من أجل جبهة وطنية ديمقراطية واسعة لاسترداد الديمقراطية والدفاع عن حقوق الأقليات والقوميات
د. جعفر كرار أحمد
- نقلاً عن سودانايل -
نظام الجبهة القومية الإسلامية الحاكم الآن في الخرطوم يمثل بحق ذروة رؤية قوى السودان القديم لقضية الحكم في السودان، طبيعته، وآلياته. فهو نظام، حسب مشروعه (الحضاري) المعلن وممارسته على الأرض لأكثر من 14 عاماً، نظام شمولي دينيً عرقي، يسعى لتعريب السودان كله وأسلمته من نمولى الى حلفا بحد السيف. وهذا البرنامج للأسف برنامج قديم عبر عن نفسه أكثر من مرة في تاريخ السودان الحديث، وإن كانت في معظم الأحيان تقف ورائه ذات القوى التى تحكم السودان الآن، فقد حاول نظام الرئيس عبود ان يسترشد بهذا البرنامج في حله لمشكلة الجنوب، ولترضية العناصر القومية والعروبية في نظامه سرق من إحدى قومياتنا العريقة (النوبة في الشمال) تاريخهم وأرضهم، في أكبر عملية تهجير تشهدها أفريقيا، محتقراً ثقافتهم وحقهم في البقاء في أرض وجدوا بها منذ آلاف السنين. ثم جاءت أحزاب السودان الرئيسة- الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة- بدفع من ذات القوى التى تحكم الخرطوم اليوم بمشروع الدستور الإسلامي في عام 1967 والذى مهدت له بحل الحزب الشيوعي السوداني وطرد نوابه من البرلمان عام 1965. واعتبر ذلك المشروع آنذاك أخطر وثيقة انفصالية تدفع بها القوى السياسية الشمالية في مسرح السياسة السودانية.
ثم عادت ذات القوة التى تحكم السودان اليوم لتدفع جعفر نميرى لتطبيق ذات البرنامج وتنصيبه إماماً على المسلمين، وإعلان قوانين سبتمبر 1983 سيئة الصيت، التى احتقرت فيما احتقرت التركيبة الاثنية والدينية لبلادنا واستخدمت أداة قمع رهيبة طالت أول ما طالت المسلمين أنفسهم. وراح ضحيتها أيضاً مفكرين إسلاميين مستنيرين مثل محمود محمد طه، وزج باسمها بمئات المواطنين، مسلمين ومسيحيين، في السجون. ثم بلغ هذا المشروع ذروته بوصول الجبهة القومية الإسلامية الى الحكم لتشن حرباً ضروساً ضد قوميات السودان المختلفة ولتصل بالبرنامج الى نهايته المنطقية، وهى حرب الإبادة العرقية لغير العرب والمسلمين في السودان في دارفور وجنوب السودان وشرق السودان حتى شمال السودان عندما بدأ غلاتهم في بداية عصرهم البائس بمحاولة تصفية التراث النوبى المسيحى وغير المسيحى.
ومن الطبيعي ان نلاحظ ان هذا المشروع دائماً ما يبرز في أجواء الأنظمة الشمولية أو بعد مصادرة الديمقراطية داخل المؤسسات الديمقراطية النيابية. وهو بالتالي مشروع مرادف للدكتاتورية. وغنى عن القول أن هذا المشروع مسؤول الى حد كبير عن التخلف العام في البلاد والتشقق الحاصل في جدار البناء الوطني ومصادرة الحريات والديمقراطية.
استطاع شعبنا فى حقيقة الأمر ان يعصف بهذا البرنامج عدة مرات، آخرها كان سقوط جعفر نميرى بعد سنتين فقط من تبنيه لهذه الرؤية. وعلى شعبنا الآن أن يستعد لتصفية هذا البرنامج بإسقاط هذا النظام وعدم السماح له بالعيش أكثر مما فعل، إذ تكفي الجرائم التي ارتكبت في دارفور وحدها لتقديم هذا النظام وأركانه الى المحاكم.
ولكي ما يتم إسقاط هذا النظام بأسرع وقت ممكن واستعادة الديمقراطية والدفاع عنها والتوسل بها لإعادة بناء الدولة السودانية المتعددة القوميات والأديان، وبناء تنمية مستدامة سليمة لكل القطر، وقطع الطريق أمام دعاة الدولة الدينية العرقية في المستقبل، بحسبان ان المعركة لا تنتهي بإسقاط نظام الجبهة القومية الإسلامية، ندعو الى قيام جبهة وطنية ديمقراطية واسعة لاسترداد الديمقراطية والدفاع عن حقوق الاقليات والقوميات.
ونحن ندعو لمثل هذا التنظيم الجامع، نضع في اعتبارنا ان الصراع الذى يدور في بلادنا منذ أكثر من خمسين عاماً قد أفرز حقيقتين أساسيتين وهما :
1. ان أي حل لمسألة الأقليات والقوميات والمناطق المهمشة لن يكون ممكناً إلا في مناخ ديمقراطي حقيقي يسمح بتبادل سلمى للسلطة عبر آليات الانتخاب الحر، وما يتبع النظام الديمقراطي من آليات الرقابة الجماهيرية، وحقوق الإنسان المشار إليها والمضمنة في المواثيق الدولية ... الخ ؟
2. ان أي تيار أو فصيل يعتقد انه يمكن ان ينتزع مكاسب لمنطقته أو اقليمه أو قوميته من براثن نظام شمولى، يكون قد وقع في خطأ إستراتيجي كبير، وان النظام الشمولي الذى قد يقدم تنازلات لأسباب ظرفيه سيعود سريعاً للانقضاض على تعهداته متى ما زالت الظروف أو انتهت حالة ضعفه. (تجربة اتفاقية أديس ابابا في السودان التي انقضى عليها جعفر نميرى لاحقاً، وتجربة الحقوق القومية للقوميات السوفيتية التي دافع عنها فلادمير لينيين ثم انقض عليها ستالين بعد رحيل فلادمير لينين في عام 1924).
3. في غياب نهوض حركة ديمقراطية مستنيرة في مناطق الأقليات والقوميات والمناطق المهمشة ينهض بها أبناؤها وبناتها وتعمل على تحرير أهلها من براثن قوى السودان القديم وتعمل على تعبئتهم لأهداف مشروع السودان الجديد العلماني القائم على التعددية السياسية والعرقية والدينية والتنمية المستدامة المشتركة، فإن انتصار قضية حقوق الأقليات والقوميات مشككوك فيها.
ان استنهاض شعوب الجنوب والشرق والغرب والشمال وتنظيمها باتجاه المشاركة الفعلية في حكم السودان وتقرير مصيره، هو عامل رئيس بل وحاسم في انتصار قضية السودان الجديد، السودان الديمقراطي اللامركزى، الذى يشارك فيه الجميع على قدم المساواة والاحترام.
وفى الواقع ظلت قوى السودان القديم تستخدم في صراعها مع القوى الديمقراطية في الشمال والجنوب ثقل الهامش مستفيدة من التخلف الاقتصادي والسياسي التي أبقت عليه هذه القوى وضعف قيادات هذه المناطق، في صراعها مع قوى الاستنارة في الشمال فعلى سبيل المثال لا الحصر (صوت معظم النواب القادمين من جنوب السودان ودارفور وجبال النوبة وشرق السودان لصالح قرار حل الحزب الشيوعي السوداني داخل البرلمان في عام 1965).
وكان هذا في حقيقة الأمر بداية انهيار الديمقراطية الثانية فعلياً. هذا كما صوت معظم نواب دارفور وشرق سودان لصالح الدستور الإسلامي في عام 1967. وبهذا يكون الهامش قد لعب دوراً عبر قياداته ضد مصالحه في الأساس وضد قوى الاستنارة التي وعت منذ وقت مبكر خطورة تيار الاسلمة والتعريب والشمولية على البناء الوطني بشكل عام. وبالتالي فإن تحرير شعوب السودان وقومياته من نفوذ قوى السودان القديم المتمسكة ببرنامج الاسلمه والتعريب الشمولي، وتنظيمها في منظمات ديمقراطية تربط مصيرها مع الحركة الديمقراطية المستنيرة في كل انحاء السودان، سيكون إضافة هامة وضماناً رئيساً للحفاظ على الديمقراطية ووحدة البلاد القائمة على الفيدرالية، أو أى شكل من أشكال اللامركزية، واحترام الحقوق الاقتصادية والثقافية لكل قوميات السودان وشعوبه. وبالطبع ستكون القوى والديمقراطية في الشمال أول المستفيدين من نهوض مثل هذه القوى الجديدة.
المهام الآنية للجبهة الوطنية الديمقراطية لاسترداد الديمقراطية والدفاع عن حقوق الأقليات والقوميات :
* التنسيق العسكري والسياسي الجيد في كافة الجبهات وفضح سياسة النظام والتصدى له بكافة الوسائل المتاحة.
* تنظيم الجماهير في المناطق المحررة أو التي للحركات نفوذاً فيها وتدريبها على العمل العسكري والسياسي أيضاً.
* التنسيق على الساحة الدولية والإقليمية حتى إسقاط النظام وزواله واسترداد الديمقراطية.
مهام الجبهة الوطنية الديمقراطية بعد إسقاط النظام
* تبادل الخبرات التنظيمية وإنشاء الأحزاب والمنظمات الشبابية، والنسوية، ومنظمات المجتمع المدني.
* دراسة أوضاع هذه المناطق اقتصادياً واجتماعياً وتقديم برامج وحلول لمشاكل هذه المناطق نابعة من معرفة جيدة لتضاريس الأرض الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية.
* الدفاع عن صيغ الحكم الفيدرالي أو اللامركزى.
* إقناع جماهير هذه الأقليات والقوميات بالخيار الديمقراطي الوحدوي. والالتفاف حول قياداتها الوطنية المحلية المؤمنة ببرنامج السودان الجديد الديمقراطي المتنوع والعلماني.
* إنشاء كتلة نيابية قوية داخل البرلمان الديمقراطي تتعاون مع القوى الوطنية الديمقراطية داخل البرلمان وخارجه للدفاع عن الديمقراطية وعلمانية الدولة.
* أن تعمل الجبهة الوطنية الديمقراطية على طمأنة القوى الديمقراطية في الشمال، حليفها الأساسي، على أن وجود الجبهة الديمقراطية ليس خصماً على وحدة البلاد، بل ضماناً أساسياً لهذه الوحدة ودعماً لقوى الاستنارة في صراعها التاريخي ضدد قوى الشمولية الدينية والانغلاق من أجل بناء السودان الديمقراطي العلماني الموحد.
* ان تثقف هذه الجبهة جماهيرها وتؤكد عبر أدبياتها وفى خطابها السياسي على الديمقراطية كمنهج وخط إستراتيجي، والتبادل السلمي للسلطة خياراً رئيساً ثابتاً لها، وعلى الوحدة المبنية على الاحترام والاعتراف بالآخر والتنمية المستدامة طريقاً.
* ان تعزز ثقافة الرأي والرأي الآخر في أقاليمها ومناطقها وتبنى شبكة قوية لمنظمات المجتمع المدني ولجان حقوق الإنسان في مدنها وقراها، لأن المجتمع المدني المنظم المدرك لحقوقه هو بذاته ضمانة هامة لعدم التغول على الديمقراطية.
هذه رؤيتنا لشكل وتكوين هذه الجبهة وهى مطروحة للنقاش وبالطبع قابلة للتطور والتعديل. قصدنا بها أن نخرج من دائرة التنظير الى دائرة التنظيم لتجميع قوى السودان الجديد للنهوض للدفاع عن حقها في الحياة، ولأننا أيضا ندرك أن قوى السودان القديم سرعان ما ستعيد تنظيم نفسها وبأشكالها القديمة، أو بأشكال جديدة قديمة، وأن هذه القوى لن تيأس أبداً في محاولتها لتمزيق هذا الوطن وإغراقه في ظلام الشمولية والاقتتال الداخلي.
لقد آن الآوان لهذا النظام ان يرحل، وآن الآوان لقوى السودان الجديدة والطيبة أن تنهض ... وتنهض الآن.