أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
وثيقة تاريخية

اتفاق جدة

سودان المستقبل: وثائق ونقاشات

إتفاق جده

د. سليمان محمد ديبلو

لنص اتفاق جدة الإطاري أضغط

لقد تابعت ومثلى كل السودانيين إعلان جدة الإطارى لم أصدق ما قرأت، للوهلة الأولى، الصيغة التى تحصلت عليها فطالعت أخرى لأتيغن من أن ما قرأت واقع صحيح. ما دفعنى عقود أزهقت فيها أرواح بريئة من خيرة شباب البلاد شمالاً وجنوباً وجنوب شرقاً وغرباً وبددت فيها طاقات ثروات كانت البلاد فى أمس الحاجة لها  لمواصلة ركب التقدم والتطور والنماء، وفوق ذلك الزمن الذى إنقضى هباءً منذ فجر استقلال البلاد والذى حسم سلباً على مسيرة البلاد والذى لا نستطيع بأي حال التعويض عنه أو إدراك ما فاتنا منه.

وجدت نفسي مجبراً للتساؤل عن ما يجرى حولنا وما هى هذه القوى الخارقة التى هدتنا إلى طريق الخلاص هذا. أهى الظروف الدولية التى يعلمها الجميع أم  إرادة وطنية خالصة  أم هى ترتيب تحالفات المستقبل؟

وقد خلصت إلى أن الظروف الدولية ونعلم أن الولايات المتحدة تحديداً تلعب دوراً محورياً فى حصر شتات الخلاف السوداني أملاً للعرض بتوقيع اتفاق السودان فى عام إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي وهو أمر أمريكي لا يعنيننا منه إلا ما يصيبنا من خير لنا منه وتجب الاستفادة منه. وقطعاً لا شك عندي فى خالص إرادة التجمع الوطني  وذلك من ممارساته خلال الخمسة عشر عام من عمره، ووقوفه على ثوابت الكثير منها مترجم فى صلب هذا الاتفاق، ويتبقى على الحكومة ترجمة ما اتفق عليه لتأكيد خالص نواياها حتى يبرر الاتفاق. أما الأخيرة فلا شك عندي بأن العمل السياسي لا يخلو من المناورة خاصة إذا ما استقرأنا الخارطة المسقبلية للعمل السياسي فى السودان الجديد.

إن قراءة هذا الاتفاق من الوهلة الأولى تزيح عن كاهل أي وطني مخلص اليأس وتبعث بالأمل لسودان ( تحكمه سيادة حكم القانون لا الجهة أو القبيلة وتحت مظلة قضاء مستقل لايؤثر على قراره حزب أو كيان فى ظل نظام ديموقراطى تعددي حر وفوق ذلك توسيع مشاركة أهل السودان بتبنى نظاماً فدرالياً يتيح لكافة اقاليم السودان انتخاب ممثليها وحكامها).

ولبلوغ هذه الغاية ذهب الاتفاق لتقرير ثوابت هى فى تقديري ضمانة السودان الجديد متعدد الأعراق والثقافات ( تسوده حرية العمل السياسي التعددي بضمانة حرية التعبير والصحافة والعمل النقابي والمهني ومشفوعة بمواثيق حقوق الإنسان).

ما أوردناه أعلاه هى ظواهر ما يبدو من الاتفاق، إلا أنَّ جوهر الاتفاق - وبقراءة متأنية- استوقفتنى فيه النقاط التالية:

الأولى: الموافقة والتفويض المطلق من رئيس التجمع للحكومة على ما سيلي من مفاوضات فى النقطة ( أ-1). أجد نفسي متسائلاً كيف يمنح السيد رئيس التجمع الوطني الديموقراطي ورئيس الحزب الإتحادي الديموقراطي، والكل يشهد له بالحذر والدقة فيما يقول، تفويضاً مطلقاً كهذا على نتائج مفاوضات مستقبلية اللهم إلا لو أن هناك اتفاق نهائي قد تم  واطلع عليه، وهو أمر وارد تدعمه تصريحات المسئولين فى الحكومة وأطراف التفاوض. والسؤال هو إذا كان الأمر كذلك فلم التعتيم والاستمرار فى التفاوض وتأخير مصير الأمة السودانية؟ وهنا، والإجابة فى تقديري، الأمر كله لا يتعدى إتاحة فرصة للتحالفات السياسية المستقبلية والتوقيع على ضمانات للنظام قبل إعلان الاتفاق النهائي.

والثانية: مع الإقرار التام بالضرورة العالمية لاعتماد اقتصاد السوق الحر إلا أنَّ ما أورد فى الفقرة ( ب-خامساً :  مع التأكيد على المضي قدماً فى سياسات الإنفتاح ورفع يد الدولة ....) والتى بموجبها قد يفهم  تعميد الحكومة بالاستمرار فى سياساتها ونهجها فى مجال الاقتصاد، ويفهم منها أيضاً أنها مباركة لنهج الحكومة فى تحويل القطاع العام إلى شراكات مؤتمرية الأمر الذى كتب فيه التجمع نقداً وأسس عليه مواقف طوال الخمسة عشر عاماً الماضية وإدخال هذه الصيغة فى هذا الموقع ما هى إلا دلالة على أن الحكومة غير جادة فى التخلي عن نهجها، وما الاتفاق إلا وسيلة لكسب زخم لما ذهبت إليه.

النقطة الثالثة: ما أورد فى الفقرة ( أ- 5  يحكم السودان حكماً لا مركزياً ( فدرالياً) فى إطار وحدة أرض السودان) ومع ملاحظة أن الفرق كبير بين النظاميين الفدرالي واللا مركزي، فهل المقصود هنا هو التوفيق بين موقفي الحكومة والحركة ( التجمع) بأخذ أي ما يتفق عليه.

النقطة الرابعة: المبدأ العام الذى اٌقر فىالفقرة ( ب- 9  الإلتزام بمبدأ رفع المظالم ودفع الضرر) هو فى الواقع ترجمة لميثاق التجمع الجزء الخاص بالمحاسبه، فهل حقاً يوافق النائب الأول على هذا المبدأ، وهو يعلم تماماً أي مظالم وقعت على هذا الشعب الطيب؛ فكيف يتم رد مظلمة أهل الملايين الذى قضى نحبهم فكيف ترد مظلمة الملايين الذين شردوا وكيف وكيف؟

النقطة الأخيرة: ما يؤخذ على الاتفاق أنه تجاهل تماماً القضايا الجوهرية التى عطلت الاتفاق، وأعنى بذلك قضايا المناطق المهمشة الثلاث والتى أصبحت جوهر الخلاف الآن.

خلاصة القول إن إتفاق جدة الإطارى، وإن بقي رهن التنفيذ حتى ذلك التاريح يحمد له أنه ثبت كافة المبادئ الأساسية التى تمهد لبناء سودان المستقبل، ويحمد له أنه جاء داعماً لجهود إرساء قواعد الديموقراطية، وكفالة حرية المواطن، وفوق ذلك جاء تأكيداً لوحدة البلاد فى ظل تغيير جوهري لنظام الحكم من برلماني إلى رئاسي ومن مركزي إلى لا مركزي أو فدرالي، وفوق كل هذا مهد لأن يكون الاتفاق المرتقب فى نيفاشا اتفاقاً أشمل بدل أن يكون اتفاقاً بين فصيلين ( الحركة والحكومة)، ولو أنه ما زال يحدونا الأمل فى أن يكون الاتفاق المرتقب شاملاً لكل أهل السودان، ولن يكون كذلك إذا لم يستصحب الاتفاق النهائي بقية القوى السياسية، وضمان عدم تهميش أهل وشعوب المناطق المهمشة، وذلك بالأخذ فى الحسبان رؤاهم ومشاركتهم فى أمر هو مصيرهم.

تابع : النظام الحاكم وميكافلية المواثيق

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.