(12)
(12/1) وبما أن مطلبنا بالتحديد هو فحص وتثمين ذلك القرار، بافتراض أنه يمثل، فى ضوء السؤال المطروح، ضرباً محتملاً من المعالجات الأيديولوجية لمفهوم (السودان الجديد)، ولأن المعيار الموضوعي، فى رأينا، لسداد أي طرح أيديولوجى لا بدَّ أن يكون هو المدى الذى يتسق فيه مع حمولته من الحقائق المعرفية الموضوعية، وإلا استحال إلى نوع من الوهم أو التفكير الرغبي wishful thinking ؛ فسنحاول أن نعرض لنماذج من أبرز حقائق الواقع اللغوي لدى التكوين الاثنى لشعب النوبا، من حيث تنوعه، وتعدده، وتعقيده، والموقع الذى تشغله فيه اللغة العربية التى شطبها (القرار) الإدارى المشار إليه بجرة قلم، مُعَولين فى ذلك، بالأساس، على تصانيف بعض علماء اللسانيات للغات النوباوية، مثل جوزيف قرينبيرج وكارل ماينهوف، والتى نوَّه بجدارتها واستند إليها بعض الكتاب من أبناء النوبا أنفسهم، بالاضافة إلى أوثق جهد علمي بُذل حتى الآن، حسب علمنا، وهو (المسح اللغوي) الذى أجراه معهد الدراسات الآفرو آسيوية بالخرطوم أواخر سبعينات القرن المنصرم.
(12/2) لكن، ربما يلزمنا ابتداءً، فى هذا الاتجاه، استجلاء مفهوم (اللغة) نفسه. ولا نقصد، بطبيعة الحال، اللغة (الأجنبية) التى قد يتعلمها المرء لأغراض علمية أو تجارية أو ما إلى ذلك، وإنما تلك التى تكون قد تخلقت فى سياق إنتاج البنية الثقافية الأصيلة لدى شعب مُعين، بوصفها نسقاً من الاشارات والرموز يتشكل فى مجرى العمل، لا أداةً للمعرفة، فحسب، بل وأداةً لحفظ منتجات الثقافة الروحية واستعادتها، أى أداةً رئيسة للذاكرة الاجتماعية. بهذا الفهم ترتبط اللغة ارتباطاً وثيقاً بالتفكير، كون الأفكار ذاتها، حتى الباطنية منها، يتعذر إنتاجها خارج اللغة، بمعنى أنها لا تكتسب وجودها الواقعى إلا فى اللغة. أما بدونها فإن النشاط المعرفي يكون فى حكم المستحيل. وباللغة يتخذ التفكير طابعه التعميمي، وقدرته على سبر خصائص الأشياء، وقوانين حركتها وتطورها. وبفضلها تصبح نتاجات النشاط الذهنى فى متناول الجميع وتحفظ للأجيال القادمة شرطاً لتطور المعرفة (بلاوبيرغ وبانتين، 1986)، ذلك أن اللغة بطبيعتها نتاج حاجة الناس الفطرية للتواصل من خلال نشاطهم المادي الاجتماعي، أو لتمديد ذواتهم للآخرين بتعبير كريستوفر كودويل، بوصفها إحدى أهم مؤسسات البناء الفوقي للمجتمع superstructure، صورةً لفكره، وعاكساً معنوياً لعلاقاته، ومعادلاً موضوعياً للوجود المادي كله، بل وواحداً من أهم العوامل المؤثرة، بالضرورة، فى تشكيل الوعي الاجتماعي نفسه. فهى إذن ذات طابع جمعي واستقلالية نسبية فى الزمان والمكان. وهى، وإن كانت تخضع لعمليات التغير والتطور، والنمو والانحسار، شأنها فى ذلك شأن كل الظواهر الاجتماعية التاريخية، إلا أن شيئاً من ذلك لا يقع بدون توفر شروطه الموضوعية التى تستعصي، بل تمتنع بالكلية على التقديرات الذاتية الصرفة، والرغائب الخاصة المحضة، حتى وإن صدرت هذه التقديرات والرغائب من مواقع السلطة السياسية فى المجتمع. فاللغة، فى النهاية، لا تصنعها القرارات أو الفرمانات (انظر حلقات مبحثنا حول لفظ "التوالى" ومحنة النصِّ الدستورىِّ بعنوان: "عيعلة السيد المتعالم وزخفيلم الخادم الفصيح"، بصحيفتى "الرأى الآخر" السودانية و"الفجر" اللندنيَّة، 1998).
(13)
(13/1) تعتبر جبال النوبا، الواقعة فى جنوب كردفان إلى الجنوب الشرقى من غرب السودان الكبير greater west، على مساحة تبلغ حوالي 30,000 ميلاً مربعاً بين خطى العرض 29ـ 31 غرباً وخطي طول 9ـ 13، من أكثر بقاع أفريقيا كثافة لجهة التنوع اللغوي، لا تنافسها فى ذلك غير سهول جوس النيجيرية (د.عمر مصطفى شركيان ؛ سودانايل 16/3/04). وعلى حين ينسب بعض الباحثين من أبناء النوبا قبائلهم إلى التكوين القومي النوبي فى أقصى الشمال المتاخم لمصر، والمتداخل مع جنوبها (المصدر نفسه)، يصر كتاب أجانب على (تنقية!) قبائل النوبا من أيَّة (شبهة!) صلة من هذا القبيل، والحكم بأنها إنما تمثل "تركيبة مُحيرة" من الثقافات بأكثر من خمسين لغة (انظر Roger Winter فى موقع US Committee for Refugees). ويستند هؤلاء الكتاب إلى مؤرخين قدامى كالاغريقى هيرودوت على سبيل المثال (Histories, Edinburgh, 1954 Herodotus, The، المصدر نفسه).
(13/2) من جهة أخرى تتفاوت التقديرات أيضاً بالنسبة لتعداد سكان الجبال، حيث بلغ فى بعض دراسات النوبا المتخصصة مليوني نسمة، على حين قدرته المصادر الحكومية عام 1993م بـ 1,1 مليون نسمة، وليس ببعيد عن ذلك تقدير يوسف كوة فى أغسطس عام 1995 بـ 1,2 مليون نسمة، من بينهم 350,000 نسمة فى المناطق التابعة لإدارة الحركة الشعبية، الأمر الذى يتوافق مع تقديرات الحركة نفسها عام 1992 ( Roger Winter، المصدر السابق نفسه).
(13/3) ويتتبع د. شركيان تصنيفات علماء اللسانيات للغات النوباوية، حيث صنفها كارل ماينهوف فى ثلاث مجموعات: لغة الجبال الستة، اللغات السودانية، واللغات التى تستخدم بادئة في ألفاظها؛ كما صنفها قرينبيرج فى مجموعتين: المجموعة الكردفانية، وهى فرع من النيجر الكردفانى الذى يختلف عن النيجر الكونغولي، ومجموعة شارى ـ النيل (مصدر سابق). ويخلص الكاتب، فى المصدر نفسه، إلى إمكانية تصنيف النوبا فى عشر مجموعات لغوية:
أ/ مجموعة الأجانق، وتشمل قبائل الجبال الستة: الداير، كدر، كدرو، دلنج، غلفان، وكاركو، بالاضافة إلى أبو جنوك، طبق، كاشا، شيفر، فندا، وكجورية.
ب/ مجموعة تقلى، وتشمل قبائل تقلى، رشاد، كيجاكجا، تقوى، توملى، موريب، وتورجوك.
ج/ مجموعة النيمانج، وتشمل قبائل النيمانج، مندل، وأفيتى.
د/ مجموعة كتلا، وتشمل قبائل كتلا، جلد، وتيما.
هـ/ مجموعة تلشى ـ كرُنقو، وتشمل قبائل تلشى، كيقا، ميرى، كادقلى، كاتشا، كرُنقو، وجزء من أبو سنون.
و/ مجموعة تيمين، وتشمل قبائل تيمين، كيقا جيرو، تيسى أم دنب، وجزء من والى التى تتفرع إلى: والى بوباى، والى السُّوك، والى أم كرم، والى كرندو، ووالى أبوسعيدة.
ز/ مجموعة كواليب ـ مورو، وتشمل قبائل كواليب، هيبان، شواى، مورو، أطورو، تيرا التى تتفرع إلى: الأخضر، ماندى، ولمون، كما تشمل هذه المجموعة أيضاً فنقور، كاو، نيارو، وورنى.
ح/ مجموعة تلودى ـ مساكين، وتشمل قبائل تلودى، الليرى، مساكين التى تنقسم إلى طوال وقصار، بالاضافة إلى أشرون، تاكو، تورونا، وكوكو ـ لمون.
ط/ مجموعة لافوفا، وتشمل قبيلتى لافوفا وأميرة.
ى/ مجموعة داجو، وتشمل قبائل داجو، لقورى، صبورى، تالو، وشات التى تتفرع إلى الدمام، صفية، وتبلدية، بالاضافة إلى مجموعات صغيرة في أبو هشيم وأبو سنون.
(13/4) وربما تبعث على الدهشة، للوهلة الأولى، هذه المفارقة الواضحة بين تعداد السكان وبين كثافة التعدد والتنوع اللغوي. غير أن الدهشة سرعان ما تنجلى حين نعلم أن تعداد المتحدثين ببعض هذه اللغات لا يتجاوز المئات، بل إن ثمة قرى لا تبعد عن بعضها البعض بأكثر من بضع أميال، ولكنها تتحدث لغات مختلفة (المصدر نفسه). ولعل مِمَّا يفسر ذلك طبيعة المنطقة الجبلية ذاتها، فقد أثبتت الدراسات الجغرافية والتاريخية أنه كلما استوطن الناس بكثافة في مثل هذه المناطق كلما تعددت وتنوَّعت لغاتهم، وتوزعت بين مجموعات صغيرة، كما في الحدود بين نيجيريا والكميرون وتشاد مثلاً. فالمناطق الجبلية يسهل الدفاع عنها، ويتاح للناس، بالتالي، الحفاظ على لغاتهم من الانقراض (Africa Today, London 1996 ـ ضمن المصدر السابق نفسه).
(14)
(14/1) أما الحقائق المعرفية التفصيلية التى لا غنى عنها لأى بحث فى هذا المجال فيوفرها (المسح اللغوي) الذى أجراه معهد الدراسات الآفرو آسيوية بجبال النوبا ابتداءً من العام 1972ـ 1973، وتم نشره عام 1978 تحت عنوان:
Language Survey of the Sudan, Southern Kordofan,the Nuba Mountains, Institute of African and Asian Studies, University of Khartoum
ولضخامة المادة وغزارتها فسنكتفى، لأغراض هذه المقالة، باقتطاف النماذج التالية من هذه الحقائق التى تكشف عنها نتائج المسح:
أ/ فلغة الكرُنقو هى الأوسع انتشاراً بين اللغات المحلية المستخدمة فى الجزء الجنوبى من الجبال الذى تسكنه مجموعات لغوية مختلفة، حيث تستخدم أيضاً لغة الدينكا بنسبة 1 من كل 30 مواطناً، والهوسا بنسبة 2,5% من العينة المدروسة. ومع ذلك فإن اللغة العربية هى أداة التواصل بين هذه المجموعات lingua franca، أو major medium of communication (No 2, p. 2-3) . ولاحظت الدراسة أن 1 من كل 50 متحدث بالدينكاوية يتحدث أيضاً الكرُنقو والعربي، حيث يميل الكرنقو إلى تعلم الدينكاوية أكثر حتى من اللغات النوباوية الأخرى المجاورة، مثل المساكين، ولكنها لاحظت أيضاً أن لدى كل شخص متحدث بلغتين فإن العربية إحداهما (p. 3). وهكذا فالأغلبية تتحدث العربية إلى جانب الكرُنقو (p. 7)، رغم أن 9 من كل 10 لا يعتبرون العربية لغة أصلية mother tongue، فهى تخضع فى مثل هذه الظروف للكثير من التحويرات اللسانيَّة (p. 2).
ب/ وفى منطقة هبيلا وكدرو، فى الجزء الشمالى من الجبال بين الدلنج ودلامى، فإن الجميع تقريباً يستخدمون العربية المحورة أيضاً كأداة تخاطب إلى جانب غلفان/ كدرو، والدلنج/ هبيلا، والكواليب، والنيمانج، والبرقو/ مابا، وصنقور، وتاما (No 3, p. 1,2,3). وتقارن الدراسة، مثلاً، بين نسبة المتحدثين بالعربية وهى 99,3% وبين نسبة المتحدثين بالبرقو/مابا وهى 0,5% (p.8).
ج/ كذلك فى منطقة الليرى الواقعة فى أقصى جنوب الجبال فإن الجميع تقريباً يتحدثون العربية على نحو ما كأداة تخاطب، على حين تتحدث نصف العينة المدروسة لغة لافوفا، بينما تتحدث مجموعات أصغر الليرى بنسبة 18%، وتلاسا بنسبة 13,7%، إلى جانب قلة ضئيلة تتحدث الشلكاوية والدينكاوية (No 4, p. 2). وحتى فى الحالات النادرة التى يتحدث فيها شخص ثلاث لغات فإن العربية إحداها ولا بدَّ، حيث لاحظت الدراسة أن 1 من كل 26 يتحدث الليرى واللافوفا إلى جانب العربية، بل إن سكان المناطق المجاورة لمناطق اللافوفا والليرى اللغوية يجدون صعوبة فى استخدام اللغات المحلية وحدها بدون الاستعانة بالعربية (p. 3).
د/ أما بين مجموعات كدر وانغاركو التى تقطن إلى الجنوب الغربى من الجبال، شمال وجنوب مدينة الدلنج، فإن ثلث العينة المدروسة اعتبرت العربية المحوَّرة إما لغتها الأصلية، أو إحدى لغاتها الأصلية (No 5, p. 2)، على حين تتحدث كل المجموعات تقريباً هذه العربية المحوَّرة كأداة تخاطب (p. 3)، إلى جانب غلفان/ داير التى يتحدثها 7,7 من كل 10، ودلنج التى يتحدثها 7,4 من كل 10، بينما لا يتحدث تيمين أكثر من 1 من كل 10 (p. 2).
هـ/ وأما فى منطقة أم دورين ومرتا الواقعة إلى الجنوب الغربى من الجبال، شمال شرق وجنوب شرق مدينة كادقلى باتجاه تلودى، فإلى جانب مورو التى يتحدثها ثلاثة أعشار العينة المدروسة كلغة محليَّة، فإن 97,3% منها تتحدث عربية محوَّرة على نحو ما كأداة تخاطب، رغم أن 42% منهم لم يعتبروها لغة أصلية (No 6, p. 1). ولكن الدراسة لاحظت أن التواصل بالعربية أسهل مع الرجال منه مع النساء والأطفال (p. 5). وبالاضافة إلى العربية ومورو فهناك أيضاً كادقلى/ مرتا، وكواليب (p. 2). ولا توجد هنا لغات النوبا الأخرى كالليرى، وشافت، وجيرو، ودلنج، ولافوفا، وليقورى، ومساكين إلا بنسب ضئيلة، بالاضافة إلى بعض لغات الجنوب، كالدينكاوية والنوقوسيرية، بنسب أقل (p. 4).
(14/2) وهكذا فإن المسح، وفى كل أجزائه تقريباً:
أ/ يؤكد أولاً على واقع الثراء الذى يميِّز تكوينات النوبا القومية والقبلية لجهة التنوع والتعدد والتداخل اللغوي، الأمر الذى يفترض وضعه فى الحسبان عند تخطيط أية سياسة ثقافية أو لغوية. فإن كان مفهوماً أن يغيب هذا البند أصلاً من أجندة تيار الاستعلاء (السلطوي/ التفكيكي) كونه يمثل معكوس استراتيجياته، وأن يقعد جدبُ الهمة (العقلانية/ التوحيدية) بالحكومات الديمقراطية عن رؤية جانبه، دع استشعار خطره، فأي عذر يمكن التماسه للثوريين من راديكاليى الهامش تحديداً فى التعاطى معه بمثل هذه الخفة التى تنتهى به إلى نقيض مقاصده تماماً كما فى نموذج قرار الحركة بتغيير لغة التخاطب فى جبال النوبا من العربية للإنجليزية؟! وهل استندت الحركة فى قرارها هذا إلى حقائق الواقع اللغوي فى الجبال؟! وهل صدر القرار تعبيراً عن إرادة شعبية حقيقية أم عن تشهيات نخبوية فوقية؟! أم أن لغة الشعب مِمَّا يمكن استبداله فى أيَّة لحظة بقرار إدارى؟! وإذا كانت الحركة الشعبية قد أظهرت من الحدب على قضية (الوحدة) فى (المانيفستو) عام 1983 ما كاد ينكر حقيقة (التنوع) أصلاً، فكيف تعود بعد عشرين سنة لتجعل من حقيقة هذا (التنوع) نفسه سكينة تنحر بها قضية (الوحدة)؟! وإذا كانت لغة أى شعب هى روحه فكيف يستقيم لحركة مناضلة مثل الحركة الشعبية أن تحرر شعبها بسحق روحه وشطب وجدانه؟! لقد جاء فى الفقرة (22) من (المانيفيستو) أن الانفصاليين يدغدغون خيال المناطق المتخلفة، وإذا لم يُكبحوا فإنهم مع أنظمة نخب الأقلية فى الخرطوم سوف يفككون السودان نهائياً، وهذا ما سوف تتصدى الحركة لمنع وقوعه (المانيفيستو، ص 17). فهل نهضت الحركة بذلك الهدف النبيل الذى ألزمت به نفسها فى 1983؟! إننا نتساءل من باب الحدب، وقد تكتسى أسئلتنا طعم المرارة، ولكن ثمة ما هو أمر من الأسئلة، وهو التقرير الفاجع الذى ساقه د. الأمين أبو منقة بين يدى المؤتمر العالمى التاسع للغات النيلية والصحراوية الذى انعقد بالخرطوم فى الفترة من 15 إلى 20 فبراير 2004، وفحواه ببساطة أن هذه اللغات التى (شغلت) موقعاً معتبراً فى الخريطة اللغوية السودانية، من حيث عدد متحدثيها وسعة انتشارها جغرافياً، وبخاصة فى جبال النوبا، بسبيلها الآن إلى التراجع، بل أصبح الكثير منها آيلاً لا محالة إلى الانقراض، مِمَّا يستوجب السعى إلى تدوينها وتوثيقها بحسبانها إرثاً إنسانياً، وفصلاً مهماً فى تاريخ البشرية، وكتاباً عظيماً فى تاريخ اللغات فى سودان وادي النيل والبلاد المجاورة" (الأضواء 16/2/04). أليس هذا نعياً حقيقياً لتراث الشعب وهو يقضى بين أيدينا بينما نحن ننظر، بل نسهم فى تكسير عيونه؟!
ب/ ويلاحظ المسح أيضاً شيوع العربية المحورة بفعل التداخل كلغة تخاطب وأداة اتصال lingua franca بين مختلف المجموعات اللغوية، دع عنك اعتبار البعض أنها لغته الأصلية، مع التشديد على استخدامها فى معاملات السوق بصفة خاصة. ولعل ذلك ناتج عن الأثر الموغل فى القدم لنشاط (الجلابة) التجاري فى تلك الأنحاء. فبرغم كل ما سقنا آنفاً والمزيد مِمَّا يمكن أن يساق عن الدور التاريخى السالب الذى قامت به هذه الشرائح المكونة لهذه الفئة التجارية فى تأزيم العلاقات الاثنية بالاستغلال والاستعلاء معاً، فإن الذهن السجالي الأحادى فقط هو الذى يعجز عن رؤية أكثر من بُعد واحد للظاهرة، فينكر فضل الجلابي، مع ذلك كله، فى حمل العربية تاريخياً إلى مختلف التكوينات القومية غير المستعربة، وتوزيع مفرداتها وصيغها مع بضائعه، بحيث أصبحت أداة صالحة للتفاهم فى أساس أي مشروع لوحدة وطنية مأمولة (انظر: عبد الله على ابراهيم، 2001). وكم كان بائساً ووالغاً فى الغرض غمز ذلك التقرير الصحفى الأمريكى الذى أسهم فى حفز هذه الكتابة بقوله، متعمداً نبش الاحن والضغائن من قيعان الأزمنة السحيقة ليدخل عصاها فى عجلة وطن يحاول لملمة أطرافه بشق الأنفس كى يتخلق إنسانياً وديمقراطياً: "إن شعب النوبا صار يتحدث العربية بفعل قرون من تجارة الرق والتهجير القسري!" (الواشنطن بوست، 16/12/03). فما الذى تراه سيقول هذا الكولونيالي القمئ لو صفعه السؤال، بالمقابل، عن (إنجليزية) مواطنيه السود؟!
ج/ ويلاحظ المسح أخيراً، وبرغم أية دعاوي أخرى، إنحصار اللغة الإنجليزية فى شريحة ضيقة من المتعلمين والطلاب النوبا، حيث لم يزعم أحد أنها لغته (الأصلية!)، أو حتى لغة التواصل بينه وبين الآخرين!
(15)
(15/1) لكن المؤسف أن حقائق الواقع الموضوعي نفسها قد تخضع أحياناًًً لمنهج المكابرة الغليظة وفق مقتضى الكسب الآنى فى السياسة السياسوية! فقد كتبت (خرطوم مونيتر)، على سبيل المثال، فى افتتاحيتها editorial بتاريخ 29/4/04، أن "اللغة العربية فشلت، حتى على أيام المهدية، فى أن تكون أداة تخاطب على المستوى القومي national medium for communication"! وأنها "ظلت تستخدم فقط من جانب بعض القبائل الموالية للعرب والتى احتلت مناطق فى الجزيرة والنيل الأبيض وبعض الجيوب الصغيرة فى غرب السودان"! أما اللغة الإنجليزية فقد "أصبحت هى لغة التخاطب فى السودان لفترة طويلة من الزمن بعد سقوط الثورة المهدية"! وذلك على حين فشلت العربية "المكتسبة حديثاً فشلاً ذريعاً فى الانتشار عبر كل مساقات الحياة قبل أن ينال السودان استقلاله من البريطانيين والمصريين"! حتى خلال الفترة التى أعقبت الاستقلال فقد وجد إبراهيم عبود صعوبة فى إنفاذ سياسات التعريب فى الجنوب "لأن كلا الجنوبيين والشماليين كانوا واقعين فى حب اللغة الإنجليزية were in love with the English Language"! بل وقد ذهب "الشماليون إلى أبعد من ذلك فألفوا أشعارهم باللغة الإنجليزية"! و"لم تستطع العربية أن تحقق قفزة نوعية فى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية فى السودان إلا تحت حكم الانقاذ"! وذلك فى الوقت الذى "هجرت فيه البلاد زبدة الخبرات والعقول التى كانت تشكل مصدر فخرها بسبب عدم إتقان أصحابها للغة العربية التى فرضتها الانقاذ حديثاً"!
(15/2) والآن، أفلا يحق للمرء، فور فراغه من مطالعة هذا الكلام العجيب، أن يتساءل عمَّا إذا كان موضوعه (السودان) حقاً أم (بلد آخر) لم يعرف العربية إلا قبل خمسة عشر عاماً فقط! وما إذا كان كاتبو هذه (الافتتاحية) على دراية، أصلاً، بالطبيعة المعقدة لمشكلة الصراع السياسي الناشب حول تركيبة السودان الاثنية المتعددة والمتنوعة عرقياً وثقافياً ولغوياً أم أنهم يصدرون عن محض (مُدرَكات perceptions) تحتل الحقيقة الأيديولوجية فيها موقع الحقيقة الابستمولوجية! وما إذا كان مصدر علمهم السوداني هذا حركة الواقع التاريخي الحي لجماهير التكوينات القومية والقبلية فى البلاد أم تشهيات بعض شرائح الانتلجينسيا النخبوية فى الجنوب كما فى الشمال! وإلا فأيَّة إنجليزية تلك التى أصبحت لغة للتخاطب بين الناس فى السودان كله بعد دخول الاستعمار؟! وأي شِعر هذا الذى صار الشماليون (هكذا بالألف واللام!) يؤلفونه بالإنجليزية؟! وأى حُب للإنجليزية ذاك الذى فوجئ إبراهيم عبود بأن الشماليين والجنوبيين أجمعهم واقعين فيه؟! وأي عقول وخبرات هذى التى هجرت البلاد لعدم إلمامها باللغة العربية التى فرضتها الانقاذ (حديثاً)؟!
(15/3) إننا لا نشك مطلقاً فى أن جماعات جنوبية كثيرة فى (الحركة الشعبية) وفى (خرطوم مونيتور) وغيرهما مناضلون ولهم قضية ويؤثرون فى ذهنية أقسام وقطاعات واسعة من الانتلجينسيا الجنوبية. لكننا، فى هذه الناحية، نختلف معهم، يقيناً، فى الفكر، وفى تصور طبيعة القضية، وفى المنهج النضالي الذى يتبعونه، ومن ثمَّ فى قيمة الوعي الذى يروجون له. فثمة فرق شاسع بين الوعي بالدور التدميري الذى قام به تاريخياً تيار الاستعلاء (السلطوي/ التفكيكي) وسط الجماعة المستعربة المسلمة، الأمر الذى استثمره الاستعمار البريطاني لصالحه، وبين الدعوة لتدمير ثقافة ولغة هذه الجماعة ذاتها، أي، وجودها أصلاً. ولئن كان ثمة تيار ديمقراطى (عقلانى/ توحيدي) وسط هذه الجماعة يبغض الاستعلاء، ويستشعر خطره، فيناصبه العداء، ويتصدى لحربه من داخل ثقافة الجماعة، دفاعاً فى المقام الأول عنها، وتبرئة لذمتها، وتنقية لها من هذه السبة التاريخية، وذلك باب فى النضال عظيم، فمن الوهم تصور أن هذا التيار الديمقراطى نفسه يمكن أن يقبل بممارسة (الاستعلاء المضاد) على هذه الجماعة، بل وإلى حد الدعوة لمحو هويتها من (الوجود السوداني) حلاً للمشكلة! هذا أمر لا يستقيم عقلاً، ولا يُعقل منطقاً، ولا يخوض فيه غير داعية لفتنة جديدة أو متجانف لهلكة أخرى. فالحل الذى يستبدل استعلاءً باستعلاء ليس حلاً البتة، وإنما هو، بكل المقاييس، وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة فى سياق آخر! وإذا كنا نتفهم بواعث ردود الأفعال الجمعية للمقموعين، وسايكلوجيتهم الاجتماعية، فإن هذا ليس بعذر للمؤسسات المسئولة عن بلورة الرأى العام والتأثير فى الوعي الاجتماعى فكرياً وسياسياً، وبخاصة تلك التى تزعم الانطلاق من مواقع ثورية، حين تتقاعس عن أداء دورها فى تثوير هذه السايكولوجية وردود أفعالها، دع أن تتصدى هى نفسها لتوجيه هذه الانفعالات فى الاتجاه الخاطئ.
(15/4) إن وجود الجماعة المستعربة المسلمة فى السودان، بهُويِّتها الدينية واللغوية والثقافية، ليس (اقتراحاً) مطروحاً للنقاش، بل هو إحدى حقائق الحياة السودانية التى لا يجوز إسقاطها لدى أي حل ديمقراطي سلمي لمشكلتنا الوطنية، تماماً كحقيقة وجود التكوينات الاثنية الأخرى غير المستعربة وغير المسلمة. ولكن ثمة مدخلين متضادين، مع ذلك، للوعي بهذه الحقيقة: فمن جانب هناك مدخل (الوعي الموضوعي)، مدخل (العقلانيين/ التوحيديين) من كل تكوينات البلاد الاثنية، يتطلعون لأن يشيدوا فوق هذه الحقيقة صرح وحدة مرموقة، طوعية وجاذبة، تتساوى فيها حقوق الجميع وواجباتهم كما تتساوى أسنان المشط، ويتنشأون، جيلاً بعد جيل، على الاقرار التلقائي الجهير بهُويَّات بعضهم البعض، فلا يستعلي عِرق منهم على عِرق، ولا دين على دين، ولا ثقافة على ثقافة، ولا لغة على لغة، دون أن يكون ثمن هذا الوعي (إستقالة) الجماعة المستعربة المسلمة من (الوجود)، أو (انسحابها) من حركة (التاريخ)، أو (محوها) من منظومة (التنوع) السوداني، فجدل (التنوع) ذاته يفترض وجود هذه الجماعة ضربة لازب. أما من الجانب الآخر فهناك مدخل (الوعي الزائف)، وهو مدخل (السلطويين/ التفكيكيين) فى هذه الجماعة، يحلقون بأجنحة من الشمع تحت شمس هذه الحقيقة الساطعة، متوهمين فيها زاداً لتأبيد سطوتهم بلا مُسَوغ، ومَدداً لتكريس استعلائهم دونما استحقاق. وواجب الوطنيين الديمقراطيين من مختلف التكوينات الاثنية التضامن لمجابهتهم باستقامة، لا تشويه الصراع باختلاق أو تشجيع (الاستعلاء المضاد) الذى نخشى أنه يستشرى الآن مثل الوباء فى جسد الهامش المناضل كله، لا فى الجبال وحدها أو الجنوب وحده، فقد لاحظنا أن د. شريف حرير الذى شارك باسم التحالف الفيدرالي فى مفاوضات انجمينا مع الحكومة لوقف إطلاق النار فى 10/4/04 تعمد تقديم مطالب الفور .. بالإنجليزية!
(16)
(16/1) لقد خلطت (خرطوم مونيتور) بين سداد دعوتها لاستعادة العناية القديمة بتعليم اللغة الإنجليزية فى المدارس والجامعات، أداةً للانفتاح على علوم الغرب، وترميم ما تسببت فيه سياسات الانقاذ غير الرشيدة فى هذا المجال، وهو ما نتفق معها حوله بصورة عامة، وبين خطل مناداتها بإحلال الإنجليزية محل العربية أداةً للتخاطب medium of communication فى عموم السودان، مِمَّا يشى ضمناً بتأييدها لقرار الحركة الشعبية، لا بتغيير لغة التعليم فحسب، بل ولغة (التخاطب) أيضاً من العربية إلى الإنجليزية فى مناطق إدارتها بجبال النوبا. (16/2) وإذا كنا نتحدث عن الوحدة استراتيجية وطنية ديمقراطية، فإن من أهمِّ مقوماتها (اللغة) التى تشكل (أداة التواصل lingua franca) بين مختلف المكونات الاثنية. ولعل مِمَّا يَتيَسر استنتاجه من المسح اللغوي المار ذكره أن العربية المحورة بفعل المثاقفة، والتى ظلت تقوم بدور أداة التواصل بين مختلف المجموعات اللغوية فى الجبال نفسها، ناهيك عن أن البعض هناك يعتبرها لغته الأصلية، هى نفسها التى ظلت تقوم بذات الدور بين مجموعات الجبال اللغوية من جهة، والتكوين المستعرب من جهة أخرى، وبقية التكوينات الاثنية بشروطها المماثلة على نطاق القطر كله من جهة ثالثة.
(16/3) ولعل الوضع اللغوي لدى تكوينات الجنوب القومية والقبلية يقدم أيضاً مثالاً ساطعاً آخر على توطن ضرب من العربية (عربى جوبا) كأداة للتواصل فى ما بين هذه التكوينات نفسها، من جهة، وفى ما بينها مجتمعة وبين بقية التكوينات الاثنية فى البلاد من الجهة الأخرى. فالدكتور بول شول دينق، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة جوبا، يلاحظ أن د. قرنق يخاطب قواته باللغة العربية، ولغة الكنائس هى العربية، والصلوات تقام بالعربية، والجمعيات التبشيرية تمارس نشاطها بالعربية (الرأى العام، 12/5/04). وتكشف أهم نتائج الدراسة التى أعدها الأستاذ آدم سعيد كباوة، من قبيلة المندارى، لنيل درجة الماجستير حول اتجاهات شباب الجنوب وخياراتهم نحو القضايا الفكرية والسياسية، تطبيقاً على 500 عينة، أن اللغة العربية هى لغة التواصل بين الجنوبيين (المصدر نفسه). وعلى الرغم من أن موسى المك كور يتحدث عن صعوبات تواجه الجنوبيين مع اللغة العربية، حيث أن ".. هنالك 14 حرفاً عربياً لا توجد فى لغة الدينكا مثلاً"، فإن آدم كباوة يقلل من أثر هذه الصعوبات، مُحيلاً أسبابها، من ناحية، إلى سياسات الإنجليز والحكومات الوطنية بعد الاستقلال، ومؤكداً، من الناحية الأخرى، أن أي جنوب أتى إلى ملكال، مثلاً، تعلم عربي جوبا كلغة للتواصل الشعبي، على حد تعبيره (المصدر نفسه). ويؤكد الشيخ أحمد مرجان، أحد مؤسسي المدرسة العربية بجوبا عام 1945 وأحد المشاركين لمدة عشر سنوات فى حركة أنيانيا المسلحة ضد الحكومة المركزية فى الخرطوم قبل إبرام إتفاقية أديس أبابا لسنة 1972، بأن اللغة العربية الممزوجة باللغات المحلية كانت هى أداة التخاطب بين المحاربين فى الغابة، كما ويلاحظ أن ثمة أكثر من 70.000 جنوبي تخرجوا أو ما زالوا يدرسون بجامعة جوبا باللغة العربية، مِمَّا يدعم انتشار العربية فى أوساط الجنوبيين (المصدر نفسه).
(16/4) إذن، ولئن كانت اللغه تنتشر بفعل عوامل تاريخية شتى، كالدين مثلاً أو التجارة أو تبنيها من جانب الحكام أو ما إلى ذلك، فإن المعطى التاريخى العيانى الماثل والذى لا تجوز المكابرة فيه هو أن العربية، فصيحة أو عامية أو محورة، وبنموذج أم درمان أو جوبا أو الدلنج .. الخ، تكرست فى ما بيننا أداة للتواصل المطلوب، يقيناً، على رأس المقومات التى نحتاجها لتحقيق حلمنا بوطن ديمقراطي متنوع فى وحدته. وهى، من قبل ومن بعد، لغة أفريقية يتحدثها ما لا يقل عن 60% من سكان القارة. فما حاجتنا لإحلال الإنجليزية محلها أداةً لا تساعدنا على وصل ما بيننا، بل تفصم ما تبقى من عراه؟!
(16/5) ومع ذلك فليت قرار الحركة اتجه لتدوين وتطوير لغات المجموعات النوباوية المختلفة لاستخدامها فى ازدهار ثقافاتها، وأداةً لتعليم أبنائها ولو خلال سنوات المرحلة الابتدائية، ولإحلال أكثرها انتشاراً محل العربية لغة للتخاطب فى ما بين مجموعات الجبال المختلفة، مع الابقاء على العربية، على ما هى عليه، لغة للتواصل بين هذه التكوينات مجتمعة وبين بقية التكوينات الاثنية السودانية. تلك على الأقل خطة أقرب للإرادة الشعبية التى أنتجت واستقبلت واستخدمت هذه اللغات، علاوة على كونها تدفع باتجاه أحد أنبل الأهداف الوطنية الديمقراطية: التمسك بالوحدة مع الإقرار بالحق فى التميز الثقافي. وقد يصدر هذا الاقرار أحياناً حتى مِمَّن لا يصنفون أنفسهم، فى العادة، ضمن هذا التيار. فبالتطبيق على نموذج الجنوب مثلاً يؤمِّن موسى المك كور على قابلية اللغات المحلية الجنوبية للتطور حال تحقق الاستقرار السياسي (الرأى العام، 12/5/04). وفى ذات الاتجاه يُحمل رمضان شول الإنجليز و(الشماليين) المسئولية عن عدم تطور هذه اللغات ".. لقد منعوا لغات القبائل حتى توقفت" (المصدر نفسه)، مِمَّا يعنى إمكانية إحيائها فى ما لو أزيل ما يعيق ذلك. أما آدم كباوة فيؤكد أن أية لغة يمكن أن تسود إذا توفرت العوامل اللازمة لذلك ".. فلغة الدينكا ستصبح الرابط بين الجنوبيين إذا أصبحت العاصمة فى رمبيك" (المصدر نفسه). وهى، على أيَّة حال، ليست دعوة منبتة، فثمة نموذج لها اختطته وزارة شئون الجنوب على أيام جوزيف قرنق، مطلع سبعينات القرن المنصرم، وانقطع بتصفية الوزارة وإعدام وزيرها الذى كان قد حث مستشاره الفنى للتدريب والتعليم على أن يدرس إمكانية تبنى لغة من لغات الجنوب، كالدينكا مثلاً، لتكون لغة الاقليم القومية، وأن يحدد العوامل الجديرة بالاعتبار لتلك الغاية، وأن يستقرئ النتائج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى ستترتب على ذلك فى القطر وفى الاقليم، ورد الفعل المتوقع من الجنوبيين الذين يتكلمون لغات أخرى، وأن يدرس كذلك إمكانية اختيار أكثر من لغة لهذا الغرض (عبد الله على ابراهيم، 2001). فكيف غابت عن صانعى قرار الحركة الشعبية، وعن كاتبى افتتاحية (خرطوم مونيتر) المُظاهر له، أدنى طيوف هذا السداد فى اجتهاد النظر والعمل؟! أَليس من شأن هذا القرار أن يجردنا من لغة التواصل الوحيدة بين منظومة تنوعنا وتعددنا بينما يعمل، فى ذات الوقت، على طمر اللغات التى تشكل الذاكرة الثقافية التاريخية لتكوينات (الهامش) القومية التى تدافع كلا المؤسستين عنها؟! فأى فلاح فى هذا؟!
(16/6) ولكم وددت، فى هذا الختام، لو أننى عثرت على إجابة أخف مرارة مما فى أطروحة د. عبد الله على ابراهيم "الماركسية ومسألة اللغة فى السودان"، والتى يرى من خلالها أن المكون الثقافي لجماعاتنا القومية/ القبلية غير العربية هو أقل العناصر وعياً بذاته فى عملية اليقظة، ويدلل على ذلك بضآلة شأن اللغات المحلية عند المتكلمين بها من الصفوة التى أثبتت فى أكثر من مناسبة عزوفها التام عنها، إلى حد التفكير أحياناً حتى فى إحلال السواحيلية محلها، وجهاً من وجوه انفصامها الحقيقى عن الطموح الديمقراطى الأساسي لهذه الجماعات. إنتهت إجابة عبد الله، ولمن أراد استزادة أن يلتمسها فى المصدر.
لقد ترتب على هوان هذه اللغات لدى صفوتها أن أهملتها حتى المحافل الإقليمية المعنية بحق التعدد اللغوي فى بلدان المنطقة. فقد انعقد ببيروت، خلال الفترة بين 19ـ 22 مارس الماضى 2004، المنتدى المدنى الأول الموازى للقمة العربية التى كان من المفترض عقدها بتونس فى أو حوالى ذلك التاريخ، وأصدر توصياته تحت عنوان "الاستقلال الثانى: نحو مبادرة للاصلاح السياسى فى الدول العربية". وعلى حين لم ترد كلمة واحدة فيه عن اللغات والثقافات السودانية إنصب اهتمامه كله على "ضرورة الاعتراف بالحقوق اللغوية والثقافية الأمازيغية في بلدان المغرب العربي، واعتبارها أحد مكونات الثقافة الوطنية، على أساس المساواة وحق المواطنة واحترام حقوق الإنسان والشراكة في الوطن". ولا عتب على المنتدى، فقد نهضت للأمازيقية حركة تذود عن حياضها، بينما حركة الهامش لدينا مشغولة بإحلال الإنجليزية محل العربية!
الهوامش:
* غالباً ما يشيع فى التقليد (الجلابي) استخدام هذه الكلمة وقرينتها (وطنى أو وطنية) بصورة ملتبسة، وبمدلولات مبهمة، بخاصة فى حقل السياسة، وبخاصة أكثر حين يكون المُراد ابتزاز ذهنية ووجدان العامَّة لتسويق أوضاع غير سويَّة (وفاق وطني، زي قومي، شخصيات قومية .. الخ).
* يستخدم د. أسامة مصطلح "نزعة المركزة الاثنية"، ويستخدم آخرون ـ الامام الصادق المهدى مثلاً ـ مصطلح (المركزية الثقافية)، ونفضل استخدام مصطلح (المركزوية الاثنية).
* كان عبد الله ما يزال عضواً متفرغاً بالحزب الشيوعى حين أنجز بحثه القيم بعنوان "الماركسية ومسألة اللغة فى السودان"، والذى صدرت طبعته الأولى فى سلسلة "كاتب الشونة" ضمن إصدارات الحزب الشيوعي السوداني عام 1977.
المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية│
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســـودانية