أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةSudan Journal of Archaeology & Anthropology

English
العدد 1

البطالمة

مملكة  نبتة - مروى الموحدة

نشأت الإقامة فى مروى منذ أزمان العصر الحجرى الحديث، إلا أن المدينة الكبيرة هنا نشأت غالباً فى القرن الثامن قبل الميلاد فقط كما تشير الى ذلك المصنوعات الفخارية المكتشفة فى مدافن علية القوم المعاصرين للملك بيَّا والذين تم دفنهم وفق التقاليد الكوشية على عنقريب لا فى تابوت. ويبدو أنه بأزمان سابقة لانتقال العاصمة الى مروى عاش هناك أفراد من الأسرة المالكة. وكانت المدينة فى أزمان هيرودوت مدينة كبيرة وعاصمة للإثيوبيين الآخرين. ويرى بعض الباحثين أن الآثار الخاصة بالملك أسبالتا التى عثر عليها فى المدينة قد تشير الى أن انتقال العاصمة إليها قد تم فى عهده، إلا أن آخرين لا يتفقون مع مثل هذه الفرضيَّة ويقولون بأن مروى أصبحت عاصمة للمملكة فى عهد الملك ماليناكن بعد أن تم التحام فرعيَّ الأسرة المالكة فى كل من نبتة ومروى، لكنه يبدو لنا من الأرجح فى الوقت الراهن الابتعاد عن محاولة تحديد تاريخ دقيق للانتقال والتمسك بأن ذلك تم فى تاريخ ما من النصف الثاني للقرن السادس أو بداية الخامس قبل الميلاد. أما نبتة فقد ظلت تمثل المركز الديني الرئيس للمملكة حيث تم هناك تتويج الملوك فى معبد امون على مدى أزمان طويلة لاحقة،كما ظلَّ الملوك المتوَّجين يأمرون بعد تتويجهم مباشرة بتشييد أهرام لهم ولزوجاتهم فى جبانة نورى الملكية. استمر الحال هكذا حتى منتصف القرن السادس قبل الميلاد. بعد ماليناكن (555-542 ق.م.) تم دفن بعض زوجات الملك فى نورى فى حين دفن الكثيرات منهن فى مروى. الهرم الأخير فى نورى يخص الملك نستاسن (335-310 ق.م.) فى حين فضلَّ خلفاؤه دفنهم هناك حيث حكموا فى مروى، واختاروا فى البداية الجبانة الجنوبية ثم بدءاً من منتصف القرن الثالث قبل الميلاد فى الجبانة الشمالية.

فيما يتعلق بمدافن أولئك الملوك فى الكرو ونورى فإنهم على ما يبدو امتلكوا قوة وثراء عظيمين، وهو ما يتجلى مثلاً فى هرم الملك مالويب أمانى فى نورى (463–435 ق.م.) الذى بلغ حجمه 26.8 متراً مكعباً. وبقيت آثار دالة على النشاطات المعمارية التى نفذها فى معبد صنم وفى البركل. كما أن أمتالكا وخليفته ماليناكن أسهما فى تشييد القصور فى مروى.

قمبيز والحملة الفارسية المجهضة

اذا اعتمدنا رواية هيرودوت عن حملة قمبيز الفارسي على كوش، وهى رواية صحيحة طالما أن ذكرها قد ورد لدى مؤرخين قدماء آخرين، فان الملك الكوشي الذى واجه قمبيز كان هو امانى ناتاكى لبتى. تحرك جيش قمبيز جنوباً من مصر فى 524/523 ق.م. وأوردت رواية هيرودوت تفاصيل كثيرة ذات صلة بالفولكلور الشعبي الذى يمجد الإثيوبيين طوال الأعمار. لم تكن الحملة موفقة ذلك أن قمبيز، على حد تعبير هيردوت، استفزته الرسالة التى بعث له بها الملك الكوشى مع رسله الذين بعث بهم الى مروى، والتى أشرنا لها فى وقت سابق، فقام بقيادة جيشه قبل استكمال التجهيزات اللازمة من حيث النواحي التموينية والإمدادات واتبع طريق صحراء البيوضة من وادى حلفا جنوباً متجاوزاً انحناءة النيل الكبرى بعيداً عن السير بمحاذاة النيل، وبذلك اتبع طريقاً عبر الصحراء التى وصفها كراوفورد بأنها "مساحة تعد من أكثر البقاع جدباً على ظهر الأرض، وهى مساحة تؤلف بهضابها الخشنة الكالحة ورمالها الظمئى منظراً طبيعياً ذا طابع قمري" 1951 Crawford.

بعد مسيرة أقل من شهرين (52 يوماً) قطع فيها جيش قمبيز خمس المسافة حسب هيرودوت، نفد كل زاده من الطعام وأصاب الجنود الجوع وأخذوا يأكلون رمم الحيوانات قبل أن تجف، ومن ثم تحول الجنود الى أكلة للبشر مما اضطر قمبيز للتراجع. ويتساءل هيرودوت عن السبب الذى دفع بقمبيز التسرع فى حملته قبل تجهيزها دون أن يضع اعتباراً الى أنه "يقود حرباً فى آخر الدنيا".

ورغم أن سترابو يشير الى أن قمبيز قد يكون وصل الى مروى فان ذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. فكما أشرنا أوضح هيرودوت الأكثر إطلاعا عن قطع جيش قمبيز لخمس المسافة فقط، وهو ما تؤكده المصادر الأخرى. وبما أن الجيش اتبع الطريق الصحراوي فانه انتهى الى مكان ما الى الجنوب من وادى حلفا. احتمالاً أن تكون بعض أقصى أقاليم كوش الشمالية، كما يقول هيرودوت، قد اعترفت شكلياً بالسيادة الفارسية بعد أن فشل الفرس فى تثبيت أقدامهم فى الأرض الكوشية. ولم تسلم الحاميات الفارسية فى المناطق الحدودية من هجمات الكوشيين من جانب والقبائل البدوية القاطنة فى الصحراء الشرقية من جانب ثان. هكذا نجد فى بردية ديموطيقية يعود تاريخها الى اليوم السابع عشر من الشهر السادس للسنة السادسة والثلاثين لحكم داريا الأول (أى السابع من يونيو 486 ق.م.) معلومات عن قلاقل فى الفننين والتى يحتمل أنها وقعت بدعم من كوشيين قادمين من الجنوب.

للأسف ليست هناك معلومات عن حقيقة الأوضاع فى هذا العصر فى النوبة السفلى بين الشلالين الأول والثاني حيث التقى الكوشيون والمصريون وجهاً لوجه. فى الغالب أنه على امتداد تلك الفترة (القرون الثامن- السادس ق.م.) لم تكن هناك سلطة ثابتة فى النوبة السفلى، فظهرت فى حالات القوات الكوشية وفى حالات أخرى القوات المصرية لحماية القوافل أو لصد هجمات البدو أو لحل هذه أو تلك من المصادمات الحدودية. لازالت كلمات ايمرى وكيروان التى وصفا بها فى عام 1935 النوبة السفلى بأنها لا تحتوى سوى على القليل جداً من الآثار التى تغطى الفجوة بين المملكة المصريَّة الحديثة وعصر البطالسة  1935 Emery-Kirwan تعبر عن حقيقة الوضع اليوم. فمنذ اكتشاف ريزنر فى موسم 1907-1908 لنحو ما لا يزيد عن الخمسين مدفناً التى يرجع تاريخها الى تلك الفترة، لم أعمال الاستكشاف والتنقيب عن الكثير فى هذه المنطقة من الآثار الخاصة بالمرحلة المعنية.

مملكة مروى ما بعد أسبالتا

فيما وراء الشلال الثاني تمددت مملكة مروى جنوباً بمجرى النيلين الأزرق والأبيض، وهى مناطق لازالت للأسف غير مدروسة آثارياًَ بصورة كافية، إلا أن أعمال الاستكشاف التى تمت هنا وهناك بالإضافة الى بعض الحفريات التى أجريت فى مواقع منعزلة تشير الى امتداد حدود المملكة حتى الحدود السودانية الاثيوبية الحالية بمجرى النيل الأزرق، وبمجرى النيل الأبيض الى ما وراء مصب نهر السوباط ومنطقة السدود. وفى أرض البطانة الممتدة فيما بين النيل الأزرق ونهر عطبرة تم الكشف فى العديد من المواقع عن بقايا آبار وحفائر قديمة تحيط بها آثار مساكن تتناثر فيها كميات كبيرة من الفخار المميز للعصر المروى.كذلك تم الكشف عن آثار مماثلة الى الجنوب من جبل قيلي ترجع للعصر المروى أو ما قبله.كل ذلك انما يشير الى نشوء مواقع زراعية مستقرة وهو ما يؤكد على وجود سلطة قوية للدولة، وبضعف تلك السلطة بدا واضحاً فى السجل الآثارى التدهور الذى أصاب الزراعة والانتقال الى نمط حياة رعوية وهو ما حدث بعد وصول الهجرات العربية الى كوش.

تم الكشف عن آثار يعود تاريخها لعصر نبتة فى جبل مويَّة الواقعة بين النيلين الأبيض والأزرق فيما بين سنار وكوستى وكذلك فى أبى قيلى وسنار وكوستى. ويبدو أن سنار كانت مركزاً إدارياً هاماً فى العصر النبتى. أما فيما يتعلق بالمناطق الواقعة الى الغرب من النيل فإنها لازالت أرضاً بوراً آثارياً، غير أن التأثيرات الثقافية النبتية  وصلت الى الأجزاء الشمالية من كردفان. نجد معلومات متفرقة عن كردفان فى أعمال الكتاب الإغريق والرومان (هيرودوت، الكتاب الثاني،30--31)الذين أشاروا الى وصول القوافل الى كردفان من نبتة ومروى. لكن علينا أن نتذكر ما أشار اليه سترابو من أن قبائل النوبا الى الغرب من النيل لم يخضعوا للإثيوبيين. من ثم يحتمل أن يكون شمال شرق كردفان فقط قد خضع لسلطة ملوك نبتة مروى. فيما يتعلق بدارفور فان بعض البقايا الثقافيَّة التى ظلت موجودة حتى مرحلة متأخرة من القرون الوسطى، مثل التشابه فى المعمار المميز لقصر الملك فى اورى بعمارة القصور المروية، وتأليه الملوك فى كل من دارفور ومروى، تشير الى نشوء علاقات ثقافية بين الاثنين. على كلٍ فان المعطيات المتوفرة حالياً لاتجعلنا قادرين على تحديد الحدود الجنوبية الفعلية لمملكة كوش. يحتمل أن تكون الحدود فى العصر النبتى قد امتدت حتى خط عرض 13º ش. عند كوستى والابيض، وقطعاً تم توسيع المملكة فى عصر مروى الى الجنوب والجنوب الشرقى، فقد امتدت المواقع المروية حتى الروصيرص فى الجنوب الشرقي والسوباط فى الجنوب وإلا فانه يصعب تفسير نجاح الجواسيس الذين أرسلهم نيرون فى جمع المعلومات عن تلك المناطق البعيدة.

إذا كانت معرفتنا بالفترة التى أعقبت عهد أسبالتا وحكم خلالها عشرة ملوك من 568 حتى 431 ق.م. فان الفترة اللاحقة لهم والتى شغلت حيزاً زمنياً امتد الى 120 سنة أفضل حالاً من حيث توفر المعلومات عنها بفضل حوليات الملوك التى تسلط الضوء على بعض الأحداث فى نهاية القرنين الخامس والرابع السابقين للميلاد. ففي معابد كوة وجدت أربعة نقوش خاصة بالملك ايريكى أمانوتى (431-405 ق.م.) كان الأهم من بينها يرجع الى العام الأول لحكمه ويحتوى على معلومات قيمة عن انتخاب الملك الجديد بمشاركة الجيش والوحي الالهى وكذلك عن الاحتفالات المرافقة. وكان تتويج اريكى أمانوتى قد تم وعمره قد بلغ الحادية والأربعين بعد موت سلفه تالاكامانى الذى لم يحكم طويلاً (435-431 ق.م.) يبدو من النقش أن وفاة تالاكامانى أعقبها عدم استقرار وقلاقل فى المناطق الجنوبية للصحراء الشرقية، ذلك أن النقش يحكى عن هجوم شنته قبائل الرهرهس (احتمالاً فرع من فروع البجة) على الإقليم الشمالي للمملكة وممارسة أعمال نهب واسعة هناك. ويحكى النقش عن أن ايريكى أمانوتى بعد قضائه على تلك القلاقل توجه الى نبتة حيث تم تتويجه وفق العادات المتبعة. وفى العام الذى تلا تتويجه قام برحلة تفقدية الى الشمال وتوقف فى كرتن (الموقع هذا غير مؤكد لكنه قطعاً فيما بين نبتة و كوة مما يدفع لمطابقته مع كورتى الحالية) ومن هناك قام بحملة تأديبية ضد سكان الصحراء من المديد (المدجاى فى الغالب).

خلف ايريكى أمانوتى الملك باسكاكيرنى الذى لم يدم حكمه سوى عام واحد وحل محله هورسيوتف (404-369 ق.م.) وهو ابن ايريكى أمانوتى. خلف هورسيوتف لوحه الذى تم الكشف عنه فى عام 1862 فى جبل البركل مع ألواح ملوك كوش الآخرين، وهو نقش يغطى معظم الأحداث فى عهده. اضطر هورسيوتف الى صد ثلاث هجمات شنتها قبائل الرهرهس على منطقة مروى، ولكن فرض الملك على زعيمهم الرضوخ بعد إلحاق الهزيمة بهم وأسر الكثيرين من مقاتليهم وتغنييم أعداد كبيرة من مواشيهم. وفى العام الحادي عشر لحكمه أصدر هورسيوتف تعليماته لجيشه بالتوجه الى مكان فى الشمال يقال له عكنة (احتمالاً عبكة عند الشلال الثاني) حيث تمرد حكام المنطقة الذين تمتعوا بقدر من الاستقلال مع تبعيتهم الشكلية لمروى مع أن النقش أسماهم "باك" أي الخدم. وقد هرب زعيمان من الزعماء المتمردين الى أسوان مما يؤكد أن النوبة السفلى ظلت أرضاً ليست ملكاً لأحد.

مملكة مروى والدفاع عن كيانها أمام المد الاغريقى

اعتلى نستاسن ابن هورسيوتف عرش مروى (335-310 ق.م.) ليصبح معاصراً للاسكندر المقدوني والسيادة الإغريقية على مصر. واصل نستاسن حملات أسلافه الهادفة الى تأمين ولاء القبائل للدولة، ويذكر فى نقشه أسماء العديد من القبائل التى لازال التعرف عليها يمثل واحدة من إشكاليات الدراسات السودانية القديمة، قبائل المخندكنت، والربر، واكركرى، وايريس، والمحس حرت وغيرها والتى يبدو أنها جميعها من القبائل الرعويَّة وذلك للكميات الهائلة (المئات والآلاف من المواشي) التى غنمها نستاسن. هنا يجدر بنا الإشارة الى أن حوليات نستاسن هى الأخيرة من حوليات ملوك كوش التى كتبت بالخط الهيروغليفي وباللغة المصرية، وهو أيضاً آخر الملوك الذين دفنوا فى الجبانة الملكية فى نورى (الهرم 15).

باستيلاء الاسكندر المقدونى على مصر تبخرت آمال ملوك كوش فى إمكانية استعادة سيادتهم على أرض الفراعنة الذين عدوا أنفسهم الورثة الشرعيين لهم، ومن ثم الأمناء المسئولين عن التراث الفني والديني للحضارة المصرية الفرعونية. هكذا بدأ الالتفات الى الامكانات الكامنة الاقتصادية والثقافية للبلاد، وبدأت إثيوبيا النيلية، كما أسماها الإغريق، تتحسس طريقها فى خضم الثقافة الهلنستية-الرومانية التى اكتسحت عالم البحر الأبيض المتوسط. بفعل الحملات المستمرة التى قادها هورسيوتف وابنه نستاسن والملوك اللاحقين تم تثبيت دعائم الاستقرار فى ربوع المملكة وتطوير الامكانات الاقتصادية الكامنة. فالبطالسة الذين استقرت لهم السلطة فى مصر ظلوا بحاجة ماسة للمنتجات الأفريقية، وبما أنهم فشلوا فى الحصول عليها عنوة فقد لجأوا الى توطيد علاقات الصداقة والتعاون مع مملكة مروى التى مدتهم باحتياجاتهم من العاج وجلود الحيوانات المتوحشة والأبنوس والبخور والذهب.أسهمت عمليات التجارة التبادلية فى ازدهار مملكة مروى ورخائها وهو ما انعكس فى الثراء الذى ميز مدافن ملوكها فى البجراوية .

القطيعة الكاملة مع تراث الحضارة المصرية الفرعونية وقع فى عهد الملك الإغريقي لمصر بطليموس الرابع (221-205 ق.م.)عندما أعلن، حسب رواية ديودور، ملك مروى أركامانى (218-200 ق.م.) ثورة على الكهنة وهاجم معبد الإله امون الأساسي فى جبل البركل حيث يتم تتويج ملوك كوش [أسامة النور]، وأعلن الإله الأسد أبادماك إلها رسمياً لمملكة مروى. حقيقة أن أركامانى نال قدراً كبيراً من التعليم الإغريقي بما فى ذلك الفلسفة، وهو ما جعل البعض يفترض بأنه سافر الى مصر لتلقى تعليمه، إلا أن الحقائق تشير الى ازدهار الصلات التجارية بين مملكة مروى و عالم البحر الأبيض المتوسط، وأن الكثيرين من التجار الإغريق والمصريين تواجدوا فى أراضى المملكة، بالإضافة الى المغامرين من الانتهازيين الإغريق الباحثين عن الشهرة، وكذلك العديد من العلماء والرحالة والكتاب الإغريق. فعلى سبيل المثال عاش العالم الإغريقي سيمونيد خمس سنوات كاملة فى مروى وألف كتاباً كاملاً عن كوش وثقافتها، وهو الكتاب الذى استفاد منه بليني واستخدمه مرجعاً له. والأمر كذلك لا نعتقد بأن أركامانى كان بحاجة الى الارتحال الى مصر طلباً للعلم هناك، بل نال معارفه باللغة والثقافة والفلسفة الاغريقية فى عقر داره فى مروى. على كل فان ديودور الصقلى لم يذكر لنا شيئاً بهذا الخصوص، ولو كان أركامانى قد تواجد بمصر لما تجاوز ديودور ذكر مثل تلك الواقعة.

عظمة أركامانى فى أنه كان الأول من بين ملوك كوش الذى أعلن ثورة على الدولة الدينية ونادى بفصل الدين عن الدولة، وثبت واقع الفصل بين الممارستين الدينية والسياسية. ما كانت ثورته على الكهنة وتدمير معبد امون النبتى الذى يحتمون به ثورة ضد الدين ديناً، لكنها ثورة للقضاء على ادعاء الطبقة الكهنوتية لا بتعيين الملوك فحسب بل بالحكم عليهم بالموت متى ما رأوا من خلال تقاليد الاغتيال الطقوسي للملك وفق الوحي الالهى الذى هم مفسروه. هكذا فان أركامانى قام بعد القضاء على الكهنة بإصدار مرسومه بحظر تقليد اغتيال الملك الطقوسى، وبإلغاء دور الإله امون، راعى هذا التقليد، بوصفه إلها أساسياً للمملكة، وأحل محله الإله الأسد أبادماك راعياً للدولة وسلطتها، معلناً بذلك عن رفضه لعقل الرجعة لبقايا التركيب العشائري البدائي الذى يكمن فى قاعدة النفوذ الأيديولوجي والسياسي للطبقة الكهنوتية.

أسهم التبادل التجارى النشط مع مصر وعالم البحر الأبيض المتوسط، ووصول الإغريق والمصريين الى حاضرة كوش، بالإضافة الى انتقال الكوشيين لإعادة تعمير الأطراف الشمالية فيما بين الشلال الثالث والدوديكاسخيونس، والتى هجروها لأزمان بفعل السياسات العدوانية لمصر على نحو ما أوضحنا فى وقت سابق، فى نشؤ احتكاك ثقافي بين الثقافة الكوشية المحلية والثقافة الهلنستية أدى الى انجاز تطور ملموس فى كافة مجالات الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية فى مملكة مروى.

انعكس الازدهار الاقتصادي والتطور الفني والتقني فى مدافن الملوك الكوشيين بخاصة هرم أركامانى (البجراوية ش-7) وأهرام خلفائه أديكالامانى (البجراوية ش9) وشناكداخيتى (البجراوية ش11) وباكرينسانا (البجراوية ش13)، وتانيد أمانى (البجراوية ش20).

لازالت غير واضحة العلاقات الفعلية بين مملكة مروى ومصر البطلمية فى عهد ملكيها بطليموس الثاني والثالث. يقول ديودور الصقلى أنه ما من إغريقي نجح فى تجاوز حدود مصر الجنوبية فيما قبل عهد بطليموس الثاني حيث تمتد فيما وراء ذلك مناطق غير مضيافة وخطرة للغاية بالنسبة للأجانب، لكنه تراكمت لدى بطليموس الثاني بعض المعلومات عن كوش، فيما يبدو بفضل تقرير أرسله له بيترا ابن أرنوفيس قائد قوات الحدود. دار الحديث فى ذلك التقرير عن هجوم شنه الكوشيون وحصار ضربوه على التحصينات الجنوبية. على كل لاتزال الأسباب التى أدت الى الدخول فى علاقات عدائية من جانب البطالسة مع الكوشيين غير واضحة تماماً. فالحملة التى أرسلها بطليموس الثاني بقيادة فيلون كان هدفها المعلن والفعلي هو استكشاف طريق البحر الأحمر الى دواخل أفريقيا ولم تكن المناطق الواقعة على ضفتي النيل الى الجنوب من مصر من بين أهداف رحلة فيلون. كذلك اتبع بطليموس الثالث ( 246-221 ق.م.) السياسة نفسها تجاه الاحتفاظ بعلاقات طيبة مع مملكة مروى، هذا فى حين أن العلاقة بين الدولتين شهدت تطوراً سلمياً تجلى فى النشاط المشترك الذى قام بين كل من بطليموس الرابع (221-205 ق.م.) وأركامانى فى تشييد معبدين فى كل من دكة وفيلة.

وبالرغم من أن أركامانى قد صُور على جدران معبد دكة وهو يضع على جبهته الصل الفرعوني ولقب بملك الوجهين وسيد الأرضين، وادعى فى نقشه فى المعبد نفسه بأن الالهة ايزيس قد منحته السيادة على إقليم الدوديكاسخيونس (إقليم مصر الرومانية الثاني عشر) فان ذلك كله قد كان احتمالاً نوعاً من الرمزية أكثر منه الواقع الفعلي. لا نرمى بذلك نفى الوجود العسكرى المروى فى الأطراف الشمالية لكوش اذ أنه من المحتمل تواجد قوات بهدف حماية الطرق التجارية وتوفير الامدادات للحاميات المروية الحدوديَّة.

استمرت العلاقات السلمية بين مملكة مروى ومصر البطلمية حتى بداية القرن الثاني قبل الميلاد عندما بدأت تجليات العداء تلوح فى الأفق فى عهد بطليموس الخامس (205-180 ق.م.) وهو ما تعكسه حقيقة إلازالة المتعمدة لإسم وألقاب أركامانى من جدران المعبد الذى اشترك مع بطليموس الرابع فى تشييده فى فيلة. وفى نص جزئى من مؤلف أجاثارخيد عن البحر الأحمر جاء أن بطليموس الخامس قام بارسال خمسمائة فارس من الاغريق ضد الاثيوبيين.

الأغلب هو أن سياسة بطليموس الجديدة المعاديَّة لمملكة مروى ارتبطت بالأحداث التى وقعت فى عهده فى طيبة بمصر العليا، وهى أحداث تردد صداها فى العديد من  الوثائق Lacau . لم يجد الإغريق شعوراً بالحب تجاههم من المصريين الذين رأوا فيهم غزاة أجانب يختلفون عنهم لغة وديناً وتقاليداً مارسوا عليهم استغلالاً فظاً. من ثم ما كان مستغرباً نشوء مقاومة للحكم الإغريقي ووقوع سلسلة من الانتفاضات دامت فى بعض الحالات لعشرات السنوات، بخاصة فى مصر العليا حيث كانت القبضة الإغريقية أضعف مما هىعليه فى مصر السفلى، وحيث تمتعت طبقة كهنة طيبة بنفوذ واسع واحترام كبير وسط المواطنين، وهى طبقة معادية للإغريق من جانب، ومحتفظة من جانب ثان بذكرى طيبة عن الأسرة الخامسة والعشرين وملوكها الكوشيين النبتيين، بخاصة ذكريات التعامل المبجل للإله امون الطيبي والهدايا التى أغرقوا بها كهنته.

هنالك سلسلة من الوثائق القانونية من طيبة يعود تاريخها لفترة حكم ملكين هما أرماخيس وأنخاماخيس والذين لا نعرف عنهما شيئاً من مصادر أخرى، لكنه لا يوجد شك فى أنهما كانا معاصرين لبطليموس الخامس. فى كل تلك الوثائق الخاصة بهما والتى وصلت الينا (عشر برديات) كان البروتوكول المتبع بداية للنص:الملك أرماخيس، فليعش أبداً، المحبوب لدى إيزيس، المحبوب لدى امون- رع- سونتير، الاله الأعظم Lacau .

غالباً أن أرماخيس وأنخاماخيس كانا كوشيين: أولاً أنه ورد فى بروتكولاتهما ذكر الالهة ايزيس والاله امون- رع- سونتير وهما الالهان الذان يعدان "حماة كوش"، وثانياً أن مرسوم بطليموس الخامس فى جزيرة فيلة يصف الملكين بأنهما أجنبيان. ونجح الاغريق فى أسر أنخاماخيس وقواته، ويبدو أن ذلك كان حدثاً له شأن كبير اذ أن مرسوم بطليموس الخامس فى جزيرة فيلة يعلن عن العفو عنهم. للأسف لازالت غير معروفة العلاقة بين أرماخيس وأنخاماخيس بملوك مروى، لكنه يحتمل أنهما كانا تابعين للملك الحاكم هناك فى تلك الفترة وهو أديكالامانى وخليفته الذى لازال اسمه مجهولاً. على كل فان الأهم هو أن الكوشيين لم يكتفوا فحسب بالقيام بدور فاعل فى معركة التحرير التى خاضها المصريون ضد الإغريق، بل أنهم أصبحوا قادة لتلك الحركة التحررية وهو ما اتفق بشأنه العديد من الباحثين المتخصصين Rostovtsef، بل وأن هورجونافورا الكوشى ظل حاكماً فى أبيدوس على مدى خمس سنوات إبان عهد بطليموس الخامس.

من الطبيعي ألا ترضى مواقف الكوشيين تلك البطالسة أو تجعلهم يحسون بالود تجاه كوش، بالإضافة فان الطرق التجارية التى تربط مصر بأفريقيا الاستوائية أخذت الآن فى التحول من النيل الى البحر الأحمر، كما ضعفت الرغبة فى التجارة مع كوش. هكذا بدأت العلاقات تتسم بالبرود بداية لتنقلب الى علاقات عدائية فى نهاية المطاف.

يحتمل أن يكون ظهور الكتابة المروية الهيروغليفية المحلية فى هذه الفترة بالذات التى تدهورت فيها العلاقات الكوشية مع مصر البطلمية ليس مجرد صدفة. أولى النقوش المؤرخة المكتوبة بالهيروغليفية المروية اسم الملكة شاناكداخيتى (حوالى  180-170ق.م.) فى معبد النقعة. ظهرت هذه الكتابة على أساس الخط السريع (الكورسيف) المروى الذى كان قد ظهر قبل فترة سابقة ليست بالطويلة باستخدام عدد من الرموز الديموطيقية والهيروغليفية المصرية. كان لذلك الحدث أهمية كبيرة تاريخياً اذ للمرة الأولى فى القارة الأفريقية تظهر كتابة أبجدية تحوى حروف ساكنة ومتحركة، وكما هو معروف، فان الكتابة الأبجدية فى مصر، بدايَّة الإغريقية باستخدام بعض الرموز الديموطيقية ومن ثم القبطية كانت قد وصلت الى نهايتها فقط بنهاية القرن الثاني بداية الثالث الميلادي.

يبدو أن الخطوات التى اتخذها بطليموس الخامس لم تحقق أهدافها. شن خليفته بطليموس السادس (180-145 ق.م.) مجدداً حملة على الأطراف الشمالية لكوش، مما يشير الى أن مملكة مروى لم تقف بمنأى عن الأحداث الجارية فى مصر وقدمت بهذا الشكل أوذاك الدعم لحرب التحرير المشتعلة هناك ضد المحتلين الاغريق. بقيت فى ديبود آثار تؤكد وصول بطليموس السادس الى الشلال الأول حيث تم الكشف عن مسلة خاصة به Porter and Moss. ويبدو أن بطليموس السادس اتخذ إجراء تحوطياً بمد حدوده الجنوبية الى الشلال الثاني بحيث أضحى الاقليم الثالث عشر، الذى عُدَّ أرضاَّ لايزيس، جزءاً تابعاً لمصر البطلمية، وتم إنشاء مدينتين صغيرتين عند الشلال الثاني سميت احداهما باسم بطليموس السادس فليوميتور والأخرى باسم كليوباترا Dittenbeger  وقد ورد ذكر المدينتين فى نص واحد فقط ولازال موقعيهما غير محددين، ومهما كان الأمر فانهما، على ما يبدو، لم يعمرا طويلاً ذلك أن مصر فقدت الإقليم الثالث عشر بعد فترة وجيزة مما اضطر كورنيلو جالو الى القتال من أجل استعادته مجدداً فى عامي 27/ 26 ق.م.).

تمت استعادة العلاقات السلمية بين مملكة مروى ومصر البطلمية على مدى عشرات السنوات، وهو ما تشير إليه النشاطات المعمارية التى قام بها بطليموس السابع (170-116 ق.م.) فى معبد دكة. تظل معلوماتنا ضعيفة عن مملكة مروى فى الفترة التى أعقبت الاحتلال الروماني لمصر، فالنقوش المروية المؤلفة فى غالبيتها من نصوص رسميَّة وجنائزية لازالت باستثناء بعض الكلمات والعبارات القصيرة مستعصية على الفهم. كما أن هنالك مشكلة تواجه الباحثين فيما يتعلق بتأريخها. حالياً لازال وضع اللغة المروية يراوح فى مكانه دون إحراز تقدم ملموس مثلها مثل اللغة الاتروسية تقرأ ولا تفهم! اعتقادنا أن تطور الدراسات فى مجال اللغات السودانية الحالية بخاصة فى دارفور وجنوب كردفان قد يساعد فى حل الإشكالية. هنا تجدر الإشارة الى أنه من المؤسف حقاً أن  جامعاتنا السودانية لازالت، بفعل هيمنة ذهنية ثقافوية شوفينية عروبية تهمل مجال الدراسات اللغوية السودانية فى بلد يُعد من أكثر بلدان العالم ثراءً بلغاته و لهجاته.

O.G.S.Crawford: The Fung Kingdom of Sennar. Glocester.

W.B.Emery and L.P.Kirwan: Excavations and Survey between Wadi es Sebua and Adindan, 1929-1931. Cairo.

أسامة عبدالرحمن النور 1974، "أركامانى وطقوس إغتيال الملك فى كوش"، الخرطوم، العدد الرابع .

P.Lacau: Un graffito egyptien d'Abydos ecrit en lettres grecques, "Societe royale egyptienne de papyrologie. Etudes de papyrologie, t.2, Le Caire.

M.Rostowzew: Economic and Social History of the Hellenistic World, vols. I-II. Oxford.

B.Porter and R.Moss: Topographical Bibliography of Ancient Egyptian Hieroglyphic Texts, Reliefs and Paintings, vol. 7, Nubia, the Desert and Outside Egypt. Oxford.

W.Dittenberger: Orientis Graeci inscriptiones selectae, vol.I. Lepzig.

 الكوشيون فى مواجهة روما


المحتويات الشاملة│نصوص ملوك كوش│مؤتمرات علميَّة│عرض الكتب والدراسات│تقارير أعمال التنقيب│ملوك وملكات كوش│الديانة الكوشية

الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة

 

أركامانى مجلة الآثار والأنثروبولوجيا الســــودانية