أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
سودان المستقبل

طريق السلام وحده أم إنفصال

طريق السلام وحدة أم إنفصال

د. سليمان محمد الدبيلو

مقدمة

بروتوكولات نيفاشا والأسئلة المشروعة

التجمع الوطني الديمقراطي والاختراق المحسوب

صور ونماذج موجعة

وقفة صريحة وشجاعة مع بروتوكولات السلام بنيفاشا

محاسن الاتفاق

المخاطر والسلبيات والهنات

حيثيات الاجماع الوطني وضمانات السلام المستدام

لتجاوز السلبيات على الموقعين تقع المسئولية

مدخل لاتفاقيات المناطق المهمشة

اتفاقيتا المناطق

اتفاقية أبيي

اتفاقية جبال النوبا وجنوب النيل الأزرق

اتفاق جنوب كردفان/ جبال النوبا

أهم نقاط الاتفاق

مقدمة

لا بدَّ لنا من وقفة متأنية حول المسار الذى انتهجته القوى السياسية السودانية فى الحقبة الأخيرة لبلوغ ما تم توقيعه من اتفاقات، أملاً فى وأد حرب ضروس حصدت كماً هائلاً من أبناء السودان شمالاً وجنوباً، وعطلت عجلة التنمية والتطور وأسهمت  فى تحطيم الكثير من الموروث السوداني من بنية تحتية كانت قائمة أو مؤسسات خدمية، بل غيرت التفكير السائد حول السودان العربي الأفريقي الإسلامى، وأبرزت الفهم وعمقت الإدراك لسودان اثني أفريقي مدني، مع ضرورة أن يتعايش فيه الجميع حسب معتقداتهم ودياناتهم وأعراقهم وفق معايير فى غاية الدقة والحساسية، تتطلب حرصاً كبيراً وتجرداً لا محدوداً غايته الحرص على وحدة السودان فى حدوده الحالية، وأي خلل فى معيار واحد منها سيؤدى حتما لإنفراط عقد الوحدة وإلى تشتت حبيبات العنقود.

بروتوكولات نيفاشا والأسئلة المشروعة

الطريق للسلام كان طويلاً فمنذ اطلالة فجر الاستقلال، وتفجر أولى مطالب الجنوب من الشمال والتى أدت إلى جرح عميق فى وحدة أهل البلاد حتى توقيع الاتفاق الأخير، قد وقعت عهود ومواثيق جميعها ساعدت فى تتطبيب الجرح، إلا أنها لم تسهم فى وقف نزيف الدم. واستمر الجرح غائراً ما يندمل قليلاً حتى يتفجر من جديد جارفاً وحاصداً أرواح الأبرياء.

ما دفعني لكتابة هذه السطور أسئلة ظلت تؤرقنى وما تزال، هل سيكون اتفاق سلام نيفاشا البلسم الشافي لهذا الجرح، أم أنه واحد من تلك المضمدات التى تعودنا على تطببيه بها؟ وهل وضع هذا الاتفاق خالصاً مبرءاً للتنفيذ، أم أنه وضع فقط لبلوغ مرحلة ما فى التاريخ؟ وهل ستكون لنا الإرادة فى تنفيذ هذا الاتفاق وبقدر من الصفاء والحس الوطني والإلتزام الأخلاقي، أم أنه حبر على ورق مثله كغيره من إتفاقات؟ والسؤال الأهم هو هل حقاً أن اتفاقيات ومفاهمات وبرتكولات نيفاشا هى بلسم حل مشكلة السودان أم هناك دوافع وأطماع لم يفصح عنها من خلال هذه الحزم؟

حتى لا يتشعب الأمر، رأيت ان أحصر نفسي فيما جاء بين سطور حزم الاتفاق الأخير الستة، مستصحباً محصلة ما سبقته من محاولات فى الحقبة الأخيرة، بدءاً من أبوجا إلى جدة عبوراً بأسمرا، والقاهرة، وبرلين، والسويد، وبريطانيا، وأمريكا، والخرطوم، وشقدوم، وفشودة، وجبوتى، وجنيف، وطرابلس الغرب، وما دار بين هذه الخطوط المتقاطعة من مناورات.

اللافت للنظر أن جميع الجهود التى بذلت فى الحقبة الأخيرة ( منذ أول يوم للإنقاذ حتى توقيع اتفاق نيفاشا)، أياً كانت شمالية أو جنوبية، حزبية أو مجتمع مدنية، جميعها  تلتقي فى نقطة واحدة، آلا وهي خطب ود الحركة الشعبية، فأصبحت بذلك هيفاء الحي بلا منازع  يتسابق لها الخطاب. وجعلت من قائدها د. جون قرنق جون قرنق الفارس الذى يتباهى بالسعي لكسب وده. فمنذ أول يوم لحكومة الإنقاذ، ورغم العدائيات المعلنة، بذلت جهوداً من كل القوى السياسية للوصل مع الحركة. وتكللت تلك الجهود بلقاءات أبوجا ولم تثمر بالمطلوب. وفى الوقت ذاته نشطت المعارضة الشمالية ونجحت جهودها فى قبول الحركة بالعمل فى إطار التجمع الوطني. وأسهمت حرب الخليج الأولى فى توسيع دور التجمع  إقليمياً، فاستفادت الحركة من هذا وكسبت بذلك بعداً إقليمياً أخرجها من حركة جهوية جنوبية ضيقه إلى حركة قومية ذات بعد شمالي، ومكنها ذلك من تأسيس وضعها وتأطير عمل سفاراتها. هذا بالإضافة إلى وجودها المكثف فى دول الغرب الأوربي وأمريكا. ولما ضيق الخناق على حكومة الخرطوم كان لا بدَّ لها من إيجاد بدائل تخفف عنها عبء المعارضة دولياً وداخلياً، فلجأت للدول خارج المحور الغربي وبذلت جهداً كبيراً فى إنتاج البترول علها بذلك تخفف من فواتير الحرب، وتحجم من وطأة المعارضة الداخلية الناتجة عن الضغوط الاقتصادية. وبإنتاجها البترول أضيف بعد جديد للحرب الدائرة فى السودان، واستفادت الحكومة من الهامش الاقتصادي الذى وفره لها المنتج من البترول فحسنت قدراتها العسكرية، وبدأت فى توظيف الفائض منه فى تفتيت المعارضة، فنجحت فى تأسيس القوات الصديقة وكذلك إبرام اتفاقية الخرطوم وأتبعتها بفشودة. وقد كانت لهذه الاتفاقيات أهمية كبيره ليس فقط فى إضعاف الحركة الشعبية وأنما فى كسر حاجز الحظر الدولي الذى كانت تواجهه، ففتحت بها قنوات إتصال خففت عليها وطأة الحظر.

التجمع الوطني الديمقراطى والاختراق المحسوب

فى الجانب الآخر، ورغم ما كان للتجمع من زخم سياسي وقبول دولي، فانه فى واقع الأمر كان كوماً من التناقضات السياسية، وظفه د. جون قرنق بوعي وإدراك. فدخول الحركة للتجمع  هيأ لها المظلة والبعد السياسي الشمالي، وفى الوقت نفسه احتفظت  لنفسها بخصوصية الجنوب. فقد كان د. جون قرنق يتفاوض بعيداً عن التجمع حول الجنوب، وينادي بأفكاره حول السودان الجديد. ولم يكن أمام التجمع إلا التأمين على ما يقول، بل فى الواقع كان هناك صراع خفي بين رئيس التجمع الوطنى وأمينه العام فى كسب ود د. جون قرنق، الأمر الذى مكن الحكومة من اختراق التجمع من خلال الأمين العام للتجمع والذى قاتل من أجل خروج حزب الأمة منه. ونتيجة لهذه التناقضات لم يوجد بين التجمع من عاقل يحتوي المشكلة. بل، وبطريقة تسوية الحسابات، وجد الأمر الرضاء الداخلي. وبخروج حزب الأمة ضعف التجمع وانشلت كافة جهوده حتى أصبح منتدى تنوير بدعوة د. جون قرنق متى ما تطلب الأمر.

خلاصة القول فى نهاية المطاف تخلصت الإنقاذ من عرابها، وتخلص د. جون قرنق  من تبعاته وانطلقت المفاوضات لميلاد ما يسمى السودان الجديد.

صور ونماذج موجعة

خلال هذه الفترة واجهت الأمة السودانية المصائب الجلل. ففي الداخل اكتوى المواطن بما لم يخطر ببال من فاقة وجوع وعدم، فأصبح التعليم لمن يملك، والعلاج للمقتدر، والحرية الإنسانية لمن يعطى. وفى داخل البلاد ماتت الأفواج تلو الأفواج؛ وفى داخل البلاد أصبحت السلطة والثروة والسلاح جهوية إلا عند الحاجة، كما تغيرت أشكال أهل السودان لتأخذ ألوان شتى.

أما فى خارج البلاد فليس الحال بأحسن من داخلة إذ أنه ولأول مرة فى تاريخ السودان، يتفرق أهلة على كافة أرجاء هذه المعمورة من القطب الجنوبي إلى الشمالي حتى أصبح لا توجد دولة واحدة تخلو من السودانيين، ليصبح ضرب أنوب البترول شرف تتناقلة وكالات الأنباء والبيانات، وقتل أهلنا فى همشكوريب قمة النضال، وفوق ذلك التخابر وبيع المعلومات عن الوطن زوراً وبهتاناً شرف نتمشدق به وعلى رؤوس الأشهاد فى وسائل الإعلام. أما التغرير بالبسطاء من أهلنا فى جنوب غرب السودان، متشرفين بصحبة الباروونة كوكس لتلبيسنا تهمة الرق، شرف تضرب به الأمثال الساذجة والمريبة حقاً.

هذه الحال التى وصلنا بها وخلالها إلى اتفاق السلام وسأترك للقارئ مضامينها ومداليلها وإنعكاساتها على الاتفاق ومستقبل البلاد، علماً بأن الأحزاب هى ذات الأحزاب التى توالت على السودان منذ  بزوغ فجر الاستقلال حتى يومنا هذا.

وقفة صريحة وشجاعة مع بروتوكولات السلام بنيفاشا

هذا مدخل كان لا بدَّ منه للحديث عن حزم اتفاقات السلام وسأتناول هذه الاتفاقات  تفصيلاً حسب تسلسلها التاريخي بدءاً باتفاق جبال النوبا وإنتهاءً بإعلان نيروبي فى مقال منفرد وسأكتفى فى هذا المقال بالتركيز على عموميات مداليل هذه الاتفاقات السلبيات منها والايجابيات.

محاسن الاتفاق

* تعد هذه الاتفاقات أول اتفاقات توقع لحل مشكلة السودان فى ظل رقابة دولية ( مجلس الأمن) ومراقبة بدول ذات شأن عالمى الأمر الذى قد يضمن جدية التنفيذ.

* أسهمت الاتفاقات فى وقف الحرب والقتال فى جنوب البلاد الأمر الذى سيصب ايجاباً فى وقف نزيف الدم ومعالجة الجرح الغاير، و سيتيح لأهل السودان، إن حسنت النوايا، فرصة لتفهم أصول مشكل السودان ومن ثم وضع الحلول الجذرية للمشكل.

المخاطر والسلبيات والهنات

* أخطر ما فى هذه الاتفاقات هى أنها أسست على فرضية الانفصال فجاءت تفاصيلها، والكثير منها قابل للاختلاف ومؤدياً حتماً إلى غاية التأسيس.

* الاتفاقات جاءت وفق جدول زمني مفروض على التفاوض ليكون جزءاً من حملة انتخابية لا علاقة لنا بها.

* الاتفاقات تميزت بالحصرية بين المؤتمر الوطنى والحركة الشعبية/الجيش الشعبي وبطريقة اقصائية، ولم يترك فيها أي خط رجعة يمكن المعنيين بالأمر فى الجنوب والشمال وفى بؤر التوتر بالبلاد من المشاركة، ولا يوجد فيها إلا منة قليلة وفتات لبقية القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، ولفترة الإنتقال ( ستة أعوام). بكل أسف فان الاتفاق رهن قدرات وتطلعات أبناء السودان بقدرات وتطلعات الموقعين فقط، والكل يعلم أن أي من الموقعين لا يحمل إجماع أهل السودان فى الشمال أو الجنوب.

* لأول مرة فى تاريخ النزاعات توزع ثروات البلاد وسلطة التنفيذ فيها جهوياً وفق حدود الانفصال، ولو أن الحرص كان على وحدة البلاد لكان التوزيع على أساس إزالة آثار الخلاف من فقر وجوع ومرض وجهل وسوء إدارة وما تبع ذلك من فساد ببرامج تنموية تنتشل البلاد من قاع التخلف إلى عتبات تطور ونماء عادل ومتوازي، وبذلك وحده تخمد نار الفتنة وتلتئم جراح السودان. 

* إضافة إلى تأمين حدود جنوب البلاد، تمددت الاتفاقات إلى جيوب فى داخل الشمال وعجزت عن أن تكون شاملة بتجاهلها ما يدور فى شمال غرب البلاد، ولم تعالج ما يدور فى شرق البلاد، ولم تتبين تطلعات بقية أقاليم السودان.

حيثيات الإجماع الوطنى وضمانات السلام المستدام

على الرغم من سلبيات هذه الاتفاقات فإن الشعب السوداني كله قد هلل لها واستبشر فيها الخير نظراً لما عاناه هذا الشعب المعطاء حتى أصبح بعد خمسين عاماً منذ استقلاله من بين أفقر دول العالم، وضرب معول الهدم كافة مقوماته. أجل لقد رحب الشعب السوداني كله أملاً فى أن يتسام الموقعين من ذاتيتهما بتجرد وحس وطني عال يدفع بتفاؤل أهل السودان إلى غايات الرقي والتقدم. ولتجاوز سلبيات هذه الاتفاقات وتدعييم ايجابياتها، وجب علينا إقرار ان الحرب التى دارت بالسودان قد طالت كافة مقدراتنا وترتب عنها مرارات تتطلب الكثير من الجهد لتجاوزها. وإن كانت آثارها المباشرة بالجنوب، وعلى مسارح العمليات فى أواسط السودان،  إلا أنها امتدت فطالت كافة أنحاء البلاد حيث أوقفت عجلة التنمية والنمو.

لتجاوز السلبيات فعلى الموقعين تقع مسئولية ما يلي

* ضرورة تحويل هذه الاتفاقات، وبتجرد وحسن مقصد حقيقي، من ثنائية إلى قومية يكون فيها مكان لكل وطني مخلص، وعلينا نبذ المزايدات السياسية الضيقة مع حرصنا التام الابتعاد عن جشع بعض أصحاب المصالح الذاتية، سماسرة السياسة وناهبي المال العام، لتشمل كافة قطاعات الشعب السوداني بحيث يكون حاميها والحريص على تنفيذها، وبذلك وحده نقفل الباب أمام كل من تسول له نفسه التمرد أو الإنقلاب عليها.

* ضرورة أن تعالج مشكلة شمال غرب البلاد، وبؤر الاضطرابات فى الجنوب والشمال، وتضمن فى صلب هذه الاتفاقات ليكون العلاج عاماً  لكل أهل السودان.

* لا بدَّ من إشراك كافة القوى السياسية الوطنية أحزاباً ومنظمات مجتمع مدنى والأقاليم لتحمل مسئوليتها التاريخية فى بناء السودان الجديد متعدد الأعراق والثقافات والديانات، وليكن المعيار كم نقدم لبناء البلاد وليس كم نأخذ منه، فجميعنا أبناء وطن واحد وإن تباينت قناعاتنا وعاداتنا وأعراقنا. 

* لابد من العمل على تنفيذ هذه الاتفاقات من خلال حكومة وحدة وطنية ذات قاعدة عريضة وصولاً إلى تنفيذ برنامج تنموى شامل متفق عليه لتغيير نمط الفقر والتخلف بنمط تقدم وتطور ونمو.

* لا بدَّ أن توظف ثروات البلاد قومياً من خلال مشاريع مدروسة تربط البلاد بشبكة مواصلات من أقصي الجنوب فى  نمولى إلى حلفا فى الشمال، ومن بورسودان فى الشرق حتى الجنينة فى الغرب تكون متشابكة لربط كافة أجزاء الوطن.

* كما  لا بدَّ من تطوير التعليم فى كل إقليم ومحافظة لنقضي بذلك على الأمية وتحويل التعليم من تجارة رخيصة إلى حق دستوري بلا منازع.

* لا بدَّ من بناء مرافق الصحة الإنسانية والحيوانية والبيئية حتى تدب العافية فى إنساننا وحيواننا ليسهم ايجاباً فى البناء.

* لا بدَّ أن تكون لنا خطة لتنمية مواردنا البشرية وخطة لتنمية مواردنا الطبيعية  تتنوع مع تنوع مصادرنا فى البلاد من زراعية وتعدينية وسياحية وحيوانية وبحريه ومائية إلخ محددة بمدى الإنتقال بهدف الاستفادة القصوى من كافة هذه الموارد لانتشال السودان من غوره السحيق فى التخلف إلى عتبات النماء.

* لا بدَّ لنا من تحويل كافة طاقات جنودنا ومليشياتنا من القتال للبناء إلى عملية البناء.

* فوق كل هذا علينا بالتآخي الحق فلا شمالي ولا جنوبي ولا غرباوي ولا شرقاوي وما بين هذه من تصنيفات، فجميعنا سودانيي الجنسية فلتكن العزة والتميز لمن يعطى بتجرد، وليبقى السودان الوطن ولا شئ غيره فوق هامات الجميع.

لدراسة مقارنة لهذه المقترحات أنظر : برنامج الحزب الليبرالي السوداني لحل الأزمة الماثلة في دارفور

تابع

إعلان مبادئ | اسهامات باللغة العربية | اسهامات باللغة الإنجليزية | وثائق مرجعية | أوراق مرجعية | دعوة للمساهمة