أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
سودان المستقبل

بعد التوقيع علي إتفاقية السلام

بعد التوقيع علي اتفاقية السلام

بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان

هل سيعم السلام حقاً ربوع السودان؟!

نجم الدين كرم الله

  مدخل

ايقاف الحرب من أكبر ايجابيات الاتفاق

ثنائية الاتفاق وتهميش القوى السياسية الأخرى

ثنائية الاتفاق وانعكاساتها على القوى المختلفة

تقرير المصير ومآل الوحدة الوطنية

غياب المناخ الديمقراطي كمبدأ أساسي للإتفاق أضر بمصالح الحركة الشعبية

التحفظات والمعارضة من طرف التيار الإسلامي المتشدد

مستقبل الاتفاق وآفاق حل المشكل السوداني

مدخل

يقف العالم مرتقباً التوقيع النهائي على اتفاقية السلام بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان التى يقودها جون قرنق، وذلك بعد توقيع برتوكولات الاتفاق الأخيرة في منتجع نيفاشا الكيني في ابريل من العام الجاري،  والتى ختمت  مفاوضات مضنية استمرت لعدة سنوات.

وفي ظل ترحيب واسع من قبل القوى السياسية السودانية، ومباركة  إقليمية وعالمية لإبرام هذا الاتفاق، متمثلة في دول الإيغاد بالإضافة للجانب الأمريكي ومشاركة من الجانب الأوروبي مممثلاً بمجموعة دول "أصدقاء" الإيغاد، يطرح السؤال نفسه: هل سيكون هذا الاتفاق المبرم بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، بداية النهاية للصراع المسلح في السودان والذى استمر لعقود طويلة استنزف فيها خيرات البلاد ومواردها البشرية والاقتصادية، أم سيكون محاولة أخرى غير ناجحة كغيرها من المحاولات التى تمت من قبل؟

للإجابة على هذا السؤال، حتى يتسنى لنا التنبوء بنجاح أو فشل هذا الاتفاق لابد لنا ان نتناول بالتحليل أهم ايجابياته وسلبياته،  ونقاط الضعف التى قد تؤدي للإنتكاس به في المستقبل، بالإضافة للعوامل الداخلية والخارجية التى قد تؤثر على نجاحه أو فشله، والدورين الإقليمي والعالمي في هذا الموضوع.

ايقاف الحرب من أكبر ايجابيات الاتفاق

من المعلوم ان أهم إنجازات اتفاق السلام الذى سيوقع بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان هو إيقاف الحرب الطاحنة التى استمرت أكثر من نصف قرن من الزمان،  وأهلكت مئات الآلاف من أبناء الشعب السوداني من الجنوب والشمال، وشردت الملايين من قراهم ومساكنهم، وتسببت في اهدار موارد البلاد وخيراتها والتى كان لها أن توفر لأهل السودان الخير والرخاء.

إذن عندما يتعلق الأمر بإيقاف الحرب وووقف نزيف الدماء،  لايجوز الجدال والنقاش في ذلك على الاطلاق، ومن يجادل أو يناقش في ذلك لا يدري ماذا  تعني الحرب، وماذا يعني الدمار والخراب، أو قد لايعي مكانة الروح البشرية وكرامة الإنسان نفسه، أو قد تكون له مصالح أخرى في استمرار الحرب.

غير أن وقف الحرب ونزيف الدماء مرهون بالتزام جميع الأطراف بتعهداتهم. ومن المعلوم أن الالتزام بالتعهدات غالباً مايكون أصعب بكثير من معركة التفاوض نفسها، وذلك لأن معركة التفاوض هى صراع مع الطرف الآخر ومقدرته في التفاوض والحوار،  بينما الالتزام بالتعهدات هو صراع مع النفس والمصالح الذاتية ومقدار الثقة تجاه الطرف الآخر.

فإذا نظرنا إلى هذا الاتفاق بمنظور عملي بحت،  نجد فيه الكثير من الثغرات ونقاط الضعف التى تؤثر على مدى نجاحه في المستقبل، كما تؤثر على مقدرة الأطراف الموقعة عليه في الالتزام  بالتعهدات الواردة فيه، ناهيك عن المنظور الاستراتيجي والسياسي طويل المدى.

ثنائية الاتفاق وتهميش القوى السياسية الأخرى

أول ثغرات هذا الاتفاق هو أنه بني على أساس ثنائي، أي، بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان، ولم تشارك فية فئات المجتمع السوداني الأخرى السياسية والمدنية والدينية وغيرها، الشئ الذى قد يضعف من قوة الاتفاق ويجعل الالتزام به مقصوراً على الأطراف التى وقعت عليه، وهى أطراف بقدر قوتها إلا أنها ليست كل الأطراف المعنية.

من ناحية أخرى لا بد من الاعتراف أنه قد تمت بعض المشاورات مع أطراف سودانية خارج نطاق التشكيلة الثنائية للاتفاق، إلا أن دورهذه الأطراف قد  كان ثانوياً جداً ولم يرتق سوى الى مستوى مراقب في المفاوضات، ولم يكن لها أي تأثير في مضمون  الاتفاق أو حتى شكله.

 تمثلت تلك المشاورات في زيارة قام بها وفد من الحركة الشعبية لتحرير السودان إلي الخرطوم يترأسه الكوماندور باقان أموم والمتحدث باسم الحركة الشعبية ياسر عرمان،  التقى خلاله الوفد بمختلف القوى السياسية وزعماء الأحزاب، بما في ذلك أحزاب المعارضة، حيث أكد الجميع على ضرورة وحدة السودان واشراك جميع القوى  السياسية في عملية السلام.

 فوق ذلك أجرت الحركة الشعبية مشاورات أخرى مع الأحزاب السياسية المعارضة خارج السودان، ممن تنضوي تحت لواء التجمع الوطني الديمقراطي، وقد أسهمت بعض كوادرها مستشارين للحركة الشعبية في جولات المفاوضات المختلفة.

أما من جانب حكومة الخرطوم فقد جرى لقاء هام بين محمد عثمان الميرغني، رئيس التجمع الوطني المعارض، وعلي عثمان محمد طه، النائب الأول لرئيس الحكومة السودانية، في جده، صدر عنه بيان مشترك [ أضغط للاطلاع على نص البيان]، تبنته ووافقت عليه قوى التجمع الوطني بعد ذلك. [ انظر سليمان ديبلو ورؤية نقدية لاتفاق جدة].

غير أن جميع تلك المحادثات والمشاورات لم  تسفر عن أية مشاركة حقيقية للقوى السياسية السودانية المختلفة في صياغة الاتفاق،  وكان الهدف منها فقط  حفظ ماء الوجه أو تجميل شكل الاتفاق الثنائي أو إطاره.

ثنائية الاتفاق وانعكاساتها على القوى المختلفة

إن عدم اشراك القوى السياسية السودانية المختلفة خاصة أحزاب المعارضة الشمالية وغيرها من الفعاليات السياسية والاجتماعية الأخرى،  يعد خطأًً استراتيجياً فادحاً من جانب الحكومة السودانية والحركة الشعبية. فالقوى السياسية السودانية على اختلاف أشكالها وألوانها بالرغم من تحفظها على الاتفاق وبنوده، فقد  أيدت وبشدة مبدأ وقف الحرب ونزيف الدماء، ويشكل إبعادها أو اقصاؤها ثغرة يمكن ان تنفذ منها العديد من المشاكل في المستقبل.

غياب الأطراف السياسية الشمالية المعارضة شريكاً رئيساً في أطراف التفاوض أضعف من موقف الحكومة التفاوضي أمام الحركة الشعبية؛ كان يمكن للحكومة استخدام المعارضة الشمالية ورقة ضغط في المفاوضات، سيما أن الحركة الشعبية كانت تستخدم ورقة الضغط الأمريكية والأفريقية أيضاً متمثلةً في دول الإيغاد. فبالرغم من إدعاء هذه الأطراف للحيادية الكاملة، فإنهم مارسوا ضغوطاً شديدة على حكومة الخرطوم وعلى وجه الخصوص الجانب الأمريكي لقبول الاتفاق.

هذه الثنائية كان لها مردود سلبي أيضاً داخل الكتلة الجنوبية التى انسلخت عن الحركة الشعبية أو التى كانت  تقاتل بمفردها، ووقعت مسبقاً اتفاقات سلام مع الحكومة السودانية في الخرطوم. هذه الفئات لم تشارك في المفاوضات التى جرت أخيراً بصورة مباشرة، وفي اعتقادي أن ذلك خطأً تكتيكيً من جانب حكومة الخرطوم. فبعض هذه الجماعات بدأت تشعر بالخوف والقلق من ضياع مصالحها المضمنة في الاتفاقات التى وقعت عليها مع حكومة السودان مسبقاً. تقول بعض المصادر ان بعض قادة تلك الجماعات قد انتقلوا إلى خارج السودان وشكلوا تياراً معارضاً للحكومة و للاتفاق المبرم.

كذلك فإن غياب الدور العربي في تلك المفاوضات، بخاصة جمهورية مصر العربية والجماهرية الليبية، قد زاد من ضعف موقف الحكومة التفاوضي، والتى كان يمكنها استخدام تلك الورقة أيضاً، خاصة أن وقف الحرب واستتباب الأمن في السودان واستقرار السلام فيه أمر يهم الدولتين معاً، كما يؤثر على مصالحهما الاستراتيجية بحكم الموقع الجغرافي، والتداخل الديني واللغوي والإجتماعي، بالإضافة لموضوع مياه النيل الذى يعد بالنسبة لمصر شأناً استراتيجياً هاماً.

تقرير المصير ومآل الوحدة الوطنية

تناول الاتفاق في بنوده قضايا مصيرية تتعلق بوحدة الدولة لا يمكن لجهتين فقط، وهما الحركة الشعبية لتحرير السودان والحكومة السودانية، الفصل فيها. فشئون تقرير المصير وفقاً للأعراف المعمول بها عالمياً لا تتفاوض فيها الحكومات لأنها عادة ماتمثل نطاق سياسي ضيق لحزب واحد أو تجمع أحزاب، وإنما تبت في ذلك الأمر في الغالب التجمعات الوطنية الدستورية، أو الموائد المستديرة التى تمثل كل فئات المجتمع السياسي والمدني والديني وغيرهم من العلماء والمفكرين وزعماء القبائل والعشائر.

في هذا المضمار لدينا في العالم تجارب عديدة نأخذ منها على سبيل المثال مؤتمر المائدة المستديرة في جمهورية بولندا الذى تم في عام 1989م، والذى استطاع حسم جميع نقاط الخلاف القائم وذلك بمشاركة جميع القوى الوطنية وتجنيب بولندا مخاطر الوقوع  في صراع داخلي مسلح، أو حل النزاع في ايرلندا الشمالية، الخ.

ثنائية الاتفاق قد تفتح شهية أطراف محاربة أخرى في المناطق المهمشة في السودان لتحذو حذو الحركة الشعبية بغيه تحقيق أهدافها التى تصبوا إليها، الشئ الذى قد يجعل من السودان غنيمة دسمة تتناهشها الأطراف المختلفة وفقاً لمصالحها، وبما يزيد من أطماع الدول الخارجية التى تنتظر سقوط الفريسة لتلتهم ماطاب منها.

غياب المناخ الديمقراطي كمبدأ أساسي للإتفاق أضر بمصالح الحركة الشعبية

الاتفاق بين الطرفين لم يتم في مناخ ديمقراطي كامل وتام ويعد هذا خطأ رئيساً ومبدئياً ارتكبتة الحركة الشعبية سيما أنها كانت ولسنوات عديدة تتهم حكومة الخرطوم بالشمولية وابتعادها عن الأسس الديمقراطية. وعلى هذا الأساس دخلت الحركة مع التجمع الوطني المعارض في اتفاقات مسبقة من شأنها استعادة الديمقراطية للحياة السياسية في السودان. كما كان عدم وجود الديمقراطية في السودان هى واحدة من المبررات الرئيسة التى كانت تسوقها الحركة الشعبية لمواصلة العمل المسلح ولسنوات عديدة. غير أن الاتفاق المبرم يركز وبصورة رئيسة على تقاسم السلطة والثروة بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية، دون الوضع في الحسبان القوى الوطنية الأخرى وعلى وجه الخصوص التيار الشمالي المعارض، بينما أدرجت مسألة الديمقراطية كواحدة من البنود الثانوية في الاتفاق، على أمل ان يتم حسمها في المرحلة الإنتقالية. فالحديث عن الديمقراطية كان حاضراً ومكثفاً من جميع الأطراف المتفاوضة غير أنه كان عمومياً ولم يكن الأساس الذى ارتكزت عليه المفاوضات أو بنودها، ولم تكن الحكومة السودانية أو الحركة الشعبية راغبتان في أن تكون الديمقراطية هى المرتكز الأساسي لهذا الاتفاق حتى لا تتضرر المصالح الخاصة للطرفين.

التحفظات والمعارضة من طرف التيار الإسلامي المتشدد

التحفظات تجاه الاتفاق المبرم بين الخرطوم والحركة الشعبية لم تأت من جانب الأحزاب الشمالية المعارضة فحسب وإنما بدأت تظهر وبصورة واضحة من بعض جوانب التيار الإسلامي المتشدد أو المحافظ والموالي أصلاً لحكومة الخرطوم.

وبالرغم من إختلاف نوعية التحفظات وشكلها ومضمونها فإنها تصب في ثقوب هذا الاتفاق وتضعف من قوتة في الثبات. فالأحزاب الشمالية المعارضة تعيب عليه ثنائيته ومخالفته للأسس الديمقراطية، وتتشكك في قدرتة على حل قضايا السودان المعقدة. أما التيار الإسلامي المتشدد فيرى في الاتفاق ظلماً واضحاً للأطراف الشمالية، خاصة المهمشة منها، كما يروا في تقاسم السلطة والذى يتيح لجون قرنق قائد الحركة الشعبية  تولي منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، وحقه في نقد أو عدم الموافقة علي أي قرار يصدره الرئيس، نفوذاً كبيراً  يضر بالمصالح الشمالية.

كما عابوا على الاتفاق القسمة غير العادلة لثروة البلاد القومية وحصول الجنوب علي 50% من عائدات النفط وكذلك 50% من العائدات غير النفطية من الجنوب، مثل الضرائب والجمارك وغيرها، كذلك حدد الاتفاق، حسب رأيهم، وضمن المصالح الجنوبية بالتفصيل وبصورة دقيقة بينما ترك المصالح الشمالية في صورة عائمة سيما أن هناك مناطق شمالية مهمشة عديدة. بالإضافة لذلك أبدوا تخوفهم الشديد في أن يؤدي هذا الاتفاق في نهاية المطاف إلى فصل الجنوب عن شمال السودان.

مستقبل الاتفاق وآفاق حل المشكل السوداني

يرى العارفون بالشأن السوداني أنه قد تكون هناك صعوبة من جانب الطرفين في تنفيذ الالتزامات التى وقعا عليها ويرجع هذا لتضارب المصالح والتناقض الواضح بين البنود المتضمنة في الاتفاق وتفسير معانيها الجوهرية بصورة مختلفة لدى كل طرف.

 كذلك لم يضع الاتفاق في الحسبان النزاعات المسلحة الأخرى في السودان مثل مشكلة دارفور على سبيل المثال، بحسبانها مشكلة خطيرة قد تجعل الحكومة غير قادرة على الالتزام ببنود الاتفاق بسبب الضغوط الداخلية والخارجية. وعلى الرغم من أن الاتفاق قد اشار إلي هذه القضية في بعض نصوصه،  ولكن كانت تلك الإشارات بصورة عامة وعرضية،  ولم يتم التعامل مع هذه المعضلة بالاهتمام المطلوب بالرغم من حدة تفاقمها في لحظة توقيع الاتفاق.

في تقديري أن أهم سمات هذا الاتفاق ومايميزة عن غيره من الاتفاقات السابقة ليس وقف الحرب فقط، إنما استحالة العودة إلى خيار الحرب مرة أخرى لأنه خيار غير استراتيجي وغير مجدي حتى بالنسبة للحركة الشعبية نفسها. فبعودتها لخيار الحرب ستفقد مصداقيتها لدى جميع الأطراف سيما أن الأحزاب السياسية المعارضة أيدت بشدة مبدأ وقف الحرب، رغم تحفظها على الاتفاق، كما أن الأطراف الخارجية ( الجانب الأمريكي والإيغاد) قد دعمت الحركة الشعبية أيضاً وبشدة أملاً في وقف الحرب ونزيف الدماء.

غير أن وقف الحرب وحده لن يحل مشاكل السودان المستعصية والمتعددة، ليس في الجنوب وحده إنما في مناطق عديدة،  ولكنه يمكن ان يشكل أساساً وقاعدةً متينة لحل تلك المصاعب، ليس علي أساس ثنائي بين طرفين فقط، وليس علي مبدأ تقاسم للثروة والسلطة،  إنما على أساس ديمقراطي حر يتيح للجميع المشاركة في السلطة والثروة،  بغض النظر عن أعراقهم أو أديانهم أو انتمائاتهم الحزبية، وأن لا تكون هذه الديمقراطية عبارة عن مجرد انتخابات برلمانية فقط، حتى ولو كانت نزيهة،  وإنما سيادة دولة القانون والمواطنة وتطوير الموارد وعدالة توزيعها.

إعلان مبادئ | اسهامات باللغة العربية | اسهامات باللغة الإنجليزية | وثائق مرجعية | أوراق مرجعية | دعوة للمساهمة