تنطلق أركامانى "مجلةً للبحث الآثارى الأنثروبولوجى فى السودان" من قناعة راسـخة بأن التفكير الجاد فى مشكل بناء الأمة السـودانية لا بدَّ أن يبدأ بالتراجع القهقرى الى فجر الثقافات الكوشـية السـابقة لوصول الهجرات العربية الى السـودان وانتشـار نور الإسلام، الشئ الذى يؤدى الى إدراك واقع "التنوع التاريخى" وواقع "التنوع المعاصر"مكونين أسـاسـيين للهُويَّة السـودانية. ترمى أركامانى من ذلك تمليك القراء جزءًا من الحقائق التاريخية التى أصبحت، بفعل سـياسـة تعليمية منحازة، ضمن الكثير المسكوت عنه فى السـودان.
منهجياً تنطلق أركامانى من قاعدة الدراسة الاثنوتاريخية القائمة على أساس المعطيات الآثارية والأنثروبولوجية التى لا تبحث عن معلومات تم تجميعها بالصدفة، وإنما عن معلومات تعين على تقديم إجابة على ما تطرحه الدراسة من أسئلة. أي كما يقول عالم الأنثروبولوجيا المؤسس إيفا نز بريتشارد "بضغط المواقف المتكررة". وثانياً فإن الدراسة الاثنوتاريخية، فى محاولاتها تقييم الأجوبة، تضطر الباحث الى وضع تلك الأجوبة فى إطار هيكل نظرى. وكان بريتشارد قد أشار الى حقيقة أنه قبل جعل مثل تلك الأجوبة "مفهومة اجتماعيا" ينبغي أن ترتب بما يخالف "الترتيب التركيبي" للمجتمع المدروس، فإذا رتبت النماذج سيكون بمكنة الباحث رؤيتها ككل، أو كمجموعة من التجريدات المترابطة، وبعد عزل هذه النماذج التركيبية فى المجتمع المدروس، يقوم بمقارنتها مع النماذج الماثلة فى المجتمعات الأخرى، فيكون أشكالاً من الرموز ويقرر مظاهرها الأساسية وعوامل الاختلاف بينها.
لكن قد يقول أحدكم أن ذلك نوع من الواجبات التى يدعى معظم المؤرخين القيام بها طالما أنهم بدورهم يطرحون أفكاراً وفرضيَّات كأساس للاختبار والتفسير. لكننا نقول أنه، وإن صح ذلك، يظل هناك اختلاف فى التطبيق. فمن جانب نجد أن التصورات التى يكونها المؤرخ تميل الى أن تكون ضمنية قسرية، كما سندلل على ذلك فى تناول المؤرخين لتاريخ ثقافتنا الكوشية، ومن جانبٍ ثانٍ يميل المؤرخ الى أن يتجنب قدر المستطاع الطروحات النظرية، وذلك لأنَّ مصادره تمده عادة بنوع من الصور السردية المُفككة التى يمكن إرجاع الحقائق لها، ومن ثم فإنه يفضل معالجة الحوادث والشخصيات على معالجة التركيب الذى تقوم عليه، لأن الأولى أكثر وضوحاً فى السجلات التاريخية من المواد التى يستخدمها عادة علماء الأنثروبولوجيا. لذلك أكد باجى فى كتابه "الثقافة والتاريخ" بأن التاريخ إذا كان له أن يصبح أكثر من فاعلية شبه عقلية، فعليه أن يعتمد على الأنثروبولوجيا اعتمادا كبيراً فى أفكاره وخططه. كذلك نجد بريتشارد يؤكد بدوره أن "على التاريخ أن يختار بين أن يكون أنثروبولوجيا اجتماعية أو أن يكون لا شئ". قد يكون أفضل تطبيق لهذه الرؤية للتاريخ هو إعادة نظر فى الفرضيات السائدة بشأن تاريخ السودان وهو ما تطمح أركامانى الى اختراق دروبه.
مع انطلاق أركامانى مجلة الكترونية تهدف التعريف بالبحث الآثارى والأنثروبولوجى الجارى فى السودان بغية تشكيل وعى مشترك بمكونات الهُويَّة السودانية وخصوصياتها، لا بد لنا أن نذكر فضل أولئك الرجال الذين أسندوا العمل الآثارى الأنثروبولوجى منذ مطلع القرن الماضى استكشافا،ً وحماية، وتنقيباً، وإدارة لمشاريعه. لولا جهدهم المتصل ونكرانهم لحياة الدعة والراحة بإيثارهم العيش فى الصحراء والمناطق المنعزلة البعيدة عن العمران والتى لا زالت تمثل الشدة بعينها، لما تطور المشروع البحثي عن التراث فى السودان بما يخدم التراث الإنساني بأكمله.
نذكر فى هذه اللحظة عرفاناً بالجميل أولئك الذين تركوا لنا الوصف والرسم والصورة للمباني والمخلفات الأثرية ووثقوا لنا تاريخ المجموعات الثقافية المتفاعلة على أرض السودان بكتاباتهم القيمة منذ ما قبل القرن الماضى.
تحية إجلال لأولئك الذين كانوا وراء مشروع قيام مصلحة الآثار السودانية منذ العام 1935 وهى المؤسسة التى يرجع لها الفضل فى استكشاف التراث والتنقيب عنه وصيانته وحمايته، وهو ما لم يكن ممكن التحقيق لولا تفانى النفر الخير من خفراء المواقع الآثارية فى مختلف أصقاع البلاد والعمال والموظفين فى حماية التراث على كامل التراب الوطني، وأولئك العلماء والإداريين الذين تتابعوا فى قيادة البحث الآثارى والأنثروبولوجى فى السودان...اركل، وشيني، وفيركوتيه، وثابت حسن ثابت، ونجم الدين محمد شريف الذين خلفوا وراءهم الى جانب أعمالهم العلمية نظاماً إدارياً فاعلاً نجح، رغم شح الإمكانيات المادية والبشرية، فى أداء الدور المنوط به بفاعلية منقطعة النظير.
إن إحياء ذكرى كل أولئك الرجال لن تكتمل مقاصده إلا بإسهام الجيل الحالي من الباحثين المهتمين فى هذا المجال. فإذا كانت عمليات الاستكشاف الميداني والتنقيب عن الآثار والتراث قد ظلت مصبوغة بالأعمال والجهود المتميزة للبعثات الأجنبية الصديقة لظروف نعلمها ولا تنطبق على السودان وحده فإنَّ صفحات أركامانى تظل مفتوحة، الى جانب ترجمة الأبحاث الأجنبية، أمام الجميع للإسهام بالبحث والخبرة والتوجيه والرأي.لقد قصد منها أن تكون منبراً علمياً جماعياً يمد يد العون لطلابنا الدارسين للتاريخ والتراث ولعموم السودانيين والعرب المهتمين بقضايا التاريخ القديم والآثار والأنثروبولوجيا.
وما من شك فى أنها ستتلقى إسهامات الزملاء الآثاريين والأنثروبولوجيين السودانيين عبد الرحيم محمد الأمين، ود. محمد حسن باشا، ود. عباس سيد أحمد زروق، ود. على عثمان، ود. يوسف مختار، ود. خضر عبد الكريم، ود. خضر آدم عيسى، ود. على التيجانى الماحي، ود. أنور عبد الماجد، ود. محمود الشيخ الطيب، ود. عمر الزاكى، ود. زهير حسن بابكر، ود. جمال محمد إدريس، ود. صلاح الدين محمد أحمد، وحسن محمد أحمد خليل، ود. على قسم السيد وآخرون كثر آمل أن يعذروني إن هفوت عن ذكر بعض الأسماء.
والأمر كذلك فإن الجهد الذى بذلته ليرى هذا العدد الأول من أركامانى النور يمثل اللبنة الأولى فى مشروع جماعي لن يكتب له النجاح على الوجه الأكمل تحقيقاً لأغراضه إلا من خلال الجهد المشترك للزملاء المذكورين وغيرهم من المهتمين بقضايا البحث الآثارى والأنثروبولوجى فى السودان.
أسامة عبد الرحمن النور
المدير العام الأسبق للإدارة العامة للآثار والمتاحف القوميَّة
هذا الجهد بذل بأمل تحقيق هدف محدد وواضح ينحصر فى دفع طلاب البحث العلمي من السودانيين والعرب الدارسين للتاريخ القديم والآثار والأنثروبولوجيا للإطلاع على أحدث ما تخرجه معاول علماء الآثار العاملين فى السودان وما تطرحه أقلام الباحثين فى هذا المجال. من ثم
تأمل تقديراً لهذا الجهد، المبثوث على شبكة الإنترنت، الإشارة الى أركامانى مرجعاً فى حالة الاقتباس من أى من المواد العلمية الواردة فيها. مع خالص التقدير
الرجاء مراسلتنا عبر البريد الإلكتروني للمجلة
oelnur@arkamani.org
أو على البريد الالكتروني للمحرر
nurkamani@yahoo.com أو oelnnur@lycos.com