أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
كوش الجديدة

لماذا السودان لا سنار الجديدة؟

لماذا السودان لا سنار الجديدة؟

أسامة عبدالرحمن النور

"فى كل المجتمعات يعد الماضي موضوعاً للمناظرة والمجادلة والنقاش المستمر وفى أحسن أحوالها تسهم الدراسة التاريخية سواء اعتمدت على المصادر المكتوبة أو استحدثت تلك المصادر من الشواهد الشفهية فى هذا النقاش عن طريق اعطاء التاريخ معنىً وهدفاً من خلال القاء الضوء على بعض مظاهر الماضي بالقدر الذى تستطيعه".

 David Henige, Oral Historiography

نقول بأن التأريخ مصطلح محدد المعالم ويعني بكل وضوح دراسة الماضي، أي أنه يعني حرفياً "الكتابة حول الماضي". وبمعنى آخر : مهمة كتابة التاريخ وفقاً لهذا المفهوم يعني التأريخ كل نشاط يشمل أو يضم أى نوع من البحث أو التحقيق التاريخي بما فى ذلك البحوث التى تعتمد على المصادر الشفهية، ابتداءً من التفكير فى دراسة المشكلة التاريخية لغاية الوصول الى حل أو التخلي عنها.

بالنسبة لتاريخ السودان الحديث يمكننا أن نقول أنه الى جانب التاريخ الوثائقي، فإن التاريخ الشفهي والرواية الشفهية يحتلان مكانة مرموقة فى ما هو مدون حالياً. بالرواية الشفهية أشير تحديداً الى التحدارات الشفهية التى تمثل ثقافة تنتقل من جيل الى آخر عن طريق الكلمة المنطوقة وليس عن طريق الكلمة المكتوبة، والتحدارات أوالتراث هى عناصر الثقافة التى يتناقلها الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل، وتتميز التحدارات عن العادات والأعراف بأن الناس يشعرون نحوها بقدر كبير من التقديس ولا يرون أنه من الممكن العدول عنها.

لكن علينا ملاحظة حقيقة أساسية بالنسبة لتاريخ السودان الحديث المدون وهى أنه "قاصر" و "أعرج" ذلك أنه لم يستفد من كافة التحدارات الشفهية الكل سودانوية، بل اكتفى بالتحدارات الشفهية لمجموعة اثنوثقافية واحدة من فسيفساء المجموعات الاثنوثقافية السودانية فجاء مجسداً لنوع من الروايات المشحونة "بنزعة مركزة اثنية" لا مبرر لها. هذه الحقيقة ولا شك كان لها تأثيرها البعيد المدى فى بنية الذهنية السودانية المعاصرة، والتى أفضت للأسف الشديد الى الوضع الخطير الماثل الذى يهدد بزوال الأمة السودانية إن لم نتدارك الأمر.

لا شكً أن قول كيبلنغ "ما الذى يمكن لهم أن يعرفوه عن إنجلترا أولئك الذين لا يعرفون سواها" ينطبق على واقع حال أهلنا اليوم فى السودان؛ فما الذى يمكن لهم أن يعرفوه عن السودان أولئك الذين لا يعرفون سوى سودان وسطو نيلي مع هوامشه الصحراوية القريبة ترعرع وشرب من التحدارات الخاصة بمجموعات بعينها دون استيعاب لتحدارات المجموعات الاثنوثقافية المتنوعة التى أعطت لتاريخ السودان معناه.

من أسوأ منتجات "نزعة المركزة الاثنية" هو تقبلنا بلا تفكير عميق ذات التسمية لبلادنا بـ "السودان"! جذور هذه التسمية تعود للكتاب العرب القروسطيين الذين انطلقوا فى وصفهم للبلاد الواقعة الى الجنوب من الصحراء وشعوبها، شأنهم شأن الكتاب الإغريق القدماء، من اعتماد معيار "فيزيقي" واحد وهو لون البشرة. هكذا فإننا صرنا نلجأ لتعريف بلادنا فى الكتابات التاريخية بـ "سودان وادي النيل"، و"السودان الشرقي"، و"السودان التركي"، و"السودان المصري- الإنجليزي" فى مواجهة تسمية السودان الواسعة التى تغطي "بلاد السودان" الواردة فى الكتابات العربية القروسطية.

مشروع السودان الجديد المطروح على الساحة الفكرية السياسية يجب أن يحمل فى جوهره تغيير مجمل بنية الذهنية "السودانية" وألا يكتفي فحسب بإعادة تقسيم الثروة والسلطة! إعادة تقسيم الثروة والسلطة دون الالتفات الى البنية الفكرية المسيطرة لن يقود سوى الى تفكك الأمة السودانية.

نقول بأنه لا بدَّ من الاعتراف بحقيقة أن الهجرات العربية الى السودان "سودان وادي النيل" قد مثلت -على  تعبير آدمز- "واحدة من أكثر التحركات السكانية أهمية فى تاريخ البلاد، ذلك أنها أفرزت تحولاً جذرياً اتسم بقدر من الديمومة فى التوازن الايكولوجي بين الصحراء والأرض المزروعة وأدت من جانب آخر الى إحداث تبدل رئيس فى بنية الثقافات السودانية المحلية. شكل التمثل الثقافي والعرقي الذى نتج عن تلك الهجرات عملية ذات جانبين: من جانب استعراب السودانيين المحليين، ومن جانب ثان، تأصيل العرب الوافدين. كانت الغالبية العظمى من الوافدين العرب بدواً كاد تأثيرهم الذى مارسوه على السكان المحليين أُحادياً غير متنوع، بينما أظهر السكان المحليون الذين تم اجتياحهم تشكيلة متنوعة من الثقافات واللغات، ومن ثم كان تأثيرهم على العرب الوافدين بالقدر نفسه من التنوع. وفوق كل ذلك كانت هناك اختلافات بيئية أساسية فى سودان وادي النيل الذى شكل موطناً جديداً للعرب الوافدين، الشئ الذى فرض عليهم سرعة الاستجابة تكيفاً مع ظروف محلية متنوعة. لقد أدت عملية التمثل الى ظهور مركب فسيفسائي من الأقوام والثقافات يتمثل القاسم المشترك الأعظم لغالبيتها فى الدين الإسلامي وأصبحت اللغةالعربية مع مرور الوقت وترابط المصالح الاقتصادية هى اللغة الجامعة بين تلك الأقوام والثقافات" (آدمز: النوبة رواق أفريقيا).

من ثم نرى أنه يتوجب على مشروع السودان الجديد أن يتخطى الاكتفاء بأطر البرامج السياسية والاقتصادية ويتخذ خطوة فاعلة باتجاه "تثوير الذهنية السودانية" انطلاقاً من الواقع التاريخي الفعلي. فى اعتقادنا أن إعادة تسمية "السودان" بما يعبر عن الواقع التاريخي الثقافي الفعلى لا بدَّ وأن تجد مكاناً لها فى مشروع السودان الجديد.

أولاً، معروف أن انتشار الإسلام فى "سودان وادي النيل" فى القرن السادس عشر قد ارتبط ببدايات دولة الفونج السنارية. فقد تأسست مراكز التعليم فى إقليم الفونج الى الجنوب من الخرطوم. وقد قام سلاطين الفونج، وليس العبدلاب، سعياً لتقنين هويتهم الإسلامية بتشجيع هجرة معلمي الدين والدعاة وتمويلها.

ثانياً، كانت دولة الفونج السنارية "سلطنة زرقاء" كونفدرالية البنية بقطبين رئيسين الفونج وعرب العبدلاب واحتفظت لكافة المجموعات الاثنوثقافية المؤلفة لها "بالحكم الذاتي" تحت سيطرة المركز. فهى، إذن، دولة أفروعربية إسلامية "سودانوية" تأسيساً وثقافة ونظاماً سياسياً.

من هنا أو لا يكون من بين البدائل المقترحة لتسمية تعبر عن تراثنا التاريخي الدعوة التى سبق أن طرحها أستاذنا الراحل جمال محمد أحمد "جمهورية سنار" أو "جمهورية سنار الجديدة" بدلاً عن التسمية الحالية ذات الطبيعة الجغرافية السياسية الازدرائية والفاقدة لكل محتوى تاريخي ثقافي؟؟

لوحة الخلفية : أطلال قصر ملك سنار كما رسمه كايو فى عام 1821