أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
أدب وثقافة

ابداعات جمال محمد أحمد

الأدب والثقافة

إبداعات جمال محمد أحمد

د.عبدالغفار محمد أحمد

كلمة قدمت فى الذكرى الخامسة لوفاة الأستاذ جمال محمد أحمد

النادي النوبي بالخرطوم 10/10/1990

(1)

* كانت هذه الدعوة للحديث دعوة لا يمكن رفضها فهى تتيح سانحة أخرى لزيارة فكر جمال محمد أحمد والتأمل فى إبداعه. قادتني سنوات عجاف فى النصف الأول من العقد الماضي- وما أكثر عجاف السنين فى هذا الزمان- الى ما يمكن تشبيهه بمنفى اختياري وآليت على نفسي أن أستعين على طولها برفقة بعض ما أنتجه المفكرون والعلماء والأدباء من أبناء وشيوخ وطني وكان ما كتب المرحوم جمال يمثل أعلى نسبة لكاتب حملته معي... وقد كان نعم الرفيق فى ديار الغربة... فتح ذهني على كثير من الأمور كانت غائبة عليّ رغم أنها تقع، تصنيفاً، فى صلب مجال تحصصي... من هنا كانت معرفتي بجمال ومن هنا يأتي سروري البوم فى أن أقدم جهد المقل فى ذكراه.

* يؤسفني أن أقر بأن معرفتي الشخصية بجمال كانت محدودة جداً... أقول هذا وأنا أشعر بحسرة شديدة على فرصة نادرة أضعتها قبل نحو 12 عاماً... فرصة أتاحها رجل عظيم عندي، كان فى جيله بمثل عظمة جمال فى جيله... ولنقل جميل الخصال مثل جمال خصال جمال لأن جمال يقول: "ما عرفت حتى يومي هذا معنى مستقيماً لكلمة العظمة. عثمان بن عفان الطيب الزاهد عظيم، ومعاوية الغادر الخادع عظيم. ما هو الفيصل، الجمال أدق، أدركه فى دمي تكاد تلمسه يدي وهو مجرد".

وعند وصفي لجمال ومن شبهته به بالعظمة فأنا أميل الى عظمة عثمان، بعيداً عن عظمة معاوية، فلم يكن الغدر أو الخداع من شيم الرجلين.

أعود الى الفرصة التى أضعتها فقد كانت تلك أول مرة ألتقي فيها جمال فى بداية 1978 فى جوبا عروس خط الاستواء. شاء القدر أن أكون فى جامعتها وهى تحبو وقتها كما شاء أن يزورها جمال ضمن آخرين بدعوة من المرحوم السماني عبدالله يعقوب طيب الله ثراهما... كان شديد الاهتمام بما نقوم به من عمل، يريد أن يعرف تصور الجميع لبداية العمل، ثم كان يعرج على مواضيع شتى منها ما يختص بالقضايا الفكرية، ومنها ما يلمس الجوانب العلمية. ويزجي نصحه دون أن يشعرك أنه ينصح... يريدك أن تلمح الفكرة وهو يقودك إليها... وهذه من إبداعاته فى كل ما كتب.

* ومرت السنين ولم يتح لى لقاء جمال إلا لماماً عير أنني كنت متابعاً له، متتبعاً لأخباره عبر ما يكتب. وقد كنت من أسعد الناس وأنا أطالع إسهاماته فى مجلة "الدوحة" وأشعر أنني كقارئ أشاركه تلك اللحظات الفنية فى رحلة للولايات المتحدة.

وكانت المفاجأة عندما أرسل الىّ يوماً، فى نهاية عام 1984، كتاب "العنصر الإنساني فى التطور الأفريقي" الذى عربه جمال، وكنت وقتها خارج القطر، لأجد إهداء يقول :"أرجو أن يرضيك الفصل الذى أعنتني عليه مشكوراً". وقفت كثيراً عند الإهداء محاولاً أن أتذكر ما يجعلني أستحق هذا الشرف وأنا "عابر سبيل" فى حياة جمال... وبعد جهد جهيد تذكرت بعض ساعات تلك الفرصة النادرة التى جمعتني به فى جوبا، فقد كانت ظروف السكن تفرض علىّ أن أدخل عليه صباح كل يوم لأن مكان إقامته حجرة صغيرة كنت أستغلها فى الاستراحة وظلت بها بعض أغراضي الخاصة أثناء فترة إقامته... وكنت أجده يقرأ دائماً، ويسألني عن بعض المواضيع التى ترتبط بمجال تخصصي، وقد يستمر الحوار بيننا بضع دقائق لنواصل الموضوع لدقائق أخرى أثناء اليوم تحت ظل شجرة ظليلة كانت وربما ما زالت هى ملاذ أهل تلك الاستراحة فى منتصف النهار.

ذلك كل الجهد الذى لم ينس جمال أن يذكرني بأنه كان مفيداً... إن هذا العرفان لا يتوفر إلا لمن هم فى قامة جمال، فكم من أضعاف هذا الجهد أهدره بعضنا عبر مسيرتنا مع أهل القلم دون أن نسمع له ذكراً... هذه واحدة أحرى من إبداعات جمال...

وتواضع جمال ورقة خصاله لا تحتاج أن تكون لصيقاً به لتعرفها... لكن وأنت تقرأ ما يكتب تطل عليك خصاله من خلال السطور... يحضر البعض اجتماعات لا يذكرها التاريح لكنك تجده كل يوم يذكرنا بها عبر وسائل الإعلام أو فى مذكراته... ولكن جمال لم يفعل ذلك. الفكر عنده أول... والأشياء الشخصية لا تأتي إلا عندما تكون مدخلاً لتقديم فكر... اشترك فى اجتماعات تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية ولكن لم يتباهى بذلك... بذل الجهد فيها ولكن لم يقل إني فعلت كذا وكذا... يقول فى هذا الخصوص "شيخ العرب" محمد حلمي أبوسن "وفى تواضع العلماء لم يزد الصديق جمال عندما نشر مقالاً فى مجلة الدوحة عن قيام منظمة الوحدة الأفريقية وكيف أنشأت ومفاوضاتها وتعثرها الى أن حضر حفل الإفتتاح والاجتماع الأول لمجلس المنظمة، لم يشر لدوره البارز الى أن قال : كنت هناك وختم المقال".

قمة الإبداع "كنت هناك" لكن فيها ما تشاء حسب مقدراتك الذهنية وآفاق خيالك فى تصور المواقف التاريخية العظيمة.

(2)

* عين الإبداع فى كتابات جمال مقدماته لكتبه... الخمس كتب التى تحملها مكتبتي الخاصة لجمال أعتبر مقدماتها من روائع ما قرأت، لا تداني متعة إعادة قراءتها إلا درر أبي الطيب المتنبئ التى أهرب الى رياضها أحياناً...

دعنا نطل على بعضها ولنبدأ بسالي فوحمر التى خاطب فيها ولديه وهو، كما يقول على المك "يخاطب، واقع الأمر، كل من يعرف اللسان العربي المبين". فى هذه المقدمة جمع جمال فى دقة فائقة ودون تكرار، "فهو يقول عن نفسه فى مكان آخر أنه يكره التكرار" جمع بين الأب والمعلم وتجاوز هذين المقامين الى الناقد لسياسة ومنهج التعليم ووسائل الإعلام فى وطنه وهو من أحق الناس بتوجيه النقد لهذه المجالات فقد كان من طلائع روادها وعمد بنائها يقول : "كتبت هذه الحكاية لتزجيا الفراغ. وأعيد كتابتها لهذا الهدف عينه ولأعرض عليكما شيئاً مما يستطيعه اللسان العربي، فأنا غير راض عن كثير مما تقرآن هذه الأيام من كتب وصحف، وأشفق عليكما أن تحسبا هذا الذى تقرآن، يمثل عبقرية اللغة، وما هى كذلك فى تقديري وأخشى عليكما فى الوقت نفسه من بعض معلمي أيامنا هذه..".

وما كان هذا هو الهدف وحده من إعادة كتابات الحكايات فى سالي فوحمر ولكنها عبر أبنية كانت مهداة "لكل لداتكما فى منطقتنا العربية، والذين يقرأون العربية فى بلاد تشترك معنا فى الرابطة الروحية. أفعل هذا لسببين لأمتع نفسي وأمتعكما إن نجحت الكلمات تماماً كما يمتع الموسيقار المؤلف نفسه بألحانه. والسبب الثاني هو أن أفتح لكم جميعاً نافذة تطلون منها على العقل الأفريقي، كيف يعمل فالحكايات عندي أضواء مشرقة على عقول من صنعوها".

هنا إبداع لم يفت على من حررا كتاب "فى سيرة جمال كاتب سرة شرق" فأحسنا الصنع عندما جعلا إستهلال الكتاب أول السببين.

* مقدمتا "فى المسرحية الأفريقية" و "وجدان أفريقيا" درس فى منهج البحث للمشتغلين فى هذا المجال من رواد العلوم الإنسانية... المنهج البحثي يتغير مع إدراكنا المعرفي ولذا لم يكن جمال قط جامداً فى هذا المجال. ومن أعظم إبداعاته المواكبة التى تدل على مقدرة فذة على المطالعة والاستيعاب والتريض وإعادة صياغة الأدوات حتى تؤدي ما يريد لها أن تؤدي.. يقول: "على أيامنا هذه الذكية المبينة، تتغير مناهج الدرس وزوايا النظر، على نحو يهرم الذى قيل بالأمس أو كتب، قبل أن يصطف حروفاً فى المطبعة كي يقرأ الناس. وبيننا وبين مقدمتي تلك- مقدمة مطالعات فى الشئون الأفريقية- ست سنوات. ما تغير وجه الأرض تغييراً تلمسه بيدك، لكن وسائل تغييرها بين يديك ويدىّ، نحس بها ونرى ورائها".

وكان هذا فى بحث المسرحية أما فى وجدان أفريقيا يتغير النهج أيضاً ويكون التعليل: "ما كان يمكن أن يكون النهج واحداً بعد هذه السنين. لقد تغيرت بعدها الحال حولي وداخلي. أنا شريحة زماني وذاتي. كان ذاك زماناً هادئ البال يمشي على هون. أيامنا هذه قلقت، ما عاد فى طوقها أن تستقر بعض وقت على شئ تراه تصفه واثقاً أنه سيظل مكانه ذاك حتى حين. منظمات الإنسان ومنشئاته وإبتداعاته أصبحت حقاً أمانة تنوء بحملها الجبال، روحه مثقلة تهوم، لا يعرف مرفأ يحميه من أعاصير تقدمه، والتقدم كان كل عصر مضى منبع الأوجاع. يعطيك كثيراً ويأخذ بعض شئ لقاء".

غاية الدقة والمتعة والعلمية فى تصوير التغير فى المجتمعات، عمل يعجز عنه معظم من يجهدون أنفسهم فى مجالات علوم الإنسان فى محاولة توصيل مثل هذه الأفكار فى قاعة الدرس.

* أما مقدمة "العنصر الإنساني فى التطور الأفريقي" فهى درس فى فن الترجمة يفسدها التعليق عليها ولهذا لا احاول بل أذكركم بقمة الإبداع الذى حوته تلك الصفحات العشرة. ليتها تصبح جزءاً مقرراً على طلاب الترجمة ليس عندنا هنا بل فى العالم العربي عامة.

(3)

* من إبداعات جمال عرضه لأفريقيا القارة التى عاصر سنين تمردها على القديم، وشهد معالجات قضايا التحرير فيها، وعرف عن قرب قياداتها... لقد كانت شغله الشاغل... قضايا التحرر والنمو الاقتصادي والاجتماعي ولقاء وحوار الثقافات فيها... كلها قضايا سياسية ولكن من إبداعات جمال أنه لم يكن ليكتب بلسان السياسة الفاجر وإنما عالج الأمور بأسلوب الدبلوماسية الحصيف الفنان... عندما يكتب جمال من موقع المفكر السوداني المتعمق لم يكن يحتاج لأن يذكرنا بطريقة مباشرة ان هذا اللسان رغم فصاحته فإنه لقاح ثقافات ونتاج حوار وميراث عصور... إن السودان الذى يسود جل ربوعه هذا اللسان كان وما زال وسيظل بموقع القلب والعقل من جسد أفريقيا إذا صدقت النوايا وصح العزم.

معالجة قضايا الفكر والمعرفة والإيمان والديانات الأفريقية وآثارها على تطور القارة نالت عند جمال حظها فى الطرح ولكن بأسلوب الحوار الهادئ لا التقرير المباشر.

فى هذا كان جمال أكثر قدرة على عرض الأمور من أكثر المتخصصين فى هذا المجال... لقد كان "عرب وأفارقة" أجمل صورة لعرض القضايا الأفريقية المعاصرة أنه لوحة متحركة تطالعها لترى فيها حركة التفاعل فى القارة دون أن تفسد المنظر أحكام وتقارير قد لا تكون صادقة... أفريقية السودان وعروبته كانت محوراً دائماً فى كتابات جمال وإن لم تطرق مباشرة.

عندما سئل جمال عن أسخف سؤال سمعه فى حله وترحاله أجاب "هذا السؤال السمج هل السوداني عربي أم أفريقي، وكنت أقول لعل عبقرية السوداني تكمن فى محتوى السؤال".

ولعلّ إلحاح مثل هذا السؤال هو الذى جعل جمال يكتب فى شئ أقرب الى لغة الساسة وإن كان بإبداع يراعه جعله فناً ونصحاً دبلوماسياً رائعاً، لعلّ هذا هو الذى جعله يكتب رسائله الى جون قرنق التى يقول فى إحداها: "كانت مسدودة السبل من قبل وخال لنا أن التغيير الذى وقع فى أبريل سيعنى عودة الحياة المثمرة، فإذا العقم يمتد سنوات أخر، ونخطئ فى حق الجنوب وحق الشمال إن قعدنا نرقب يوم السلام".

(4)

ختاماً كما قال الطيب صالح "كان جمال من صفوة الصفوة بين السودانيين، فعاش فى المدينة كأنه نشأ فيها... وتشبع بالثقافة الإنجليزية... وكان عاشقاً للعروبة، (ونضيف الى هذا حبه لأفريقيا)... جمع كل هذا دون أدنى جهد ومشقة... كانت شخصية خالية من التوتر والعنف".

وقال عنه عبدالله الطيب:

كان يميل الى المازني        ويمقت أسلوب أهل الحطاب

ويقرأ ليس لحب الظهور      بذاك ولكن لحب الأدب

وكان له كلف بالرواية        والمسرحية حين اغترب 

ومرة أخرى كانت اللجنة عميقة فى فهمها لإبداعات جمال عندما رأت أن يكون خاتمة هذه الأمسية العرض المسرحي.

اللهم لجمال الرحمة ولأهله وأصدقائه وتلاميذه الصبر والسلوان


الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│لوحة العدد│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.