أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
وثيقة تاريخية

طريق السلام وحده أم إنفصال

سودان المستقبل: وثائق ونقاشات

تابع طريق السلام وحده أم إنفصال

مدخل لاتفاقيات المناطق المهمشة

كانت تلك مقدمة لا بدَّ منها، وسأتناول هذه المرة تفاصيل الاتفاقات متوقفاً مع القارئ على طرفتين تم تداولهما كرسائل عن طريق الهاتف النقال؛ الأولى مباشرة بعد الاحتفال بالاتفاقات، والأخرى بعد إعلان نيروبى، وذلك لما لها من مدلول، عفوي شعبي بعيداً عن مناورات السياسة والسياسين، على الاتفاقات، ولأنها انتشرت وعلى كافة المستويات ليتم تداولها بين أهل السودان فى وطنهم ومهاجرهم.

الطرفة الأولى تقول " الزواج من جنوبية يضمن لك حقك فى الثروة والسلطة والمناطق الثلاث". وتعد هذه النكتة تجسيداً لعمق المشكل السوداني، وتعبير دقيق لما تواجهه الاتفاقات. وسوف نتناولها انطلاقاً من فرضيتين، الأولى هى أن مصدرها شمالي وفى هذه الحالة، ومع إفتراض حسن النية وأنها مجرد طرفة، يمكن أن ينظر لها بضرورة العمل الجاد للتآخى والتصاهر برغم ما جاء فيها من شرط يضعها فى خانة الإحباط واليأس لما حملته من صفة تعالي الشمالي على الجنوبي والجنوبيات، لتشكل بصيغتها هذه نقداً مباشراً على اتفاقات السلام كلها ( تقاسم الثروة والسلطة والترتيبات الأمنية والمناطق الثلاث) كما يمكن أن ينظر لها بأن رأي الشارع السوداني حول هذه الاتفاقات هو أن الحركة قد نالت كل شئ، وللحصول على اليسير من الحقوق فعلى الجميع الجنوح نحو الحركة، وهى فى تقديري نقداً لاذعاً من الشارع للطرف الآخر فى الاتفاق. أما فى حالة أن  مصدرها جنوبياً فيمكن أن ينظر لها على  أنه يا أهل الشمال إذا أردتم أن نتعايش فى سودان العدالة والوحدة فعليكم ترك عنجهيتكم وأن تمدوا يدكم لنا بالود والمحبة والتمازج دون عرق أو دين عندها فقط يهدأ البال ويستوي المعوج، وهى أيضاً لا تخلو من فوقية وتعكس بكل جلاء نشوة المنتصر. فى كلا الحالتين فهذه النكتة تبرز جوهر التناقضات وتعطي المؤشر المطلوب للعبور من ظلمة الفرقة والقتال إلى نور الوحدة والإخاء.

أما الثانية، وقد وصلتنى بعد إعلان نيروبي وبصيغ متعددة، خلاصتها هى " أبرق العقيد جون قرنق الفريق البشير بأن له 80 شاب مسلم يودون الزواج من بنات جعل، فرد عليه البشير: الأخ جون قرنق أرجو توجيه طلبكم لمن وقع معكم الاتفاق". هذه النكتة أيضاً أشد وأمر من الأولى فى تجسيد المشكل السوداني، وقد تابعت ردود فعل بعض السودانيين وبكل أسف لم أجد ما وقف فيها أو أعطاها بعدا أكثر من نكتة تتداول. فى واقع الأمر يمكن أن يفهم منها إستناداً على ما رشح من تحفظات على الاتفاقات من قمة قيادة المؤتمر الوطني، مثال  د. غازى صلاح الدين، و د. قطبى المهدى، و د. أمين حسن عمر، على أن هذه الاتفاقات غير ملزمة إلا لمن وقعها، وإن كان هذا المنحى هو المشار إليه فمن المأمول ولمصلحة وحدة تراب الوطن المطلوب تجاوزه. إلا أن الأمر فى تقديري يتعدى ذلك إلى تشخيص أكثر دقة وتبيان لحقيقة المشكلة وطبيعها، وهى التعالي القبلي الجهوي بين الشمال والشمال وبين الشمال والجنوب، وهذا هو الأمر الذى يتطلب الجهود الاجتماعية، إن حسنت النية، لبناء جسور الثقة بين كافة قبائل السودان جنوبية كانت أم شمالية، غربية أم شرقية؛ فإما أن يكون السودان متوحداً منصهر الأعراق، أو مقطع الأوصال. ويلاحظ أيضاً فى هذه النكتة أنها استبعدت البعد الدينى من المشكلة إلا أنها أبرزت دور العنصرية القبلية، فهل تمكن سياسيينا من إدراك بعد مشكلنا بالقدر الذى أدركه شارعنا فى بعض هذه الطرف التى أشرنا إليها.

سأبدأ حديثي عن اتفاقيتي المناطق الثلاث لما لها من أهمية شخصية لي لكوني أحد أبناء هذه المناطق ولما لها من أهمية تلغى بظلالها على بقية الاتفاقات وتكمن أهمية هذين الاتفاقين عند خيار الانفصال.

اتفاقيتي المناطق ( جنوب كردفان/ حنوب النيل الأزرق و أبيي)

قبل تناول هذين الاتفاقين أرى ضرورة تنبيه القارئ الكريم ليستصحب اتفاقات سابقة مهدت الطريق لهذين الاتفاقين تحديداً اتفاق شقدوم بين حزب الأمة والحركة الشعبية، والقرارات المصيرية الموقعة من التجمع بأسمرا، واتفاق فشودة بين الحكومة وفصيل د. لام أكول، واتفاق قرى السلام، واتفاقية وقف القتال فى جبال النوبا، ولما لها من إنعكاسات على هذين الاتفاقيين، وسأحصر نفسي مركزاً على منطقتّي جبال النوبا وابيي.

وحول هذا الموضوع لا بدَّ ليّ من ذكر ما سبق وأن نادينا به قبل عشرة أعوام نحن أبناء مناطق التماس وقتها والمهمشة الآن، شخصي الضعيف وعدد كبير من أبناء هذه المناطق، أخص بالذكر منهم المهندس إبراهيم مادبو وغيره، حيث تناولنا مشكل هذه المناطق لكونها نموذجاً للتمازج العرقي الإيجابي ومثالاً للتعايش السلمى المؤثر والفاعل مبرزين ما لها من دور مهم وإرث تاريخي فى صون وحدة السودان. أجل لقد كتبنا المذكرة تلو الأخرى وملكنا رؤيتنا لكافة قادة القوى السياسية وللحركة الشعبية، ونخص بالذكر العقيد جون قرنق، والقائد ( رحمه الله) يوسف كوه، والتجمع الوطني، والسيد الصادق المهدي، والسيد محمد عثمان المرغني.

أجل لقد خاطبنا جميع هؤلاء منبهين لخطورة علاج وتناول قضايا مناطق التماس القومي بعيداً عن أهل التماس بحسبان أنهم أكثر دراية بأعرافهم وتقاليدهم وأخلاقهم، ولم يفتنا وقتها التذكير أيضاً بأهمية التماس الإقليمي، منبهين للامتدادات القبلية فى حدودنا الشمالية الغربية مع ليبيا، وتشاد، ومع أفريقيا الوسطى، ومع الكونغو، ومع اثيوبيا وإرتيريا.

بكل أسف جميع هذه الجهود والمذكرات لم تجد أذنا صاغية، لهذه  الأسباب ولأخرى عديدة يلاحظ أن الاتفاقيتين قد خرقتا الأعراف الدولية واعادتا عجلة التاريخ إلى حدود ما قبل الاستقلال وتشكيل السودان بخارطته الحالية، وتمَّ  فيهما تجاوز تام لما اتفق عليه فى بروتوكول مشاكوش، وهو أمر فى غاية الخطورة، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى قرار الوحدة، وفى هذه الحالة سيفتح الباب على مصراعيه أمام الكثير من مناطق التماس القومي والإقليمى لبلوغ ذات الغاية.

أ- إتفاق ابيي

نوجز فيما يلي النقاط الجوهرية لهذا الاتفاق:

* لقد عرف الاتفاق منطقة أبيي بحدود العموديات أو المشايخ التسعة الخاصة بدينكا نوك والتى تم ضمها لكردفان فى سنة 1905، ويحتفظ للمسيرية والقبائل الرعوية الأخرى بحقهم التقليدي فى رعي الأبقار والتحرك خلال حدودها ( منطقة ابيي). 

* يلزم الاتفاق رئاسة الدولة، والتى تبعت إدارة هذه المنطقة لها، بتكوين لجنة ترسيم حدود لهذه المنطقة وفق ما اتفق عليه، على أن يتم  تشكيل هذه اللجنة وتنتهي من أعمالها خلال العامين الأولى من فترة الإنتقال.   

* يتزامن استفتاء أهالى منطقة أبيي مع الاستفتاء العام بنهاية فترة الإنتقال حول تقرير مصير  جنوب السودان ويكون محدوداً بأمرين:

1-  تحتفظ ابيي بوضعها الإدارى الخاص فى الشمال

2-  أو أن تتبع لبحر الغزال.

* كما تم الاتفاق على توزيع عائد المنتج المحلى من البترول بنسبة 50% للحكومة المركزية و42% للحركة الشعبية و2% لولاية بحر الغزال و2% لولاية غرب كردفان و2% لدينكا نوك  و2% للمسيرية.

النقاط أعلاه هى جوهر الاتفاق. لقد توقفت فيها لما قد تسقطه من ظلال على بقية الاتفاقات علماً بأن نقاط الاتفاق الأخرى ركزت على كيفية حكم المنطقة وإدارتها وتنميتها.

اللافت للنظر فى هذا الاتفاق هو التحديد لمنطقة ابيي والذى يفترض أن يكون دقيقاً حاسماً، خاصة وأن قضية منطقة ابيي قد أخذت حيزاً كبيراً فى التفاوض وكادت أن تحول دون الوصول إلى اتفاق. إلا أنه جاء مختصراً فى سطرين بعيداً عن دقة التحديد حتى الإشارة إلى حدود العموديات التسعة عبارة جاءت فضفاضة يمكن أن تدخل الجميع فى دوامة تفاوض جديد خاصة وقد ربطت بالقرار الإدارى المشار له بعام 1905م الخاص بالضم لكردفان، وهو غير دقيق إذ ان قرار الضم قد اتخذ فى عام 1904م.

فى تقديري ان وراء كل ذلك غرض مآبة فتح باب التفاوض على الأرض وعلى الواقع تجاوزاً لفشل مفاوضات نيفاشا مما قد يتيح فرصة أكبر فى بلوغ الغاية لاحقاً. حتى تكون الصورة واضحة للقارئ الكريم لا بدَّ لنا العودة إلى تسلسل الأحداث فى هذه المنطقة خلال الأعوام (1901-1905) للوقوف على ما ثبت عنها بالخرائط وما اتفق عليه حولها من اتفاقات.

* فى عام 1901 رسمت الحدود الجنوبية لمديرية كردفان علماً بأن مديرية بحرالغزال لم تضم للسودان حتى عام 1902م، وقد أعيد رسم هذه الحدود بعد ضم مديرية بحر الغزال.

* فى عام 1903م عدلت هذه الخرائط مبينة الحدود الإدارية الفاصلة بين مديرية كردفان وبحر الغزال مؤسسة الحد الفاصل بين المديريتين للحدود بحر العرب ( خرائط ماردون).

* وفى عام 1904 وبعد مسح الحدود القبلية تقرر أن يتبع السلطان روب والشيخ ريحان، والذين يقطنان بالمنطقة جنوب بحر العرب، إلى مديرية كردفان، وعلى ذلك رسمت الحدود شاملة المثلث المحدد بالإحداثيات [(28:40،9:25)–(28:00,9:20)–(27:45,9:35)]  تقريباً، والذى يقع بين بحر العرب شمالاً وحدود بحر الغزال جنوباً حسب خريطة كابتن لويد سنة 1904 ( راجع الخريطة)

* فى عام 1905 وقع ميثاق إخاء  بين الناظر نمر على الجلة والسلطان كوال أروب والذى بموجبه تم عبور دينكا نوك بحر العرب نحو الشمال والاستقرار وسط المسيرية فيما يعرف الآن  بمدينة ابيي، وبهذا الفهم فهى قطعاً خارج حدود النزاع.

مما تقدم فمن الواضح أن الضم الإدارى وفق الحدود القبلية للمثلث الحدودي موضوع النزاع قد تم فى عام 1904 وليس عام 1905 وما تم فى عام 1905 كان ميثاق الإخاء بين قبيلة المسيرية وقبيلة دينكا نوك. فإذا كان الاتفاق يشير إلى هذه الوقائع والثوابت فإن الأمر محسوم والحدود المشار إليها هنا واضحة لا نرى حاجة لما ثبت فى الاتفاق من تكوين لجنة لترسيم الحدود. أما إذا كانت الإشارة لحدود جديده يتم التفاوض عليها استناداً إلى ميثاق الإخاء المبرم فى عام 1905 ففى هذه الحالة لا أرى بأن هناك اتفاق وأن القضية برمتها ستكون قيد التفاوض من جديد أرجو مخلصاً أن لا يكون هو الحال وأرجو مخلصاً أن لا تكون ابيي ذريعة لانفصال الجنوب.

أما الخيارين الذين اتفق على إجراء الاستفتاء على أساسهما فواضح منهما أن خيار الانفصال هو الذى بالبال إذ أنه لو أختير خيار تبعية منطقة ابيي لبحر الغزال فلا قيد ولا شرط، أما إذا اختير خيار تبعية ابيي للشمال فرضت الشروط والقيود لتحتفظ هذه المنطقة بوضعية خاصة وهى تبعيتها للرئاسة بدلاً من خيار أهل المنطقة العيش فى الإقليم، وإذا كان هو الحال ففى تقديري ان القضية برمتها قد أجلت لزمان عسى أن تعاد الكرة فيه مستقبلاً وتبقي مشكلة ابيي القشة التى تقصم البعير.

النقطة الثالثة الخاصة بتوزيع العائد المنتج المحلى، والتى تلقى قبولاً منا إلا أنها قد ربطت هذا التوزيع بقبائل بعينها ( نسبة 2%  لدينكا نوك و2% لقبيلة المسيرية)، وقد كان من المستحسن أن يربط  بمناطق هاتين القبيلتين لما فى ذلك من شمولية وعدالة توزيع، ونلاحظ أيضاً أن خلطاً قد وقع فيه هذا الاتفاق  بتخصيص 2% لولاية غرب كردفان فى الوقت الذى تم ضم جزء من ولاية غرب كرفان لجنوبها، فهل قصد من ذلك العطاء والأخذ فى آن واحد، أم لأن عملية التفاوض كانت لكل قضية منفصلة وسيتم تعديل مثل هذا التناقض، وكيف سيكون التعديل، هل ستعمم هذه النسب على كافة ولاية جنوب كرفان أم تحتفظ بخصوصيتها كما هى فى هذا الاتفاق.

عزيزي القاري هذه بعض الملاحظات التى رأيت أنها جوهرية فى اتفاق منطقة ابيي، وكما هو مثبت بالوثائق فالمثلث موضوع الاتفاق لا تتجاوز مساحته 900 كم مربع تقريباً، ولم يواجه أهلة يوماً مشكلة إلا تم علاجها بقدر من الحكمة والإدراك لمصالح الجميع احتراماً لتقاليد وأعراف عاشوها وصنعوها لتكون ناموس حياة مواطن هذه المنطقة فهلا أرجعنا الأمر لهم، وكما عالجوا أمورهم فى الماضي يقينى أنهم قادرون على علاجها فى الحاضر، ولنكن جميعا أبناء دينكا ومسيرية مثالاً لوحدة بلد مزقته الحرب، ولنعتد بما صاغه أجدادنا وآبائنا من أساليب إخاء.

تابع

إعلان مبادئ | اسهامات باللغة العربية | اسهامات باللغة الإنجليزية | وثائق مرجعية | أوراق مرجعية | دعوة للمساهمة

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.