المسألة العرقية واللغوية
علاوة على المادة النصية والآثارية، أسهمت بقايا الهياكل البشرية للنوبيين القدماء فى الكثير من الجهود السابقة التى بذلت لإعادة تركيب التاريخ النوبي. عندما نظم المسح الآثارى الأول للنوبة، وافق السير اليوت سميث، عالم التشريح المرموق الذى كان يعيش وقتها فى القاهرة، على أن يضطلع بتحليل الهياكل البشرية التى يتم الكشف عنها ووصفها. اصطحب البعثة الأولى الى الميدان وقام بعمل قياسات وسجل ملاحظات دقيقة عن العظام فى وضعها الأصلي. أما تلك التى كانت محفوظة بصورة جيدة (جماجم فى الأساس) فقد نقلت من ثم وأرسلت الى القاهرة للمزيد من الدراسة الموسعة. عدد الجماجم التى جمعت بهذه الطريقة لم برق أبداً لأكثر من 15- %20 من التى نبشت من المقابر، حيث أن أغلب جنائز النوبة السفلى كانت فى حالة سيئة من الحفظ.
كان سميث، مثله مثل ريزنر، مضطراً لترك المسح بعد الموسم الأول، على أن مناهجه وعمله تولاها دوقلاس ديرى، مبدئياً تحت إشراف سميث، فى الحملات اللاحقة. نشرت تحليلاتهما التشريحية جنباً الى جنب مع النتائج الآثارية الخالصة فى كل من النشرات الأولى للمسح الآثارى، وبشكل أكثر إكتمالاً فى تقرير موسم 1907-1908. النمط الذى استنه سميث وديرى تمَّ إتباعه فى المسح الآثارى الثاني من جانب أحمد بطراوي فى دراسته للبقايا التشريحية.
لم يواجه سميث وديرى مشقة فى التعرف على وجود إختلافات عرقية ذات دلالة ومغزى بين الهياكل البشرية التى تمَّ الكشف عنها فى القبور النوبية المتنوعة. اعتقدا أن أناساً (المجموعة الأولى) يظهرون تماثلاً مع المصريين ماقبل الأسريين، فى حين استبصرا فى " المجموعة الثانية " تياراً زنجياً أشد قوة بكثير. هذا العنصر الزنجى اعتقدا ببقائه، ولو بصورة مخففة، فى المجموعة الثالثة- وهى حالة دفعت بكل من سميث وريزنر لإفتراض حدوث وصول عناصر شمالية الى السودان فى هذا الوقت. لوحظ هذا المزيج العرقي وسط السكان النوبيين اللاحقين حتى أزمان " المجموعة المجهولة "، عندما وقع مجدداً دفق زنجى كثيف. كانت هذه الإختلافات التشريحية- فيما يبدو بينة دالة على وقوع هجرات عرقية- هى التى دفعت ريزنر الى أن يعرف أنواع المقابر النوبية بجماعات سكانية متميزة، والتى تكمن بهذه الكيفية وراء مجمل التفسير " متعدد- الأطوار " للتاريخ النوبي.
يمكن توجيه نقد لعمل سميث وديرى التشريحى على أساس عدد من العلل. حتى فى حالة النوايا الأفضل والشروط الأحسن، كانت المناهج المتوفرة لهما فى بداية القرن العشرين بدائية وذاتية الى حد بعيد. لقد أرسيا تأكيداً ثقيلاً على عدد ضئيل من السمات المميزة، مثل الدليل الرأسى الذى كثر سوء إستعماله، وكان الكثير من تلك السمات ملامح مورفولوجية لا يمكن إثباتها بالقياس. وربما أن الأشد خطورة من بدائية المنهجية هو النزعة العنصرية المتضمنة باكورة التشريح المقارن. لقد كان فى جوانب علماً- زائفاً، تعمد تفريق الأشكال الحية للإنسان كأنما كانت أنواعاً جلية للحيوان أو النبات. كانت ستراتيجية هذا العلم التعرف على الفروق الثابتة بين سلالات مدركة حدسياً، متجاهلاً التماثلات- دونما إعتبار للسؤال المتعلق بما إذا كانت " السلالات " نفسها ذات صلاحية بوصفها مفاهيم للنوع. كانت تلك صرخة نائية عن الدراسة العلمية الحديثة لديناميات السكان.
آخذين فى الحسبان المنهج والفرضيَّات السائدة فى عام 1907، فإن أفضل علماء التشريح المقارن قد يجدون فى مادتهم التأكيد على أى من النظريات التاريخية التى يرغبون فى التسليم بها. حدث هذا بلا جدال بالنسبة لسميث، وديرى، وريزنر. لا بدَّ من الإعتراف بأن وجهة النظر العنصرية التى تقاسمها كل الدارسين الأوائل للتاريخ النوبي تمثل إدانة للعصر أكثر منها إدانة للرجال. ربما كان اليوت سميث المتحدث الأكثر بروزاً بينهم بتأكيده فى تقاريره " أقل مزيج من الدم الزنجى يظهر نفسه فوراً فى تبلد المبادرة و" إعاقة التطور اللاحق لفنون الحضارة" بيد أن الإعتقاد نفسه قد تمَّ التعبير عنه بطريقة أو أخرى فى كتابات معظم معاصريه. لم يتم الإقلاع، على كل، عن مفاهيم التفوق والتدنى العرقي إلا بعد جيل لاحق أعملت الأنثروبولوجيا الفيزيقية خطوطاً قيمة وهامة فى الجيل الفاصل بين المسحين الأول والثاني للنوبة. إمتلك أحمد بطراويفى دراسته للهياكل البشرية من مسوح ايمرى وكيروان المزية المتمثلة فى منهجية أكثر صفاءً وذهن أقل إنحيازاً بكثير مما امتلكه سميث وديرى على حد سواء. أخفقت دراساته فى معظم الحالات أن تبرهن على إستنتاجاتهما، بصفة خاصة فيما يتعلق بالمسألة العرقية. لقد كان نفوذ اليوت سميث، رغم ذلك، من الهيمنة بحيث أن بطراوي إمتنع عن تحدى نظريات سلفه التاريخية حتى عندما جادل أساسها التجريبى. نتائج بطراوي الخاصة المنشورة تصدر مقدمتها نوع من التعبير المتردد من الممالاة لنظريات سابقيه، مما يبدو متناقضاً بقدر كبير فى الفقرات الأخيرة لعمله.
أصبح بطراوي أكثر حكمة بعد عقد لاحق، بعد أن ألقى نظرة ثانية لا على عمله الخاص بمفرده، وإنما على المسح الآثارى الأول السابق أيضاً. ففى مقالتين نشرتا بمجلة المعهد الأنثروبولوجى الأمريكى (1946) دحض فى جلاء الفرضيَّة القائلة بالتعددية العرقية معترفاً بالسكان النوبيين الأصليين (أى بدون المستعمرين المصريين) غديراً وراثياً متميزاً واحداً من البداية الى النهاية. كذلك إعترف بأن " الفشل فى التفريق بصفاء ما بين إنجازات السكان وأوصافهم البيولوجية الموروثة سبب ربكة كبيرة فى الكتابات الأنثروبولوجية. إن الأدب الذى يعالج التاريخ العرقي لمصر [والنوبة] يقدم مثالاً غير عادى لخطر تقدير العلاقات البيولوجية من واقع بينة ثقافية ". ضاع هذا التحذير من الوقوع فى الخطأ الذى دام طويلاً، وظهر فى مجلة قليلاً ما يستشيرها المؤرخون، غير مكترث به إطلاقاً. نتيجة ذلك لا تزال نظرية الأعراق المتعددة ملازمة لنا بكثرة وفيرة، مثال ذلك ما نجده فى صفحات مؤلف ايمرى مصر فى النوبة. مدعمة بشبكة من الخيال التاريخى الذى نسج حولها، تظل النظرية باقية بعد ردح طويل من هدم ركائزها التجريبية.
لقى رأى بطراوي الأخير عن التاريخ العرقي النوبي دعماً إضافياً بفضل الدراسات المقارنة للهياكل البشرية التى تمَّ الكشف عنها فى جبل موية والتى اضطلع بها موخيريه، مستخدمين طقماً معقداً من المصنفات الإحصائية، إحتسبوا درجات من العلاقة بين حوالى عشرين مجموعة سكانية أفريقية، بما فى ذلك زنوج " أنقياء " إضافة الى نوبيينأ وإثيوبيين، ومصريين. فى تركيبتهم تبرز المجموعات النوبية السبعة (أى كل أولئك الذين درسهم فى الأصل سميث وديرى، ومؤخراً بطراوي) كفئة متميزة لصيقة التجانس الوراثي، مفصولة فصلاً عريضاً عن الكل عدا اثنتين من الثلاثة عشر فئة المتبقية التى أجريت المقارنة معها. مثل بطراوي خلص موخيريه ورفاقه الى أن الجماعات النوبية تمثل غديراً منفرداً قليل الإختلاف وراثياً. فى وقت أقرب فشلت دراسة لخصائص الأضراس ( التى سلم بها فى وقت لاحق كمؤشرات وراثية عالية الحساسية) فى الكشف عن أية إختلافات هامة ذات معنى بين أهل المجموعة المجهولة والسكان المرويين والمسيحيين.
أكثر الأعمال المنشورة حداثة هو تحليل جماجم من فترات تاريخية مختلفة كانت قد كشفت عنها البعثة الاسكندنافية المشتركة للنوبة السودانية فى الفترة 1961-1964. من تلك الدراسة توصل فاقن نيلسن الى وجود تأكيد ضعيف للغاية للعديد من النظريات السالفة التى طرحها اليوت سميث وديرى، أى أنه يرى وجود إختلافات طفيفة لكنها متماسكة فى السكان فى كل مرحلة متعاقبة من التاريخ النوبي. إن تشخيصه لهذه الإختلافات بمصطلحات عرقية بعيد كل البعد عن تشخيص سميث وديرى: "فيما يختص بمسألة الأثر الزنجى فى النوبة بوجه عام، يجب أن يقرر من هذه الإختبارات أن سكان المجموعة الثالثة أسفر تشخيصهم عن سمات زنجية طفيفة للغاية، أو أنها غير موجودة. كانت السلسلة الفرعونية من غير سمات زنجية. المزيج الزنجى يأخذ فى الظهور مع السلسلة المرَّوية، لكنه فى المجموعة المجهولة يجوز الحديث عن سمات زنجية عامة أشد تميزاً، أياً كان الأمر فإن الجماعة لا يمكن وصفها بأى حال بالزنجية".
واضح أن "زنجى" تمثل فى ذهن فاقن نيلسن نوعاً من الشكل " النقى " وهو مالم يوجد أبداً فى النوبة فى الفترة التاريخية. إن المؤلف راعى الحذر فى إرجاع الإختلافات الوراثية الطفيفة الى هجرات بالجملة أو الى إحلالات سكانية؛ إنه يميل الى أن يرى فى تلك الإختلافات نتاج تطور إرتقائى وتشرب تدريجى بدم جديد (أحياناً من الجنوب وأحياناً أخرى من الشمال) فى وسط السكان النوبيين. دراسة أخرى أجريت مؤخراً، تشير أيضاً أنه ربما كان هناك تنوع كبير وسط السكان النوبيين فى فترات معينة من التاريخ كما هو بين مرحلة الى أخرى.
تلك الأجيال للدراسات التشريحية وكأنها قد تركتنا حيث بدأنا: مع إدراكنا لحقيقة أن النوبة كانت تضم سكاناً أفارقة أوجزئياً أفارقة يختلفون عن سكان مصر، ومع معرفتنا أيضاً أن ذلك لا يجعلنا أكثر حكمة فيما يتعلق بالتاريخ السياسى، والاجتماعي، والثقافى للبلاد، لا يمكننا فى الوقت الراهن فعل شئ أفضل من إبراز تحذير بطراوي بأن " نميز بصفاء بين منجزات السكان وسماتهم البيولوجية الموروثة ". علينا أيضاً ملاحظة أن غياب البرهان التشريحى لا يستبعد مطلقاً إمكان الهجرات فى التاريخ النوبي، ولا يتضمن التجانس االسلالى البادى الآن تجانساً لغوياً أو ثقافياً. إن الاستنتاج الشرعى هو أنه لكيما نعلم شيئاً حول اللغة والمجتمع يتوجب علينا أن ننظر الى بينة اللغة والمجتمع، لا لبينة علم الأحياء البيولوجي.
اللغة هى المصدر الأولى للهُويَّة الذاتية لمعظم بني الإنسان. وسط الأقوام البدائية يوجد ترافق لصيق بين مجموعات اللهجات وشبكات القرابة، فى مجتمعات أشد تعقيداً يتم التعرف بشكل مماثل على الدول الوطنية باللغة أحياناً كثيرة. هكذا دائماً ما تبدأ مساعينا لإكتشاف الأصول وصلات القرابة الاجتماعية للأقوام المبكرة بمحاولة الكشف عن اللغة التى كانوا يتحدثونها.
البينة المباشرة لللغة مفقودة بالتأكيد بالنسبة لمجمل مرحلة ماقبل التاريخ. إختراع الكتابة هو ما يقدم لنا المفتاح الأول الدال على لغة الحديث. فى المدنيات القديمة لم تكن العلاقة بين لغة الكتابة ولغة الحديث بالضرورة لصيقة، على مدى قرون كثيرة كانت أنظمة كتابية محدودة العدد تكفى لأعداد كبيرة من الناس. أما أولئك الذين لم يطوروا كتابة لأنفسهم فقد استعاروا لغة جيرانهم المكتوبة. هذه الظاهرة بادية بوجه الدقة فى النوبة، حيث استعمل النوبيون ما لا يقل عن ست لغات مكتوبة فى أزمان مختلفة من تاريخهم. من بين الخمس لغات التى بإمكاننا فك حروفها- هيروغليفية، وإغريقية، وقبطية، ونوبية قديمة، وعربية- تقارب واحدة فحسب لغة أصيلة متحدث بها. يعتقد أن لغة سادسة لم تفك مفرداتها بعد، هى اللغة المروية، كانت أصيلة بسبب إفتقادها العلاقة مع أية لغة معروفة، لكن هذا يظل بالطبع إفتراضاً.
لن نعلم أبداً أية لغات نطق بها النوبيون خلال الفترة القبلية السابقة للكتابة. مع هذا فإن التجانس الثقافي المميز للمجموعتين الأولى والثالثة، مصحوباً بالكثافة السكانية المتدنية، يحمل إحتمالاً بأن لغة واحدة كانت مستخدمة فى كافة أجزاء المنطقة التى تم الكشف فيها عن تلك البقايا الثقافية. الحضارة الأسريَّة، على كل، مددت حدود النوبة بعيداً الى خارجها، وبالتأكيد فانها جلبت الى المنطقة جماعات لغوية متنوعة. بدءاً من أزمان المملكة الحديثة وما اعقبها علينا أن نتصور على الأقل تشكيلة من اللهجات، إن لم تكن لغات مستقلة تماماً، بطول أجزاء مختلفة من النيل.
الموقف اللغوى فى النوبة الحديثة يحتمل أن يكون مطابقاً لما كان عليه الحال فى الماضى. المتدثون باللهجات المحلية الثلاثة، بالإضافة الى المستوطنين غير النوبيين، يستخدمون لغة مكتوبة مشتركة، أجنبيَّة على قدم المساواة عنهم جميعهم. درسان مهمان يمكن استخلاصهما هنا. أولاً، أن استخدام لغة مكتوبة بمفردها فى كل أنحاء المنطقة لا يتضمن بالضرورة لغة حديث مفردة. ثانياً، ان اللغة المكتوبة ربما لا تكون اللغة الأم لأي من الجماعات التى تستخدمها.
سببت علاقة النوبى الحديث باللغات المبكرة للمنطقة صعوبة دائماً. إنعدام تشابه ظاهر مع اللغة المروية التى لم تفك مفرداتها، مترافقاً مع بينة الإختلاف السلالى كما استدل به اليوت سميث، أدى الى نشوء فرضيَّة ذائعة الإنتشار بأن لغة اليوم جاءت الى النوبة مع الغزاة الزنوج من أهل "المجموعة المجهولة" الذين حلوا محل أسلافهم المرويين أوأنهم قاموا بإحتوائهم. إن القاعة التشريحية لهذه النظرية تبين زيفها، علاوة على ذلك، ليس أمامنا من طريق لمعرفة اللغة التى تحث بها المقيمون المرويون فى النوبة السفلى. ربما نرجح أن اللغة المكتوبة التى تداولوها من وقت لآخر كانت لغة قبيلة حاكمة بعيداً الى الجنوب (أي فى مروى) ومختلفة للغاية عن حديثهم اليومى. إذا كانت البينة اللغوية معين على إزاحة الغطاء عن التاريخ الاجتماعي للنوبة، فإنه لزام علينا ألا نحل طلاسم اللغة المروية فحسب، لكن علينا بالإضافة الكشف عن المتحدثين بها. فى الوقت الحالى فإن بينة اللغة لا تجعلنا أكثر حنكة، تاريخياً، عما تفعله البينة العرقية.
تحدث ونستون تشرشل، بتبصره المعهود، عن أن " مجراف عالم الآثار يصحح دراسة المؤرخ ويوسعها ". تبدو العبارة ملائمة للنوبة حينما نقارن صورة التاريخ التى قدمها واليس بادج فى عام 1907 بالتى كان باستطاعة ريزنر، معاناً بكشوفه الآثارية، أن يعرضها بالقدر نفسه بعد عامين أعقبا. إلا أن هنالك فارق ما بين " تصحيح " و "توسيع" دراسة المؤرخ، ننجسد هذه بدورها فى حالة النوبة. إن مؤرخى النوبة من بادج الى ايمرى إعتمدوا على علم الآثار فى المقام الأول لتوسيع نظرتهم التاريخية لا لتصحيحها. ولأنهم كانوا قد تلقوا تدريبهم فى الجزء الأعظم كعلماء لغة ومؤرخين، فقد أسندوا للبينة الآثارية دوراً ثانوياً أكثر منه دوراً تكميلياً تستحقه. وصف المجموعة الأولى والمجموعة الثالثة، والمراحل الأخرى غير المسجلة من التاريخ النوبى تستند بالضرورة على الكشوف الآثارية. فى الوقت نفسه فإن الكثير من الوصف للأطوار الفرعونية، والمروية، والمسيحية قلما تعترف بوجود سجل آثارى. إنه التمنع دون الرجوع الى علم الآثار، باستثناء حالة العجز التام للسجل النصي، الذى يجعل العديد من الدراسات فى التاريخ النوبى، ذلك الذى يضفى على دراسات نوبية كثيرة ليس فحسب طابعاً سردياً للأحداث بل ومفكك الأوصال، فى لحظة واحدة يبدو أننا ندرس تاريخاً سياسياً واجتماعياً، وفى اللحظة التاليَّة ندرس تاريخاً ثقافياً، بينما نتأرجح جيئة وذهاباً ما بين السجل النصي والإصطناعى.
هذا الفارق متأصل الى حد ما فى البينة. إن علم الآثار والتاريخ المسجل لا يقدمان لنا آراء عن جوانب مختلفة جداً للحياة فحسب، إنما يتيحان لنا على حد سواء مقاييس مختلفة للهُويَّة والعلاقات. الآثار يمكنها فقط أن تزودنا بالمنتجات الثقافية الملموسة وغير القابلة للزوال، وما يسعنا أن نقرأه منها عن العادات والمعتقدات التى يحملها صانعوها. فى نطاق هذا المدى المحدود يمكننا أن نطبق معايير للهُويَّة والقرابة هى من إبتكارنا- مؤسسة فى المقام الأول على قدرتنا فى التعرف على أنماط متميزة. هكذا ننسب أهمية كبيرة، كقياسات للهُويَّة، لنوعيات من الفخار، وللمارسات الجنائزية، دونما إعتبار لما إذا كانت لها أهمية مدركة بالنسبة للناس الذين أبدعوها. وبالقدر الذى يمكننا به أن نعيد تركيب التاريخ، بمقارنة بقايا فترة واحدة مع بقايا أخرى، نعيد بالطبع تركيب تطور الثقافة وحدها لا تطور الإنسان.
مع ظهور نصوص مكتوبة نبدأ فى مشاهدة التاريخ من خلال عيون المشاركين فيه، أو على الأقل المراقبين له. إن منظور الثقافة فى جوهره ربما لا يكون أكثر إتساعاً من المنظور الذى يقدمه لنا علم الآثار؛ الحق دائماً أضيق. ميادين كثيرة للثقافة، وعلى وجه الدقة الميادين المادية والتقنية، بقيت غير مسجلة ولذلك "ماقبل تاريخية" زماناً طويلاً بعد إختراع الكتابة. كتاب تاريخ الأوائل م كانوا مهتمين بعموميات عريضة لكنهم إهتموا بأناس معينين وبأحداث بعينها. على قدم المساواة عندما تحدثوا عن "أقوام" بدلاً عن "أناس"، تحدثوا بمصطلحات اثنية لا ثقافية، المجتمعات المهمة بالتسبة لهم هى مجتمعات لغة، وقانون، وتقليد اجتماعي، لم تكن مجتمعات ثقافة مادية وتجارة مثل التى ألزمنا بمعالجتها فى علم الآثار. والى المدى الذى تذهب فيه النصوص المدونة الى أبعد من مجرد تسجبل الأحداث فإنها تقدم لنا تاريخاً اجتماعياً واثنياً، فى حين بعطينا علم الآثار تاريخاً ثقافياً.
علم الآثار والتاريخ النصي يمكنهما بشكل بين ويجدر بهما أن يكملا بعضهما البعض. معاً يمكنهما أن يؤثثا صورة أكثر إكتمالاً للحياة فى أي وقت من التاريخ عما باستطاعة أي مصدر منهما بمفرده. مع هذا، ليس بوسعهما أن يستخدما بالتناوب، كما كان معهوداً به فى النوبة، كى يخرجا قصة متماسكة ومتواصلة لأي من التطور الاجتماعي أو الثقافي. عاجلاً أم لاحقاً على المرء أن يختار ما إذا كان سيدع السجل النصي أم السجل الآثارى يتحمل العبء الأساسى للقصة، وما إذا كان سيكتب لذلك تاريخاً اجتماعياً أم ثقافياً.
ما كان لوالس بادج مثل تلك الخبرة فى عام 1907. مفتقداً للسجل الثقافي على نحو ما تكشف لنا من خلال علم الآثار، كان مؤلفه السودان المصرى بالضرورة تاريخاً اجتماعياًوعرقياً، مع أنه واحداً غير مكنمل للغاية. برغم ذلك ام تر النور سوى مادة نصية إضافية قليلة جداً منذ زمانه، بخلاف ما يختص بشأن الفترة المسيحية، بحيث أننا لسنا أقضل إعداداً إلا بصعوبة لنكتب تاريخاً اجتماعياً اليوم. علاوة على هذا، يبدو غير محتمل أن كثيراً من الفراغات سوف تملأ أبداً. التداول المتواصل لتوصيفات ريزنر الهجائية للمجموعات الثقافية A,B,C and X شهادة بليغة لكوننا تفتقد المعلومات الاثنية والاجتماعية الصلبة بالنسبة لفترات كثيرة فى التاريخ النوبى. نظرباته عن الإنقطاع الإثنى ربما تبقى معتا كذلك لكل الوقت، علم الآثار بمفرده لن يثبتها أو يدحضها.
لئن كنا لا نزال غير قادرين أن نسمى أقواماً نوبية كثيرة بأسمائها السليمة، فإننا كيفما قضى الأمر حققنا تقدماً متصلاً فى دراسة تطورهم الثقافي عبر علم الآثار. قصة الدراسات النوبية فى القرن العشرين بغير منازع هة قصة للسدود العظيمة الثلاث، والمشروعات المخططة للإنقاذ الآثارى الذى تناسل منها. عبر تلك لم نمتلك فحسب بينتنا الوحيدة الدالة على المراحل غير الموثقة من التاريخ النوبى، إنما كتلة من تفصيل مقارن وغير مسجل فى أكثريته فيما يتعلق بثقافات المراحل المعروفة تاريخياً. بكلمات أخرى، لا نزال نملك نصوصاً لفترات منتقاة دون غيرها فى التاريخ النوبي، بيد أننا الآن نحوز آثاراً لكل الفترات بالتقريب. ما بوسعنا أن نفعله الآن، لذلك، أن نرفع علم الآثار الى مكانته اللائقة به، ندعه يخبر عن قصة متواصلة من التطور الثقافي من أزمان ما قبل التاريخ الى الحاضر.
كوش أم النوبة: إشكالية التسمية
المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة
أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســــودانية