أركامانى المؤسس الأول للدولة
الســـودانية
المـدنيــة
270- 260 ق.م.
وفق رواية ديدور الصقلي كان ملك مملكة مروى أركامانى قد أعلن ثورة على الكهنة وقام بمهاجمة معبد آمون النبتى فى جبل البركل حيث كانت تتم عملية تتويج ملوك كوش، وأعلن أركامانى الإله الأسد أبادماك إلهاً رسمياً لمملكة مروى. وكان أركامانى قد نال قدراً كبيراً من التعليم الإغريقى مما دفع ببعض الباحثين الى القول بأنه سافر الى مصر طلباً للعلم. لكن الحقائق المتوفرة تشير الى ازدهار الصلات التجارية بين مملكة مروى وعالم البحر الأبيض المتوسط، وأن الكثيرين من التجار الإغريق والمصريين تواجدوا فى أراضى المملكة، بالإضافة الى المغامرين من الانتهازيين الإغريق الباحثين عن الشهرة، وكذلك العديد من العلماء والرحالة والكتاب الإغريق. فمن المعلوم، على سبيل المثال ، أن العالم الإغريقي سيمونيد كان قد عاش خمس سنوات كاملة فى مروى ووضع كتاباً كاملاً عن كوش وثقافتها، وهو الكتاب الذى استفاد منه بلينى واستخدمه مرجعاً له فى تناوله لمملكة مروى. الأمر كذلك لا نعتقد بأن أركامانى كان بحاجة الى الارتحال الى مصر طلباً للعلم، بل الأغلب أن يكون قد نال معرفته باللغة والثقافة والفلسفة الإغريقية فى مدينة مروى (البجراوية). على كل فإن ديدور الصقلى لم يذكر شيئاً بهذا الخصوص، ولو كان أركامانى قد تواجد فى مصر لما تجاوز ديدور ذكر مثل تلك الواقعة.
عظمة أركامانى أنه كان الأول من بين ملوك كوش الذى أعلن ثورة على الدولة الدينيَّة ونادى بفصل الدين عن الدولة، وثبت واقع الفصل بين الممارستين الدينية والسياسية. ما كانت ثورته على الكهنة وتدمير معبد آمون النبتى، مركز سلطاتهم الفعلية، ثورة ضد الدين ديناً، لكنها كانت ثورة للقضاء على ادعاء الطبقة الكهنوتية احتكار السلطتين الدينية والدنيوية، واحتكار الحق فى تعيين الملوك وإقصائهم عبر تقاليد الاغتيال الطقوسى للملوك وفق ما يدعونه من حق فى تفسير الوحي الإلهي.
هكذا فإن أركامانى قام بعد القضاء على كهنة آمون النبتى بإصدار مرسوم يحظر ممارسة اغتيال الملك الطقوسى، وألغى دور الإله آمون، راعى هذا التقليد، كإله أساسي للمملكة، وأحل محله الإله الأسد أبادماك راعياً للدولة وسلطتها، معلناً بذلك عن رفضه مقولات عقل الرجعة لبقايا التركيب الاجتماعي العشائري البدائي الذى مثلَّ قاعدة للنفوذ الأيديولوجي والسياسي للطبقة الكهنوتية.
مات أركامانى ليجد جثمانه مثواه الأخير فى هرمه الرائع (البجراوية رقم 7) والذى يعكس هو وأهرام خلفائه أديكالامانى (البجراويَّة رقم 9) والملكة شناكداخيتى (البجراوية رقم 11)، وباكرينسانا (البجراوية رقم 13)، وتانيدامانى (البجراوية رقم 20) مدى الإزدهار الإقتصادى والتطور الفنى والتقنى الذى حققته مملكة مروى.
فى الوقت الذى بدأت فيه حملة إنقاذ آثار النوبة، والى حد بعيد عندما انتهت ما كان هنالك علم للآثار السودانيَّة كفرع معرفي قائم بذاته. كان علماء الآثار يعملون وفق منظور بحثي تمَّ تأسيسه من قبل جورج ريزنر منذ خمسين سنة سابقة لبداية الحملة، وهو منظور ترسخ عبر الأعمال اللاحقة لكل من جريفيث، وشتايندورف ، وايمرى وكيروان، ومكادام وغيرهم. وفق ذلك المنظور بدا تاريخ السودان القديم انعكاسا شاحباً للتاريخ الفرعوني المصري، وبالإضافة كتواتر لمراحل جامدة وغير مترابطة، بدون أية انتقالات واضحة. قبل أن يمتلك علماء الآثار علم الآثار السودانية الحالى، كان لا بدَّ من التركيز على تأسيس منظور يحقق الانتقال من مصر الى كوش كنقطة مركزية لهذا العلم، ومن الجمود الى منظور دينامى، ومن التاريخ الى الثقافة كنقطة اهتمام أساسي.
مثل هذا المنظور الدينامى تمَّ طرحه من قبل المجموعة الدولية لعلماء الآثار العاملين حالياً فى السودان جنباً الى جنب مع نظرائهم من علماء الآثار السودانيين. إن مشاريع التنمية الجارية فى السودان أصبحت تهدد بالدمار الموروث الثقافي للسودان، فهناك دائماً وعملياً الكثير المهدد فى السودان. وبفضل النداء الذى وجهته مصلحة الآثار السودانية طلباً لتقديم العون فى عمليات الإنقاذ، أصبح السودان مكاناً لالتقاء الكثيرين من الباحثين من ذوى الخلفيات والمهارات المختلفة، ومن ثمَّ أدخلت العديد من المناهج الحديثة فى العمل الميداني الجاري، وحققت الأعمال الجارية فى السودان أعلى المستويات العالمية المعتمدة، وهى مستويات ما كان التقيد بها شرطاً مسبقاً للأعمال التى أجريت فى الفترة التى سبقت حملة إنقاذ آثار النوبة.
نتائج كل تلك الأعمال والدراسات تم نشرها باللغات الإنحليزية، والفرنسية، والألمانية، والبولندية، والروسية، والأسبانية، والإيطالية دون أن تجد طريقها الى قراء العربيَّة، إما بسبب عائق اللغة، أو نتيجة تنوع الدوريات المتخصصة وتعددها والتى نشرت بها تلك الأبحاث.
من ثم فإن أركامانى بوصفها موقعاً فى الإنترنت مجلة للآثار والأنثروبولوجيا السودانيَّة باللغة العربية صُممت للاستجابة لهدف محدد للغاية: ترجمة نتائج الأبحاث الميدانية الجارية فى السودان والتى تقوم بها المجموعة الدولية والسودانية لعلماء الآثار، هذا الى جانب الدراسات والأبحاث النظرية التى تعتمد على نتائج أعمال التنقيب والإستكشاف الآثارى الجارية.
الكتاب الكلاسيكيون│الببليوغرافيا│معرض الآثار السوداية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة