كراوفورد: دولة الفونج السنارية
تاريخ البث
مقدمة
ينبغى على المرء أن يكتب الكتب كما تكتب الرسائل، أى باحساس قوى بمن يخاطبه، وقد كتب هذا الكتاب لأولئك الذين يعرفون السودان، ولهم دراية بأهله وأماكنه، فالكتاب اذن يحاول أن يفرغ فى كلٍ متماسكٍ ذرات التاريخ التى بقيت بعد زوال الاحتلال التركى والمهدية، وذلك فى مخطط تاريخى مفهوم بجلاء . ولقد حاولت أن لا أفقد الخيط متجنباً التورط فى مناقشة التفصيلات، ومع ذلك فاننى أخشى أن أكون قد فقدته فى صفحة أو صفحتين، لأن هذا الأمرلا مفر منه، ويصعب تجاوزه بسبب المستوى الراهن للمعرفة، وهو مستوى يمثل مرحلة تشبه المرحلة العتيقة للفن التى لم يتم فيها التحكم الكلى على المادة . فالى حين أن يتم ملء الكثير من الفجوات وحل المشكلات ذات الأهمية التاريخية تصبح كتابة رواية مصقولة الحواشى ممكنة على حساب إغفال تلك المشكلات أو التوصل الى استنتاجات غير ناضجة، لقيامها على أساس بينة غيركافية، ومن ثمً يكون الوضوح الذى يتم التوصل اليه بهذه الطريقة مخادعاً فالرواية يمكن أن تكون سهلة القراءة لكنها فى الوقت ذاته قد لا تستحق القراءة.
وربما يعتقد بعض قراء هذا الكتاب أن المجهود غير متكافئ مع النتيجة، وأن تلك القرون الثلاثة من الفساد السياسى البربرى لا تستحق أن تسمى تاريخاً لكننى اختلف كلياً مع هذه الوجهة من النظر إذ غالباً ما تملًك الرومان إعتقاد مماثل بشأن تاريخنا المبكر نحن بالذات، وهو تاريخ كان أيضاً يزخر بالبربرية والفساد السياسى. إن الرومان قطعاً لم يكلفوا أنفسهم عناء تمحيص تاريخ بريطانيا فى العصر الحديدى وتسجيله، وقد كانوا فى مكنتهم أن يفعلوا ذلك بسهولة، ومن ثم صرنا نحن الآن أكثر فقراً الى ذلك. وربما كان أفارقة المستقبل راغبين فى معرفة أصولهم كما رغبتنا نحن اليوم فى معرفة أصولنا. ولقد كلّف البريطانيون- خلافاً للرومان- أنفسهم عناء جمع المخطوطات وتسجيل المعتقدات التقليدية والتاريخ الأمر الذى جعل الوقت مناسباً لبذل محاولة أولية للتركيب، وهذا الكتاب هو ثمرة ذلك التركيب.
إن هذا الكتاب محدود زمانياً بمرحلة ملوك الفونج، ومحدود مكانياً بالمنطقة التى سيطر عليها أولئك الملوك، ومع ذلك فهو لايُعدً كتاباً نهائيَّاً، بل إن الأمر على عكس ذلك تماماً، حيث تكون إعادة كتابته ضروريَّة عندما يتم إجلاء التنقيب الآثارى فى واحدة من مدن الفونج الرئيسة كأربجى مثلاً، وحين تكشف الدبّات القائمة على النيل أسرارها الدفينة، عندها يكون ممكناً وضع كتاب يجعل من هذا الكتاب كتاباً عتيقاً مثل خريطة بروس. وليس من شك فى أن هناك الكثير الذى يتطلب الإنجاز فى كل حقول البحث. ذلك لأن تطبيق التصوير الفوتغرافى الجوى- وهو تقنية تُعد جديدة برغم أن عمرها قد تجاوز بضعة عقود من الزمان- لم يتم على أى موقع من المواقع القديمة للسودان اللهم إلا قلة منها فى دارفور، ولو تم ذلك فى موقع واحد منها لكنت استخدمته فى هذا الكتاب.
لقد كان من الممكن معرفة الكثير لوأجرينا مسحاً شقياً للنيل وروافده، حيث تكثر المدن والقرى القديمة، وقد تم الآن نشر واحد من أفضل المصادر بصورة موجزة أعنى كتاب طبقات ود ضيف الله، وثمة حاجة ملحة لنشر ترجمة لهذا المصدر من واقع المخطوطة الأصليّة بعد إخضاعها لقواعد النقد المصدرى، وهناك حاجة أخرى لنشر كتاب تاريخ الفونج الذى توجد فيه عدة مخطوطات على أن يكون ذلك طبعة مترجمة مرتبة. ثم إن هناك العديد من المصادر الأوربيًة مثل دفتر يوميات لينان دى بلفون وخريطته المتوفرة فى مخطوطات أصليًة، وثمة مادة جيدة لاتزال مطمورة فى أضابير ما نشر مثل كتاب بيترمان ميتهايلونجن الذى نشر فى منتصف القرن التاسع عشر، فعلى الرغم من تلك البدايات التى تستحق الثناء، والتى عملت على نشر مقتطفات منها فى حولية السودان فى مدونات فان الكثير لم يزل ينتظر التنفيذ وبخاصة فيما يتعلق بشرق السودان وارتيريا، وهما المنطقتان الأكثر أهمية تاريخياً من النيل الأبيض، كذلك يظل الأمر في حاجة لجمع بعض قوائم زعماء القبائل في المناطق الشرقية خارج مدى العمل الضخم الذي قام به ماك مايكل.
إن الأمثلة التى تم الاستشهاد بها فى هذا الكتاب تشير الى أنها أمثلة موثوق بها فى حالة مضاهاتها بمصادر خارجية، وهناك العديد من النقوش المنتشرة على شواهد القبور الاسلامية المبكرة والتى لاتزال مبعثرة فى الصحراء غير منسوخة وفى عرضة لخطر الدمار، وتكاد تلك القباب تكون هى الأثر الوحيد الباقى من آثار الفونج ذات الفائدة المعمارية، ولقد حاولت الحصول على صور فوتغرافية جيدة لواحدة منها، غير أنى فشلت فى مسعاى، بسبب إنعدام أىٍ من تلك الصور الفوتغرافية. الأمر الذى دفعنى الى أن التقط بنفسى صوراً لبعض منها.
كما أن الكتابة الاملائية للأسماء بطريقة صحيحة مضبوطة شكلت مصدراً للكثير من القلق إذ من المؤسف حقاً فى هذا الخصوص أن لا يوجد نظام مقنع يمكن اللجوء اليه. ومن هنا رأيت لزاماً علىَّ عند الاستشهاد بروايات الآخرين أوالتلخيص منها أن اعتمد كتابتهم الاملائية للأسماء حتى لايكون الأمر مربكاً لو أحدثت تغييرات غير متوقعة، أضف الى ذلك أنه ليس هناك نظام عام متفق عليه فى نقل حروف لغة ما الى حروف لغة أخرى، ومن هنا كان لا مفرً فى هذا الكتاب من إنتقاء نظام ثابت فى كتابة الأسماء إملائياً.
شكر
يدين هذا الكتاب بالفضل للكثير من المناقشات التى قامت مع باحثين هم أكثر معرفة منى فبفضلهم استطعت أن أتجنب ارتكاب العديد من الأخطاء الطفيفة، غير أنى وأنا أشكرهم على ما قدموه لى من فضل أود أن يكون مفهوماً أنهم غير مسئولين عن أى شىء فى هذا الكتاب إلا إذا ماتمت الاشارة الى ذلك تحديداً، فقد اتبعت سبيلى الخاص فى عمل هذا الكتاب سواء أكان ذلك للأحسن أم للأسوأ، ولا أريد أن يتحمل الآخرون وزر العواقب فى عملٍ قمت به، ولقد أعدت كتابة الفصل الخاص بأصل الفونج لمرة ثانية بفضل واحدة من تلك المناقشات التى قامت مع هؤلاء الباحثين, ولأن بعضاً منهم قد لايتفق معى فى بعض الاستنتاجات التى قدمتها فى هذا الكتاب رأيت من الأفضل تجاوز ذكر الأسماء والاكتفاء فقط بالتعبير عن عرفانى لهم جميعاً.
إن من أريد أن أتقدم لهم بالشكر أولاً هم أولئك الأوصياء على وديعة ولكام وهى وديعة أنشئت بناءً على وصية الراحل السيرهنرى ولكام، فلقد تحمل هؤلاء الأوصياء بسخاء تكلفة طباعة هذا الكتاب لكى يكون تكملة متجانسة مع قصة كانت قد بدأت بتنقيب آثارى لجبانةٍ من عصر الفونج فى أبوقيلى بالقرب من سنار فى عام 1914 خلال الموسم الأخير من عمل السير ولكام فى السودان.
كذلك أتوجه بشكرى وامتنانى للسيد فرانك أديسون الذى أسهم فى مجلد أبى قيلى برسم الخرائط من النماذج التحضيرية التى وضعتها بقلم الرصاص والتى بدونها لن يكون هذا الكتاب مفهوماً، وهناك فضل آخر قدمه السيد أديسون يتمثل فى استشارة ومساعدة قيمتين خلال المراحل الأخيرة من هذا العمل. وكذلك أود أن أعبّر عن شكرى للسيد أ.ج. آركل مدير الآثار والأنثروبولوجيا السابق فى السودان, وخلفه السيد بيتر شينى وذلك لمساعدتهما الدائمة ولمشورتهما المفيدة ولتمكينى من الحصول على معلومات عن بعض المسائل المحددة التى سوف يرد ذكرها فى الكتاب، والشكر بعد ذلك للآنسة روزالند موس بمعهد جريفيث [متحف الاشمونين باكسفورد] وذلك لمساعدتها الهائلة فيما يتصل بالوثائق المحفوظة بالمتحف وبخاصة تلك الوثائق المنشورة فى هذا الكتاب، والشكر كذلك للسيد و.ج.كروفوت لاعارات الكتب لى ولنصائحه القيّمة فى إتمام هذا الكتاب. والشكر أيضاً للسيد رالف بانكس لسماحه لى بنشر رسومات و.ج. بانكس وهى رسومات أغلبها من لينان دى بلفون، ومعارة حالياً لمعهد جريفيث، وتتمثل فى اللوحات 12 و13 ب، و16أ, و18، و22، و38 من هذا الكتاب. والشكر كذلك لمعهد جريفيث لسماح مماثل غطى إضافة اللوحات 5 أ، و13أ، و35، و36، و37 الى هذا الكتاب.
ثم ينبغى أن أقدم شكرى لحكومة السودان لسماحها بنشر الصورتين اللتين مثلتا اللوحتين 25 و26 فى هذا الكتاب، والشكر أيضاً للدوق نورثم برلاند لسماح آخر بنشر الرسم الذى فى اللوحة 30 مأخوذاً عن الأصل الذى لديه فى قلعة ألن ويك وأدين بمعرفتى لهذا الرسم لزيارة قمت بها للآنسة موس. إن اللوحة 27 التى تمثل سواكن عام 1540 مأخوذة عن نسخة مخطوطة وضعها دى كاسترو الذى سجل تفاصيل رحلة البحر الأحمر [انظر كاميفر 1936 :351 ] وهى موجودة الآن فى ملكية السيد سينلنيكوف الذى أود أن أقوم بشكره لسماحه لى بنشرها فى هذا الكتاب. وحرى بى أن أذكر هنا أن المتحف البريطانى يمتلك نسخة منها غير أنها تعرضت لتدمير جزئى، ومعرفة ذلك كله يعود الفضل فيه للسيد و.ج. لينام أمين الخرائط فى المتحف البريطانى وخلفه السيد سكيلتون ولذا فانى مدين بالشكر لهما. أما بقية اللوحات الموجودة فى هذا الكتاب فانها إما أخذت من مصادر منشورة أو أنها صور فوتغرافية قمت بالتقاطها أنا بنفسى.
ويطيب لى أن أذكر أنه بعد كتابة هذا الكتاب تم تمكينى بدعوة من حكومة السودان- والشكر لها مرة أخرى- من زيارة البلاد فى النصف الأول من عام 1950 حيث سافرت جنوباً مع النيل الأزرق حتى الروصيرص، ثم الى سواكن, ثم الى الفاشر وكتم منهياً جولتى برحلة على ظهر السفينة النيليَّة القديمة كربيكان من كريمة الى دنقلا ذهاباً وإياباً. ونتيجة للملاحظات التى دونتها خلال تلك الرحلات أدخلت جملة من الإضافات والتفصيلات على نص الكتاب المطبوع على الآلة الكاتبة ، ويسرنى أن أتوجه بالشكر الجزيل لكل أولئك الذين تشرفت بكرم إضافتهم لى، وبخاصة فى دارفور والمديرية الشمالية، وينبغى كذلك أن أتوجه بشكرى الوافر للسيد بيتر شينى لقيامه بتنظيم رحلة لى بالسيارة، والى السيدة قرينته لقيامها بتوفير بيت لى فى منزلهما العامر بالخرطوم.
وأخيراً يدين هذا الكتاب بالكثير من الفضل للآنسة م.ى. اتكن لعنايتها وصبرها فى طباعة مجمل هذا الكتاب من مخطوطة يدوية لا بدَّ أن مواضع منها قد شكلت صعوبة بالغة فى القراءة .
و.ج. كراوفورد
نيرسلنج / هامبشير ، مارس 1951
حاشية
فى الوقت الذى كان فيه هذا الكتاب على وشك الطباعة وصل الىَّ المجلد الثانى من اثيوبيا فرانسيسكانا غير أن وصوله المتأخر حال دون استخدامه فى هذا الكتاب، ويبدو أن هذا الكتاب مع أنه قد صدر فى سنة 1948 لم يكن معروفاً فى بريطانيا، وكنت قد قمت قبل فترة قصيرة بتحريات عن صدوره لكن التوفيق لم يحالفنى.
إن جل الوثائق المنشورة فى هذا المجلد تشتمل على القليل مما له صلة بكتابى هذا وكان من الممكن أن أقوم ببعض التعديلات الطفيفة لو تم وقوفى عليه قبل طباعة كتابى، واستثنى من ذلك التاريخ الذى فى الملحقين 5 و7. وربما كان من المفيد أن أذكر أن المجلد الثانى لاثيوبيا فرانسيسكانا حققه الدكتور جيوفاتى ماريا مونتانو وطبع فى كلية القديس بونا فنتورا كواراشى.
الأول من يوليو 1951
المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│لوحة العدد│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة