أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
وثيقة تاريخية

دعوة إلى الذاكرة والتعقل

سودان المستقبل: وثائق ونقاشات

دعوة الى الذاكرة والتعقل

صلاح الأغبش

- نقلا عن صحيفة الرأي العام -

هل كانت مشكلة دارفور مفاجأة؟! وهل كانت قضية شرق السودان المتوقع تصعيدها مستقبلاً صدفة؟!! إنها تساؤلات ليس المقصود منها العودة مرة اخرى للتعمق في تلك الاسباب التي ادت وتؤدي الى تفاقم تلك المشاكل، لم يكن ذلك هو القصد، فقد تم التعريف بها بكل وسائل الاعلام والاقلام باختلاف رؤاها وتفسيرها لتلك الاسباب... ولكن السؤال قصد منه التذكير باننا نستهين بالأمور في بداياتها، فكل الحكومات المتعاقبة لم تخطط بصورة جادة وعلمية مدروسة لمعالجتها في حينها الى ان تنفجر المواقف بصورة مجلجلة كما نعيشها الآن بعد ان اقامت الدنيا ولم تقعدها بعد..!! نقول إن الجميع لن يطفئوا وميض النار الى ان استعرت وامتد لهيبها لتجعلنا امام المحنة التي نعيشها جميعاً ونكتوى بنيرانها الى اجل غير مسمى على الاقل حتى الآن..!!

إن مشكلة دارفور لم تكن مفاجأة.. ولكنها كانت مفاجأة في بداياتها توقيتاً واسلوباً، لقد كانت بداية عاصفة كالصاعق الكهربائى، بل كان وقعها حاداً ومؤثراً على الجميع لما افرزته من مضاعفات امنية وسياسية وماساوية انسانية في سرعتها واتصالها وما لازمها من دمار وموت وعذابات انسانية..!!

لقد بدأت قضية دارفور في بداية الستينات حيث ظهرت الى السطح باسم حركة سوني الجهوية السرية العرقية وهي تتبنى اثارة مشاكل خاصة بالاقليم في شماله اي العنصر غير العربي، وكانت بداية صافرة انذار للمستقبل.. ولكن سرعان ما توقفت تلك الحركة السرية لتصبح عملاً سياسياً معلناً بعد ثورة اكتوبر، حيث تبدلت من حركة سرية في مضمونها الى حزب سياسي جهوي تحت مسمى جبهة دارفور وخاضت الانتخابات آنذاك وفازت ببعض المقاعد في البرلمان وامكن لحد ما احتواء تمددها وانتشارها في ذلك الوقت تحت عباءة الديمقراطية.. ونحسب ان مساحة الحركة والوعي السياسي الذي تتيحه الديمقراطية لحلحلة تلك القضايا لم يوجه لذلك الغرض ولو ان المرحلة لم تشهد نشاطاً مكشوفاً لذلك التنظيم الا انه كان عالقاً بقلوب وعقول قادتها وقاعدتها.. ثم تلي فترة الديمقراطية سلطة مايو ليبدأ التململ من جديد بصورة مختلفة ليصل الى مداه حين الاعتراض على تعيين السيد العميد (م) الطيب المرضي حاكماً لاقليم دارفور وتظن سلطات مايو انها فرصتها لوقف ذلك التململ تعيين السيد محمد إبراهيم دريج زعيم حزب نهضة دارفور حاكماً للاقليم للتقليل من اي صدامات وصراعات ضد السلطة، وقد كان السيد دريج احد زعامات قبيلة الفور اي بمثابة الممثل لكل القبائل غير العربية ولكن سرعان ما اتصلت الخلافات بينه وبين السلطة وتنحى عن المنصب ويغادر البلاد معارضاً سياسياً وحتى الآن، وتنطلق في ذلك الوقت دعوة دولة الزغاوة الكبرى..!! ثم تنتصر الانتفاضة وتعود الديمقراطية الثالثة بقيادة حزب الأمة برئاسة السيد الصادق المهدي.. ولكن لسوء الحظ فقد تزاحمت المشاكل في اقليم دارفور من جراء مخلفات الصراع التشادي من تدفق للمقاتلين وبالتالي السلاح وظهور الاضطرابات الامنية من مواجهات مسلحة ونهب مسلح وصراعات بين الرعاة والمزارعين الخ وتعيين حكومة السيد الصادق المهدي السيد التجاني السيسي وهو من قبائل شمال دارفور حاكماً للاقليم، اعتقاداً من الحكومة كالعادة استمالة العناصر غير العربية علها تساعد في تخفيف وطأة الاحساس بالظلم في السلطة والتنمية..؟! وتحل سلطة الانقاذ الوطني ليغادر السيد التجاني السيسي وآخرون من الاقليم الى الخارج لاجئين سياسيين معارضين للنظام، وتحاول سلطة الانقاذ وهي موحدة آنذاك بكسب ابناء القبائل غير العربية بتخطيط من السيد الدكتور علي الحاج نائب رئيس حزب المؤتمر الشعبي بعدها..! وفي ذات الوقت الذي تعمل الانقاذ علي كسب ثقة ابناء شمال دارفور تقوم الحركة الشعبية باحتضان بعض ابناء دارفور وتنظيم حملة بقيادة بولاد المنسلخ من الجبهة الشعبية والذي استطاع اختراق منطقة جنوب دارفور والتسلل الى بعض اعماقها لتتصدى له الحكومة باستنفار وتسليح القبائل العربية في تلك المنطقة لتقاتل مع القوات المسلحة ودحر المتمردين وهزيمتهم وتمتلك تلك القبائل السلاح والقوة لتتعاون مستقبلا مع القوات المسلحة اي انها اكتسبت قانونية حمل السلاح.

وتخطط الدولة لتنفيذ مشاريع مهمة في الاقليم، كان اهمها الطريق الغربي والذي اصبح وبالاً فيما بعد للفشل الذي لازمه وضياع امواله التي لا تعرف حتى الآن الجهة التي بددتها؟ ومن ثم اختنق المشروع وتوقف دون ان يجد مواطن دارفور اسباباً تقنعه بذلك..؟! ثم يحدث الانشقاق التاريخي في الحركة الاسلامية لتصبح حزبين مؤتمر وطني وآخر شعبي معارض للحكومة، ثم تقوم بعض قياداته تحت رئاسة الدكتور علي الحاج باللجوء السياسي والعمل المنتظم ضد الحكومة وكذلك هناك شخصيات نشطة من ابناء شمال دارفور آثروا اللجوء لبعض الدول والعمل ضد النظام.. ثم صدر الكتاب الاسود وهو مؤشر واضح على تصعيد العمل العدائي العرقي والجهوي وان كان موجهاً ضد الدولة ولكنه يصيب كل الكيان السوداني برمته وينتهي الأمر بمؤتمر المهمشين بالمانيا الضالع في المطالب الجهوية وشبه العرقية.. وهو كذلك مؤشر وآلة تنبيه كافية لما يمكن ان يترتب عليه الحال، ثم ينطلق على ارض الواقع العمل العسكري المسلح في شمال دارفور بسفور وتحدٍ وشراسة تحيل المنطقة الى بركان مدمر وقاتل ليوصلنا الي هذا الظرف الماساوي الذي نعيشه جميعاً الماً وغصة في حلوقنا..!!

هذا ما كان من بعض مؤشرات مشكلة دارفور وهو لحد ما  ينطبق علي حقيقة قضايا شرق السودان وبداياتها التي طالت الاربعين عاماً منذ بداياتها..؟! وهي كذلك لم تكن صدفة ولا مفاجأة، فقد ظهر تنظيم البجا السري في اواخر الخمسينات واوائل الستينات كحركة مطلبية جهوية وعرقية وان لم يكن لها نشاط عسكري او تخريبي واضح، الا انه امكن استمرارها لفترة طويلة دون انكسارها.. وهي كسابقتها حركة سوني، فقد كونت حزباً سياسياً حينما اتاحت لها الديمقراطية ذلك وسميت باتحاد ابناء البجا الذي نال نصيباً مقدراً من النواب في الجمعية التأسيسية، ثم قيام حكومة الانقاذ وتجمد الحزب لتنضم مجموعات منه للتجمع الوطني وتشكل فصيلاً مقاتلاً تحت مسمى الفهود السود كان له دوره في بعض العمليات في المنطقة الشرقية وآثر بعضه اللجوء السياسي دون الانخراط في عمل عسكري ضد السلطة ولكنه يمارس تصعيد المطالب للمنطقة، والآن يتحالف الفصيل المقاتل من داخل اريتريا مع حركات متمردي دارفور لتنسيق الجهود السياسية والعسكرية بينهما ويرتفع صوت التنظيم منادياً بالمواجهات المسلحة وتصعيد عملياتها، في الواقع ان هذه الحركة التي لا نعلم حجمها الطبيعي وقدراتها، الا انها تجد بالطبع المؤازرة من دولة اريتريا المعادية لحكومة الانقاذ، كما ان هذا الفصيل يجد الدعم من الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية يهدف الى اضعاف النظام الحالي مرحلياً وتهديد الوحدة الوطنية استراتيجياً ومستقبلاً كما ان خطورة هذه الحركة انها تعمل في الاقليم الشرقي حيث تقع معظم مرافقنا الاستراتيجية المهمة بدءاً بميناء بورتسودان وميناء سواكن الخاص بالبترول، ثم خط انابيب البترول وخطوط السكك الحديدية والطريق البري القومي وخزان خشم القربة والمناطق الزراعية المهمة والغنية بالمنطقة الخ..!!

اقول إن ما يحدث في دارفور بكل سوءآته وما يتفاعل تصعيداً في الشرق لم يكن  صدفة لنا او مفاجأة، فما سردناه اعلاه يؤكد على حقيقة ان الحكومات باختلافها ديمقراطية كانت أم شمولية او عسكرية لم تتمكن من وضع اصبعها في موضع الالم.. ولم تستطع ان تحل تلك المشاكل او النية في حلها بالتخطيط السليم والرؤى الفاحصة والاهتمام الزائد بالأمر، ان مؤشرات تلك الازمات كانت واضحة المعالم، رغم عدم حدتها آنذاك، حتى وصلنا الي هذا الدرك السحيق من الكارثة، نقول إنه الدرك السحيق لاننا كنا نتباهي بالسودان الكبير..! السودان المتعدد الثقافات والاعراق والاديان.. السودان الغني بتعايشه السلمي وتماسك نسيجه الاجتماعي الحافظ على وحدته الوطنية والسودان الواعد حضارياً رغم التعدد والذي كنا نعده واحة ومنالاً لكل الاقليم افريقياً وعربياً، اننا الآن في خوف من تصدع كياننا وفي خوف من مستقبل وحدتنا الوطنية وستظل بلادنا ومستقبل اجيالنا تحت وطأة التقسيم الجهوي والعرقي.

إننا الآن امام ثقل المشاكل التي تداهمنا والتي لم تجد حلاً، اننا في خضم عاصفة عاتية تظل لنا جميعاً نكسة حادة، عند كل تلك الاحن التي ستتوالى علينا وتدمر مستقبل البلاد والعباد واذا كنا حكومات مختلفة لم تصب النجاح او لم تحاوله بتاتاً امام تلك التحديات القديمة والحديثة ونحن نواجه تلك الهجمات الداخلية والاقليمية والدولية ان لم يبق لنا الان غير ان نجرب حكومة قومية من كل تلك الفئات الحكومية والحزبية المؤتلفة كانت ام مختلفة لتضع حلولاً جذرية لم نقدر عليها منفصلين، لقد بح الصوت من كل الحادبين والوطنيين بان الخروج من هذه الازمات هو حكومة قومية تستطيع ان تحل المشاكل بشمولية فهل ندرك ذلك قبل فوات الاوان..؟

نقول للمتمردين اين كان اتجاههم انه من الممكن التفرد بسن الحرب ونقول للحكومة إنه من الممكن التفرد بمحاصرة تلك الحرب ولكن التفرد في صنع السلام غير ممكن وحينذاك ستدعو الظروف للاستعانة بكل القوى السياسية في الساحة ـ نحن الآن في هذا الموقف الماثل بالضبط والذي يحتاج لحكومة الاتحاد الوطني دون غيره وحل تلك المشاكل يحتاج الي عصا سحرية لا تمتلكها الانقاذ وحدها ولكن يملكها كل الشعب السوداني بكافة احزابه السياسية ومنظمات المجتمع المدني فهل تعي ذلك؟.

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.