أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
العدد 1

Budge , 1907

خزان أسوان الأول وإنقاذ آثار النوبة الشمالية

لم يتبدل الوضع حتى فى السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر، عندما بدء فى عام 1899 فى بناء خزان أسوان فى الشلال (الجندل الأول)، والذى كان سيرفع منسوب النيل فى البحيرة الناشئة الى 107 متر. هكذا غطت المياه جزءاً من النوبة السفلى يبلغ طوله حوالي المأتى كيلومتر ( حتى جرف حسين).

حقيقة أنه بفترة قصيرة سابقة، قام بدج فى عام 1897 برحلته الأولى الى السودان Budge,1907 إلا أن مذكراته لم تتعد ملاحظات عابر سبيل قد تكون ذات فائدة لمن يهتم بالوضع فى البلاد فى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر. والباب المكرس لآثار نبته لا يحمل الكثير حيث يورد بدج آراء وتقييمات الرحالة الذين شاهدوا تلك الآثار فيما قبل، والى حد بعيد يفرض على القارئ الاكتفاء بما يورده من وصف سطحي فى الأساس .فقط المتخصص المهتم بدراسة أو ترميم أي من المعابد أو الأهرام يمكنه أن يجد فى كتاب بدج تفاصيل متفرقة غير متوفرة فى مصادر أخرى .إن مجمل المادة التوضيحيَّة، باستثناء صور فوتوغرافية قليلة، مأخوذة من أعمال أخرى، فى الأساس من أطلس لبسيوس. كشف بدج فى جبل البركل عن واحد من الأهرام، إلا ان الحفر أجرى بطريقة غير مجربة وكذلك التقرير الذى كتب عن العمل. عندما اصطدم بالمياه الجوفية أوقف العمل.

خلال رحلته الثانية فى عام 1898 قام بدج بزيارة مروى، وخلال رحلته الثالثة فى عام 1903 زار سوبا، وودبانقا، والنقعة، والمصورات الصفراء وغيرها. عندها كشف عن  بعض الأهرام بهدف توفير إمكانية " مشاهدة الرحالة لها." حفرياته هذه هى الأخرى غير ذات أهمية مثلها مثل حفرياته التى أجراها فى نبته. يعطى بدج وصفاً لأهرام الجبانتين الشمالية والجنوبية فى مروى. وإذا كان لهذا الوصف أهمية  قبل نشر تقرير بعثة ريزنر، من حيث كونه يمثل إضافة الى أعمال لبسيوس، فانه حالياً شأنه شأن أعمال بدج الأخرى يمثل أهمية تدوينية لا أكثر.

فقط عندما اتخذ القرار بتعلية خزان أسوان الى سبعة أمتار أخرى، وهو ما كان يعنى إغراق وادي النيل حتى كورسكو، بدأت مصلحة الآثار المصرية، التى كان يترأسها حينها ج.ماسبيرو، فى إجراء المسح المنتظم للنوبة الشمالية . بدأت أعمال التشييد فى عام .1907 فى عامي 1904-1905 أجرى ماسبيرو رحلتين تخصصيتين للتعرف على الآثار فى المنطقة المهددة بالغرق .فى الرحلة الأولى وصل حتى أبوسمبل، وفى الثانية حتى المحرقة .رافقه أ .فايجل الذى عُين مفتشاً أولاً لمصلحة الآثار المصرية. فى عام 1906 كُلف فايجل بإجراء مسح شامل للمنطقة المهددة وذلك بهدف تحديد تكلفة أعمال صيانة الآثار والإشارة الى المواقع المستقبلية للتنقيب.

كان تقرير فايجل بمثابة الوصف الآثارى الأول للنوبة الشمالية الذى يستجيب لمتطلبات العلم Weigall,1907  مع أنه كان متسرعاً كما يعترف بذلك فايجل نفسه، مشيراً فى مقدمت" التقرير الحالي لا يدعى الكمال .انه مجرد وصف مبدئي لآثار الماضى ومخلفاته، التى يتوجب دراستها لاحقاً ."جمع فايجل خلال رحلته التى دامت شهرين مادة هائلة. أعطى وصفاً موجزاً لمعابد النوبة الشماليَّة والرسوم التى تزينها، ووصف الحصون والجبانات البادية على السطح، وقام برسم شقوف الفخار التى تم الكشف عنها فى المنطقة، كما أنه قام بنسخ النقوش الصخرية دون أن يدعى الدقة الباليوجرافية فى ذلك. وقام بالتقاط كم هائل من الصور الفوتوغرافية. أصبح التقرير سبقاً لموجز تاريخ النوبة الشمالية من عصر المملكة القديمة حتى القرن السادس الميلادي، وكذلك وصفاً متخصصاً لمدافن المجموعة الثالثةC-Group   التى لم تك قد عرفت بعد بذلك الاسم. أطلق فايجل على تلك المدافن تسمية  pan-graves مدافن مماثلة كان قد تم الكشف عنها قبل فترة وجيزة من قبل فلندرز بيترى و أ. ميسوم فى مصر العليا. لازال عمل فايجل محتفظاً بقيمته اليوم، إنه بحق أول استعراض منتظم لآثار المنطقة التى استخف بها حتى تلك الفترة. الكثير مما نسخه وصوره فايجل أصبح فى الوقت الراهن بعيداً عن منال العلم.

خلال عدة سنوات لاحقة واصل د. ريزنر عمل فايجل- 1907/1908 -Reisner,1910  ومن ثم- مساعده س. فيرث Firth,1912. توجب دراسة وبقدر المستطاع التنقيب فى كل المواقع الأثرية بين الشلال ووادي السبوع؛ فى المناطق الأقل إثارة افترض الاكتفاء بالمسح أو بإجراء المجسات التجريبية. أجريت الأعمال بصورة محكمة، وهو أمر يعود الفضل فيه لريزنر- أحد مؤسسي المنهجية الحديثة فى البحث الآثارى. تمت فى السنة الأولى دراسة رقعة تمتد 50 كيلومتر على ضفتي النيل بين الشلال وتافا. هنا تمالكشف عن 58 جبانة، وحفر العديد منها ووصفت المقابر وصفاً دقيقاً. على أساس تحليل المادة المكتشفة- المواد الجنائزية، الفخار فى المقام الأول، طرح ريزنر جدولاً كرونولوجياً لا زال، مع تعديلات طفيفة متفرقة، يستخدم حتى الآن لدراسة تاريخ النوبة الشمالية:

 1. الفترة ما قبل الأسرية: المبكرة، والوسطى، والمتأخرة (كما هو الحال فى مصر)

 2. الفترة الأسرية المبكرة (الأسر من الأولى حتى الرابعة)، تقريباً ثقافة المجموعة الأولى ِA-Group

 3. المملكة القديمة ( الأسرتين الخامسة والسادسة)، تقريباً ثقافة المجموعة الثانية B-Group 

 4. المملكة الوسطى (الأسر من السابعة حتى السادسة عشرة)، تقريباً ثقافة المجموعة الثالثة C-Group

 5. المملكة الحديثة (الأسر السابعة عشرة حتى العشرين)، ثقافة المجموعة الرابعة D-Group؛ لا تختلف مخلفاتها عن المملكة المصرية الحديثة.

 6. الفترة المتأخرة (الأسر العشرين حتى الثلاثين).

 7. الفترة البطلمية- الرومانية.

 8. الفترة البيزنطية (تشمل ثقافة المجموعة المجهولة X-Group، أي النوباديين، الذين سميوا سابقاً البليميين).

 9. الفترة القبطية.

مثل هذا التسلسل الى فترات مفهوم. كما هو معروف، لا توجد فى الأجزاء الشمالية للمنطقة ما بين الجندلين الأول والثاني، أي" الدوديكاسخيونس "الإقليم الثاني عشر لمصر الرومانية، فعلياً أية آثار للفترة النبتية المرَّوية، فى حين تتمثل بصورة جيدة آثار عصر السيادة البطلمية والرومانية.

بعد الوصف المفصل للجبانات ولمدافن متفرقة يقدم ريزنر فى الفصول الثلاثة الختامية موجزاً لملاحظاته: فى الفصل الأول منها يتتبع أشكال المقابر، وفى الثاني-  أنماط الدفن، وفى الثالث يُدّعم الجدول الكرونولوجى المقترح من جانبه. فى العام اللاحق تقدم فيرث أبعد الى الجنوب- حتى كاشتامانى، الى الشمال من دكة، لتشمل حفرياته أكثر من ثلاثين جبانة. توجد فى هذا الجزء قلعة ايكور (كور) التى يرجع تاريخها الى المملكة الوسطى، والتى درس فيرث تحصيناتها، الى جانب سلسلة من مواقع الإقامة بين جرف حسين وكشتامانى. أكدَّ فيرث على صحة فرضيات ريزنر الكرونولوجية. مثله مثل غالبية العلماء، افترض فيرث أن ثقافة المجموعة الثالثة جُلبّت من الخارج من قبل قبائل وافدة، ولا تمثل تطوراً طبيعياً لثقافة المجموعة الثانية. الجدير بالذكر أن هذه الفرضية ظلت معتمدة لفترة طويلة وعدت مقبولة بصورة عامة.

أجريت أعمال التنقيب فى العامين التاليين بوتيرة أسرع، ذلك لقرب موعد غرق المنطقة تحت مياه البحيرة الناشئة. فى النتيجة شملت الحفريات نصف النوبة الشمالية. تمالنجاح فى تنظيف 44 جبانة أخرى والعثور فى اكميندى على آثار موقع إقامة ضخم يرجع تاريخه للفترة المسيحية المبكرة. فى القطاع الأخير- من دكة حتى وادي السبوع، تمالكشف عن أولى المدافن المرَّوية التى يعود تاريخها للعصر الإغريقي-  الروماني. كما تمالتأكيد عليه فيما بعد فإن سلطة ملوك مروى امتدت فى الدوديكاسخيونس فقط بصورة متقطعة لفترات زمنية قصيرة نسبياً.

فى عام 1908 نقب د. جارستانج جبانات دكة، وكوبان، وكشتامانى. إلا أن تقييم النتائج التى تحصل عليها ممكن فقط على أساس تقرير موجز قصير Garstang,1908  أيضاً كان وصف رحلة برستد التى قام بها للنوبة الشمالية بعيداً عن إضافة جديد يذكر Breasted,1906 and 1909 .

وفى حين كان ريزنر وفيرث يقومان بحفر ودراسة المواقع الأثرية، عملت مجموعة من العلماء برئاسة ج. ماسبيرو فى دراسة وترميم ووصف معابد النوبة الشمالية العديدة الواقعة بين أسوان وأبى سمبل. نتيجة هذا الجهد المشترك على مدى ثلاثين عاماً  (1909-1938) ظهرت سلسلة من خمسة عشر مجلداً" معابد النوبة الغارقة "والتى تحوى مادة هائلة ذات طبيعة متنوعة لا زالت لم تستخدم كلياً حتى اليوم. لقد احتلت المعابد موقعاً بارزاً فى حياة البلاد الاقتصادية؛ تحتوى النقوش والرسوم التى غطت جدران النخس والصالات والمقادس على معلومات تاريخية لا حصر لها. إنه بفضل النقوش فى معبد دكة نعرف أن أركامانى كان معاصراً لبطليموس الرابع، لا بطليموس الثاني، كما ساد الاعتقاد فى السابق على أساس كلمات ديودور. فى بعض المعابد تم الاحتفاظ بنقوش ملوك مروى وأسماءهم، على سبيل المثال أدخير أمانى فى ديبود. ويشير الخرطوشان الحاملان لأسمى بطليموس السابع والثامن فى معبد ديبود الى أنهما تحديداً، لا ملوك مروى، سيطرا على هذه المنطقة فى القرن الثاني ق.م. احتفظت جدران معبد كلابشة بالنقش المعروف لملك النوباديين سيلكو "القرن السادس"، وأخيراً فإن المخربشات العديدة-  الهيروغليفية، والديموطيقية ، واالمروية، والإغريقية-  كثيراً ما تمثل مصدراً لمعلومات لا توجد فى أى مكان. من الصعوبة عدم تقييم هذه النصوص أيضاً بالنسبة لدراسة ديانة كوش، بخاصة فى عصر نبتة- مروى.

فى وقت متزامن مع بعثة مصلحة الآثار المصرية بدأ عمل بعثة جامعة بنسلفانيا والتى اشترك فيها عالم الآثار الشهير ل. وولى ، وفى نشر تقاريرها-  ف. جريفيث .ركزت هذه البعثة أعمالها فى ثلاثة مواقع : أريكا ، وكارانوج  وبوهين Randall-MacIver,1911بالإضافة تمت دراسة المعابد المسيحية المبكرة Milcham,1910  بدأت أعمال التنقيب فى أريكا فى عام 1907 واستمرت حتى عام.1910  علينا الاعتراف، أنه لم يتم الكشف فى النوبة الشمالية فى وقت واحد مثل هذا الكم من آثار العصر المروى. نشأت مواقع الإقامة فى اريكا، وبوهين، وكارانوج، حيث وجد فيما يبدو مركز لدارى ضخم، فى عصر ازدهار الثقافة المرَّوية. الحقيقة أنه من المبرر فى تلك الفترة نظراً لقلة التجربة والخبرة ولشح المعرفة أن عدت تلك الآثار منتمية للبليميين.

كشف علماء الآثار فى أريكا " حصن " أحد الزعماء القبليين أرجعوا تاريخه لأزمان الأسرة الثامنة عشرة. اللافت للانتباه التشابه الكبير لبعض أجزاء هذا المبنى بمعمار قبائل وسط أفريقيا وجنوبها. يؤكد المؤلفون على دلالة السكان المحليين، وأشاروا فى الفصل التمهيدي، الى أن المجلد الحالي الذى ينشرونه ينتمي فى الأغلب الى أفريقيا أكثر منه الى مصر، رغم أنه ولقرب الأخيرة لا يجوز نفى تأثيرها ونفوذها المباشر" الاستعمار "كما يكتبون. كتالوج الفخار المنشور، الذى وجد على السطح فى جبانات الجزيرة وشبلول، وكذلك وصفه، كان بالفعل بمثابة تأسيس لدراسة المصنوعات الفخارية المروية التى تدل على مستوى عال من المهارة والذوق الرفيع وهى ما يثير الإعجاب اليوم. اكتسبت الحفريات فى كارانوج أهمية أكبر، حيث تمالكشف فى موقع الإقامة وفى الجبانة وكلاهما يرجع للعصر المروى، عن العديد من المواد الصنعية، أدوات للزينة وفخار. سمح التحليل الدقيق لتلك المكتشفات مع مقارنتها بأشكال الدفن بالتوصل الى سلسلة من التدقيقات والضبط الهامة لتحديد التواريخ . كرس فصل خاص للمسائل المتعلقة بالكرونولوجيا. بمقارنة ما جمعوه من مواد مع إفادات الكتاب الإغريق والرومان والابيجرافيا الرومانية، يعطى المؤلفون ملحقاً للمجلد الثالث موجز تاريخ الحاميات الرومانية فى حدود مصر الجنوبية، سابقين بذلك عمل لوكيه Lesquier,1918 . يعطى"حصن" كارانوج والمنازل المجاورة له مادة دسمة عن خصائص مركز إداري حدودي للمملكة المرَّوية. استنتاجات المؤلفين وتعميماتهم تحتاج حالياً الى سلسلة من الإضافات والتدقيقات الأساسية، فى المقام الأول فيما يتعلق بخطأ التواريخ التى يقترحونها. فكما أشرنا فإنهم نسبوا كارانوج للبليميين.

أضافت الحفريات فى بوهين الكثير بالنسبة للمعلومات المتوفرة فى تلك الفترة والتى كانت تعتمد أساساً على حوليات الفراعنة ونقوش الوجهاء المصريين، التى أوردت معلومات عن النوبة الشمالية عندما كانت خاضعة لمصر، أي فى عصر المملكتين الوسطى والحديثة. تم الكشف عن معابد، بخاصة المعبد الذى شيدته الملكة حتشبسوت، وعن تحصينات وجبانات يرجع تاريخها لفترة الأسر الثانية عشرة-  السابعة عشرة، والتى تشير الى حياة المصريين الذين أرسلوا الى هنا. لم يتم الكشف عن الكثير من المسلات، لكن التى وجدت تحمل أسماء وألقاب بعض الإداريين المهمين، وهو ما ساعد فى تبيان النظام الإداري الذى اختطه الغزاة. هنا وجد فى تلك الفترة واحد من المراكز الإدارية.

فيما يتعلق بمواقع الإقامة فى العصر المروى فإنها لم تك غنية بصورة بادية. لذلك اكتفت البعثة بالتنقيب فقط فى منزلين وحفر مجسات تجريبية. الشئ نفسه يمكن قوله عن المقادس والمقابر غير الكبيرة الموجودة بالقرب. يلاحظ أن د. رندال و ماك ايفر تجاوزا الخطأ السابق واستنتجا بأنها خاصة بكوشيين لا بليميين.

هكذا يمكن القول بأنه فى العقود الأولى للقرن العشرين جرت عمليات استكشاف نشطة فى النوبة الشمالية، حيث ظلت مياه النيل فى ارتفاع من عام الى عام مع تعلية خزان أسوان. إلا أن الوضع الى الجنوب من الجندل الثاني ظل على ما هو عليه دون تبدل يذكر اذا ما استثنينا أعمال بدج فى مروى التى لا يصح عدها عملاً جاداً.

جارستانج وآثار مروى

فى الأعوام 1903- 1908 قام كروفوت بسلسلة من الزيارات الى "جزيرة مروى" وترك وصفاً متسرعاً للمدن القديمة التى زارها (مروى، والبعصة، وسوبا، وجبل قيلي وغيرها) Crawfoot,1911. وقد تضمن ذلك الوصف ملاحظات صحيحة عن طبيعة المنطقة، وعن نشاطات السكان فى القدم، وعن طرق القوافل وما الى ذلك. وأُلحق وصف كروفوت بصور فوتوغرافية وخرائط. على أساس المعلومات التى قام بجمعها بذل كراوفوت محاولة لإعادة تركيب تاريخ مملكة مروى، فى الأساس إقليمها الأوسط. لكنه لم ينجح لا فى طرح تواتر الأحداث ولا فى ابراز خصائص الثقافة المروية، إذ لا زالت المعطيات التى امتلكها محدودة، ومع ذلك فإن عمله لم يفقد أهميته حتى الآن.

بدءاً من 1909/1910 شرعت البعثة التى يترأسها عالم الآثار د. جارستانج فى العمل فى مروى، واستمر العمل حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى. للأسف فإن النتائج لم تنشر بصورة كاملة حتى اليوم، ولم تر النور سوى تقارير مبدئية عن تلك الأعمال. 

فى الموسم الأول لتلك البعثة تم تنظيف معابد امون، وايزيس ، وأبادماك- اله الحرب برأس أسد، بالإضافة الى جبانات. فى السنوات اللاحقة انحصر نشاط البعثة فى مباني العبادة والقصور. الناس العاديين لم يتم الإهتمام بتقصي آثارهم، ولا نعرف حتى الآن نوعية التركيب السكاني لعاصمة المملكة المروية، ما هو نوع نشاطاتهم، ما هو نمط حياتهم اليومية. الحقيقة أنه تمالكشف فى أطراف المدينة عن كميات كبيرة من بقايا خام الحديد: أفران، أكوام خَبَث. هكذا أصبح جلياً أحد أسباب إزدهار مروى: نشأ هنا أهم مركز للتعدين الذى امتد تأثيره بعيداً الى الجنوب والجنوب الغربي والجنوب الشرقي. التقرير المبدئي الذى كتبه جارستانج تصدره موجز لتاريخ مدينة مروى اعتمد فى الأساس على أعمال الكتاب الإغريق والرومان. وأرفق بالتقرير فصل كتبه أ. سايس عن تحليل رموز الكتابة المروية كما اقترحه جريفيث، كما شمل التقرير النقوش التى تم العثور عليها خلال التنقيب. نعرف عن الأربعة مواسم اللاحقة من التقارير القصيرة التى تعطى تصوراً عاماً عن "المدينة الملكية" التى يبلغ امتدادها ثلاثمائة كيلومتر طولاً. هنا تمالكشف، الى جانب المعابد المذكورة، عن مبانٍ أخرى للعبادة، على سبيل المثال "معبد كلاسيكي"، وحمام يشبهان ما تم العثور عليه فى بيرين باليونان، وكذلك حمام آخر "ملكي" أحدث وأشبه بالحمامات الرومانية، وأطلال مبنى يحتمل أنه كان مرصداً. العديد من شقوف الأواني الهلنستية والرومانية، كان من بينها المستورد، تسمح بتحديد مجموعات المصنوعات الفخارية وتساعد فى توضيح تواتر التغير فى الأسلوب والتقنية، ومن ثمَّ الجدولة الكرونولوجية. تعكس تقنية البناء سمات العصر. المميز أن عصر الازدهار يتوافق مع العصر الهلينستى، أى أنه بدأ تقريباً من عهد  أركامانى الذى تم فى عصره القضاء على بعض بقايا التركيبات العشائرية البدائية، بخاصة المتعلقة باغتيال الملك الطقوسى. بدءاً من القرن الأول الميلادي تأخذ فى الظهور الملامح الأولى لبداية الانهيار والتى تصبح أكثر وضوحاً مع مرور الوقت . نجحت البعثة فى الكشف عن آثار مدهشة للفن المنظور- تماثيل ، جزئيات من أيقونات لم يتم نشرها حتى الآن. كما لم تنشر المواد التى عثر عليها فى المرصد، وهى مادة هامة لتاريخ الثقافة المرًّوية وعلاقتها بالعلم فى القدم. يرجع جارستانج تأسيس المدينة الى القرن السابع ق.م. عندما حكم، فى اعتقاده، الملك أسبالتا. لكنه يبدو أن الإقامة نشأت هناك فى وقت أسبق. كما أن جارستانج يعتقد بأن بترونى وصل بجيشه فى عام 23 ق.م. الى مروى وأن الحامية الرومانية بقيت هناك لمدة 10- 12 سنة. وجهة النظر هذه لا تجد ما يدعمها من الوقائع ولم تجد تقبلاً من قبل العلماء الآخرين. 

الكثير من الأوعية المليئة بالرماد، ورماد الأموات المدفونين، وحطام المباني تبقى معياراً يشير الى أنه حتى فى مجال محافظ من مجالات الأيدولوجيا، كالدين، انتشرت تأثيرات العالم الهلنستى التى شملت الطبقات الحاكمة. بعض المنازل المتفرقة التى تمالكشف عنها خلال أعمال التنقيب تنتمى على ما يبدو لفئات ذات ثراء، وبنيت بتخطيط مميز لبلدان الشرق: فناء مع غرف للمعيشة تحيط به ويدور حولها سور. لدى الحفر السريع فى بعض منازل الحرفيين عُثر على آثار دالة على نشاطهم، الفخار بصورة رئيسة. على بعد كيلومترين أو ثلاثة من المدينة، يحتمل أن تكون تلك قرية بأطراف المدينة، كشف عن مسلة كبيرة خاصة بالملكة أمانى رينا والأمير أكينيداد، التى جهز سايس نشرها المبدئي.

على أساس المادة التى تحصل عليها قام جارستانج بتركيب التسلسل التاريخى التالي لتاريخ مروى: الفترة المروية المبكرة 650-400 (؟) ق.م.؛ الفترة المروية المتوسطة 300 ق.م.؛ الفترة المروية المتأخرة العام الأول ق.م.- 350 م. إلا  أن هذا التصنيف المرحلى لكونه اصطناعياً لم يصمد طويلاً.

العلماء الإنجليز فى فرس

تقريباً فى الفترة نفسها- فى الأعوام 1910-1913- بدأت أعمال بعثة جامعة أكسفورد برئاسة جريفيث فى النوبة الشمالية بمدينه فرس التى كانت أحد المراكز الرئيسة فى المنطقة، وأيضاً بدأت البعثة العمل فى عاصمة كوش القديمة نبتة بين الجندلين الثالث والرابع. فقط بعد مرور ثمان سنوات على انتهاء العمل بدء فى نشر تقارير قصيرة، بعد ما أصبحت نتائج حفريات ريزنر فى جبل البركل وفى أماكن أخرى معروفة. بالتالي تيسرت لجريفث فرصة الاستفادة من استنتاجات ريزنر الأولية والتى كانت قد وجدت طريقها حينها الى صفحات المجلات المتخصصة ونشرات المتاحف.

اذا كان علماء الآثار الإنجليز قد عملوا عامين فى فرس، وقاموا بدراسة هذه المدينة دراسة شاملة، حيث جذبت اهتمامهم بصورة خاصة القلعة التى يعود تاريخها الى الفترة المسيحية، فإنهم، فى نبتة الأوسع امتداداً، حصروا جهدهم فى إجراء المسح للمدينة التى استمر عملهم فيها لعام واحد. ورغم أن القليل تمتنفيذه هنا، فانه نشر بصورة مضغوطة للغاية.

فالفصل التمهيدي الذى يمثل مقدمة للتقرير اتسم بطابع اقتباسي، مردداً استنتاجات كل من ريزنر جريفيث، ومن ثمَّ يطرح بإيجاز التاريخ البراجماتى للأسرة الخامسة والعشرين، معتمداً على حوليات بيَّا والمصادر الأخرى المعروفة حينها. ويستمر لإعطاء وصف منطقة موقع أطلال نبتة ويعدد النصوص المصرية التى ورَّد فيها ذكر للمدينة. فيما يتعلق بالعمل الفعلي للبعثة فان النتائج المتحصل عليها وصفت، كما أشرنا، بصورة مقتضبة. تمتنظيف المعبد فى صنم حيث كشف عن تفاصيل معمارية كثيرة، وعن "  كنز "، بالأصح، مخازن لحفظ المعادن والأسلحة الفائضة، وأيضاً عن جبانة غير مخصصة للملوك وأسرهم هى الوحيدة من نوعها المدروسة حتى الآن من جبانات منطقة المدينة. استخدمت الجبانة بدءاً من أزمان بيَّا تقريباً حتى منتصف القرن السادس ق.م. عندما كانت نبتة عاصمة لكوش. بالنسبة للفترة اللاحقة- المروية- فإنه تم الكشف عن بعض المقابر المتفرقة. إجمالا تمت دراسة 1500 مقبرة، كان معظمها للأسف قد تعرض للنهب فى أزمان سابقة. الغالبية العظمى منها، كما تشير الى ذلك الجعارين التى نقشت عليها أسماء الفراعنة، يرجع تاريخها الى الأسرتين الخامسة والعشرين والسادسة والعشرين. أعطى التقرير وصفاً لخصائص بعض المقابر وأجريت محاولة لتصنيفها. وتمأيضاً وصف المواد المكتشفة: الأواني- الحجرية والبرنزية والطينية، والأدوات، والأسلحة، وأدوات الزينة. فُسرَّ اختلاف المقابر بكونها تنتمى الى مجموعتين قبليتين لشعب واحد. عدم وجود جرد للمحتويات الجنائزية فى المقابر يعيق إمكانية تحديد العلاقة المتداخلة من حيث الثروة بين المجموعات، وهو أمر كان ستكون له أهمية لتفسير التركيب الاجتماعي للسكان. المؤسف أكثر أنه، كما أشرنا، فإن جبانة صنم هى الوحيدة المدروسة حتى الآن من العصر النبتي فى هذه المنطقة.

أعطت أعمال الحفر فى فرس، الى جانب آثار العصر المسيحي مدافن خاصة بالمجموعة الثالثة، وتحصينات يرجع تاريخها للمملكة الوسطى بالإضافة الى سلسلة من آثار المملكة الحديثة، التى تميز مرحلة السيادة المصرية على كوش.

العلماء الألمان فى النوبة الشمالية

مثيرة وهامة الاستنتاجات التى توصلت اليها بعثة أكاديمية العلوم النمساوية التى ترأسها ج. يونكر نتيجة عملها فى النوبة الشمالية فى الأعوام 1910-1912. لم يختلف يونكر عن سابقيه فتأخر نشر نتائج بعثته مما سمح له بالإطلاع على أعمال ريزنر ليتوصل الى تعميمات أكثر اتساعاً، فى المقام الأول فيما يتعلق بثقافة المجموعة الثالثة، التى تؤلف فى نظر يونكر ثقافة محلية مثلها مثل ثقافة كرمة الأبعد جنوباً. الانفصام الأول الذى أصاب الثقافة المصرية النوبية المشتركة وقع، فى قراءة يونكر، فى منتصف الفترة ما قبل الأسرية. فى عصر المملكة الوسطى تضح معالم أقاليم امتداد الثقافة المصرية التى تتوافق من حيث الزمن مع تنامي تأثير ثقافة المجموعة الثالثة. هذه الاستنتاجات توصل إليها يونكر بداية بفضل النتائج التى تحصل عليها بفعل التنقيب فى جبانة الكبانية، وفى العام التالي أكدت نتائج التنقيب فى كل من ارمينا وتوشكه، بخاصة المواد الأنثروبولوجية على صحة استنتاجات يونكر.

فى السنة نفسها التى أنهى فيها يونكر أبحاثه فى النوبة الشمالية بدأ العلماء الألمان بقيادة ج. شتايندورف عملهم فى عنيبة ( ميام فى المصرية القديمة) الى الجنوب من توشكه. انقطعت أعمال هذه البعثة نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، لتباشر عملها مجدداً فقط فى موسم 1930/1931 تم نشر التقرير التفصيلي فى الأعوام 1935- 1937. ومن ثمَّ فإن شتايندورف تمتع بفرصة الإطلاع على النتائج المتحصل عليها من الأعمال السابقة وان يبنى رأيه عليها. لم تكشف البعثة التى ترأسها شتايندورف عن آثار من العصرين النبتى والمروى، لكنها كانت ذات أهمية بالنسبة لدراسة تاريخ كوش فى الأزمان الأسبق. تم تثبيت تسلسل أحداث تاريخ كوش وفق الجدول الكرونولوجى الذى وضعه ريزنر. أضاف اليه شتايندورف بعض التعديلات المصطلحاتية التى لم ترد من قبل فى الأعمال العلمية. على سبيل المثال سمى ثقافة المجموعتين الأولى والثانية بمصطلح جديد هو "النوبية العتيقة"، والتى، وفق تحديده، تنتهى بالأسرة المصرية السادسة. المرحلة التالية "النوبية القروسطية" تشمل عصر المملكة الوسطى والمرحلة الانتقالية الثانية ( فترة الانحطاط الثانى لمصر)- المتميزة بسيادة ثقافة المجموعة الثالثة. وتم فى عنيبة للمرة الأولى دراسة موقع الإقامة الضخم الخاص بهذه الثقافة، ولذلك تمكن شتايندورف من اكتشاف سيادة عناصر محلية فى تلك الثقافة . اجمالاً حدد شتايندورف تلك الثقافة بوصفها Hochstand nubischen Eigenlebens رغم أنها كانت أدنى من الثقافة المصرية المعاصرة لها. اذا كان التقرير الأول، الذى بدأ بموجز عام لتاريخ النوبة الشمالية منذ أقدم الأزمان حتى نهاية المملكة الحديثة، قد كُرَّس لوصف الجبانات ومواقع الإقامة المحلية، فإن التقرير الثانى كان وصفاً للآثار المصرية، واحتوى على العديد من المواد الخاصة بالتوسع المصري فى كوش والعلاقات المتبادلة بين البلدين. وقد جعل الوصف التفصيلي وحصر المكتشفات الدقيق المفهرس هذا العمل المطبوع أحد أهم المصادر.

E.A.W.Budge 1907, The Egyptian Sudan,vol.I. London.

A.E.P.Weigall 1907, A Report on the Antiquities of Lower Nubia (the First Cataract to the Sudan Frontier) and their Condition in 1906-1907. Oxford.

G.A.Reisner 1910, The Archaeological Survey of Nubia. Report for 1907-1908, vol.I. Archaeological Report. Cairo.

C.M.Firth 1912, The Archaeological Survey of Nubia. Report for 1908/09. Cairo.

J.Garstang 1908, Excavations at Hierakonpolis, at Esna and in Nubia, Annales du Service des antiquités de l’Egypte 8.

J.H.Breasted 1908, The Monuments of Sudanese Nubia. American Journal of Semitic Languages and literatures 25.

J.H.Breasted 1909, A History of Egypt. London.

D.M.Randall-MacIver 1911, Buhen, vols. I-II. Philadelphia.

G.S.Milcham 1910, Churches in Lower Nubia. Philadelphia.

J.Lesquier 1918, L’armée romaine d’Egypte d’Auguste à Dioclétien. Le Caire.

J.W.Crowfoot 1911, The Island of Meroe. London.

البحث الآثاري الى الجنوب من الشلال الثالث


المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية

الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة

أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســــودانية