السودان بين المصداقية الدولية والأمل فى أسلوب الرجال المثالي
بشير البكري
- نقلا عن صحيفة الرأي العام -
يتم فى مطار الخرطوم ولاول مرة اتفاق بين حكومتها والأمين العام للأمم المتحدة ومعاونيه، على شروط تسوية مؤقته لمأساة دارفور وذلك بعد زيارة ميدانية لمواقع النزاع فى غرب السودان سبقتها زيارة أخرى لوزير خارجية الولايات المتحدة الذى رقص بعدها فى إجتماع الاسبان.
هذه التسوية المفاجئة للمجتمع الدولى والذى أعد للعبة أخرى هذه التسوية تثير الكثير من الملاحظات من حيث الاطراف ومن حيث النطاق ومن حيث الصياغة القانونية وهى بلا شك لا تأخذ حرفيا بالفصل السادس لميثاق الأمم المتحدة ولا الفصل السابع وعلها التى قصدها «هامرشولد» باسم الفصل السادس والنصف هى اذاً تسوية من نوع خاص لا يعرف من الذى خرج فيها منتصراً وعرفها الدولى محاط بالغموض ولكنها اعطت مساحة للتفكير لجميع اصحاب المصلحة..
اما ملاحظتنا الثانية فان هذه التسوية مؤقتة الطبيعة متعددة الاهداف تعطى حكومة السودان وقتا قد يصل الى ثلاثة شهور لنزع سلاح «الجانجويد» بل كل المليشيات المسلحة الأخرى غير القانونية وتعطى ايضا «تجربة» فى كيف يراقب وقف النيران، وتعطى ايضا فرصة للاتحاد الافريقى لعقد اجتماع تفاوضى بين الاطراف المتنازعة فى عاصمة «الغير» التي تذكرنا باتفاق اديس ابابا، ومرة اخرى تعود الكرة الى الجوار الافريقى، وتحرم على الجوار العربى.
اما الملاحظة الثالثة فان هذه التسوية ليست قيمية، فهى لا تبرئ ساحة الحكومة تماماً ولا تنفى اتهامات الصحافة الدولية التى تركزت على انتهاك حقوق الانسان والتصفية العرقية وتميل الى اتهام «الجنجويد»، ولكنها لا تدين طرف النزاع الأخر ولا تطلب منه غير الانصياع إلى وقف النار وحضور مفاوضات فض النزاع كما ان هذه التسوية لا تعطى «البعد الدولى» حقه ولا مسؤوليات القوى الديمقراطية جميعها فى السودان..
اما الملاحظة الثالثة، فان هذه التسوية لا تمنع استمرار التحقيق والتقصى عن اسباب النزاع ودوافعه وعلاجها وعلاج آثارها، سواء أكان الأمر من حكومة السودان ممثلة فى لجنة التحقيق التى يرأسها مولانا دفع الله الحاج يوسف رئيس القضاء ولا الاعداد للمؤتمر الشامل الذى يعد له السيد عز الدين السيد.. ومن جهة أخرى لم تنص هذه التسوية على منع الولايات المتحدة واللوبى ضد السودان من اعداد الأمر للعرض على مجلس الأمن، وخصوصا ويتولى الآن جزاء له «دانفورث» بطل اتفاق الجنوب المعروف..
يتم كل هذا فى جو دولى يسوده الغموض سواء ما يحدث فى العراق وحكمها الوطنى المشكوك في أمره، أو ما يحدث فى فلسطين ودور اسرائىل المتعنت فيها، فكيف يراد للقضية السودانية وقضية دارفور ان يسودها جو من الثقة، فى انتشار ثقافة جديدة لسلام بعيد المنال.
وبعد، ان الرجل الذى تولى تمثيل هيئة الأمم المتحدة وهو أمينها العام، هو الذى كان يردد ويعد تطورا ودورا لهيئة الأمم لحفظ السلام او حتى صناعة السلام وقد كلف منذ سنوات صديقه ومعاونه «الاخضر الابراهيمى» ايضا لاعداد تقرير لتطوير مفهوم حفظ السلام وصناعة ودور الأمم المتحدة فى كل ذلك..
وقد اوصى التقرير بمفهوم جديد يعالج جذور المشاكل ويعمل على ما يسمى بالدبلوماسية الوقائىة، ويعالج من ابعاد التدخل سياسيا واقتصاديا وانسانيا ولا يقصره على التدخل العسكرى البحت ولو انه لا يستبعده وينظم فيه ويطوره ويخلق منه مؤسسة جديدة تتجاوز الفصل السادس او حتى الفصل السابع فى انتظار التعديل الشامل للميثاق.
اما الملاحظة الرابعة، فهى ان مصداقية تنفيذ هذه التسوية لا تقتصر على ايجاد الحل الدائم لمأساة دارفور.. هذا الحل الذى لا يصنعه الا اهل السودان والأ اهل دارفور انفسهم، ولكن المصداقية هذه المرة سيكون لها اكبر الأثر فى تنفيذ اتفاقيات وبروتوكولات نيفاشا الستة والتى يتفاوض بشأنها فى مرحلة نهائية.
ان السودان وضع نفسه امام امتحان عسير من المصداقية يشمل كل مستقبله وكل وحدته ولا يقتصر على الجنوب او حتى دارفور ولكن يشمل ما قد يستجد من جهات آخرى، وهذه المصداقية هى الجسر الوحيد الذى يجتازه السودان من مرحلة عدم الاستقرار الي الاستقرار والنماء..
اما الملاحظة الأخيرة فهى اننا كنا نود ان تشترك فى هذه التسوية ولو المؤقتة كل القوى الديمقراطية فى البلاد والتى نلاحظ غيابها وغياب السيد الزعيم الميرغنى والسيد الامام الصادق المهدى ولا نعرف هل عرض الأمر عليهما ولكن نعرف ان الحقوق تؤخذ ويسعى لها ولا تعطى..
وأخيراً كم كنا نود ان تشهد على القرب هذه التسوية مصر ، ان غياب زعيمها ورئىسها حسنى مبارك للوعكة التى المت به تؤلمنا جميعا ولا أمنية عندنا اكثر من ان يعود سالما الى بلده معافى من كل سوء ليلعب الدور الذى تعوده. صحيح ان المطلوب من السودان «مصداقية» كبيرة وبرهان على ثقافة سلام جديد، ولكن المطلوب ايضا من الرجال وخصوصا من هيئة الأمم المتحدة اسلوب جديد، يبرئ المجتمع الدولى من التحيز والانفصام.