرضوا لمآسي مرعبة من الحروب الشهيرة فيما بينهم أما النوع الثانوي من العنصرية مثل انحياز عنصر ضد آخر مخالف له في عرقه ولسانه وتقاليده كانحياز وتكتل الفرس ضد التركمان أو الجيرمان ضد الانجلوساكسون وهكذا.

والمرحلة الثانية في تطور البشرية هي الطائفية وهي أرقي وأسمى من العصبية القبلية بعامل أنه قد ينتمي للطائفة المعينة مجموعة من الأثنيات والقبائل وحيالنا طائفتي الختمية والأنصار في السودان إضافة للطوائف الدينية المتعددة لدى المسلمين والمسيحيين، تأتي بعد ذلك الجهوية وهي تعني جهة جغرافية معينة وهي اكثر تقدماً وأعلى شأناً من السابقتين لأننا قد نجد في الجهة المحددة جغرافياً اشتاتاً من القبائل والطوائف وربما الملل والأديان بيد أنها قد تتفق جميعها على أهداف وبرامج واضحة تعمل على تحقيقها على الواقع المعاش.. لكن أرقى ما توصلت إليه الإنسانية وهذا ما تم لاحقاً وبالتحديد بعد نجاح الثورة الفرنسية هي الأحزاب والمنظمات السياسية والتي صهرت القبلية والطائفية والجهوية في بوتقة واحدة ممثلة في التنظيم الحزبي المعين وقد يتم هذا باتجاهات وصيغ مختلفة إن كان ذلك بالايدلوجية أو الدين أو البراج الطبقية والاجتماعية. وبعد كل هذا التطور الاجتماعي الذي انتظم الكون والذي حسم لمصلحة الديمقراطية والتعددية باطرها المختلفة والتي من أساسيات أدواتها ووسائلها الأحزاب السياسية تصبح القبلية والطائفية والجهوية ضرباً من التخلف والرجعية وهي من تسببت في كل الكوارث والتراجعات التي تجابه بلدان المنظومة الثالثة ومن ضمنها السودان وإذا ما تقصينا عوامل وانهيار التجارب الديمقراطية السابقة عندنا نجد أن لهذا الثلاثي دورا رائداً في ذلك. وفي مقال سابق كتبت في إصدارة الحرية قبل توقفها واندماجها في الشراكة الذكية بعنوان الجهويات في التجربة السياسية السودانية واختصرته حينها على التكتلات الجهوية داخل الهياكل والبنى التنظيمية للأحزاب السودانية وفي هذه المساهمة سأتعرض لها بصورة عامة إضاف لمستقبل السودان في ظل صعودها الراهن ومن قبل عوامل تناميها وأخيراً الحلول والمعالجات والمتابع للصحف في الأسبوعين المنصرمين يلاحظ أن الزعيم الصادق المهدي قد تناولها في أحد أحاديثه المتفردة وحواشيه الأنيقة وأجملها مع الحرب والتدخل الأجنبي ووصفها بالثالوث الشيطاني والذي يجب مجابهته بكافة السبل والإمكانيات لأنها مجتمعة وسائل خطيرة لتفتيت وبعثرة النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية بالبلاد.

ومن أسباب وقوفي عندها هو ظهور وتشكل تنظيم جهوي جديد وهوماً أطلق على نفسه كيان الشمال وهذا يؤشر أن السيل قد بلغ الذبى لأسباب أولها أن الجهوية هذه المرة قد ظهرت في غير ساحاتها التقليدية ثانيها أن منطقة الشمال ورغم تهميشها الواضح من المناطق ذات الوعي المعقول بالبلاد وأن ينتقل لها هذا الداء فهنا مكمن الخطورة التي توجب على النخب والطليعة بالبلاد التوقف والتأمل. وتوطئة للولوج لزبدة الموضوع لا بد من الاعتراف بأن الثورة المهدية لها دور مقدر في الوحدة الوطنية وتكوين الدولة السودانية، صحيح أن أبناء غرب البلاد كانوا الزاد الرئيس لها بيد أنها استطاعت أن تقنع شرائح معقولة من أبناء شرق وشمال ووسط السودان وأجزاء من مناطق شمال جنوب البلاد بمؤازاتها والإيمان بفكرها الديني وحتى من عارضوها في فترة الخليفة عبد الله التعايشي لم يمثلوا جهة جغرافية بعينها فعارضها جزء غالب من أبناء الشمال والوسط وبصورة أقل تطرفاً أبناء الغرب والشرق إذن الجهوية لم تكن حاضرة بكلياتها في عهد الثورة المهدية عند محالفتها أو معارضتها.
 

وظهرت الجهويات بطابعها السياسي المطلبي في ظل الحكومات الوطنية بعد تحقيق الاستقلال وبالتحديد في المدة بين نهايات الخمسينيات ومنتصف العشرية السابعة من القرن الماضي فتأسس حينها اتحاد جبال النوبة ومؤتمر البجة وجبهة نهضة دارفور وبعض هذه التنظيمات مازال يمارس نشاطه حتى اليوم بيد أنها تنظيمات ضعيفة لأن غالب الدوائرة الجغرافية التي ترشح فيها كوادرها في تلك المناطق وفي كل التجارب الديمقراطية التي توالت على البلاد كانت من استحقاق الحزبين الكبيرين وهذا يثبت أن الطائفية بالبلاد لها سطوتها ونفوذها لأن نجاح مرشحي الحزبين الطائفيين تم بمساعدة نفوذ طائفتي الختمية والانصار في تلك التخوم.
 

والثورة المهدية وفي فترة الخليفة لم تخل من التوجهات الجهوية وظهرت حينها الخلافات والتباينات بين أولاد البحر والذين مثلهم الأشراف أهل الإمام المهدي وأولاد الغرب والذين قادهم الخليفة نفسه واخيه يعقوب هذا الصراع لا زال حزب الأمة الوليد الشرعي للمهدية يعاني من آثاره وتداعياته وتجلى في مؤتمره الأخير عند الترشيح للمقاعد القيادية. كذلك عانت منه الحركة الإسلامية وخصوصاً بعد تجربتها السلطوية وكمنوذج ما حدث عندما تنافس الدكتور غازي صلاح الدين والشفيع أحمد محمد علي مركز الأمين العام للمؤتمر الوطني في مرحلة الإنقاذ الأولى قبل أنقسامها وفاز به غازي صلاح الدين وحينها ارتاب وتشكك الكثيرون في النتيجة المعلنة. وبالرغم من امتلاك الحركة الإسلاموية لتراث عقائدي إلا أن الجهوية داخلها لها سطوتها وشنف صوتها كل الأسماع يعزز من هذه النقطة الكتاب الأسود فمن خطوة كانت روح الجهوية طاغية على تفكيرهم ومزاجهم العام وأعتقد أن رائحة المؤتمر الشعبي حاضرة في كل جزئيات لأسباب منها أن الاحصائيات التي في حواشيه إحصائيات دقيقة ليس في مقدور فرد عادي امتلاكها إلا من هو داخل السلطة أو من شارك فيها لفترة وفي منظوري أن أهل المؤتمر الوطني لا مصلحة لهم في إصداره لعاملين الأول وهو كحاكم ليس من مصلتحه صدور الكتاب لأن ما ورد به لا يساعد في تنمية وتماسك البنية الاجتماعية بالبلاد وبالطبع هم في غنى عن ظهور بوادر حالة قد تسهم في أيغار الصدور بما يؤدي لتمرد آخر، والعامل الثاني ما جاء بالكتاب وفي تصوري المعنى به بعض النافذين في السلطة بسبب تركيبتها الاجتماعية وظهر هذا بوضوح في روح الكتاب عامة.
 

والعامل الثالث أن الكتاب كتب بعد احداث الرابع من رمضان والتي من نتائجها انقسام الإنقاذ. ومن الواضح أن الكتاب استهدف أبناء جهات معروفة وبالطبع الكتاب يغلب عليه الجانب الإحصائي وتلك الإحصائيات صحيحة لكنها غير مقصودة ولم يتآمر أحد من أبناء تلك الجهات بالجلوس والتخطيط لتنفيذها فالواقع السياسي في السودان ومنذ الاستقلال اتى نتيجة لعوامل تاريخية معينة وفي تصوري أن هذا الواقع لا سبيل لزواله إلا وفق سياقه التاريخي واعتقد أن النظام الفدرالي الصحيح كفيل بتبديل ما ورد في حواشي الكتاب الأسود. وتصاعد الجهويات في السودان له عوامل تستطيع هذه المداخلة الإشارة لبعضها فيما يلي:

أولاً: التخلف الذي يعاني منه السودان واحد من أسباب بروز وتنامي الظاهرة حيث يسيطر على كامل المشهد وخاصة أن السودان دولة ذات بنية سكانية هشة، والإنسان الفاقد لاساسيات الحياة من بنيات علاجية وتعليمية واقتصادية تصاحبه جملة من العلل الاجتماعية قد تذهب به لتخريب وجدانه وافكاره وبالتالي ينقاد وراء هواجس ضارة تعيد إنسانيته القهقري إلى عصور بائدة كل هذا يجعله يتمترس وراء واجهات هدامة كالقبلية والطائفية الدينية والجهة الجغرافية.

ثانياً: ظهر مصطلح المناطق المهمشة في الحياة السياسية السودانية منذ وقت باكر لكنه في السنوات الأخيرة شكل حضوراً مقدراً وبخصوص هذه الجزئية استطيع أن أشير أن غالبية السودانيين مهمشين لكن بصورة نسبية وأن ما يسمى بصراع المركز والهامش ليس دقيقاً تماماً ولكن أفسر هذه النقطة بوضوح في الأول لا بد أن أضع تعريفاً للتهميش وفي نظري يمكن إجماله في مفردة الفقر بسبب نقض الموارد الطبيعية في الإقليم المعين أو بفعل ظروف استثنائية كأنعدام الأمن أو الممارسات الاجتماعية الموروثة وما يسمى بالإقليم المهمش بالضرورة تنعدم فيه الخدمات والتي لا تستقيم الحياة إلا بها وبالطبع هذا ناتج من الفقر وبهذا الفهم إن عدداً كبيراً من سكان العاصمة هم من ضمن المهمشين وأمامنا هنا نموذج منطقة شرق النيل وبالرغم من أنها تقع على مرمى حجر من قلب الخرطوم فانها أسوى من مناطق كثيرة في الأطراف. وفي ظل سنوات الإنقاذ صارت كل القوى الحديثة مهمشة فلا معنى أن تقيم في وسط العاصمة وبجوارك الصروح العلاجية والتعليمية الفاخرة والأسواق المليئة بالسلع وأنت لا تستطيع علاج وتعليم وإطعام أسرتك.

ثالثاً: لبعض المثقفين من أبناء المناطق المهمشة دور في نمو الجهويات والأسباب تتعلق بذواتهم الفانية دائماً ما يمتطون حصان الجهوية وهم يعلمون تماماً أن لا حل لمشاكل مناطقهم إلا وفق حلول في إطار عام تستلهم كل معضلات القطر لأن المشاكل واحدة ومتشابهه.

رابعاً: ومن أسباب تنامي الجهويات الأحزاب السودانية ولأمراض مزمنة طالت مسيرتها من الاستقلال بعامل غياب الممارسة الديمقراطية داخلها والمزاج والشللية والروح الأبوية الزائفة التي تحكم مسيرتها شبت ونمت داخلها الجهويات وهي قد خرجت من رحم الأحزاب السياسية وجميع من تبنوا الجهوية كانوا من ضمن أحزاب وفي مفاصل قيادية.

خامساً: وبالطبع الأنظمة الشمولية لها دور وطالما شرعيتها هي الانقلاب العسكري فبالتالي لم تخلق داخل سلطاتها تجانس يحوي كل جهات البلاد لطبيعة تركيبة القوات المسلحة الموروثة من الاستعمار والحكومات الوطنية الأولى. وفي اعتقادي أن الجهويات صوتها هامس ومحتشم في ظل مثل هذه الأنظمة لكنها موجودة وبطبيعة الأنظمة الشمولية القمعية تدخل في مرحلة بيات ودائماً ما تتأذى منها الحكومات الديمقراطية لطبيعة القوانين والحريات الموجودة. تلك هي بعض من العوامل التي ساهمت في تصاعد الجهويات فبالتالي من الضروري أن توضح المشاركة مستقبل السودان في ظل تناميها.

الجهويات عامل أساسي من عوامل تفتيت الدول فإنهيار الدولة في الصومال كانت بداياته ذات طابع جهوي بين شمال الصومال وجنوبه وفي النهاية الإفراز الطبيعي كان تفشي وسيادة عصبة القبيلة والعرق لأن الجهة نفسها عبارة عن قبائل وأعراق متباينة فمثلاً إذا ما تناولنا دارفور كصيغة ومثال جهوي نجدها تنأى عن التماسك الاجتماعي مسافات لأنه قد يحدث الاختلاف داخلها بحجة أيهما له السيادة العنصر العربي أم الزنجي وإذا ما اتفقوا على العنصر الزنجي أيهم له الأرجحية الزغاوة أم المساليت أم الفور وأن اختاروا الفور السيادة لمن لاحفاد علي دينار أم لغيرهم وإذا ما اتفقوا على أحفاد علي دينار يأت تؤول القيادة بينهم وهكذا قس على ما تبقى من تخوم السودان، لذلك على الجهويين أن لا يطربوا بشدوهم لأن الشيطان حاضر في تفاصيل وجزئيات الجهة نفسها.

ومن الحلول لهذه الإشكالية الاهتمام بمعالجة الأسباب التي قادت لتصاعد الظاهرة والتي أوردت المداخلة جزءاً منها وأن تعمل القوى السياسية بجهد وافر على حل مشاكل الهامش في إطار قومي لا يقبل التجزئة وفوق هذا محاربة ونبذ التخلف وتثمين دور التنوير والحداثة الذي انزوى وتراجع كثيراً.