النظام الحاكم ومكافلية المواثيق
د. سليمان محمد الديبلو
لم يجف مداد اتفاق جدة الإطارى حتى توارد تهليل أهل السودان تأييداً لمحاسنه ووقوفاً على ما فيه من سلبيات حرصاً على مستقبل السودان، وقد كنت من الذين نهجوا هذا النهج وكلي أمل فى مصداقية ما اتفق عليه بحسبان أن السودان يستحق أن يتبوأ فى عالم اليوم موقعه وصدارته التاريخيه. إلا أنَّ ما حملته وسائل الإعلام من خبر وإخبار بدد هذه الآمال، وجعلني وبكل أسف أضعه بين أكوام الاتفاقات والمناورات.
فمن جانب التجمع سارعت عضويته من الأحزاب والهيئات مؤيدة للمحاسن، ومتوقفة عند المسالب، الأمر الذى يلغى ظلالاً من الشك على أن الاتفاق لم يكن اتفاقاً بين التجمع والحكومة، بل اتفاقاً بين رئيس التجمع ورئيس الحزب الإتحادي الديموقراطي والنائب الأول والرئيس الفعلى للحزب الحاكم، وهو أمر يؤسف له وإلا فكيف نفسر بيان الحزب الشيوعي، والفدرالي، والحركة الشعبية، والاتفاق الثنائي لفصيل شرق السودان؟
وفى الجانب الآخر، نجد أن الحكومة تجاهلت أهم عناصر الاتفاق الكامنة فى صلبه ( ضمان حرية العمل السياسي التعددي، وحرية التعبير والصحافة، والعمل النقابي والمهني، ومواثيق حقوق الإنسان). فما قيمة هذا الاتفاق إذا لم يتحرج النظام فى مداهمة ومصادرة مباني ومعدات وأجهزة الإعلام، واعتقال الإعلاميين، ومصادرة الصحف ( الأيام والجزيرة)؛ وفوق ذلك كأن الاتفاق أعطى النظام الدفعة المرجوة لتصعيد حرق قرى وتشريد وقتل مواطني دارفور. يتم هذا وفى الوقت الذى لم يتمكن التجمع من تكوين وفده المفاوض حتى بعد تكوين لجنتة للتفاوض مع الحكومة: هل يأمن ممثلي التجمع حريتهم فى التفاوض أم سيكون مصيرهم مصير الذين تم اعتقالهم من أبناء دارفور، خاصة ورأي التجمع معلن فى قضية دارفور. من كل ذلك تساورني الشكوك فى مصداقية الحكومة على ما وقعت عليه من مبادئ عامة هى أبعد ما تكون قادرة على تنفيذها، وإنما التوقيع كان فقط من منظور تقوية القدرة التفاوضية وتكبير الكوم.
إن ما بدر حتى الآن من سلوك ونهج سياسي فى حلبات التفاوض وما تخلله من مناورات لا يبشر بالخير الذى تسامي من أجله أهل السودان على كل مساوئ ما برز من اتفاقات وتوجهات أملاً فى وقف نزيف الحرابة والإقتتال وتطلعاً لفجر يوم يكون فيه السودان على عتبة النماء والتطور والاستقرار. فالمتابع للنهج الذى اتبع فى التفاوض على مصير أهل السودان من طرفى القتال ( الحركة الشعبية والدفاع الشعبي) من مشاكوش وعبوراً بجدة وإلى مشاكوش يؤكد حقيقة واحدة هى أن طرفي التفاوض يتعاملان مع القضية وكأنها شراكة بين مؤسستين تراعي كل مؤسسة الفائدة المرجوة من هذه الشراكة لمؤسستها فقط بعيداً عن تلك الشعارات من تفكيك نظام حضاري إلى سودان جديد؛ فكيف نصدقكم والتوقيع أسهل ما يكون لضمان عدم التنفيذ؛ وكيف نصدقكم وعلى مدى 15 عاماً عشنا التهليل والتطبيل للاتفاق والاختلاف وفى الوقت نفسه التعذيب والتشريد.
إن ما رشح من أخبار عن الاتفاق حول تقسيم الثروة أمر مخزي ومحبط لكافة أهل السودان. لقد كنت من بين كثيرين أعتقد بأنَّ الحس الوطني للمتفاوضين سيغلب على مصالحهما الجبهوية ( جبهة الحركة الشعبية/ وجبهة الجبهة الإسلامية). لقد كنت أتوقع أن يكون اتفاق الثروة على آلية وبرامج تنمية البلاد لا على ما هو جقي ونصيبي. أجل لقد ظننت أن الزمن قد حان ليدرك المتفاوضين تطلعات أهل السودان والتى دفعتهم إلى الالتفاف حول أي شيئ ينهى حالة عدم الاستقرار ويأذن بإمكانية خروج السودان من بؤرة الظلمة والحرب والإقتتال.
أجل لقد كنت أتوقع أن يفاجئنا المتفاوضين، بعكس توقعات الإعلام، بأن يتم الاتفاق على برامج لتنمية البلاد. كنا نتوقع أن يكون الاتفاق على نسبة 20% لربط السودان بشبكة مواصلات وإتصالات، و10% لإصلاح التعليم من الروضة إلى العالي والفنى والتقنى، و15% لبناء المستشفيات وتأمين الدواء والعلاج لمرضى أهل السودان، و5% لتطوير الزراعة والثروة الحيوانية، و5% للحفاظ على بيئة السودان ووقف إنزلاق التصحر، و5% لتأهيل الشرطة وتأسيس أجهزة أمن المواطن لترعاه فى توجهه للإنتاج والعمل، و25% لتنمية الصناعة ومدخلاتها من طاقة إلى مواد أوليه وإعادة إنتاج المصانع التى أوقفناها فى كريمة وعطبره وأنزارا وبابنوسة ولقاوة وإنشاء المصانع والمجمعات فى كافة أقاليم السودان كل حسب طبيعته ومعطياته، و10% للرى بشقيه المنساب والمطري وعلى جوف الأرض، و3% لمحاربة مرض الإيدز الذى قد يقعدنا من تنفيذ برامجنا الطموحة. وليكن ما تبقى وهو مقدار 2% هدية وتقديراً من الشعب السودانى لمؤسستي المتفاوضين وإلى مدى عمر السودان أملى أن لا تستصغروا النسبة فستكون مجزية برضى أهل السودان، والقناعة خير من الطمع قطعاً. لو ذهبتم فى هذا المنحى لرفعكم أهل السودان فوق هاماتهم ولجعلوا منكم مؤسسي السودان الجديد، والله لو فقط كان هذا توجهكم لعاد جميع أبناء هذا الشعب العظيم كل إلى دياره مشمراً عن ساعده لرفعة هذا البلد العظيم.
ألأخ العقيد جون قرنق، أنت تعلم هذا الشعب فقطعاً لا يهمه من الرئيس وإنما الذى يهم ما يقدمه له هذا الرئيس، فإن رغبت أن تكون حاكماً أبدياً للسودان الجديد، كل السودان، فقدم له أسباب رخائه وتقدمه ونمائه. الأخ المستشار النائب الأول لقد عرفت أهل السودان تسامحاً ونكراناً للذات، فإن رغبت أن يسجلوا لك فى سجل السودان أبداً فقدم لأهل السودان كل السودان أسباب التسامح. وليكن فى حدقاتكم السودان كل السودان فأنتم الآن تتفاوضون كرجال دولة للجميع بعيداً عن الحزبية والطائفية والجهوية أو العصبية، أذهبوا فى هذا المنحى فلن تكون هناك مشكلة مناطق مهمشة أو مناطق تماس أو مناطق متخلفة فخيرنا للجميع ويجب أن يعم الجميع، أذهبوا هذا المنحى فتحققوا حلم السودان الوارف المتطور المتقدم والمتعافى بدلاً من رجل أفريقيا المريض، وبذلك وحده نكون قد أوجدنا تبريراً أخلاقياً للملايين الذين ماتوا خلال احترابنا، ومبرراً منطقياً للتكسير والتدمير الذى ألحقناه بوطننا منذ فجر استقلاله، وبذلك وحدة نأهل أهل جميع السودان لمصالحة تتسامى فوق مرارات الماضي أملاً فى سودان مشرق يتعايش فيه أهلة متساوي الحقوق والواجبات تحت ظلال الحرية والكرامة.
تابع : الترتيبات الأمنية للانفصال
إعلان مبادئ | اسهامات باللغة العربية | اسهامات باللغة الإنجليزية | وثائق مرجعية | أوراق مرجعية | دعوة للمساهمة