أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
سودان المستقبل

بسم الله الرحمن الرحيم

الترتيبات الأمنيه للانفصال 28/09/2003 

د. سليمان محمد الديبلو

لقد تابع الشعب السودانى كله، وبصفة خاصة شتاته بالخارج، ما دار وما يدور فى مفاوضات السلام وبشغف وتوجس يحدوهم الأمل فى اسقرار وسلام يعيد للبلاد الكثير من ثرواته وطاقاته ويوقف سيول دماء أبنائه التى طالما خصبت غابات جنوبه. أجل الجميع مع حل للمشكل الذى حطم كل ما كان وأوقف عجلة النمو والتقدم حتى أصبحنا من بين آخر الأخيرين نفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. ولأن السلام أمل غال وباعتراف طرفي الاحتراب بأن لا خيار غيره، فإن الجميع منا حريص كل الحرص أن تسد كل الثغرات التى تفشل محاولات السلام.

وعلى الرغم من أننا وصلنا إلى مرحلة نستبشر فيها بأي إدعاء سلام فإن الإطار الذى أعلن فى نيفاشا بتاريخ 25/9/2003م بشأن الترتيبات الأمنيه، وبكل أسف، قد بدد كل الآمال لبلوغ السلام. لقد قرأت بنود هذا الاتفاق من أكثر من مصدر، وتابعت وكالات الأنباء وكلي أمل فى أن أجد فى واحدة منها ما يبدد ما اعتراني من ذعر تجاه الاتفاق، وبكل أسف جميع المصادر تؤكد ما قرأت وسمعت.

لا أود السباحة عكس التيار حيث أنني لا أجيد السباحة أصلاً، إلا ان الحس القومي الوطني يملي علينا أن لا نتهيب قول ما فيه مصلحة البلاد، ولأن هذا الاتفاق تاريخي بكل المعاني، وفى التاريخ الكثير من الصالح والطالح، فإنه لا بدَّ من الوقوف على محاسنه وبالقدر نفسه على ما فيه من مساوئ.

أ- المستحسن فى الإتفاق

* أولى المحاسن هى الاعتراف الصريح من طرفي النزاع بعدم جدوى الحرب والإقتتال، وأن السلم والتفاوض وحده هو المخرج الحضاري لعلاج الخلاف. ويحمد للعقيد جون قرنق تلك المبادره الهاتفية للفربق عمر البشير التى أعرب فيها نواياه السلمية وتطلعه للعودة لأهله وجيرانه فى الحاج يوسف ويحمد للفربق البشير ونائبه ذات الشعور؛

* وثانيها إبداء الرغبة الأكيدة فى وقف كافة ضروب الحرابة والإقتتال، والسعي الحثيث للاتفاق على ما تبقى فى أضابير الخلاف من مسائل حسب ما أورد فى ( 2 وقف إطلاق النار).

* عدم ورود منطقة أبيي فى الاتفاق يدفعنا إلى ملاحظة فريتين، الأولى هى: فى إطار التنازلات للوصول إلى اتفاق اقتنعت الحركة بتبعية أبيي للشمال لكونها محسومة فى حدود 56 إلا أنها فى الوقت نفسه تحوطت بإدراج منطقة جبال النوبا، وهى أكثر توغلاً فى الشمال. والثانية هى أن الحركة ترى بأنها قضية جنوبية محسومة لا داعي لإدراجها فى الاتفاق. على كل حال ومع تأكيد حدود 56 حدوداً للانفصال، فبهذه الوثيقة تكون قد أكد تبعية منطقة أبيي للشمال.

ب- المعيب للإتفاق

أما مساوئ الاتفاق فهى كثيرة إن لم نقل كل ما جاء فى بنوده نوجزها فيما يلي:

* الفقرة ( 1- أ) فى تقديري اقصائية، جاءت لتؤكد أن الاتفاق جزئي بين الحركة الشعبية وما لها من عتاد فى الجيش الشعبي ممثلة بالعقيد جون قرنق وحزب المؤتمر الوطني ممثلاً بالنائب الأول السيد/ على عثمان بعيداً عن الشعب السودانى وقواه السياسية ومؤسساته. وبهذه الصفة فهو مثله واتفاقية الخرطوم مع ريك مشار، واتفاقية فشودة مع د. لام أكول. والاتفاق أيضاً ترك المجال مفتوحاً للآخرين من حملة السلاح فى الجنوب والغرب والشرق، ولربما فى الشمال والوسط لتأجيج نار الفتنة واذكائها.

* الفقرات ( 1- ب، ت، ث) جاءت لتنال من القوات المسلحة السودانية ودورها للحفاظ على الوطن، ولو كانت النية صادقة فكان من الضرورى أن تتم موافقة الطرفين على الدمج الكامل لكافة القوات، ليس فقط لقوات طرفي الاتفاق، بل يجب أن يشمل الدمج كافة الفصائل حاملة السلاح، وكذلك العسكريين الذين طالهم الفصل والتشريد، وبذلك فقط  يؤسس للخروج من دوامة الحرب. 

* الفقرة ( 3- إعادة انتشار القوات) هى فى واقع الأمر اتفاق صريح وتأكيد وضمان لفصل الجنوب مع إبقاء المناطق الثلاث قيد التفاوض. وما يحز فى النفس هو التهميش لدور القوات المسلحة، والتى من المفترض أن تمثل كافة البلاد، والتى تتكون من كافة قبائل السودان، فكيف يختزل دورها وتساوى بقوات الحركة الشعبية، وهى لا تحمل كافة أهل جنوب السودان. فلو كانت النوايا حقاً صادقة لما كانت هناك حاجة لإعادة انتشار بل دمج القوات وصياغة تشكيلها فى جيش قومي يعنى بما أورد فى ( 4- ب مهام القوات المشتركة).

* أما ما جاء فى ( 4- ج حجم قوات الانتشار وتوزيعها) فهو التفاف ذكي من الحركة على بند إعادة انتشار قواتها إلى حدود الجنوب، وذلك بإبقاء كل قواتها فى الجنوب مع اضافة 3 آلاف فى جبال النوبا فى الوقت الذى، وبموجب اتفاقية جبال النوبا، قد تم فعلاً الاستقرار والسلام فيها، وعادت روح الانسجام بين قبائل المنطقة؛ وثلاثة آلاف أخرى بجنوب النيل الأزرق، ونصف هذا العدد بالخرطوم. ويقيني ان هذه الترتيبات ستكون هى الشرارة التى ستفجر هذا الاتفاق حتى لو افترضنا حسن النوايا.

* وما أورد فى ( 7- أ وضع المجموعات المسلحة الأخرى فى السودان) هو تجسيد لروح الاقصاء التى جاء بها هذا الاتفاق، فعبارة " لا يسمح لأي مجموعات ...." فيها يحجر طرفي الاتفاق على المجموعات الأخرى ما أباحاه لنفسيهما، وعبارة لا يسمح هنا هل تعنى أن الاتفاق بين الحركة الشعبية والنائب الأول اتفاق شراكة استراتيجي يهب لدحر أي معارض لهما. والسؤال هو، ما هى الجهة التى ستتصدى لمثل هذه المجموعات إن لم ترض بالانخراط فيه، أهى جيش الحركة والجيش الشمالي مجتمعين، أم تم الاتفاق على أن تعنى الحركة الشعبية بمعارضيها فى الجنوب، وتتكفل الحكومة بمن يعارضها فى الشمال؟ أم ستوكل مثل هذه المهام للقوات المشتركة فى الجنوب والشمال؟ أم أن هذه الفقرة وضعت فى الاتفاق لتكون وسيلة الطرفين للتنصل منه متى ما تطلب ذلك، و يعلم الجميع بأن لا سلطة لطرفي الاتفاق على الفصائل الأخرى والتى تحالفت فى الماضي معهما.

خلاصه

على الرغم من الرغبة الأكيدة فى بلوغ حالة السلم والاستقرار كآلية تمكننا من النماء والتطور فان ما جاء فى هذا الاتفاق لا يجسد بأي حال من الأحوال تطلعات أهل السودان، وأخشي أن يكون هذا الاتفاق مجرد تنازلات لإعلان اتفاق فى ظل قانون سلام السودان. وأخشى ما أخشى أن يكون هذا الاتفاق مناورة من الطرفين فى إضعاف الآخر كما تعودنا فى الماضي. فلو كان حقاً ان النوايا خالصة، كما أعلن فى المؤتمرات الصحفية وفى مطار الخرطوم بالأمس، كان من المأمول أن يجسد اتفاق الترتيبات الأمنية ويمهد وبجلاء لوحدة السودان وليس بأقصاء الآخرين. فما كنا نتوقعه هو أن يؤسس اتفاق الترتيبات الأمنية لقوات مسلحه حقيقية تمثل كافة أهل السودان بعيداً عن الكوتات وإبعاد الغير. كنا نتوقع إندماج كامل لكافة فصائل القتال فى البلاد، وليكن قائدها من العسكريين المشهود لهم بالطهر والنقاء وهم كثر فى الرصيف من الجنوب والشمال. كنا نتوقع نداء إخاء خالص للآخرين يؤكد فيه أن توقيع أى اتفاق لن يتم إلا فى وجودهم وبحضورهم، كنا نأمل أن يعود النائب الأول للخرطوم ويعود لنيفاشا ومعه ممثلين من الأحزاب المتواليه والمعارضه بالداخل، وكنا نأمل من العقيد جون قرنق أن يذهب ليعود ومعه ممثلين من رفقاء نضاله. عندها فقط يطمئن المواطن السوداني بأن الاتفاق اتفاق وليس صفقة، وما أكثر مثل هذه الاتفاقات فى تاريخنا الحديث.

رغم كل هذه السلبيات نتشبث بالأمل فى أن يؤدي هذا الاتفاق إلى ردم فجوة الجفوة والفراق ويوقف نزيف دم أبناء أهل السودان.  ونأمل أن يأتي اليوم الذى يندم فيه الجميع على الملايين من أبناء هذا الوطن الذين زهقت أرواحهم، ويترجم هذا الندم بالبناء لبلد فيه كل مقومات النماء حتى يكون المثل الذى يحتزى، ولنا فى الحرب الأهلية فى نيجيريا وأمريكا قدوة.

تابع : طريق السلام، وحدة أم انفصال

إعلان مبادئ | اسهامات باللغة العربية | اسهامات باللغة الإنجليزية | وثائق مرجعية | أوراق مرجعية | دعوة للمساهمة