أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
وثيقة تاريخية

السودان الجديد: مؤشرات ومعالم على خارطة الطريق

سودان المستقبل: وثائق ونقاشات

السودان الجديد 

مؤشرات ومعالم على خارطة الطريق

 
شريف الدشونى 

- نقلاً عن صحيفة الرأي العام -

خلاصة : 

تنظر هذه المساهمة الى المستقبل وتقدم اطروحة هامة واساسية تتصل بمستقبل الوطن ومصير ابنائه وامانيهم تلك التى لا تحتمل الاغفال او التاجيل وهى بهذا لا توجه نقداً الى اية جهة سياسية بعينها، في الحكم او خارجه. 


كل الذى تهدف اليه هو طرح بعض قضايا التنمية بعد الحرب، في تجرد واقعى وصارم. بالعكس، كل ما تسعى اليه هذه المساهة هو ان يتجه اهل السودان جميعهم في بناء سودان جديد تقوم سياساته واستراتيجياته وخططه على مشاركة المواطنين. فمنذ اعلان الاستقلال، خمسون عاما مضت، ظل الشعب السودانى يكابد ويكفاح، في معاناة مريرة، من اجل ان يجعل لاستقلاله طمعاً ومعنى، غير ان الكوارث من كل شاكلة ولون اخذت تترى عليه وهو صامد، ينتفض ويزيح بعضها لتأتى آخر اشد ايلاما ومحنة. وهاهو اليوم يحقق انجازاً من اكبر انجازاته المعاصرة ... استطاع ان يفرض السلام بين شماله وجنوبه. قد كلفته الحرب مع عوامل اخرى، الكثير من المعاناة ودفع ثمنها غاليا من دماء بنيه، قتلى ومشردين ولاجئين يهيمون على وجوههم في داخلة وعلى مواقع الشتات في العالم. والان، وبعد وقف الحرب الخاسرة المدمرة، يدخل شعب السودان مرحلة مضطربة تمثل فيها معركة التنمية الاقتصادية الاجتماعية التحدى الاكبر. هذه المرحلة سوف تكون حرجة وحاسمة في حاضر ومستقبل السودان. فالمناظر، بعد ان وضعت الحرب اوزارها، ماثلة، وعلى كل القوى الوطنية متحدة ان تحدد القضايا وتبحث وتجد الحلول لقضايا متعددة ومتداخلة وحاسمة الاهمية : الفقر، الديمقراطية، عدالة التوزيع بين كل المواطنين اينما كان موقعهم، تدهور الموارد البشرية والطبيعية، الانهيار الزراعى، والصناعى، دمار مجالى التعليم والصحة، التنمية الريفية، المشاركة الشعبية ... الخ ولهذا فان السؤال الذى يفرض نفسه : ثم ماذا بعد توقيع وثيقة السلام ؟ ان وضوح الاجابة الموضوعية و العملية على هذا السؤال الحاسم تقرر مصير السودان حاضراً ومستقبلاً. هذه المساهمة لا تفعل اكثر من آثار عابرة مع تلمس اشارات لبعض المهام في هذه المرحلة القصيرة القادمة، اراها بالغة الاهمية في معركة تثبيت قضية السلام في كل ربوع السودان وبناء الأمة السودانية المتحدة. ولكن الامر كله هنا، على كل حال، لا يتعدى ان يكون اشارات فقط لبعض من القضايا. فالشعب السودانى هو الوحيد الكفيل بتحقيق ذاته وبناء امته المتحدة، المتأخية وتحديد قضاياها وترتيب اولوياتها.
 

مقدمة 
في سبعينيات القرن التاسع عشر، كانت تشمل (ممتلكات) الدول الاستعمارية جزءاً بسيطاً من مناطق ما وراء البحار. ففى عام 1876 كانت المساحة التى تم الاستيلاء عليها من جانب القوى الاستعمارية تبلغ حوالى 10% فقط من مساحة افريقيا و50% من آسيا. هكذا، مناطق واسعة لم تقع بعد تحت سيطرة هذه القوى الغازية. ولكن خلال العقدين الاخيرين من القرن المذكور حدث تغير كبير، بشكل جذرى في خريطة العالم. لقد حذت البلدان الرأسمالية المقتدمة حذو انجليترا ـ اقدم دولة استعمارية ـ وبدأت في الاستيلاء على مناطق العالم. ففى الفترة 1876-1914، استولت القوى الامبريالية الكبرى على حوالى 25 مليون كم2، عملياً كل افريقيا (ضعف مساحة اوروبا تقريبا). جزء كبير من آٍسيا وامريكا اللاتينية صار مستعمرات لبلدان استعمارية قليلة العديد، هى : بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة الامريكية، المانيا، اليابان، بالاضافة الى طفيليات اخرى صغيرة كبلجيكا، هولندا، البرتغال، واسبانيا. وفي عشية الحرب العالمية الاولى، كان قد تم اقتسام العالم، واصبح من المستحيل ضم مناطق اضافية بدون استعمال القوة العسكرية... فكانت الحرب.


لقد احدث المشروع الاستعمارى البريطانى في بلادنا تشوهات متداخلة في ساحات الاقتصاد والاجتماع وحالتنا عموما. فالبنات التقليدية قد طالها الكثير من التهرؤ، دون ان تزول تماما، كما تم خلق بنيات شبه حديثه، دون ان يسمح لها بالتطور الابعد. فالهيكل السياسى التقليدى الذى كان يرمز له بالخليفة او السلطان او الامير او شيخ القبيلة ... الخ قد تقلص الى حد كبير، مع انتقال السلطة الحقيقية الى ايدى ممثلى الادارة الاستعمارية. غير ان رموز الهيكل التقليدى استمرت كواجهة شرعية مزاحة فعليا او ملفقة او مفروضة. لقد خلقت الادارة الاستعمارية، جنبا الى جنب مع الهيكل التقليدى، هياكل شبه حديثة لتسهيل مهامها في استغلال الموارد المحلية المتاحة (اجهزة الحكومة، الخدمة المدنية، المجالس الريفية والبلدية ... الخ) حدث الامر نفسه بالنسبة للهيكل الاقتصادى والتعليمى. فالاقتصاد التقليدى الذى يعتمد على الزراعة والرعي في كل الريف والبادية، والحرف الصناعية التقليدية التى تم تطورها عبر التاريخ، بهدف الاشباع المباشر للحاجيات الاساسية للسكان. تم تقويضه الى حد كبير ولكن لم يتم القضاء عليه بشكل عاجل ومباشر. لقد حول المشروع الرأسمالى الجزء الاكبر من الاقتصاد القومى الى اقتصاد تابع في مجمله، مندمج في نظامه الرأسمالى العالمى، بهدف تصدير المواد الخام الى مصانعه في البلد الام. واستيراد السلع المصنعة من هناك بشروط مجحفة. والنتيجة كانت القضاء التدريجى على قدره الاقتصاد الوطنى على التكامل والنمو المستقل، واستنزاف فائض القيمة، هذا مع وجود مراكز حضرية، تجارية ومصرفية واتصالية شبه منتعشة في الداخل ولكنها محدودة، ترتبط بالخارج اكثر من ارتباطها بالريف والبادية.


اولاً : الاطار التنموى : 
عقود من الفقر، الخوف، مجتمع مدنى يختنق، دكتاتوريات عسكرية جاهلة, حكم الفرد، احزاب سياسية متهرئة ... الخ متزامنة مع اقتصاد يتدهور واعباء ديون تتراكم وخدمات لها تذهل، تقلص يزداد في المساعدات الخارجية. وكذلك تهميش متزايد في اطار تقسيم عمل عالمى اكثر وحشية وتعقيداً امام تحديات قاسية في هذه المرحلة الانتقالية التى يكتنفها الكثير من المتغيرات المتداخلة المضطربة. ليس السودان فحسب، بل كل القارة الافريقية منزلقة على سلسلة حلزونية تتجه رأسيا الى الاسفل : فقر وجوع ينتهيان الى تدهور بيئي، انهيار زراعى يقود الى المزيد من الفقر والجوع، ادخار سلبى يتآكل وعجز واهمال لاستثمارات جديدة في اطار عوز متفاقم، معدلات من السكان في ارتفاع يتعاظم، هروب منفلت من جوع وفقر الريف الى حريق فى المدن، مؤدياً الى انفجار سكانى في مناطق الحضر المحاصرة اصلا بعشش الصفيح والكرتون واسوار الجريمة. في تعبير مكثف : ليس فقط الهيكل الراهن للانتاج المحلى بل ايضا الاتجاه الرئيسى للتنمية الاقتصادية/ الاجتماعية الذى ترتكز عليه الاوضاع الاقتصادية والسياسية يعمل في انتشار وتعميق تخلف الوطن وتقييد حركة تقدمه. كل هذه الظواهر السلبية مجتمعة تفرخ الاحباط، الغربة، البطالة، التضخم، التمزق الاجتماعى وتآكله، اهانة حقوق الانسان، الفساد، اساءة هيبة الوظيفة الرسمية، اهمال الريف، تآكل البنى التحتية ومعاناة مرة نعانى منها اليوم. النتيجة الحتمية تمثل هذا الاسلوب من الحياة هى الصدامات والاحتكاكات الاقليمية، الحروب الاهلية وعدم الاستقرار عموما. لقد تم تقديم العديد من التفسيرات لشرح اسباب هذا الفشل الطاغى. وتم تحديد الكثير من العوامل والاسباب : الارث الاستعمارى، التنوع الاجتماعى، الفساد، تثيب روح العمل، نقص مهارات الطبقة الوسطى المنتجة، فقر التخطيط والادارة المستقلة المبدعة، تخبط السياسات الاقتصادية/الاجتماعية مستوى هابط في المستوى الفنى والتكنولوجى، انحسار تدفق رؤوس الاموال الاجنبية، شروط التجارة غير العادلة، مستويات الادخار والاستثمار المتدنية ... الخ. هذه الجوانب الفنية ينبغى عدم تجاهلها. فهى منفردة او مجتمعة لها اثر ضخم سلبا، وايجاباً، على عملية التنمية ومسارها. غير ان معالجة قضية التنمية عن طريق هذه (الفنيات) فقط لا تكون عادة ذات اثر كبير. الاكثر سوا"ء من ذلك يتمثل في ان كل استراتيجيات التنمية تقريبا. تفترض بكل بساطة ان مشكلة التنمية تتمثل في المواطنين انفسهم (الاهالى) وطرق اسلوبهم في الحياة، بحيث يصبح الهجوم على مشكلة التنمية هجوما على (الاهالى) وطرق معيشتهم التقليدية. وعندما يصبح الاهالى انفسهم هم المشكلة اكثر من عملية التنمية، يعيب مسار هذه (التنمية) الافلاس. وعند هذه النقطة تصبح معالجة القضايا التنموية تمرينا فى الاغتراب في افضل الظروف، وهجوما عنيفا وضاربا على المواطنين، في اسوئها. وهذا اتجاه لا نريده. فمن اجل معالجة قضايا التنمية المختلفة، علينا ان ندخل تغييرات عميقة وجذرية في سياساتنا واسلوب معالجتنا الداخلية للقضايا الاقتصادية والاجتماعية. فما لم يتغير الهيكل الاساسى للاقتصاد (المزيد من التصنيع العقلانى، تضييق فوارق الدخول بين العاملين في الريف والمدينة، الارتقاء المضطرد في مستوى الانتاجية العامة) سوف يظل الاقتصاد عرضة للصدمات الداخلية والخارجية. وفي ظل مثل هذا الوضع تتأجج نيران الضغائن الاقليمية ويلتهم لهيبها وحدة المجتمع ويحرق خيوط نسيجه.


ثانياً : استراتيجية التنمية : 
ان الاتجاه الاساسى لمجهودات تنمية، تتمتع بالصحة والعافية، لابد من تحديده تحديداً قاطعاً عن طريق استراتيجية واضحة ومحددة، موضوعية، قاطعة المقاطع بلا ترهل ولا ضباب وفوق كل ذلك، داعية وملتزمة بمشاركة المواطنين. كما انها تهدف الى ملاقاة حاجيات الاسر الاساسية، الطعام، السكن، الملبس، الصحة، التعيلم، المواصلات، الاعلام ... الخ وفوق كل ذلك، حقوق الانسان في كل انواعها واشكالها التى تحرم وتمنع تمييز المواطنين على اساس الجنس، الدين، الانتماء، اللون ... الخ. هذا يعنى بالضرورة، الحاجة التى لا ينبغى تفاديها، الى تأسيس هياكل اقتصاديةاجتماعية ملائمة ومستلزمة لهذا الاتحاه. ذلك، من اجل اشباع الحاجيات الاساسية الحياتية التى اشرنا اليها فيما سبق. ان مرتكزات هذه الهياكل يجب ان تعتمد على قطاع صناعى حيوى ومزدهر، قوامه في الاساس قطاع زراعى دائم الانتاجية والنمو، مع عدم اهمال القطاعات الانتاجية والخدمية الاخرى، غير ان التنمية الاقتصادية الاجتماعية لا يمكنها، في الغالب الاعم، ان تكون مستقلة وشاملة ومستدامة اذا غاب اعتمادها على سوق داخلية متسعة. هذا لا يعنى الانكفاء على الذات. اننى ارمى فقط الى تأكيد اهمية توجيه عائدات الصادرات من اجل ان تغطى اساساً تكاليف الاستيراد الاساسية لمدخلات مطلوبة للتنمية الابعد وهذه المدخلات الضرورية ينبغى الاستعاضة عنها تدريجيا عن طريق استغلال الموارد المحلية والتخفيض المتزايد للاستهلاك البذخى.


ثالثاً : تأسيس العملية التنموية : 
صار السودان يمثل احد البلدان القليلة التى تقع في اضعف حلقات الاقتصاد العالمى. ان قضايا التنمية الاقتصادية الاجتماعية تمثل التحدى الاعظم في مصير هذا البلد الامين : فقر مدقع ضعف اقتصادى هيكلى، طاقات اقتصادية اجتماعية معطلة ... الخ. كل ذلك يتم في اطار فقدان الامانة والمسئولية وعدم الاهتمام الذى يبلغ حد الاستهتار، ايثار النفس الى درجة الفساد ... الخ تتعرض بلادنا الى سلاسل متدفقة من الانكشاف العارى والموانع والحواجز التى تقعد بنا من اللحاق بالاخرين، حتى باشقائنا الافارقة (بدون تحقير) شلل يكاد يكون تاما في الطاقة البشرية والمؤسساتية والانتاجية، انكشاف واسع وقابلية متعاظمة لتلقى الصدمات الخارجية والكوارث الطبيعية بكل انواعها، بما في ذلك الامراض القاتلة عابرة القارات والحدود، بؤس البنى التحتية وحرمان من فرص الحصول على الخدمات الاجتماعية الاساسية كالتعليم، الصحة، التدريب ... الخ كذلك الحال مع الحصول على الموارد الطبيعية، عزلة تقترب من التمام عن تسيار المعلومات داخلياً وخارجياً وعن مصادرها التكنولوجية الحديثة.


ان النمو الاقتصادى والتنمية يصعب، ان لم يكن مستحيلا، تحقيقها داخل اطار الهياكل الاقتصادية الاجتماعية البالية الموروثة، هذا لا يعنى استبدالها بتحديث (مستورد) من البلدان المتطورة. ما ارمى اليه هنا هو عملية التغيير الاجتماعى الشامل. فعلى الرغم من ان مفهومى التنمية والتحديث لا سبيل الى عزل احداهما عن الاخر، بمعنى ان بينهما رابطة عضوية لدرجة الاندماج. هناك تمايز فاصل بينهما. فمفهوم التنمية اشمل واوسع من مفهوم التحديث. الاول (التنمية) يعكس عملية تحول اجتماعى عميق، اقتصادياً، اجتماعياً، ثقافياً، وبيئياً. الثانى (التحديث) يمكن ان يشير فقط الى (جزر) حديثة في محيط من التخلف. فى ما يتعلق بهذه (الحداثة)، هناك ملاحظتان ينبغى القاء بعض الضوء عليهما. اولاً واضح ان (نظيرة التحديث) هذه تمثل نموذجا يتسم بتبسيط مخل لتنمية تفتقد الى مكونين اساسيين : كفاية الثراء التاريخى والمنظور الهيكلى. تاريخياً تهمل هذه النظرية ثروة من الادلة المشاهدة التى تشير الى ان عملية النمو الاقتصادى لا يمكن تعليبها (كبسلتها) في افكار غامضة نتحدث عن تنمية (ابعاد) نظم القيم والمؤسسات التقليدية واستبدالها باخرى (حديثة). هيكلياً، تعوزها الحساسية، الارهاف، تجاه الظروف المعينة التى يمكن في ثناياها ترجمة او تكييف او احتواء عوامل النمو الاقتصادى، كالتكنولوجيا، الاسواق ... الخ في اطار العلاقات الاجتماعية المحلية. وهذا تحديث لا جذور له. وهذا يقودنا الى امر آخر فى غاية الاهمية. اقصد غياب الفاعل الاجتماعى في عملية التحديث هذه . فالحداثة في الغرب لم يتم فرضها من اعلى على المجتمع، بل جاءت كتطور بطئ في هياكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية عموما. بمعنى، جاءت الحداثة كتطور من داخل المجتمع نفسه. اي، من ارض الواقع خلال الصراع الذى كان دائراً بين البرجوازية الناهضة التى كان مجمل نشاطها يمثل الحداثة ضد الاقطاع ونفوذه وتقاليده المتخلفة. فسقط الاخير مع كل قيمة واسس انظمته القديمة التقليدية، وقام على انقاضه المجتمع البرجوازى الحديث. الدعوة عندنا تتم في غياب هذا (التفاعل الاجتماعى)، أي غياب الطبقة الوسطى المنتجة التى لا يمكن تحقيق مصالحها بدون تحديث المجتمع. وهكذا، انحصر نشاط الداعين للحداثة عندنا على دعوة بعض المثقفين النظرية والفكرية الخالصة والتى لم تؤثر كثيرا على رجل الشارع البسيط العادى. الا ترى هنا ايضا سببا قويا لتكرار الانقلابات العسكرية عندنا؟ 
 

هناك عامل رئيسى في تأسيس عملية التنمية المستدامة، في تأسيس النمو الاقتصادى الاجتماعى التقدمى المتواصل، يتعلق بالاطار المؤسساتى. اعنى، الاطار المتعلق بالعلاقة المناسبة وصحيحة بين مختلف اشكال الملكية في مؤسسات الانتاج. مثلا القطاع العام والخاص، التعاونيات، المجتمعات الصغيرة الموحدة المتماسكة، السلطات المحلية. تأتى اهمية هذه العلاقات من انها تقرر، او تحدد لدرجة عالية، درجة تشجيع كل من هذه المؤسسات اما ان تكون اكثر او اقل انتاجية ... موضوع الحوافز والدافع الذاتى. بالاضافة الى ذلك، تصحب هذه العلاقات قضية هامة تتعلق بتأسيس الآليات والسبل التنظيمية المناسبة كالاسواق، الاسعار، التخطيط، تدخل الحكومة ... الخ. اكثر من هذا، اتجاه ذو طبيعة طويلة المدى، يتعلق بانماط الاستهلاك الراهنة، على الاخص في مناطق الحضر. هذه الانماط التى (تحاكى) قيما استهلاكية تخص مجتمعات اكثر تقدما، تعكس نوعا من التبعية وتمثل مانعاً لانتاج سلع استهلاكية محلية كان من الممكن انتاجها محليا، ذاتيا. ان هذا الاستهلاك المتجه الى الخارج يعطى الدليل على فشل سياسة (احلال الواردات) التى تم اتباعها منذ اوائل الستينيات من القرن المنصرم. بمعنى، استبدال (احلال) استهلاك خاطئ باستيراد خاطئ.
 

عادة ما يصحب التنمية الاقتصادية الاجتماعية روح مرتفعة للعمل والاقدام الاقتصادى (المبادرة) تكوين رأس المال الداخلى، تحسين اساليب الانتاج، وكذلك تحسين وتطوير الصفات الاقتصادية والطاقة الانتاجية لقوة العمل. على الرغم من صعوبة بل استحالة فرز أي من هذه العوامل كمحرك منفرد رئيسى في عملية التنمية الاقتصادية الاجتماعية والتغيير الاجتماعى، يبدو واضحا علو مقام او تأثير تراكم رأس المال فوق العوامل الاخرى، نسبياً. ان ادخار واستثمار القطاع الخاص امر هام ولازم في شأن تكوين وتراكم رأس المال الداخلى اوا لمحلى. ان الاختراعات وامتلاك روح المبادرة في الانتاج، بمعنى خلق او استغلال فرص اقتصادية ذات عائد ربحى غائبة عن الاخرين يكون من يكتشفها ويمارس عليها نشاطا اقتصاديا منتجاً قد خلق اثراً ايجابياً على مجمل العملية الاقتصادية. نفتى : علينا ان نكافئه بالربح بالحلال. لاشك في ان التقدم المادى للمجتمع يمكن ان يستفيد كثيرا من مثل هذا الابداع الاقتصادى. ان الروح الانتاجية والرغبة في التغيير واقتناص الفرص المنتجة القائمة على دراسات الجدوى الاقتصادية والعزوف عن الطرائق والممارسات التقليدية المعتادة وموروثة لدى القطاع الخاص امر ينبغى ان يجد كل تشجيع. ان مقدرة الافراد على اكتشاف الفرص الجديدة من اجل الربح والقدرة والرغبة في استغلالها ايجابياً. عوامل هامة في دفع التنمية الاقتصادية الاجتماعية الى الامام. ان نشاطات من يكتشفون مداخل لمحاصيل جديدة او اساليب انتاج او منافذ جديدة في التجارة او في مناطق زراعية، كذلك نشاطات اولئك الذين يحترمون الافكار الجديدة والطرائق الحديثة مع توطينها كلهم يساعدون في رفع مستوى الاقتصاد. غير ان هناك الكثير من العوائق امام مثل هذه الصفات الحميدة. ان قوة العادة، تحجر الحراك الاجتماعى والرفض المطلق للافكار الجديدة وغياب روح البحث عن المعرفة ـ كلها تجتمع لتخلق مناخات للتجربة والاختراع. الموانع تشمل ايضا عدم انضباط القانون والنظام، تزعزع الوضع السياسى والاوضاع الاقتصادية عموماً، عدم استمرارية واستقرار المشاريع التنموية، الاساليب الزراعية العتيقة ـ كلها عوامل، مع غيرها تضر بقضايا الادخار والاستثمار، ومن ثم اعاقة مسار التنمية.

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.