تابع طريق السلام وحده أم انفصال
اتفاقية جبال النوبا والنيل الأزرق
قبل أن أتناول بالتفصيل اتفاق ( جنوب كردفان/جبال النوبة والنيل الأزرق) وبالتركيز على منطقة جنوب كردفان لا بدَّ من وقفة حول ما دار فى الساحة السودانية خلال الأسابيع المنصرمة لما لها من إنعكاس سلبى على تعقيد الحالة السودانية وما بلغته من تدويل هتك خصوصيتها.
لقد شهدت الأسابيع المنصرمة تحركات دوليه وإقليمية جميعها، وعلى أقل تقدير بإفتراض حسن النية، تصب فى ايجاد سبل الخروج من نفق الظلمة الذى دفع فيه السودان. فجاءت زيارة مهندس الدبلوماسية العالمية كولن باول متزامنة مع راعي الحقوق الدولية كوفى أنان وبتواضع جم شهد له العالم،وتوجه كليهما إلى معسكرات أهلنا بغرب البلاد للوقوف على حال يندي لها الجبين، ليجدوا أناساً يفترشون الثرى ويقتاتون من خشاش الأرض، فجلسوا وسطهم، وعاشوا بؤسهم برغم الفارق الكبير فى أساليب الحياة هناك، فشتان بين أروقة الأمم المتحدة، ورفاهية وزارة الخارجية الأمريكية. وما شاهدوه فى غرب السودان أمر يدفع بكل ذي ضمير حي إلى السعى الدؤوب للتصدى لوقف هذه المأساة واجتثاث أسبابها. فجاءت الأوامر وبقدر من الوضوح مطالبة الحكومة بوقف الجنجويد، وكأن المشكل كله هو الجنجويد علماً بأن ظاهرة الجنجويد ما هى إلا نتاج للضعف والفوضى التى طالت هذا الجزء من السودان، جاءت لاحقاً لتفجر الموقف. فالمطلوب منا إذا وقفة جادة لعلاج أسباب الحرب وإيقاف تداعياتها ولا بدَّ للمتحاربين أولا من وقف كافة أساليب القتل وتشريد المواطنيين وترويعهم بالبعد عن آليات الحرب والجنوح للتفاوض. وهنا نجد من حقنا أن نتساءل، لمصلحة من يشرد أهلنا ويقتلون؟ ولمصلحة من نجعل منهم سلعة إعلام تتنافس عليها الفضائيات ومؤسسات الإغاثة؟ ولم هذا التعنت فى المواقف من الحكومة وحركات التمرد إذا كان حقاً القصد هو تحقيق مصلحة مواطن دارفور؟
لقد عاد المسئولون الدوليون إلى مراكزهم لوضع مشكلة دارفور على طاولات مواقع القرارات الأممية. فأصدر الكونقرس الأمريكي الأسبوع المنصرم قراراً يؤكد ان ما يدور فى غرب السودان هو إبادة جماعية، وهى تهمة تعالج بالفصل السابع فى مجلس الأمن. وهذا القرار قطعاً قد مهد لقرار مجلس الأمن الخاص بمهلة السودان ثلاثين يوماً لحل المشكلة بغربه.
وتتواتر الأخبار بتحركات الدول الغربية جميعها منبهة لمغبة عدم الجدية فى الوصول إلى حل لمشكلة دارفور. وفى ذات الوقت قد اتخذت منظمة الدول الأفريقية قراراً شجاعاً بتحريك كتيبة مراقبة إلى دارفور، وإستضافة لقاء للفرقاء بأديس أبابا، أرى وجوب دعهما ومساندتها لأن ذلك، فى تقديري، بداية موفقة قد تتيح الفرصة للجلوس بعد ضمان أمن المواطنين لتشريح أسباب المشكلة وبلوغ الحلول الناجعة السليمة لها. أما جامعة الدول العربية فتحركها كان خجلاً، ولم تقدم جديداً سوى لقاءات هنا أو هناك. وخلال التحرك الأفريقي بدأت اجتماعات نيفاشا بين الحكومة والحركة، ولقاء إثيوبيا بين الحكومة وحركتى دارفور، ويتبع ذلك اجتماع التجمع بأسمرا الذى سبقه اجتماع القوات الصديقة برئيس الحركة الشعبية، والذى سبقه أيضاً اجتماع رئيس الحركة بالمكوك والسلاطين والمشايخ للمناطق الثلاث.
جميع هذه الاجتماعات والتحركات، فى تقديري، قد اصطدمت باقصائية اتفاقات نيفاشا ومتطلبات حلول مشكلة دارفور. فاجتماعات نيفاشا لم تتقدم لا لشئ إلا لتمسك طرفي الاتفاق كل بقواته، وكذلك الحال فى اجتماعات أديس أبابا، واجتماع القوات الصديقة مع رئيس الحركة الشعبية. أما اجتماعات التجمع بأسمرا فلم تكن بأحسن حال من غيرها فيما أعلن عنه، إلا أن المراقب يستطيع ومن قراءات ما صدر أن يتوصل إلى ان اجتماع هيئة قيادة التجمع قد أفرز قناعات جديدة، وبرزت منه مفاهيم وإشارات جديدة واضحة تتمثل فى:
* استبدال مبدأ الإقتلاع من الجذور بالتعامل بالأصول.
* زيادة مدى الشراكة الاستراتيجية لتشمل المؤتمر الوطنى.
* على التجمع التفاوض مع الحكومة لنيل حصته فى الحكم.
لقد جاء تأكيد النقطة الأولى وبوضوح تام فى حديث للناطق الرسمي للحركة ياسر عرمان حين أكد على أن الحديث عن الإقتلاع من الجذور قد ولى وعلى التجمع استيعاب المتغيرات والمستجدات وما الحقه من قول "إن وجود اتفاق سلام لن يلغى القوى السياسة المكونة للتجمع والأحزاب الأخرى مثل حزب الأمة والمؤتمر الشعبي، ولن يلغي قضايا هامة وعادلة مثل قضايا دارفور. إن الحكومة السودانية والحركة الشعبية مطالبتان بالتعامل مع هذه القوى السياسية"، إلا دليلاً وتوضيحاً لكيفية تعامل طرفي الاتفاق مع بقية القوى السياسية بما فيها التجمع. أما ما ذهب إليه العقيد جون قرنق حول عدم ممانعته فى تفاوض التجمع مع الحكومة ومشاركته لها فيما حددت لها من نسبة 52% فهو تأكيد واضح بأن نسبة الحركة فى السلطة والثروة ليست للشركاء فى التجمع وجاءت رداً واضحاً على الناطق باسم التجمع حاتم السر حين ذهب يجمع الأرقام مشيراً إلى أن التجمع وريث نسبة الحركة والقوى السياسية والقوى الجنوبية إلخ.
أما الحديث عن اتفاق جدة الإطارى واحيائه ففى تقديري ما وقع فى جدة قد جبه ما وقع فى نيفاشا لأن جدة الإطارى سبق وأن أمن مسبقاً على كل ما يتم فى نيفاشا وجاء اتفاق نيفاشا ثنائي مقفول على طرفي الاتفاق، وبنسب وأرقام يتطلب تعديل أي منها، ليس فقط موافقة طرفي الاتفاق وإنما موافقة رعاة الاتفاق، وفوق ذلك فالحكومة قد تنصلت أصلاً من هذا الاتفاق بشروط أو بدون.
أما الحديث عن حل مشكلة دارفور وآليات دعمها فهو قطعاً رهين بإرادة موقعي الاتفاق (الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني)، خاصة وأن الحركة بدارفور قد أعلنت موافقتها على وقف القتال والجنوح للتفاوض. فلن يكون هناك حل سياسي لهذه المشكلة ما لم يعلن طرفا اتفاق نيفاشا بوضوح تام قبول مبدأ مشاركة الآخر ضمن النسب التى اتفقا عليها لأن حل مشكلة دارفور يكمن فى المشاركة التامة فى الحكم، وهذا يعني ضرورة تعديل اتفاقيات نيفاشا ليكون فيها حيز يلبي تطلعات وحقوق أبناء دارفور، وإن حسنت النوايا، فليكن هذا الإعلان شاملاً لمشكلة شرق السودان واستيعاب نسبتيهما فى هذا الإعلان، عندها فقط لا بدَّ من عقد مؤتمر جامع لأهل دارفور، ويقينى أنهم قادرون على إحتواء المشكل.
هذه هى الأحداث التى دارت خلال الأسابيع الماضيه رأيت أن اوردها فى مطلع هذا المقال لتوضيح الصورة المتفجرة التى يعيشها السودان، وهى براكين أسال الله ان يهدينا إلى وسيلة التحكم فيها حتى لا تتفجر فتقصف بوحدة السودان وتماسكه.
إتفاق جنوب كردفان/ جبال النوبة
قبل تناول هذه الاتفاقية أرى ضرورة توضيح الحدود الإدارية والطبيعة الجغرافية والتوزيع السكاني لهذه المنطقة أملاً فى ربط بنود الاتفاق بواقع هذه المنطقة. فحسب الحدود الإدارية لعام 1956 تغطي هذه المديرية وسط غرب السودان تحدها مديرية النيل الأبيض من الشمال الشرقي، ومديرية شمال كرفان من الشمال، ومديرية شمال دافور، من الشمال الغربي، وجنوب دارفور من الجنوب الغربي، ومديرية بحر الغزال من الجنوب. إجمالى مساحة إقليم جنوب كردفان حوالي 120,000 كلم مربع، المنطقة التى كانت تعرف بريفي المسيرية تمثل نسبة 50% تقريباً، وريفي الدلنج وكادقلى وهيبان 50%، إجمالى مساحة الجبال فى الإقليم حوالى 5000 كلم مربع، أي، نسبة 4% من مساحة الإقليم. تتعرج حدوده من جنوب غرب تندلتي موازية لخط السكة الحديد مروراً بأبي زبد، فجنوب غرب الأضية، وشمال الفولة، حتى بابنوسة، وتستمر حتى جنوب مدينة ابيي، وتتعرج مع بحر العرب بالقرب من الملم وشمال القردود وتونقا وكاكا. يحتوي هذا المحيط جبال: الكاركو، والكاشا، والشفر، وضلمان، والمندل، والدلنج، وأبو جنوق، وطبق، والكجورية، وأبودموع، والداجو، وتلشي، وتيما، والكمده، وكتله، والنمنق، ووالى، ودميك، وميري، وكيقا، والكواليب، وسلسلة مورو، وأتورو، وتيرا، وجبال تقلي. هذه منطقة جنوب كردفان بسفوحها ووديانها وبطاحها المخضرة، وبخيرانها وخيراتها الوفيرة، وبتربتها الخصبة المتنوعة من قيزان فى الشمال والشمال الغربى رملية وقراديد إلى طينية داكنة فى جنوب المنطقة. هذه المنطقة وعلى الرغم ما فيها من مخزون ثروات طبيعية فان الله لم يهد حكوماتنا الوطنية المتعاقبة منذ استقلال البلاد إلى مجرد التفكير فى استثمار هذه الثروات، فلم توجد كلمة التنمية فى قاموس هذه المنطقة إذ أن أول وآخر مشروع تنموي فى هذه المنطقة كان إبان الحكم الإنجليزى وهو مشروع الزراعة المطرية للقطن بمنطقة لقاوة، وما قامت عليه من تنمية متمثلة فى محلج القطن بلقاوة، والذى شاخ وقضى نحبه بعد الاستقلال. أهل هذه المنطقة من قبائل النوبا ينقسمون فيها حسب مسميات الجبال، قبائل لها عاداتها وتقاليدها، ولها لغتها التى تتعامل بها مع القبائل الأخرى نوباوية أم عربية، وأما فى الوديان والبطاح والقيزان فتعيش القبائل الأخرى الأساسية منها : قبيلة المسيرية فى الجزء الغربي، والحوازمة فى الجزء الأوسط وتقلى، والحلفاء وولاد إحميد فى الجزء الشرقى، وتنتشر فى هذه المنطقة قبائل أخرى كثيرة مثل كنانة، والكواهلة، والبديرية، والقمر، والبرتي، والفلاتة، والبرقو إلخ. مصدرا الدخل الوحيدان فى هذه المنطقة هما رعى الأبقار والأغنام والزراعة والوسيلتان لا مردود اقتصادى منهما سوى وسيلة للبقاء، أما بالنسبة للدولة فهى مصدر ضرائب وعضضا لخزينة الدولة، وفى كل عام حتى أصبح حال أهل هذه المنطقة وكأنهم أجراء على مالهم وعمال زراعة للحكومة المركزية دون ضمانات وحقوق العمال.
هذه هى حال أهل هذه المنطقة، وعلى الرغم من أنها من أغنى مناطق السودان بثرواتها وخصوبة أرضها فان أهلها ما زالوا يرزحون فى تخلف لا يصدق، جهل ومرض وافتقار لأبسط مقومات الحياة، منطقة لا تقل عن أدنى ريف فى بلاد الغرب أو ولاية، مع الفارق الكبير بين هذه وتلك، فلنرى ما جاء به اتفاق نيفاشا حول هذه المنطقة.
أ- حول الحدود وآلية أخذ آراء مواطني الإقليم فقد تم الاتفاق على:
* العودة إلى حدود ولاية جنوب كردفان القديمة عندما كان إقليم كرفان ينقسم إلى قسمين شمال وجنوب.
* أخذ رأي أهل ولاية جنوب كردفان حول الاتفاق أسلوب ديموقراطى لإستيعاب ملاحظات أهل الولاية فى الاتفاق. وأن الاتفاق خاضع لإرادة أهل الولاية من خلال مشرعيهم المنتخبين ديموقراطياً.
* على مشرعي الولاية تكوين لجنة برلمانية تعني بمراجعة وتقييم الاتفاق، وكذا متابعة وتقييم تنفيذه. وعلى رئاسة الجمهورية تكوين لجنة مستقلة لمتابعة تنفيذه.
* يعد الاتفاق الحل النهائي للمشكلة السياسية فى الولاية بعد إقرار أهل الولاية من خلال جهازهم التشريعي بأنه يلبي تطلعاتهم.
* فى حالة ملاحظة الجهاز التشريعي للولاية بعض جوانب القصور عليه التفاوض مع الحكومة المركزية بهدف تصحيح هذا القصور بما لا يتعارض مع الإطار العام للاتفاق.
ب- حول الثروة والسلطة
* تستحق الولاية المنتجة للبترول نسبة 2% من المنتج منها من البترول.
* حيث ان الهدف الرئيس من صندوق إعادة الإعمار والتنمية القومي هو تنمية المناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نمواً فقد وافق طرفا الاتفاق على تخصيص ما نسبته 75% من إجمالي الجزء المخصص من الصندوق للمناطق المتأثرة بالحرب وبصفة خاصة جنوب كردفان والنيل الأزرق.
* فى الفترة قبل الانتخابات تم الاتفاق على ان يتكون المجلس التشريعي للولاية بنسبة 55% للحكومة ونسبة 45% للحركة. على أن يتم التناوب بين الحكومة والحركة على منصب حاكم الولاية مع ربطه بحاكم ولاية النيل الأزرق بحيث لا يكون حاكمي الإقليمين من جهة واحدة فى وقت واحد.
النقاط أعلاه هى جوهر الإتفاق الخاص بقضية جبال النوبا، فقد أعيد الإقليم لسابق عهده حينما كان بالسودان تسع مديريات، من بينها مديرية كردفان والمكونة من شمال كردفان وجنوبه. وقتها كانت جنوب كردفان تتكون من مجلس ريفي المسيرية بفروعة الثلاث، ومجلس الدلنج، ومجلس شرق الجبال، ومجلس كادقلى، وهو أمر، فى تقديري، سيكون ايجابياً إذا ما اقترن ببقية البنود الداعمة للتنمية، إلا أنه لا بدَّ لنا من التنبيه إلى إنعكاسات هذا التعديل فى الحدود الولائية، فمثلاً ما هو مصير الجزء المتبقي من ولاية غرب كردفان؟ وهل ستعود لإقليم شمال كردفان أم ستستحدث ولايات جديدة؟ فوق ذلك لم يؤخذ فى الحسبان الضرر الناتج من جراء هذا الاتفاق على الإقليم الجديد وعلى الولاية القديمة، وهو أمر قد يتطلب معالجة خاصة قبل الاتفاق النهائي، مضافاً لذلك الوضعية الغريبة التى أفرزها اتفاق ابيي، وهل ستكون المنطقة الجنوبية من ولاية غرب كردفان الحالية والتى خصت بوضعية خاصة فى هذا الاتفاق المذكور جزءاً من إقليم جنوب كردفان؟ وما هو مصير مخصصاتها فى اتفاق أبيي؟ كما يلاحظ أن لأهل المنطقة الحق فى إضافة ما يرونه قد يؤدي إلى تحسين حالهم من خلال الإتفاق و أن الاتفاق يعد نهائياً بعد موافقة أهل الإقليم عليه، وهى محمدة لهذا الاتفاق لم تضمن فى بقية الاتفاقات، إلا أنه ربط هذا الحق بالإلتزام بالإطار العام لاتفاقات نيفاشا، وفى تقديري ان ذلك يعني، أن لا تمس هذه التعديلات حدود الإقليم مثلا أو تغيير نسب الحكم فيه أو وضعية الجيش به.
إن الأمر الخطير فى هذا الاتفاق هو ما أورد لاحقاً فى الحديث عن السلطة حيث ربطت كافة المؤسسات التشريعية والبرلمانية فى الإقليم خلال الفترة قبل الانتخابات بتعيين أعضائها من قبل طرفي الاتفاق : الحكومة 55% والحركة 45%، أي، أن المبادئ والحقوق التى أقرت لمواطن الإقليم فى مطلع الاتفاق قد تم سحبها من كافة أبناء الإقليم وأعيدت لاعضاء طرفي الاتفاق، ويعني ذلك أن الحكومة والحركة هما الجهة صاحبة القرار، وكما سنرى فى المقال القادم، إن شاء الله، أن الانتخابات العامة المشار إليها ليس لها تاريخ محدد إذ انه أشير بأن تتم فى نهاية الثلاث سنين الأولى من الفترة الإنتقالية كحد أدنى ومرهونة بتقدير طرفي الاتفاق، الأمر الذى يلغي ظلالاً على تاريخ حدوثها. عليه فإن حكم الإقليم خلال الجزء الأكبر من الفترة الإنتقاليه، والتى تمتد لأكثر من ست سنوات، سيكون من قبل المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ( فصيل جبال النوبا)، وهو أمر قطعاً سيزيد من تهميش أهل الإقليم ليس فقط فى إبداء رايهم حول ما اتفق عليه وإنما فى كيفية الحكم خلال هذه الفترة الدقيقة والمهمة فى استقرار السودان والإقليم. وإذا ما تابعنا المؤتمرات التى عقدتها الحركة (فصيل جبال النوبا) فى منطقة الجبال خلال الأشهر الماضية ( مؤتمر كاودا، ومؤتمر تيما، وما تبعهما من مؤتمرات فى كندا وواشنطن) يلاحظ، وبكل أسف، روح إقصائي يستبعد كل أهل المنطقة ما عدا قبائل النوبا، بل ذهبت هذه المؤتمرات فى تفاصيل كيفية حكم هذه المنطقة وبالطريقة ذاتها متناسين ما فى هذه المنطقة من نسيج اجتماعي وأعراف ربطت كافة قبائل أهل هذه المنطقة ببعضها، الأمر الذى يدعونا للقول بانه ما لم يتم تعديل هذا المفهوم الإقصائي من أحد أركان حكم الإقليم القادم فقطعاً سوف لن ينعم الإقليم بالأمن والاستقرار لأن أهل هذا الإقليم لن يرحلوا منه تنفيذاً لقرار ولن يركنوا لجبروت متجبر.
مسألة أخيرة لا بدَّ من الوقوف عندها وهى أن قسمة الثروة لهذا الإقليم لم تأت فى الاتفاق بذات الوضوح، حيث أنه ثبت لها الحق العام نسبة 2% من إنتاج البترول وشملت فى الأفضلية فقط بالنسبة للمبالغ المخصصة للمناطق المتأثرة بالحرب، أضف إلى ذلك هناك تضارب وعدم وضوح، كما أسلفنا، فى الربط بين اتفاق أبيي وهذه الاتفاقية فى الجزء الخاص بنسبة 2% المخصصة للمسيرية و2% المخصصة للدينكا، خاصة إذا وافق أهل المنطقة الإنضمام إلى جنوب كردفان، وكذلك نسبة 2% الخاصة بغرب كردفان، فهل سترصد جميع هذه النسب لتكون 8% من المنتج أو على أقل تقدير 6% أم سيفقد الإقليم كل هذه الإستحقاقات ويكتفى بنسبة 2% فقط المثبتة فى هذا الإتفاق؟
خلاصة القول ان السودان يمر بمنعطف خطير، وان مشاكله أصبحت محط أنظار العالم كله، وعلى رأس قائمة أخباره. وقطعا ليس بمقدور حزب أو جهة واحدة من أهل السودان التصدي لما هو مواجه به، ولا التمكن من إيجاد حلول لها، فالأمر يتطلب قدراً من التجرد ونكران الذات بإشراك كافة أهل السودان للمشاركة فى إيجاد الحلول التى تعبر بالبلاد إلى بر الأمان. فالمطلوب من طرفي اتفاقات نيفاشا أن يمدا يديهما بلا قيد ولا شرط لكافة القوى السياسية الأخرى، ومؤسسات المجتمع المدنى، وأهل أقاليم السودان حتى ينبري الجميع نصرة للسودان و المطلوب منهم السمو بخطابهم وأفعالهم حتى يطمئن كل وطني مخلص للمشاركة والإسهام للخروج بالبلاد من هذا النفق المظلم وإلا فأخشي ما أخشي ما سيأتى من قرارات لمجلس الأمن وتبعاتها بالفصل السابع من الميثاق.
ولأهلنا الطيبين فى جنوب كردفان أقول عليكم تجاوز مرارات الماضي فكفى الحرب والقتال والفرقة، فجميع أهل الإقليم عرباً ونوبا ضحية الاستغلال. وعلى كافة أبناء الإقليم العودة إليه فهو بحاجة إلى سواعد الرجال للبناء والتنمية حتى تكون دماء أبناءة بذرة رخاء ونبراس لأجيال.
هذه مجمل الملاحظات على الاتفاق الخاص بمشكلة جبال النوبا، وسنواصل الحديث حول اتفاقيتى الثروة والسلطة.