أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
كوش الجديدة

اا

الفصل الرابع

الوعي بالذات والوعي بالموت

.ليست هنالك إفادة عن الخاصة المميزة لطبيعة الحياة الإنسانية أكثر بلاغة ودقة في الوقت نفسه من تعبير دستويفسكى : "الإنسان بحاجة إلي الذي يتعذر فهمه ولا يسبر غوره وإلي اللانهائي بقدر حاجته إلي الكوكب الصغير الذي يعيش فيه " . ويقدم قاردنر مورفي  Gardner Murphy (1958) صياغة أقرب إلي البيولوجيا وإن كانت سلبية : "يتملك الجهاز العصبي الإنساني  توقاً وأشواقاً عميقة غريبة لأشياء ليست لحماً ولا شراباً ، لا تشبع الحاجة للأوكسجين ولا  الجنس ، وهي ليست حاجات مادية وليست من المتطلبات البينة لبدن الإنسان". ما هو "غريب" حول هذه الاحتياجات هو أصلها في التطور البيولوجي . فنحن نعرف أن التطور منفعي ؛ التغيرات التطورية تجيء استجابة لتحديات البيئة ، ويوظفها الاصطفاء الطبيعي لصالح استمرارية النوع الذي تتواجد فيه . وتعمل التغيرات التي يتم اصطفاؤها  للمحافظة على تكيف الكائن ولترقية تكيفه لبيئاته ، أي لزيادة قدرته على البقاء والتوالد في تلك البيئات . لكن لا يبدو أن هذا التوق "للمطلق والذي يتعذر فهمه ولا يسبر غوره " يؤدى إلي ترقية التكيف ؛ انه يحد في واقع الأمر من فرص بقاء حامليه، خصوصا أولئك الذين يكون التعبير عنه لديهم أشد . ومع ذلك فمن المؤكد أن كمون هذه الشهوات منغرس بيولوجياً ووراثياً في الطبيعة الإنسانية. الدليل على ذلك أن هذه الشهوات توجد فقط في الإنسان ؛ ولا يستطيع أذكى الحيوانات أن يتخيل المطلق وهو بالتالي لا يستطيع أن يتوق إليه .

.لقد أشرنا من قبل إلي أن خصالاً غير مفيدة وربما ضارة يمكن أن تترسخ تطورياً لو كانت جزءاً من أجهزة عضوية مفيدة تكيفياً في كليتها . يصعب أن يتصور المرء مثلا  شيئاً منافياً للطبيعة البيولوجية من مخاطر المخاض وآلامه  لدى الإنسان . لكن هذه الخصال غير التكيفية الفظيعة  تشكل جزءا من المركب الذي يشمل أيضا خصالاً مثل القامة المنتصبة ، والأدمغة والرؤوس الكبيرة والطفولة الطويلة التي يكتسب الأطفال خلالها التراث الثقافي للمجموعات التي ينتمون إليها ، والتنظيم الأسرى الخ ( انظر ص 33-34) . يدعو هذا التعقيد إلي الحذر في محاولة الوصول إلي تفسيرات تطورية . إن افتراض وجود قيمة بيولوجية تكيفية لكل خصلة بمفردها وبمعزل عن بقية أجزاء النسق الحي مفهوم خاطئ . علينا أن نتذكر أن الذي يحيا أو يموت ، يتوالد أو تنقطع ذريته هو الفرد الحي ، لا  الأجزاء المنفصلة من الجسم ولا الجينات المنعزلة . يمكن بالطبع أن يقرر أداء جهاز  أو  وظيفة بعينها مصير الفرد في ظروف معينة . غير أن القيمة التكيفية و الصلاحية الداروينية لطائفة من الأفراد يقررها توازن المزايا والمثالب ، القوة والضعف ،القدرة والعجز .

.لا يسع الأخصائي في علم الأحياء إلا أن يدهش للاهتمام الذي ناله علم النفس وللنتائج البائسة التي أحرزها هذا العلم في مجال دراسة فوارق القدرات العقلية بين الإنسان والحيوان وفهمها . وبالتأكيد لم يكن ذلك لقصور النقص في الكلمات التي استخدمت لوصف خصال الإنسان المتفردة . إذ يقال أن الإنسان كائن يتميز بالعيش بالمنطق عوضا عن الغريزة ؛ الإنسان مدرك لنفسه واع بذاته ؛ له عقل ؛ له ذات (ايقو) وضمير( سيوبر ايقو)؛  قادر على التبصر والتجريد وتأليف الرموز والتفكير الرمزي واستخدام اللغة الرمزية . لكن التيار السائد في علم النفس الأكاديمي ، الذي كان يتشكل في الولايات المتحدة  من أنصار المذهب السلوكي لوقت قريب، يرفض هذه الكلمات والمفاهيم التي تستند إليها . تلك الكلمات محكوم عليها بأن تكون  مبهمة بأكثر مما يلزم وغير دقيقة وغير مجدية كمفاهيم إجرائية  للبحث في علم النفس . و ببساطة تغفل الكثير من كتب علم النفس التي صدرت مؤخرا  ذكر هذه الكلمات الزلقة . لكن مهما يكن الأمر فان التظاهر بعدم وجود مشكلة فيما  يتعلق بالفارق بين العقل الإنساني وبداءات العقل الموجودة في الحيوانات لا يقربنا من الوصول لحل المشكلة . وحينما يتخلى أولئك الذين يلحون على الاقتصار على استخدام أشد المناهج الآلية دقة في العلم ، ذلك الذي يلقب أحيانا بالعلم "الصارم "، عن معالجة المشكلة ، فإن مهمة حلها  يقع غيابيا على أنصار العلم "الرخو" .

." يؤكد ثورب (1965) أن الأيثولوجى ، علم دراسة سلوك الحيوان المقارن ،يقدم  أدلة مقنعة لا يتسع المجال لسردها هنا  على أن شيئاً كالعقل الواعي لا بد وأن يكون قد ظهر عدة مرات في التاريخ التطوري للمملكة الحيوانية ". لكن ما هو هذا العقل الواعي ، وما هي أوجه اختلاف العقل الإنساني الواعي عما يعتقد ثورب ، وهو أحد أبرز الأيثولوجيين (علماء السلوك)  الأحياء ، أنه ظهر مرارا في التاريخ التطوري ؟ اقتبسنا من قبل ما ارتآه شرينجتون بأن العقل "يفلت من الكيمياء والفيزياء " وأن " العلم الطبيعي ينكر العقل شيئا خارجا عن مدى رؤيته ".  ينبغي ألا تؤخذ هذه الإفادات بحسبانها إنكارا لحقيقة العقل الذي يعرف شرينجتون أنه لا مفر منه . "أنا أشك إذن أنا موجود " حقيقة استحال الشك فيها حتى على ديكارت . ما قاله شرينجتون هو ببساطة أننا نتخبر العقل لكن لا نلاحظه ولذلك فان معرفتنا به تجيء عن طريق التخبر لا الملاحظة . وقد طرح فسيولوجي آخر هو هريك  Herrick (1956) الفكرة نفسها بوضوح أكثر . أنه يساوى "العقل" ب "الوعي" . لا يمكن اختزال الوعي إلي كيمياء ،" أو وصفه وصفاً علمياً وافياً بتفسير تام للآلية التي يستخدمها " . الوعي هو الوعي بالذات " ولا يستطيع أن يدركه إلا ذات الشخص المعني الذي لا يقدر على تمييزه إلا بالإستبطان " . وهو مع ذلك ليس طرزا من القوى الحيوية ؛ وإنما هو ظاهرة تتعلق بالكائن الحي :

          الجسد يصنع العقل ، لكن العقل ليس ناتجا يصنعة الجسد كما تصنع المعدة العصارة المعدية . انه

           الجسد فاعلا ، نمط عمل مميز لجهاز جسماني من نوع خاص ، تماماً كما يعتبر المشي نمطاً لعمل

            جهاز جسماني من نوع مختلف .

وقد كان بنفيلد  Penfield وروبرتس  Roberts ، أخصائيا فسيولوجيا  للدماغ وجراحته ، أكثر تحديدا (1959):

           إن تقديم تعريف وافي للعقل صعب اليوم  تماما كما في أي وقت مضى . الوعي هو إدراك ،

            تفكير ، تركيز انتباه ، تخطيط فعل ، تفسير تجربة حاضرة ، إدراك حسي . هذه الكلمات وصفية ، لكنها     

            بالكاد تشكل تعريفا مقنعا  .

.أما عالم فسيولوجيا الأعصاب البارز السير جون اكلز   John Eccles(1965)  فقد أثار سؤالا شائكا في محاضرته بمناسبة ذكرى أ . س.ادنجتون . كانت نقطة بدء المحاضرة " أننا نعتبره أمرا مؤكدا أن ذاتي الواعية تعتمد اعتماداً متفرداً على دماغي أنا لا على أدمغة أخرى ... ينشأ هنا سؤالان : ما هي طبيعة هذه الذات المتخبرة  تخبراً واعياً ؟ وكيف صارت منتسبة لدماغ معين بهذه الطريقة المتفردة ؟ " إن تفرد الذات هذا لا يمكن أن يستمد كلياً من الطاقم الوراثي للفرد ، لأن كلاً من التوائم المتطابقة المتشاركة في الطواقم الوراثية الابتدائية يتخبر ذاته الواعية بصورة متميزة عن توأمه . من الناحية الأخرى فمع أن التأثيرات البيئية  والتجارب الشخصية لحياة بكاملها قد تحور الخصائص المميزة للفرد ، ألا إنها لا تحول دون تواصل ذاكرته واستمراريتها حتى بدايات يقظتها عند الطفولة .

.يقتبس السير جون اكلز باستحسان بعد ذلك التأمل القديم الذي قال به ح.س.جننقز السابق باحتمال وجود عدد محدود من الذوات المتربصة للالتصاق ب "قوام" خليتين جنسيتين متحدتين ، ويخلص إلي "إننا نصل إلي المفهوم الديني للروح التي خلقها الله خلقاً خاصاً ". لكن يبدو لي من ذلك إننا نستطيع أن نرى أساساً لفعل إلهي في تكوين الذات الإنسانية كما في أي حدث طبيعي آخر . إن التنوع الراهن للذوات جزء متناهي الصغر من الذوات المحتملة ، لأن عدد الناس الذين عاشوا أو يحتمل أن يعيشوا في هذا الكون جزء صغير  متناهي في صغره إذا ما قورن بقدرة التكاثر الجنسي على توليد أنماط جديدة من الطواقم الجينية المتفردة.  كما وأنه  واضح أيضاً أن أي إنسان آخر سيشعر ، بغض النظر عن جيناته ،  أنه مختلف عنى حتى لو كان ممكنا تصور حدوث تطابق تام في تجربتنا الحياتية . ذلك لأن الاتصال الذي لا انقطاع فيه لتجاربي ، الذي أتذكره منها والذي أكون نسيته,  المستمد من ظروف حياتي ، المتكيف بطاقمي الوراثي ، هو الذي يجعل منى شخصا متفردا لا يتكرر ، متميزا عن أي شخص آخر موجود الآن أو عاش في الماضي أو يحتمل أن يوجد في المستقبل .

.لم يعط الكتاب ذوو المنحى التحليلي- النفسي  إلا اهتماماً قليلًا للأصل التطوري للنفس البشرية ، وان كانت هنالك استثناءات مميزة . يستمد فرويد العضو الأول من الثلاثي  الكلاسيكي ألهذا-الأنا-الأنا العليا من الدوافع الملحة لطبيعة الإنسان الحيوانية المحددة بيولوجياً ، بينما يعتبر العضوان التاليان من أصل إنساني متميز . وبصيغة فرويد البليغة  "يحل الأنا حيث كان الهو" . ويقدم مناكر ومناكر (1965) رؤية بيولوجية أشد تماسكاً :"كان محتماً حينما تطور الوعي باعتباره التعبير الأرقى لتطور التحكم العصبي أن تطورت معه قاعدته التوحيدية. فلم يكن ممكنا للإنسان أن يتخبر الوعي والإدراك دون أن تتطور لدية طريقة لتنظيم وتوحيد وتنسيق " الإدراكات المختلفة" ، وإلا أصبح في حالة من الفوضى النفسية. هذا المنظم هو الأنا ،  الذي هو "القدرة النفسية التي تنظم الوعي وتقوم بتوحيده وتهيئ الشخص بدنيا وعقليا للأداء الوظيفي ، وتجعل التفكير والسلوك التكيفي ممكنا".

.يؤكد الوجوديون أن الإنسان والإنسان وحده هو الذي "يوجد" حقا . هذا "الوجود" هو الذي يميز الإنسان عن سائر أشكال الحياة الأخرى . وربما أن  الوجوديين ساروا علي الطريق الصحيح بغية تعريف التفرد البيولوجي النفسي الأساسي للإنسان  . لكن يصعب البرهان الصارم علي وجود بعض عناصر الإدراك أو غيابها  في الحيوانات الأخرى لأن الإنسان يتخبر علي وجه  الدقة وعيه و إدراكه الذاتي فقط (انظر ص26-27). لكن صياغة فروم (1964) ، علي ما فيها من نقص ، هي الأشد  إقناعا للمتخصص البيولوجي وبكلماته :

            يمتلك الإنسان ذكاء مثل الحيوانات الأخرى ، يتيح له استخدام العمليات العقلية بطريقة تمكنه من           

            تحقيق أهداف عملية مباشرة؛ لكنه يمتلك   إضافة لذلك خاصة  عقلية أخري يفقدها الحيوان .

             إنه   مدرك لذاته، واع بتاريخه وبمستقبلة الذي هو الموت ؛ أنة عليم بضآلته   وبعجزه؛ وهو يدرك

              الآخرين كآخرين -كأصدقاء أو أعداء أو غرباء . يتجاوز الإنسان كل الحياة الأخرى لأنه حياة

               تدرك ذاتها للمرة  الأولى في تاريخها . الإنسان كائن في الطبيعة يخضع لاملاءاتها وصد فها , لكنة

               يتجاوزها لأنه  يفقد تلك الغفلة التي يكون الحيوان بسببها جزءا مندمجا في الطبيعة-واحدا منها .

آذن فالوعي بالذات هو أحد أهم خصائص النوع الإنساني الجوهرية، وربما كان أهمها . وهو إبداع تطوري ؛  فلم يكن النوع البيولوجي الذي انحدر منة الإنسان يملك سوي بدايات الوعي بالذات ، أو ربما كان يفقدها تماما . وقد جلب الوعي بالذات في قافلته رفقة كئيبة-الخوف والقلق والوعي بالموت . وقد صاغ مناكر ومناكر (1965) ذلك كالتالي :

                 كان القلق-أو فلنقل الخوف -  في العالم الحيواني الذي جئنا منه يخدم وظيفة البقاء علي

                  قيد الحياة ، وهو يمثل إنذارا بالخطر المحدق الذي يتم التفاعل معه بكامل معدات البقاء

                   الأتوماتية الغريزية المتوفرة للفرد. يطرح التطور الإنساني مسألة جديدة هنا ، وان كانت

                    مدفوعة   بالحاجة نفسها للبقاء . إذ من الواضح أنه لا بد لهذا الإنجاز التطوري العظيم ،

                    الإدراك ، من أن  يضيف بعدا خاصا للخوف .

.ان الإنسان مثقل بالوعي بالموت . فقد انبثق كائن يعرف أنة سيموت من أسلاف لم يعرفوا ذلك .

وإن  الرؤية من منظور تطوري تدل  علي أن الوعي بالذات أولي والوعي بالموت ثانوي ؛ الوعي بالموت هو الثمرة المرة لصعود الإنسان إلي مراقي الوعي ولتطور الأنا الفاعل فيه. لقد تنامي الوعي بالذات تكيفا ضروري الجانب ؛ أما الوعي بالموت فلا يبدو  أن الجانب التكيفي بين فيه بل أنه ربما كأن ضارا من الوجهة البيولوجية. لكن ظهورهما يدعم وجهة نظر المؤرخ اريك كاهلر  Erick Kahler (1964) الذي كتب :

                  لا يغيب عن بالنا إذا ما ألقينا نظرة عامة على مجرى التاريخ ، والتطور حقيقة  أن نلاحظ التوسع

                   التدريجي للمجال الوجودي ، ولبعض الإحداث التي تشكل فواصل ، أو نقاط تحول برغم

                    امتدادها لفترات طويلة، لأن محور وجودها ينتقل من مستوي إلي آخر ، من مستوي أدنى

                    محدود المدى إلي مستوي أعلي رحب المدى . وقد كأن الانتقال التطوري من مستوي                    

                    الوجود الحيواني إلي الوجود الإنساني أحد هذه الفواصل.

وتكمن الأهمية التطورية التكيفية للوعي بالذات في الدور الذي يقوم به في تنظيم وتوحيد قدرات الإنسان البدنية والعقلية التي يقوم عن طريقها بالتحكم في بيئته. وكما كتب هالويل (1961)

 " كان أهم ما حدث في البعد النفسي لتطور عائلة الإنسان  تنامي بنية الشخصية الإنسانية التي صار للوعي بالذات المستند إلى  الأنا (الإيقو) ، أهمية محورية بها . و كما أشار رو (1963) فأن هذه البنية تشكل مركبا يضم التفكير الرمزي ، والاتصال ، واللغة الرمزية، والذكاء ، والتفكير المنطقي ؛ كما يضم بطريقة غير مباشرة استخدام  الآلات وصنعها ، والثقافة(رو1963) .

          .إن  الوعي بالموت ملازم للوعي بالذات ، لكن بينما تخضع المعرفة في أخر المطاف  للاستبطان والملاحظة  الخارجية فان الأول يقود لأشكال من السلوك تسهل ملاحظة نتائجها . أحد أشكال هذا السلوك دفن الموتى . إن النمل والنحل والحشرات الاجتماعية الأخرى تثابر علي إزالة الموتى من بين أعضاء المستعمرة  وبقايا الطعام والشرانق الفارغة وغير تلك البقايا من أعشاشها . لكن هذا السلوك يعد جزءا من تنظيف الأعشاش ، وهو اجراء صحي غريزي يختلف عن الدفن تماما . وأن مزاعم وجود "مدافن" يأوي إليها الضعفاء والطاعنون في السن من تلك الحشرات مشكوك فيه، وهو علي أية حال لا علاقة له  بالممارسة الطقوسية لدفن  البشر للموتى من بني جنسهم .

.وهنالك أدلة قاطعة علي أن أفراد نوع الإنسان القديم نياندرثال كانوا يدفنون موتاهم . وفقا لهوكس و ولي (1963) فان وادي المغارة في فلسطين هو أقدم المدافن . وقد وجدت في هذا المدفن بضعة جثث مسجاة في قبور محفورة في قاع الكهف وضعت إلي جانبها قرابين من الطعام وأسلحة. كما وجدت جثة ليافع من نياندرثال أيضا في قبر محفوف بالألواح في تشيك-تاش بتركستان ، وضعت حول رأسه قرون لستة أغنام جبلية.  كذلك اكتشفت بضعة قبور نياندرثالية في أوربا  توحي حالة بعضها إيحاء قويا بالدفن "الطقوسى" . وقد سجيت تلك الجثث في حالة أشبه بالنوم ودهنت بالمغرة الحديدية الحمراء ، ووضعت إلي جانبها آلات حجرية  وبقايا طعام . ويعتقد أن المغرة الحمراء استخدمت وهما يعطي انطباعا باحتفاظ الجسد بالدم  واهب الحياة .

.أما بقايا إنسان بكين الذي ينتمي إلي نوع الإنسان المنتصب القامة(هومو اركتس) الذي انحدر منه  نوعنا  الإنسان العاقل (هومو سابينز) فيبدو أنها تحكي قصة لا للمدافن وإنما لولائم أكلة لحوم البشر . فقد وجدت سلسلة من الجماجم المفصولة عن أجسادها  في كهف شوكوتين وقد هشمت قواعدها بطريقة توحي بتسهيل استخراج الدماغ . وقد لا يوحي هذا بأكثر من وجود مذاق قاسترونومي "رفيع" . لكن من الناحية الأخرى فقد مارست بعض القبائل عمليات مماثلة في الأزمنة التاريخية بغرض السحر وتقديم القرابين . وقد ساد اعتقاد بأن الذي يأكل جسد المحارب ، خاصة دماغه يكتسب قوته وبسالته وقدرته علي الاحتمال .

.أما مدافن العصور الحجرية القديم والوسيط والحديث فهي تتواجد علي نحو متزايد . ومن الواضح أن الاهتمام بشأن الموتى قد شاع في فجر الإنسانية. انه أحد العموميات الثقافية لدي البشر  . وهنالك تنوع شديد في التعبير عن هذا الاهتمام في الثقافات المختلفة،  يتراوح من الخوف والرهبة تجاه أرواح الموتى إلي نشدان العون والحماية باستحضار تلك الأرواح . فقد يتم دفن الجثث  في أرضية المساكن التي يأوي إليها أقارب الموتى، أو تدفن في مقابر خاصة علي بعد من المساكن ، أو توضع في كهوف طبيعية أو أضرحة خاصة. وقد يحرق الجثمان وتحفظ البقايا في أوعية خاصة أو تدفن أو تذري للرياح أو تلقي في الماء . وقد تضمخ الجثث وتحنط وتتم المحافظة علي مظهرها الخارجي باهتمام بالغ أو يلقي بها عمدا للحيوانات المفترسة والنسور  الجارحة. ليست هنالك حاجة لاستعراض ذلك التنوع الهائل في الأعراف والطقوس والمواقف التي سجلها علماء الإنسان في مختلف بقاع العالم . الحقيقة الرئيسة هي أن جميع الناس في كل مكان  يهتمون بموتاهم بطريقة أو أخري ، بينما لا يفعل أي حيوان شيئا من هذا القبيل . إن الأرضة وبعض الحيوانات الأخرى تأكل جيف موتاها ، لكن ذلك أقرب آلي الإجراء الصحي منه إلي الدفن . وتحمل إناث القرود والنسانيس جثث صغارها وأحيانا جيفهم المتحللة لبضعة أيام ، بينما يبحث جرحاهم ومرضاهم عن مخابئ تحميهم من الحيوانات المفترسة، و يلوذون بها حتى الشفاء أو الموت . وهنالك نوادر تحكي عن الأفيال والحيوانات الأخرى التي تحاول أن تعين الافراد الضعفاء من مجموعاتهم ، لكنهم بالتأكيد لا يدفنون موتاهم (ثورب1965) .

.ان عمومية خصلة ثقافية لا يبرهن علي وجود وحدة وراثية   خاصة بها في الطاقم الوراثي الإنساني أو أنها تعزي لغريزة خاصة أو لدافع فطري . وقد افترض البعض (مثلا وسلر) أن هنالك نوعان  متميزان من الخصال الثقافية: الخصوصيات الثقافية التي يتم اكتسابها بالتعلم والعموميات الثقافية الفطرية. لكن هذا الافتراض لا يجد تعاطفا شديدا عند علماء الإنسان ، كما لا يلقي هذا التشعب الثنائي قبولا بيولوجيا . ويصعب تماما تصور استناد القدرات الثقافية الإنسانية علي آلية آحادية بسيطة وفجة كوجود جين واحدة مقابل كل خصلة أو  قدرة ثقافية. أن العلاقات بين البيولوجيا والثقافة أكثر التباسا وحذقا لكنها مع ذلك حقيقية. لقد صار نشوء الثقافة ممكنا بفضل الجينات ، وهي أساسية للمحافظة عليها ولتطورها . لكن الجينات لا تحدد ماهية الثقافة التي تنشأ ومكان تناميها  وزمانه وكيفيته. يشابه ذلك الوضع علاقة الجينات باللغة والكلام - الجينات تجعل اللغة والكلام ممكنا ، لكنها لا تقضي بما يقال .

.ان الكائن الذي يعرف أنه سيموت هو  وحده الذي يمكن أن يهتم اهتماما حقيقيا بموت الآخرين . ولا يفسد تبصر جون دون العميق في قوله "موت أي إنسان يجعلني أتلاشي لأنني متشابك في الإنسانية" انه تحول إلي أكليشيه مبتذل . فقد أدرك  جون دون أنه متشابك في الإنسانية أساسا بسبب وعيه بالموت . وقد سجل علماء الإنسان تنوعا فريدا في العادات والمواقف المتعلقة بالموت وبعواقبه لدي الشعوب المختلفة.  وقد استندت كل تلك الأعراف والعادات علي الحقيقة الأساسية للوعي بالموت التي هي حقا إحدى العموميات والخصائص الأساسية المميزة للبشر نوعا بيولوجيا .

.لا يقصد من هذا الإيحاء بأن الوعي بالموت أولي لا يقبل الاختزال أو أنه كينونة وراثية أو سيكولوجية متكاملة. إنه أقرب لأن يكون ، كما أسلفنا ، ثمرة الوعي بالذات و حالة ضرورية ملازمة له. القول بأن الوعي بالذات والوعي بالموت مكيفان وراثيا لا يوحي بأنهما خصلتان وراثيتان بسيطتان . ليس هنالك شئ اسمه جين للوعي بالذات أو للوعي أو  الأنا (ايقو) أو للعقل . هذه القدرات الإنسانية   الأساسية مستمدة من الهبة الوراثية بكاملها ، لا من نوع معين من الجينات الخاصة. أنها تنشأ خلال تنامي الفرد بحسبانه جزءا من نظام الضبط السبراني والتغذية   الراجعة  الذي يقود إلي النضج الجسدي والعقلي للإنسان . وأن السمات الثقافية والسلوكية التي يدرسها علماء النفس والإنسان تبعد بدرجات عن الجينات التي تشغل اهتمام المختصين في علمي الأحياء والكيمياءالحيوية  . وتقع دراسة طبيعة  هذه السمات الثقافية والسلوكية وأصلها في مجال الاهتمام المشروع والمشترك للبيولوجيين التطوريين ولعلماء الإنسان والنفس والإنسانيات والمؤرخين والفلاسفة، سواء بسواء . ينبغي لهذه المداخل أن تكون متكاملة لا متنافسة.

.يفرض سؤال بيولوجي نفسه وتلزم معالجته هنا . قلنا أن الوعي بالذات ، وكذلك الوعي بالموت الذي هو من ثماره ، مكيفان وراثيا . لو أن الامر كذلك فهل يمكن أن تكون نشأتهما وتناميهما عملية بيولوجية خضعت لفعل الاصطفاء الطبيعي  بحسبانها عناصر مساعدة لما يسمي بغريزة حفظ الذات ؟ علي وجه الخصوص , هل يمكن أن يكون اكتساب الوعي بحتمية الموت حدثا مستقلا ومفيدا بالمعني البيولوجي ؟  أري أن الإجابة علي هذا السؤال الأخير ينبغي أن تكون سلبا . يكون الوعي بالموت مواتيا لو أنة يمد الأب بالحافز لتوفير متطلبات الحفاظ علي نسله وبقائه توقيا لوفاته. لكن هذا يفترض قدرا من السعة العقلية و يتعذر تصور التنامي الثقافي خارج إطار ما يقارب العقلية الإنسانية كما هي موجودة الآن . ربما كان الوعي بالذات سابقا للوعي بالموت وشرطا لازما لتحققه. وما من شك بالطبع في أن إدراك  خطورة بعض الأشياء علي الحياة وتمييزها كان مهما للغاية منذ المراحل الأولى لبدايات الصعود البيولوجي والثقافي للإنسان.  لقد كان الصائد الماهر يوفر الرزق لنفسه ولنسله في الوقت الذي يفقد فيه الأخرق أو الغبي حياته ويدع نسله يموت جوعا . لكن ماذا كان يمكن أن تكون فائدة أن يعلم الصائد البدائي أنة أن عاجلا أو آجلا سيموت، بغض النظر عن مدي مهارته وشجاعته وبسالته؟

.هنالك ارتباك شديد حول ما تعنيه" غريزة حفظ الذات" بالضبط . ينبغي أن لا نتصور أن الكائن "يعرف" ما يلزم أن يفعله ليبقي علي قيد الحياة عن طريق إدراك غريب أو خارق للطبيعة. صحيح تماما أن كل الكائنات،  من الأدنى إلي الأعلى ، تتفاعل مع المؤثرات التي تتوفر عادة في بيئاتها المعتادة بأساليب تتوخى تحقيق الاحتمال الأقصى لبقائها . الكلمات المفتاحية في الجملة السابقة هي "تتوفر عادة" و "بيئاتها المعتادة" . ان ما وصفة العالم الفسيولوجي العظيم كانون ب "حكمة البدن" يمدنا ببعض الفصول الآسرة في البيولوجيا ، لكن البدن حكيم أساسا في الظروف التي سبق أن تعرض لها النوع البيولوجي. وإذا ما وضع أفراد النوع في بيئات جديدة تماما فانهم يفقدون حكمتهم ، وغالبا ما يتبلدون بصورة مذهلة. فأبداننا -فيما عدا المهق منا-  تتفاعل مع ضوء الشمس باسمرار  البشرة الواقي ، لكنها تصاب بالمرض الإشعاعي عند التعرض للأشعة السينية أو الذرية. ذلك لأن أسلافنا تعرضوا كثيرا لأخطار ضربة الشمس ، لكنهم لم يتعرضوا لأخطار الإشعاعات ذات الطاقة  العالية. باختصار ليست هنالك غريزة لحفظ الذات ، لو أننا نعني بمثل هذه "الغريزة" القدرة علي التفاعل مع كل المؤثرات البيئية بالطريقة التي تحافظ دائما علي حياة الفرد . بدلا عن ذلك هنالك استجابات متنوعة، ومعظم التي حدثت منها مرارا في البيئات الاعتيادية للنوع صارت تكيفية .    وقد تأسست وانتظمت الحصيلة التكيفية لهذه الاستجابات بفعل الاصطفاء الطبيعي خلال الصيرورة التطورية.

·       لقد اعتقد فرويد في سنواته الأخيرة أن للإنسان غريزة أو دافع للموت إضافة لغريزة البقاء . قد يعطي تشعيب فرويد للوجدان والعقل ، الموت والحياة ، البقاء والفناء ، وصفا مجازيا رفيعا لبعض جوانب النفس الإنسانية. لكن هذا الوصف لا يستقيم إذا قصد منه أن يكون نظرية بيولوجية . صحيح أن تنامي الفرد ينتهي في معظم الكائنات الحية بالوهن والهرم والعجز ثم الموت . فقط بعض أبسط أشكال الحياة وحيدة الخلية،  تلك التي تتوالد بالانقسام البسيط لخلاياها  إلي فردين أو أكثر ، يمكن أن توصف بقابلية الخلود . غير أن التـأسيس التطوري للدافعية لتحطيم الذات وللموت يبدو بعيد الاحتمال . يمكن تصور تحقق هذا الوضع فقط لو صار بقاء الإفراد الذين أكملوا دورة التوالد ورعاية النسل عبئا علي الجزء النشط تناسليا من العشيرة. فلو صار الإفراد الذين انتهي دورهم التناسلي يستهلكون الطعام بطريقة تؤدي لتجويع الصغار أو إعاقتهم أو اعتراض سبيلهم بطريقة أو أخرى ، فقد يواتي الاصطفاء الطبيعي القبائل أو العشائر الصغيرة التي يعقب الموت فيها التوقف عن التوالد بزمن وجيز . إلا أنه من غير  المحتمل تماما انطباق هذا الوضع علي الإنسان ، خصوصا عند بدء اكتسابه للثقافة. لقد كان الكبار  هم مستودع المعلومات والحكمة، إضافة لدورهم في رعاية الأطفال .

·        ان افتراض سيطرة هاجس الموت علي أفكار كل الناس طول الوقت خاطئ بالتأكيد . فالاختلافات وظلال الاختلافات هنا لا حصر لها . من ناحية فان عدم الاكتراث والقبول العقلاني البارد بالمحتوم غالبا ما يتظاهر به الذين لا يشعرون حقيقة بذلك الشعور في دخيلتهم . غير أن  الانشغال المستمر والقلق أعراض مرضية. من الطبيعي أن يكون المتقدمون في السن في المتوسط أكثر انشغالا  ووعيا بالموت من الصغار ،  والمرضي أكثر من الأصحاء ، والذين لديهم الفراغ الكافي للتأمل وإطالة التفكير أكثر من المنهمكين في النشاط العملي .  يستعرض الوجيزان اللذان كتبهما شورون Choron (1963و1964) ويلخصان  باقتدار تعدد المواقف والأفكار والتأملات الفلسفية عن الموت . فالوعي بحتمية الموت ينشأ  لدي الأطفال،  علي الأقل في الثقافة الغربية ببطء ، ابتداء من حوالي سن السادسة لكنه لا يرسخ إلا في الثامنة أو التاسعة وربما بعد تلك السن .

·        وقد تشكك بعض دارسي الشعوب البدائية في عمومية الوعي بالموت لدي بعض الهمجيين . وقد كتب رادين (1957) معلقا في دراسته المتميزة عن الإنسان البدائي فيلسوفا عن تلك الشكوك :

             لقد تكرر الزعم مؤخرا بأن كل الناس البدائيين يفترضون أن الموت لا يكون طبيعيا أبدا

             وأن  التحزر الوحيد الذي ينغمسون فيه هو اكتشاف من تسبب في الموت . هذان الزعمان

              خاطئان تماما . فكثيرا ما يتردد ذكر حتمية الموت ونفاذ القدر في أغانيهم وأمثلتهم ، أحيانا

              بتسليم باسل ، وأحيانا بشكوى مريرة، وأحيانا أخري بحزن وأسي . ..إن فكرة حتمية الموت

              تتخلل عمليا مثل كل القبائل وشعر ها .

·       كثيرا ما صور الموت في ثقافتنا هيكلا أو رجلا عجوزا مسلحا بمنجل ، لكن لا يتبع ذلك أن وصول هذا المنجل آخر الامر  يعتبر طبيعيا وحتميا . إن كلمة "طبيعي هي التي تغير معناها . ان الوعي بالموت عام ، كما أشرنا سابقا ،  وقد كان معروفا في عهد الإنسان النياندرثالي . أما إن كان عاما في ذلك الوقت أم لا فمسألة فيها نظر .

       .تنبثق من الاعتبارات الوارد ذكرها صورة ذات مغزى للتطور النفسي الإنساني . لقد ترسخ الوعي بالموت خصلة نوعية للإنسان . غير أن هذه الخصلة لم تكن وربما ليست الآن تكيفية. انها جزء مكمل لمركب القدرات الإنسانية التي محورها الوعي بالذات ، والقدرة علي التفكير التجريدي ، وتأليف الرموز واستخدام اللغة. ان الفعالية التكيفية لهذا المركب لا يتطرق إليها الشك. فقد جعل هذا المركب التحكم في البيئة عن طريق التغيير الثقافي الأسرع وتيرة من تغيير  الجينات الموروثة ممكنا . النتائج الأخرى لهذا المركب لا تقل في أهميتها ، وان كانت أقل وضوحا . لقد ذاق الإنسان الفاكهة المحرمة حينما صار واعيا بحتمية الموت . هذا الوعي هو أهم مصادر الهم الشاغل ، ان لم يكن أهمها .

.الإنسان هو الوجود الذي تطور ليكون واعيا بذاته. انه يعرفه  حدثا عابر ا في مسرح الطبيعة. وهو يشعر ببعض القلق إزاء الموت ، وان كانت حدة هذا القلق تختلف من شخص لآخر . أنة يسأل ان لم تكن حياته فردا وحياة الناس الآخرين القريبين والبعيدين ، بكلمات هوايتهيد  " أنفاس التفاهة العابرة".  يختلف الإلحاح الذي يلازم توجيه هذا السؤال اختلافا كبيرا من شخص آلي آخر ، لكن ربما لا يوجد أحد متحرر تماما من الاندهاش أمام هذا اللغز الخالد سوي من هم تحت خط البلاهة. وقد اعتقد تيليش (1963) أن لكل إنسان " وعي مباشر بأنه محدود وأنه يتجاوز محدوديته تماما بهذا الوعي " .

.لا أريد أن يفهم عني أنني أساوى مخاوف الموت وهواجسه  بالهم الشاغل ، كما لم يزعم تيليش زعما من هذا القبيل . أننا أمام وضع معقد . فليس هنالك إجماع من الدراسين عن أصل الدين البدائي . وقد قاد علم الاجتماع المقارن إلي صياغة بضعة نظريات ، قد تحوي كل واحدة منها عنصرا من عناصر الحقيقة. وقد شدد تايلور ، وهو أحد رواد علم الإنسان الثقافي "التطوري" في القرن التاسع عشر ، علي أن الإنسان البدائي يري مظاهر للعوامل الروحية المشخصنة في الطبيعة الحية وغير الحية وفي الظواهر الإنسانية. وقد نشأ الدين في اعتقاده من هذه الإرواحيه المتخللة لكل شئ . وقد افترض ماكدوقال وجود غريزة دينية خاصة،  زعم ولهلم شمدت أنها قادت الإنسان إلي نوع من التدين الأولى الذي تفرعت منة الأديان الروحية والشركية تفرعا ثانويا ، وذلك عند انحلاله. وشدد دركهايم علي الرابط بين الدين البدائي والطوطمية والبنية الاجتماعية.

.تبدو لي أفكار مالينوفسكي (1931) أكثر تلك الآراء فطنة. وبكلماته: " يمكن توضيح الارتباط الجوهري للدين ، إن لم يكن المباشر ، باحتياجات الإنسان الأولية، أي البيولوجية. إن الدين يجئ ،مثل السحر ، من لعنة التروي والخيال التي تصيب الإنسان حال بزوغه فوق مستوي الطبيعة الحيوانية البهيمية" . وإحدى البؤر التي تتركز فيها "لعنة التروي والخيال" هذه هي وقتية  الإنسان وزواله :

              ربما كان وجود الارتباطات  الشخصية القوية وحقيقة الموت التي هي من بين جميع الإحداث

               الإنسانية أكثرها زعزعة وإحباطا لخطط الإنسان ، أهم أسباب نشأة الاعتقاد الديني . أن إثبات

               كون الموت ليس حقيقيا ، وأن للإنسان روح خالدة، ينشأ من احتياج عميق لا ينبع من غريزة

                سيكولوجية وإنما تحدده الثقافة والتعاون ونمو التعاطف الإنساني .

ويشدد طبيب الأعصاب فيبلمان  Feibleman (1963) تشديدا مناسبا علي الجانب النفسي البيولوجي:

               الأديان أنساق استجابة نوعية تعد بالبقاء . وبغض النظر عن صدقها أو زيفها

فأن الإحصاءات الغامرة بانتشارها تدل علي ضرورتها  لاختزال حاجة ضرورية لدى  الإنسان . هذه بالطبع هي الحاجة للبقاء ، للأمن الأولى ، ولتجاوز أسي الموت . الفرد الإنساني يعرف أنة سيموت ، لكن أفكاره أكبر من مصيره....الدين مسعى  للانخراط في مجال أوسع وأكثر ثباتا من الوجود المجرد .

.تزخر آداب العالم الكبرى أحيانا بوصف نجاحات ، وأحيانا أكثر بفشل هذه المشاريع الإنسانية. وتتطابق اهتمامات الآداب والفنون مع العلم التطوري في هذا المجال . هل الحوار بين الفنانين والعلماء ممكن ؟ لم يسبق لي أن إطلعت علي صورة أشد بلاغة وأكثر إثارة للفشل المذل ، لكن الشائع ،  للانخراط في مجال "أكثر ثباتا من الوجود المجرد" من تلك التي قدمها تولستوي في "موت ايفان ايليش" . يبدأ رجل عادي متوسط الثراء والنجاح ، ليس سعيدا جدا في حياته الأسرية، في إدراك حقيقة أنه مصاب بمرض خطير وأن موته صار وشيكا . يحاول أن يكون عقلانيا بشأن حالته؛ يتذكر مثلا للقياس المنطقي في كتاب مدرسي :" قايوس رجل، كل  الرجال فانون ، أذن لابد لقابوس أن يموت ". لكنة ينكص فجأة عن أي منطق- " كان ذلك القايوس رجلا ، رجلا بشكل عام ، وكان ذلك عدلا تماما ؛ لكنني لست قايوسا ، أنا لست رجلا بشكل عام ، لقد كنت دائما كائنا مختلفا تماما ، تماما ، عن كل الآخرين ...لذا لا يمكن لي أنا أيضا أن أموت.  سيكون هذا مرعبا جدا ".  ونحن لا نعرف ما يشعر به الحيوان الذي يموت ، لكن احتمال تعرضه لمعاناة ورعب شبيه بايفان ايليش بعيد الاحتمال تماما ؛ أهذا هو الكسب التطوري المقابل لرمز السقوط في الإنجيل ؟

.يعالج دستويفسكي في (المجنون) نوعا مختلفا تماما من التمرد علي الحياة والموت هو بمعني ما نقيض حالة ايفان ايليش . لا يجد المتمرد ،كيريلوف ، معقولية أو معني في أي مكان في العالم بأسرة. كل شئ ، بما في ذلك الطبيعة كلها وجميع قوانينها ، نسيج من الأكاذيب و "الملهاة المسرحية".وفي وسط هذا العالم العبثي يوجد شخص واعي ، كيريلوف ، الذي يعرف أن العالم بلا معني . وهو يعرف أنه صادف أن وضع هنا ، دون إذنه، ممثلا في هذه "الرقصة الشيطانية. ويدله ديالكتيكه إلي طريقة واحدة فقط للإفلات بكرامة من مأزقه. أن يحطم ذاته. القرار الذي يتخذه بالانتحار بمحض أرادته هو الطريق الفذ الوحيد للرجل للإمساك بالسمة الرئيسة للمقدس –الحرية التي لا تحدها حدود . يقتل كيريلوف نفسه لتأكيد "حريته الجديدة المرعبة" حتى يتشبه بالآلة. هنالك في كل هذا شئ واحد لا ينكر ؛ أن ديالكتيك كيريلوف يتجاوز حيوانيته. لا ، وليس هو جبان رعديد مثل ايفان ايليش .

.لقد كان معنى الحياة والموت وأهميتهما من بين المسائل الرئيسة في الفلسفة لألفيتين ونصف من الزمان ، منذ فجر التأمل الفلسفي في اليونان القديمة. وأن  مدرسة التحليل المنطقي الحديثة القوية النفوذ والتي تعتز "بعلميتها" الصارمة هي وحدها التي أعلنت أن هذه المسائل لا معني لها . مع ذلك ، هنالك شئ ملح وخلاب وغامر بطريقة لا تقاوم حول هذه المسائل التي "لا معنى" لها . ومع أن العلم لا يزعم لنفسه القدرة علي حلها ، إلا أته ربما يقدر علي توفير  المعلومات الوثيقة الصلة بتأملات الفلاسفة.

.قال سقراط أن " الفلاسفة الحقيقيون يدرسون الموت أبدا"  وأن الفيلسوف "أبدا يلاحق الموت ويموت". وقد تردد صدي هذه الأقوال المأثورة عبر القرون . وينسب إلي سينيكا أن الفلسفة تعلمنا أن الإنسان ينبغي أن يعيش " وكأنما هو معار لنفسه، وأن يكون علي استعداد لرد القرض كاملا عند الطلب "(هذا الاقتباس والاقتباسات التي تليه مأخوذة من شورون ( 1963 ). وقد ارتأى مونتاق أن "التفلسف هو أن  نتعلم كيف نموت". وكأن سبينوزا يأمل أن يكون الفيلسوف "أقل انفعالا بتلك المشاعر التي هي شر ، وأن يكون خوفه من الموت أقل ". ويسجل شوبنهور إفادة لا ينكرها أي عالم بيولوجي : "لقد ولجت حقيقة حتمية الموت المرعبة عقل الإنسان بالضرورة في صحبة العقل " ، ويواصل مؤكدا أن:"كل الأنساق    الدينية والفلسفية موجهة بصفة رئيسة لهذه الغاية، وهي أساسا  الترياق المضاد لحتمية الموت التي يصل إليها العقل التأملي بطبعه". لكن الوجوديين هم الذين يجعلون وقتية الإنسان مركز الثقل الحقيقي لكل التفكير الفلسفي . وقد كان جاسبرز قاطعا في هذا: " لو أن التفلسف يعني أن نتعلم كيف نموت ، فان هذا التعلم يصبح شرطا لتحقق الحياة الطيبة. لذا فأن نتعلم كيف نعيش وأن نتعلم كيف نموت شئ واحد حقا ".

.ينبغي أن يكون واضحا تماما أن الذين يعتقدون في شكل من أشكال خلود الروح ، أو في بعث الموتى حينا ما في المستقبل ، ليسوا بأقل انشغالا بمسألة وقتية الإنسان من أولئك الذين يعتقدون بأن الموت هو الزوال التام والنهائي للإنسان .  ذلك ما تعلنه بوضوح تام الآثار المجيدة لقدماء المصريين، واللوحات والتماثيل الموجودة  في كل كنيسة مسيحية تقريبا (باستثناء بعض بيوت اللقاء الجرداء لبعض الطوائف البروتستانتية) ؛  والمعتقدات الأساسية للأديان العظيمة الأخرى – الإسلام والبوذية  والهندوسية. وبالتأكيد فان وجود اختلاف جوهري لا ينكر هنا .فالوجود الزمني ليس إلا مجرد تهيئة للحياة القادمة بالنسبة للذين يؤمنون في البعث والخلود ؛ أما بالنسبة للذين يعتقدون أن الموت هو الفناء والتحلل النهائي ، فان معني الحياة يكرسه ما يحدث بين الميلاد والموت ، و ألا يكون هنالك أي معني . يمكن للذي يعتقد في الخلود اذن أن يعد خلاصه الشخصي همه الشاغل ، والهدف من حياته. ولو لم يكن هنالك خلود فأن المسألة تكون معقدة وصعبة لأبعد مدي . فلا يمكن العثور علي معني للحياة إلا في شئ أكبر من الوجود الشخصي لكنه يتضمنه في  الوقت نفسه .