الفصل الثاني
عن آلهة الفجوات
ينبغي أن تكون تجربة تعلم حقيقة جديدة مثيرة ومبهجة ، وهى عادة كذلك لكن هنالك استثناءات غريبة ربما اعتاد معظم معلمي الأحياء أن يجدوا قلة من تلاميذهم ينزعجون لشرح بعض ما كانوا يعتبرونه في عداد “أسرار” الطبيعة وتفسيره، إن هؤلاء التلاميذ يرون في انحسار هذه الأسرار تهديدا لأمان معتقداتهم . لا بد لهؤلاء التلاميذ من وجود فجوات بين الأحداث الطبيعية تأوي التدخل الإلهي بالمقابل فإن الأشكال الفجة للدعاية المضادة للدين في روسيا وغيرها تزعم أن العلم قام بتفسير كل شيء تقريبا ، ومن ثم لم يعد هنالك مجال للتدخل والوجود الإلهي الذي لا يرون فيه إلا مرتعا للغموض والمعجزات.
لقد تمكن نيوتن ( Newton ) من تفسير حركة الكواكب حول الشمس بقوانين فيزيائية لكنه كان مع ذلك يعتقد بأن “الدوران اليومي للكواكب لا يمكن اشتقاقه من الجاذبية وإنما يحتاج لقوه إلهية لإحداثه ”. بعد قرن من ذلك الزمان سأل الإمبراطور نابليون الكوزمولوجى والرياضي لابلاس Laplace) ) عن سبب غياب اسم الله في مؤلفه الشهير عن ميكانيكا الأجرام السماوية. ربما قصد الإمبراطور المزاح بذلك السؤال، لكن لابلاس أجاب بكل جديه بأنه “لم يكن محتاجا لفرضية الله ” في عمله. وقد اعتقد الكثيرون بأنه، ذلك ما لم يقله لابلاس ، إذا لم تكن هنالك حاجه لله في شئون السماء، فالحاجة إليه في الشئون الأرضية تكون أقل. ونشرت مقالات وكتب لا حصر لها بلغات كثيرة عن الأفول المضطرد لجدوى “فرضية” الله في التفسير العلمي للعالم المحسوس . ويعتبر مؤلف هوايت White (حرب العلم والدين 1895[1]) مرجعا كلاسيكيا في هذا الموضوع.
وقد أعلنت المحكمة الثورية الفرنسية التي قضت بموت العالم لافوزيير Lavoisier أن الجمهورية ليست بحاجة إلى العلماء. “ ولو أن كل شيء في العالم تقريبا صار معلوما ومفهوما فربما لا يكون هذا الرأي غير المستنير بعيدا عن الصواب ، ويصبح البحث العلمي حينئذ مدعاة للضجر ولا يكون وجود العلماء مجموعة مهنية ضرورياً . لكن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً لأن مشروع العلم لا يزال في مراحله الابتدائية وفي واقع الأمر فإنه لم يتم إلا الفهم الجزئي لبعض ظواهر الطبيعة ولا يزال المجال الذي ينتظر التفسير العلمي أكبر من ذلك بكثير. إن المجهول هو الذي يلهم العلماء للجد في طلب العلم حقا . لكن بعض الناس يجدون متعه في فجوات معرفتنا بالطبيعة لسبب مغاير إذ يؤمل هؤلاء الناس في أن تدوم هذه الفجوات، وفى أن يصبح غير المعروف غير قابل للمعرفة ثم يفترض، بالتواء عجيب في المنطق، أن يبقى المجهول مجالا للتدخل الإلهي. إن كل الاحتمالات التاريخية ضد استمرارية “آلهة الفجوات ” في الاحتماء بها لكن ما من شيء يمكن أن يؤدى إلى إقناع مثل تلك العقول التي ترفض قبول شهادة التجربة التاريخية .
وفقا لدوركهايم (1915)[2] “تشترك كل المعتقدات الدينية، البسيط منها والمعقد، في خاصية مميزة: أنها تفترض تصنيف كل الأشياء التي يفكر فيها الناس، الواقعي منها والمثالي ، إلي فئتين متعارضتين الاعتيادي والمقدس". لا يعني هذا تماما أن الاعتيادي هو مجال القوى الطبيعية والمقدس هو مجال القوى الغيبية". مثل هذا التصنيف يكون بلا معنى للإنسان البدائي ، الذي يرى مظاهر القوى التي نعتبرها توهمية أو غيبية في كل مكان وقد رأى تايلور وغيره من رواد علم الإنسان الثقافي أن الأرواحية هي أصل الدين ويفترض أن الإنسان البدائي لا يميز بين القوى المادية والروحية، وبالنسبة إليه فإن الحيوانات والنباتات والصخور والأنهار وكذلك الطقس ، لا الناس الآخرين وحدهم ، لهم أرواح واردة بوسعها أن تفيد الإنسان أو أن تلحق به الأذى.
تتفق هذه التأملات عن أصل الدين تماما مع المذاهب الفلسفية لكومت و سبنسر اللذان افترضا وجود ثلاثة مراحل للتنامي الفكري للجنس البشرى من الدين إلى العلم، مرورا بالميتافيزيقا لكن الدراسات اللاحقة اعتبرت هذا التبسيط مفرطا فقد أكد مالينوفسكى وآخرون 1931))[3] ، أن للأفكار الدينية والعلمية وظائف مختلفة في حياة الناس الاجتماعية وقد أكد مالينوفسكى أنه “ بمجرد أن أحكم الإنسان قبضته على البيئة باستخدام الأدوات ، وبمجرد أن ظهرت اللغة ، فقد صارت هنالك معرفة ذات طبيعة علمية ولا يمكن لأية ثقافة أن تبقى لو كانت فنونها وحرفها وأسلحتها واقتصادها مؤسسة على مفاهيم ومذاهب خفيه وغير تجريبية “ أن الأرواحية تنتسب إلى السحر وأن وظيفة السحر مختلفة لكنها مكملة ”للعلم ” البدائي . وتعتبر معرفة الإنسان ناقصة ؛ الكثير منها يعتمد على الحظ والمصادفة وقوى غير مفهومة يحاول الإنسان ، كما يقول مالينوفسكى ، أن يتحكم في تلك القوى بواسطة السحر . “السحر يستخدم كشيء إضافي لأدوات الإنسان وقوته ، للتحكم في الصدفة ولاصطياد الحظ ”. وقد توصل الكتاب ذو المنحى التحليلي النفسي إلى مفاهيم مختلفة أيضا بالنسبة لفرويد فإن الإله ليس فقط فرضية لا ضرورة لها وإنما هو فكره توهمية ناتجة عن النزاعات التي لم يتم حسمها في الطفولة أما يونق، فكان على النقيض من ذلك ، يعتقد بأن هنالك لا - وعى جماعي للنوع الإنساني يقبع خلف تجربة كل فرد ، يعبر عن نفسه في صور رمزية (أنظر مورو1955 وكاردنكر 1963 Kardiner)[4].
كما أن ديكارت تحرى قبل ثلاثة قرون من زماننا هذا العمق الكامل لانطباق المعرفة العلمية على فهم الطبيعة وكان الحل الديكارتى ثنائية جذرية العالم آلة: " لا أقبل ولا أرغب مبدأ آخر في الطبيعة سوى الهندسة و الرياضيات المجردة ، لأن كل ظواهر الحياة يمكن أن تفسر عن طريقها، و يتم إثباتها بها ” الأجسام الحية آلات ، وكذلك جسم الإنسان لكن الإنسان ليس آلة وحسب ؛ إن له روح ليست آلية. ما هي الأدلة التي دفعت ديكارت لتقديم هذا التنازل للثنائية ؟ الإنسان يعبر عن أفكاره بالكلام ؛ وقد تخيل ديكارت (1637 ) تخيلا تنبئيا بصنع آلة تنطق بالكلمات ثم حاجج بأن هذه الآلة لايمكن أن “تنظم كلماتها بطرق مختلفة بحيث ترد ردا مناسبا على كل ما يقال في وجودها بالطريقة التي يستطيعها أدنى بني البشر “. لكن من الواضح أن هذه الثنائية الديكارتيه ليست مقنعة ، لهذا لم تثبت ولم ير لامترى (1748)، ودى هولباش (1770)، وهلفيتس (1772) ، سببا بعد قرن من ديكارت لأن ينسبوا للإنسان شيئا اسمه الروح. وبالنسبة لهم فالإنسان يمكن فهمه بحسبانه آلة مثله مثل أي حيوان آخر ، لا يختلف كثيرا في تركيبه إلا من حيث أن هذا التركيب يتيح له إنجاز العمليات الذهنية المعقدة .
إن العالم الحديث ليعجب لشجاعة أو بالأحرى طيش ”فلاسفة” عصر الأنوار هؤلاء الذين قاموا بإطلاق مثل هذه التأكيدات الجارفة استنادا إلى أدلة تبدو بائسة بالمقارنة مع المعلومات التي توفرت لنا فيما بعد ، والتي لا زالت تبدو ملتبسة قابلة لشتى التفسيرات. وربما كانت الحيوية لا الآلية هي الفرضية التي كانت تناسب حالة علم الأحياء في القرن الثامن عشر إذا ما استعدنا تلك الحالة اليوم .
فلننظر لتوضيح ذلك إلي مسألة واحدة، هي مسألة تنامي الجنين فقد اكتشف هام تلميذ الرائد المايكروسكوبى ليفنهوك Leeuwenhoek، السبيرمات (الحيوانات المنوية البشرية الذكرية سنة 1678. وفى سنة 1694 أضاف مايكروسكوبى آخر اكتشافا زائفا أجمله مع الاكتشاف الحقيقي فتهيأ له انه رأى في رأس الحيوان المنوي الذكرى شكلا مصغرا جدا لإنسان "هومنكيولس"، ثم قام بنشر رسم تخيلي لذلك الاكتشاف المزعوم .
جعل ذلك الاكتشاف مسألة تنامي الجنين بسيطة على نحو خادع . فلو أن البدن مشكل على نحو مسبق في الخلايا الجنسية، فان التنامي لا يتطلب سوى زيادة حجم الجنين حتى يصل مرحلة البلوغ هكذا حلت مسألة تشكيل جسد جديد حلا سحريا . لكن هذا الحل يخفى صعوبة بالغة : فمن أين يأتي الجيل التالي و الأجيال التي تليه ؟ لذا جاءت نظرية التقوقر (embottlement ) بحل جذري لهذا للغز: الهومونكيول يحتوى على سبيرمات صغيرة ، والسبيرمات الصغيرة تحتوى على سبيرمات أصغر وهكذا دواليك كل البشر كانوا مشكلين مسبقا في الرجل الأول ( أو في المرأة الأولى لو كانت الهومنكيولات مودعة في البويضات ) ولو أن أحدا حاول تقدير حجم أصغر لهومونكيولات ، فلا بد أن التواضع حال دون قيامه بنشر نتيجة تلك الأبحاث هذا هو أصل نظرية التخليق المسبق (preformati).
وقد نازل أنصار نظرية التخليق المتعاقب epigenesis)) دعاة التخليق المسبق. أوضح هؤلاء خلو الخلايا الجنسية من الهومونكيولات ، وهذه حقيقة ، كما أكدوا أن الجسد يتنامى من مادة غير مخلقة ، وهذه الحقيقة لا تخلو من مبالغة. فقد أوضح ولف Wolff في عامى1759(م و1786م) الغياب التام لما يشبه أجزاء الجسد البالغ في الأجنة المبكرة للحيوانات أو في بذور النباتات. ما هي إذن أسباب التخليق ؟ لم تكن إجابة ولف مقنعة. من السهل أن نسخر ، بمزية الحكمة البعدية ، من مفاهيم أسلافنا الخاطئة فقد ارتأى ولف وآخرون وجود قوه حيوية " via essentials “ توجه التنامي الجنيني وتصون حياة البدن البالغ فيما بعد. وقد كان الكثيرون من علماء الأحياء في القرن الثامن عشر حيويون، أمثال ولف وجون هنتر John Hunter وستاهل Stahl و بشات Bichat لكن في الوقت نفسه، عكفت على طريق الوصول إلي صورة على قدر من الوضوح للتنامي الجنيني ، أجيال متتابعة من علماء الأجنة بأدواتهم التشريحية ومايكروسكوباتهم المضطردة التحسين ، وثابروا على وضع الرسومات التوضيحية الدقيقة لوصف طريقة تكوين النماذج الجنينية الممثلة للمجموعات الحيوانية والنباتية المختلفة ، ابتداء بالبويضة المخصبة ، مرورا بمختلف مراحل دورة الحياة ، وانتهاء بمولد الأجيال الجديدة.
قام فون بيير Von Baer (1828-1837 ) بتطوير نظرية الطبقات الجرثومية في الحيوانات وجعل أصحاب مبدأ الخلية شليدن Schleiden (1838) و شوان Schwann (1839) وصف التنامي دقيقا وسهلا وصاغ هيكل Haeckel (1866) قانون النشوء الأحيائي الذي يقول بأن تنامي الفرد ontogeny هو استعادة قصيرة للتنامي التطوري ، أي التاريخ النوعي phylogony للمجموعة التي ينتمي إليها ذلك الفرد وقد صارت هذه النظرية نموذجاً نظريا من حيث أنها احتوت على حقيقة جزئية فقط ، لكنها قامت بدور هام جدا إذ حفزت اهتماما ونشاطا هائلا بين الباحثين أدى إلي تطوير علم الأجنة.
قام هرتويق Hartwig (1879) و فول Fol (1879) بوصف ولوج الحيوان المنوي للبويضة والتحام نواتيهما. ثم قامت كوكبة نابغة من العلماء في نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين بتحليل سلوك الكروموسومات ودورها في انقسام الخلية (الميتوزى) ، وفى نضج الخلايا الجنسية (الميوزى) وفى عمليتي التخصيب وانقسام البويضات المخصبة.
صادف أن تزامن هذا مع إعادة اكتشاف قوانين الوراثة التي نشرها مندل Mendel سنة 1865 لكن تم تجاهلها حتى سنة 1955 م ثم حلت حقبة النمو السريع لعلم الوراثة الذي يدرس أحد فروعه كيفية تحقيق الهبة الوراثية للفرد خلال تناميه الفردي (الأونتولوجى ). هنا ذاب واختفى التغاير القديم بين نظريتي التخليق المسبق والتخليق المتعاقب، أو على الأقل تحول إلي مسألة أخرى ليست هنالك هومونكيولات في الخلايا الجنسية وإنما هنالك طواقم جينات تضم ، إذا ما استعرنا تعابير علم الضبط (السبرانيه) ، “معلومات ” أو “أوامر” للتنامي صارت المسألة معرفة طريقة “ تشفير” هذه المعلومات والأوامر في الجينات وقد صيغت أول الأمر فرضيات لها نكهة التخليق المسبق ، مثل افتراض وجود علاقة أحادية بين كل جينة، وكل جزء أو ”سمة” من سمات الكائن البالغ ، أو بين الجينه والأنزيم الذي تقوم بالتشفير لإنتاجه وكما نراها الآن فالمسألة تبدو أشد بساطة. إن فرضية واطسون –كريك Watson- Crick التي عززتها الحقائق تماما ، تقول أن الوراثة شفرة منقوشة في سلسلة جزئ الحمض النووي دنا DNA ، فالجينات المختلفة تماثل الكلمات أو الفقرات في جمل على صفحة مطبوعة. -إنها تعاقبات مختلفة لأربع نويات ، هي “الحروف الوراثية” الأربعة ويتم “ نسخ “ الرسائل الوراثية المشفرة في دنا DNA الكروموسوم إلي شفرة أخرى في الحمض النووي رنا RNA ، تحملها من النواة إلي الريبوسومات ، حيث تتم ترجمتها إلي تعاقب الأحماض الأمينية التي تتشكل منها جزيئات البروتينات. والبروتينات منها لبنات بناء الجسم ومنها الأنزيمات ، وهى المحفزات التي تقوم بعمليتي الهدم والبناء .
حقا لم يؤدي كل هذا إلى الاختزال الديكارتى لعلمي الأجنة و الوراثة إلي ميكانيكا وهندسة ورياضيات لكن من الناحية الأخرى فإنه لم يتم اكتشاف أي شئ يلزم ، أو حتى يوحي، بافتراض وجود شكل ما لقوة حيوية. لقد تلاشى مذهب الحيوية في علمي الأجنة والوراثة تدريجيا ؛ القوة الحيوية التي بدأ وجودها أكيدا للرواد الدارسين للتنامي لم يعثر على أثر لوجودها في أي مكان. وقد قام دريسش Driesch (1867-1941) الذي ربما كان آخر علماء الأجنة البارزين الذي يعلن قناعته بمذهب الحيوية بإجراء تجارب بارعة عن تنامي قنفذ البحر في نهاية القرن الماضي. تمتلك أجنة هذه الحيوانات قدرة مميزة على تجديد أعضائها المفقودة ؛ فالخلايا المنفردة التي يتم عزلها منها تستطيع أن تتنامي إلي يرقات صغيره جدا لكنها كاملة ذلك كما نرى الآن يسببه وجود طاقم كامل لجينات البويضة في كل خلية من خلايا قنفذ البحر لكن دريسش كانت له فكرة أخرى فقد قدر أن أية آلة لا يمكن أن يتم تصميمها بحيث تقوم بصنع قطع الهيكل المفقودة . إذن فلا بد لتنامي قنفد البحر من قوة تقوده استعار لها تعبير “انتلشى” من أرسطو . لكن ما هي الأنتلشى؟ ارتأى دريسش أن الأنتلشى لا تتموضع مكانيكيا أو تشريحيا ؛ إنها ليست مادة خاصة وليست طاقة جديدة ؛ إنها “العامل الغائي الأولى للطبيعة ” لكن معظم البيولوجيين قدروا إنها مجرد كلمه لا تعنى أي شئ.
الوضع في بقية فروع علم الأحياء مماثل لهذا المخطط العام الهضم و التنفس و مفعول الهرمونات، وتقلص العضلات، وتوصيل العصبونات، وأخيرا بنية الدماغ وتشغيله، كلها تطرح مسائل لا حصر لها قامت أجيال متعاقبة من البيولوجيين بدراستها. لقد انتصرت فرضية الآلية في كل مجال غيابيا، إذا جاز التعبير . فما من صيرورة (عملية) بيولوجية تم تحليلها وفهمها إلا وتم البرهان على أنها تمثل نمطا من المكونات الفيزيائية والكيميائية التي كثيراً ما تكون شديدة التعقيد. إن هذا التعقيد الرائع ، لا وجود القوه الحيوية المبهمة ، هو جوهر المسألة البيولوجية. أما نزاع الآلية/الحيوية ، فقد صار موضوعا ميتا لقرابة نصف قرن.
إنه ينتظر من كل طالب يؤدى المقرر التمهيدي لعلم الأحياء الآن أن يعرف أن الآلية نظرية علمية صحيحة وان الحيوية نظرية خاطئة. لكن ليس كل طالب، ولا حتى كل بروفيسور ، يفهم هذا السبب بوضوح أن علم الأحياء بعيد جدا من تحقيق المشروع الديكارتى الذي يختزل كل الظواهر البيولوجية إلي كيمياء وفيزياء ورياضيات . ولا يتوقع ذلك دعاة هذا المذهب المستنيرين ذلك لأنه يكون بمثابة البرهنة على النفي المطلق ؛ فهنالك إعداد مهولة من الكائنات الحية لها تركيبات ووظائف لا حصر لها ومن الممكن دائما تخيل قوة حيوية متربصة في مكان ما لم يصله البحث . إن مذهب الحيوية مرفوض لسبب آخر . فهنالك ما يشبه الإجماع على أن الحيوية لا نفع منها فرضية إجرائية للبحث في علم الأحياء . لقد فقدت جدواها حتى كمهماز لحث معارضيها لتبرير نظرياتهم . ما السبب إذن؟
كان التحدي أمام العلم حينما قام وهلر Wohler بتركيب اليوريا سنة 1828م، هو إثبات أن إحدى المواد التي لا يتم العثور عليها إلا داخل الكائنات الحية يمكن أن يتم تركيبها خارجها . أما الآن فإن تركيب مادة عضوية جديدة لا يعد خبرا ، إلا لو كان لهذا المركب أهميه خاصة لسبب ما . إن إجراء تجارب علمية بيولوجية أوكيموحيوية بغرض الحصول على أدله إضافية تدحض الحيوية لم يعد إلا ضربا من محاربة طواحين الهواء . لقد خطونا مؤخرا خطوات جبارة في مجالي البيولوجيا الجزيئية والكيمياء الحيوية. إن البيولوجيا الجزيئية ديكارتية الإيحاء، لكن هدفها الرئيسي لم يعد اختبار نظرية الإنسان ـ الآلة . إن اكتشاف تركيب الحوامض النووية ، وفك رموز الشفرة الوراثية ، وكشف آلية تضاعف الجزيئات الحاملة للمعلومات الوراثية ، تعد من أعظم إنجازات العلم الحديث . إنها مهمة لأنها تعيننا على فهم آلية الوراثة ؛ لكننا لا نحتاج إليها لإقناع البيولوجيين بأن الجينات تؤدى وظيفتها لا باجتهاد قوه حيوية ما وإنما عن طريق المراسلات الكيميائية . لقد كان وجود بعض المراسلات الكيميائية أمرا مؤكدا تقريبا في نظر مورقان Morgan وقولدسشميت Goldshmidt وعلماء وراثة آخرين قبل بضعة عقود من حقبة الـ DNA . فقد كان أمرا صعبا جدا تصور فاعلية الجينات بدون توسط المراسلات الكيميائية.
إن القضايا العلمية لا يمكن حسم الخلاف حولها بالتصويت . وهرطقة الأقلية التي ترى في حالة علم الأحياء الراهن مادية فجة لا تستسيغها ينبغي الاستماع إليها بإنصاف . إنهم يرون إزاء الإنجازات الرائعة الراهنة للعلم الآلي أن البيولوجيا بحاجة إلي إعادة توجيه حيوي . وما يميز الوضع اكثر مما عداه أن دعاة المذهب الحيوي الحديثون يودون تفادى إطلاق صفة الحيوية عليهم . ونادرا ما وردت هذه الكلمة المنكرة في دفع سينوت Sinnott (1955 , 1957) وحججه البليغة. الاقتباس التالي يعطينا صورة منصفة لقناعات سينوت البيولوجية الأساسية : “ النسق المنظم ، الذي تضبطه رقابة أنشطته، يوحي بوجود شئ بداخله تنحو هذه الأنشطة للتوافق معه ، معيار ، مستوى ، هدف أو غاية ، ما يمكن أن يسميه الفيلسوف تيلوس Telos ، كامن في مجمل الكتلة الحية “.إن سينوت ، وهو عالم الأحياء البارز ، على سجيته تماما مع الحالة الراهنة لعلم الأحياء وتاريخه . لكن محاججته البيولوجية لا تختلف جوهريا عن محاججة دريسش التي مضت عليها سنوات طويلة . يمكن اقتضاب حجج سينوت في تأكيدين : الأول: إن تنامي الكائن الحي موجه لغاية ، وهذه الغاية هي بلوغ حالة النضج . الثاني: إن فسيولوجيا الكائن الحي وسلوكه موجهان لهدف أيضا ، وهذا الهدف هو استمرار الحياة .
من الممكن قبول حقائق سينوت ، أما استنتاجاته فلا . مع أن بعض المتشددين يختلفون مع عبارة أن الأنساق المنظمة لها أهداف أو غايات ، إلا إنني لا أرى هنالك حاجه للمماحكة حول الكلمات. فالعمليات التي تجرى داخل الجنين المتنامي لا يكون لها معنى إلا بعد معرفة ما ينشأ عن ذلك الجنين. وكل ما يؤديه الكائن الحي تقريبا ، فيزيولوجياً وسلوكياً ، يخدم استمرارية بقائه ومقاومته للفناء ( انظر سمبسون Simpson 1964 لمناقشه رفيعة لهذا الموضوع )[5] .
المشكلة الحقيقية هي هل يبرهن هذا على صحة افتراض “شيء ما” اسمه الـ ”تيلوس ” أو القوة الحيوية ، أو يجعل ذلك الافتراض معقولا ؟ إنه لا يفعل ذلك ، في تقديري. إن حقيقة تكيف الكائنات الحية للبيئات التي تعيش فيها والتي لا يتطرق إليها الشك مفهومة تماما في ضوء النظرية التطورية . “النسق المنظم الذي تضبطه رقابة "أنشطتها” لا يوحي بالـ “تيلوس ”، وإنما بتاريخ للضبط التطوري .
سنناقش هذا الأمر للضرورة باقتضاب في الفصل القادم، نركز هنا على الوظيفة التي ينبغي إن تلعبها التفسيرات التطورية في علم الأحياء عموما . وفي تقديري فإن تبخيس أهمية الأصل التطوري للكائنات الحية هو السبب الذي يكمن وراء المفاهيم الخاطئة للحيوية الجديدة .
يمكن أن نقول، ونحن نخاطر بالتبسيط الذي قد يكون مخلا لقضية أبعد ما تكون عن البساطة ، أن هنالك طريقتين لدراسة العالم الحي، بما فيه الإنسان . الطريقتان مشروعتان وضروريتان، لكنهما تطرحان أسئلة مختلفة بعض الشيء، ومن الطبيعي أن تجيئا بأجوبة مختلفة، وإن كانت مكملة لبعضها البعض . الطريقة الأولي هي المنهج الاختزالي ، أي الديكارتي . يتم في هذه الطريقة فحص مكونات الجسم الحي وتحليلها ، وهي في النهاية المواد الكيمائية التي تبني منها هذه الأجسام ، بشكل عام فإننا نحصل من هذا المنهج على تفسيرات من نوع الكائن ـ الآلة . وبكلمات والد Wald (1963) ، “الكائنات الحية تعبيرات مجسمة جدا للجزيئات التي تتكون منها “. المنهج الثاني هو الدارويني، إنه ينطبق لحد كبير على علم الأحياء لكنه ليس مقصورا عليه. إننا نسأل كيف بنيت الكائنات الحية وصارت بالطريقة التي هي عليها ، وبهذا المنهج فإن الحياة والكائنات الحية يمكن أن تصبح مفهومة على ضوء أصولها وتناميها التطوري، أي في ضوء التطور . عبر عن ذلك سمبسون (1964) كالآتي :
" لا بد في علم الأحياء إذن من إضافة شكل تفسيري ثان للمنهج الأول أي منهج التفسير الاختزالي reductionist) ) الذي يقوم على مبادئ فيزيائية وكيميائية و ميكانيكية . الشكل الثاني للتفسير ، الذي يمكن أن نسميه التركيبي composisionist) ) في مقابل الاختزالي ، معاييره هي المنفعة التي تجلبها البنيات والعمليات التكيفية للكائن الحي ككل، وللنوع التي هي جزء منه ، وما هو أبعد من ذلك، الوظيفة البيئية لتلك البنيات والعمليات التكيفية التي تؤديها في المجتمعات البيئية التي يوجد فيها النوع " .
عموماً كلما اقترب الباحث في عمله من المستوي الكيميائي كلما كانت التفسيرات الديكارتية أقرب إلي التمام . وكلما اقترب الباحث من المستوي الكلي للكائن الحي كلما زادت الحاجة للتفسيرات الداروينية . للتأكيد ، ليس هنالك تفرع حاد . كلا التفسيرين الديكارتي والدارويني ذو معني في كافة المستويات البيولوجية ، برغم حقيقة إنهما ينظران إلي المسالة من زوايا مختلفة . إنهما ليسا متزاحمان ولا متنافسان لكنهما مكملان لبعضهما البعض .
لننظر إلي هذه المعجزة اليومية التي لا تدهش أحداً ، مجيء حياة إنسانية جديدة . تزن البويضة الإنسانية جزءا واحدا من عشرين مليون جزء من الأوقية . الشخص البالغ يزن خمسين مليون ضعف وزن البويضة . من أين تجئ مادة هذا النمو ؟ من الواضح إنها تستمد من البيئة ، من الطعام الذي يستهلك ويستوعب . الإنسان حرفياً خليط من البقالات المحولة . لكن هذا الخليط حي ، يحس البهجة والمعاناة ، ويمتلك الوعي والوعي بالذات ،ويقدر على أفعال تتراوح من الحنان إلي الفروسية ومن البطولة إلي الأنانية . تصدم فكرة إن خليط البقالات ، مهما تحول ، يقدر على الإتيان بأي من هذه الأفعال يظن بعض الناس بأنها هراء بكل ما في الكلمة من معني . وحينما يبدو أنه لامناص من هذه الفكرة فإنها تصبح مدعاة لليأس. هكذا بالنسبة لبارزون Barzun ( 1964)[6] :
كل هذا لا يعزز إلا الإحساس بأن الحياة لا تستحق أن تعاش بأي صورة . وكلما كان قلب الإنسان وعقله كبيرا كلما اشتدت عليه وطأة هذه المخاوف والهواجس والدوافع الملحة ولا يرغب شيئا سوي النهاية المبكرة للحياة : من الواضح إنه لا معني للنضال لإنقاذ عالم يجد الناجون الحياة فيه جحيما .
وبالنسبة لماتسون (1964) فإن العلم يحيل الإنسان إلي ” آلة مستلبة ”.
إن مذهب حيوية سينوت محاولة منه للهروب من هذا اليأس. “ أم إنه ليس ممكنا “ يسأل سينوت (1957) “ـ وهذا هو البديل المقترح هنا ـ إن هنالك توجه طبيعي كامن في المادة الحية، يعبر عن نفسه فيما يفعله ويفكر فيه و يكونه الفرد ، يخضع للتحوير بتأثير عوامل داخل الجسم وخارجه ؟ أليست الحياة نفسها ، لدرجة ما على الأقل ، خلاقة؟" . وأيضا:
“لو أن الافتراض المقترح هنا صحيح ، فإن هذه الخاصة تكون جزءا من القوة الكونية الخلاقة المنظمة للطبيعة والتي يمكن التفكير فيها بحسبانها إحدى صفات الذات الإلهية .” من الواضح أن سينوت يحس بالحاجة لوجود فجوات بين الأحداث الطبيعية تؤوي آلهة ".
أود أن اقترح أن هنالك طريقا ثالثا يتفادى كلا من يأس بارزون وحيوية سينوت التي تنطوي على مفارقة تاريخية . إن وصف الإنسان بكونه خليطا من البقالات المحولة صحيح وواقعي ، لحدود معينة. إن حدود هذا الوصف تضعها طبيعته الاختزالية. ما نحتاج له إضافة إليه هو النظير التركيبي . الإنسان يتكون بالتأكيد من جزيئات وذرات ، لكنة لا ينشأ بالالتقاء العشوائي لتلك الجزيئات والذرات . الحقيقة التي ينبغي إن لا تغيب عن أعيننا أبدا هي أن كل كائن حي من أي نوع من الأنواع الموجودة الآن قد تحدر سلالياً مباشرة من أحد أشكال الحياة الابتدائية التي يقدر إنها نشأت قبل أكثر من بليوني عام.
هنالك في كل جيل عملية تشكيل وتحلل تشمل الأفراد من كل نوع ، الذين هم من وجهة النظر الاختزالية أنماط من الجزيئات والذرات، كلها تجئ من “البقالات ” أي من الطعام . لكن تاريخ الحياة ليس تكراراً نيتشوياً أبديا. إن الأنماط التي تبني في الأجيال المتعاقبة ليست تكرارا صارما . كما أن الأجيال المتعاقبة ليست مختلفة اختلافا كليا عن بعضها البعض. إن الوراثة تجعل الأجيال المتعاقبة متشابهة لكنها لا تفرض التطابق التام . التشابهات والاختلافات هامة بدرجة متساوية . الوراثة تجعل الكائنات الحية ساعات بيولوجية ؛ فالتكيفات التي تحققت في الماضي لا تتبدد بسهولة . كما أن التباين يتيح تراكم المعلومات الجديدة عن البيئة التي يعيش فيها النوع في الوقت الراهن . هذه المعلومات تنتظم و تدخر في الجينات عن طريق الاصطفاء الطبيعي؛ الانتخاب الطبيعي عملية ضبط اوتوماتي سبرانية تستجيب لتحديات البيئة وتحيل تلك الاستجابة للطاقم الوراثي للنوع .
يبدأ الكائن الحي وجوده كبويضة مخصبة ، ويواصل التنامي عبر سلسلة معقدة من المناورات البارعة . إن بنيات الجسم ووظائفه لا تتآلف مع بعضها لوجود أداة توجيه متربصة اسمها “التيلوس ” ، وإنما لأن تنامي الفرد جزء من التتابع الدوري (أو على الأصح الحلزوني ) لتنامي أسلافه . يبدو أن التنامي الفردي منجذب من نهايته وليس مدفوعا من بدايته ؛ الأعضاء في الفرد المتنامي تتكون للاستخدام في المستقبل لأنها تكونت تطوريا لمنفعة كانت راهنة . التنامي الفردي مفهوم جزءا من التنامي التطوري للنوع ،وليس العكس .إن تاريخ العالم الحي لا يضيع هباء وسدي ؛ الذرات والجزيئات و ”البقالات ” في الكائنات الحية تحقق البراعات الفذة لأن الاصطفاء الطبيعي هو العملية التي تجعل ممكنا تحقيق ما يكون غير محتمل لأقصي درجة بدونه .
إن رفض مذهب الحيوية لا يتناقض بأي حال مع ما أسماه ألبرت شويتزر Albert Schweitzer "تقديس الحياة ". إن ضمير الإنسان ووجود الحياة والكون نفسه، كلها أجزاء من السر الأعظم. ولا يبدو أن إيجاد فجوات في المعرفة العلمية، وهو شئ سهل جداً طبعاً ، هو أكثر الطرق حكمة للاقتراب من ذلك السر . بالنسبة لكولسن Coulson (1955)[7] ،
يبدو إن هنالك مخرجا واحدا من أزمتنا . لو إننا لا نستطيع إدخال الله في نهاية العلم ، فلا بد وإن يكون موجودا هناك ، من البداية وعلى طول الطريق . ولم يكن عالم اللاهوت هايم Heim (1953)[8] أقل وضوحا :
لا يمنحنا الإيمان القوة التي نحتاج إليها في حياتنا اليومية حينما يكون مدعوما
بحدوث المعجزات التي تخرق ناموس الطبيعة ... وإنما فقط حينما يبدو لنا الحدث
و الحدث نفسه الذي نفهم أسبابه الطبيعية تماما ...يبدو لنا هو نفسه فعلا واقعيا نتقبله
رأساً من لدنه .
وعلى أي حال فإن إلإنتلشي أو التيلوس يشكل حلا زائفا لمسائل البيولوجيا . فلننظر كيف يمكن أن يكون لـ “عامل غائي أولي، غير مادي" ، كما أسماه دريسش ، دور في توجيه تنامي الجنين ، أو في التحوبر التكيفي للكائن الحي البالغ . لقد أصر دريسش كما ذكرنا ، على أن إلإنتلشي لا هو مادة خاصة ولاهو نوع جديد من الطاقة . ويحتفظ سينوت برأي مماثل على الرغم من غموضه المتعمد . لكن الجسم أو الدماغ نسق مادي - هذا مؤكد حتى للحيويين . ولا بد للتيلوس غير المادي أو الغيبي من أن يتدنى آخر الأمر إلي المستويات المادية والطبيعية ليحدث أثرا ملحوظا في هذه المستويات . هل يكون إلإنتلشي في النهاية إنزيما شديد الفعالية أو نمطا فريدا من الإشعاعات ؟ لكن الإنزيمات والإشعاعات إما مادة أو طاقة .
لنفترض جدلا إن علماء التخاطر توصلوا إلي برهان لا يتطرق إليه الشك لحقيقة التخاطر أو لظواهر التوسط بين الأرواح . هل يبرر ذلك الحيوية نظرية بيولوجية ؟ هذه هي الظواهر التي يري فيها معظم الناس نموذجا للظواهر غير المادية والغيبية . فهل هي حقا كذلك؟ فمهما تكون القوة غير المعروفة المسئولة عن نقل التخاطر فلا بد لها من إن تكون قادرة على التأثير في خلايا المتلقي العصبية. لابد لهذا الشكل الجديد من الطاقة من أحداث تأثير فسيولوجي أو كيموحيوي في هذه الخلايا تتم ترجمته فسيولوجياً أخر الأمر إلي تلفظات ورسائل منطوقة أو مكتوبة أو متخيلة . وما لم يكن المرء معتنقا لبعض أفكار التوازي النفسي-المادي الليبنتزي ، فلا بد لغير المادي من أن يتدنى إلي المستوي الفسيولوجي وبالتالي المادي طال الزمن أم قصر .
تمت محاولات للالتفاف حول هذه الضرورة التي لا يمكن تجاوزها باللجوء ، كما هو متوقع ، إلي مبدأ عدم اليقين وإلي القوي والظواهر تحت الذرية . وقد تضمنت هذه المحاولات أخطاء في الحكم والتقدير قام رنش Rensch (1960) وناجل Nagel (1963) وآخرون بتعريتها تماما . فقد يصعب تماما تصور ما يجري في المستويات تحت الذرية بالمفاهيم التي نستخدمها عادة في التعامل مع الظواهر العيانية . لكن ليس هنالك ما هو لا-سببي بطبعة في الظواهر تحت الذرية أبدا .
أكد عالم فسيولوجيا الأعصاب العظيم اكلز Eccles (1953) على الصغر المتناهي لبعض البنيات البيولوجية التي يفترض أن الاتصال بين العقل والمادة يتم فيها . تلك هي المشابك التي تلتقي فبها التغضنات ، أي أفرع الخلايا العصبية المختلفة ، والتي يقدر وزنها من 12 إلي 13 جرام . ويمكن أن تؤدي الإثارة عبر كتلة بهذا التناهي في الصغر إلي إطلاق مئات الآلاف من العصبونات في أقل من جزء من الألف من الثانية . هل تخول لنا كفاءة هذه الألية التضخيمية الافتراض بأن قوة “لا-مادية” يمكن أن تحدث تأثيرا قويا في عمليات الجسم العيانية وحركاته ؟ هنا أيضا تتم الاستغاثة بمبدأ لا-يقينية هايزنبرج Heisenberg . لكن هذه الحجة لا قوام لها ؛ فمهما تناهي صغر حجم المشابك العصبونية ، فلا بد للشئ الذي يؤدي لإثارتها من أن يكون مادة أو طاقة مادية أخري . إن ولع بعض الناس بمبادئ اللا-يقين ينطوي على قدر كبير من سوء الفهم . إن ما ينبغي أن نبحث عنه هنا بالذات هو عوامل اليقين الموجه، لا عوامل عدم اليقين .
بذلت محاولات لقلب هذه الحجة بصورة أخري . فبدلا من افتراض أن العوامل غير المادية التي تحدث تأثيرا على المادة بشكل ما، فإنه تفترض أن المادة - كل المادة - تكمن فيها بداءات الحياة والإحساس والإرادة . وقد تقدم بهذه النظريات التي تطلق عليها أسماء مختلفة كوحدة الوجود والحلولية فلاسفة حديثون بارزون أمثال هوايتهيد Whiteheadوهارتشورن Hartshorne وعلماء أحياء أمثال رنش و تيلار دي شاردن Teilhard de chardin و بيرش Birch ورايت Wright وآخرين . يسير تعليل رنش (1960) على النحو التالي : ليست هنالك فجوات في الصعود التطوري للإنسان والحيوانات العليا من الدنيا ؛ لذلك ليس هنالك أساس لإنكار أن لكل الحيوانات ، بما في ذلك وحيدة الخلية ، أحاسيس ومشاعر نابعة منها ؛ ولا أساس لإنكار الإحساس لدى النباتات، “برغم أن هذه الأحاسيس لا تكون مرتبطة ببعضها البعض، لذا فهي تشكل وحدات أساسية تختلف اختلافا جوهريا عن أحاسيسنا الدفينة في نهر الوعي الجاري “ . ويمتد التواصل التطوري إلي العالم اللا عضوي ؛ ولذلك فإن الذرات والجزيئات ينبغي ” أن تنسب إليها مكونات موازية من نوع ما”. وإذ يرفض رنش كل أشكال المذهب الحيوي فإنه يخلص إلي أنه “ بما أن كل الظواهر نفسية فليس هنالك تغايرا للذات والموضوع أو للمادة والروح ، ولا يحتاج العالم الطبيعي لأن يبحث عن عالم مجرد للمادة المختزلة وراء عالم الوعي العام “.
وتختلف محاججة رايت (1964) عن رنش ، التي لا يبدو أن رايت أطلع عليها ، في بعض التفاصيل الهامة، وإن كانت موازية لها بشكل عام . ففي رأي رايت “ لا يستطيع عالم الأحياء الفيلسوف إن يتفادى مسألة علاقة العقل بالمادة" وذلك لأنه “ لو كان العالم غير الحي خاليا من العقل تماما ، ولو أنه مضي وقت لم يكن وجود الحياة فيه ممكنا كما هو واضح ، فكيف ظهر العقل إذن ؟ “ وعلى الرغم من أن رايت يعتبر أحد مؤسسي نظرية التطور إلا انه يعتقد أن “انبثاق العقل من لا عقل بتاتا ليس إلا محض سحر “. وخلص رايت إلي أنه لتفادي هذا “السحر المحض….. يبدو أن المخرج المقنع الوحيد أن يكون العقل عالميا ، موجودا لا في كل الكائنات الحية وخلاياها وحسب، وإنما في الجزيئات والذرات حتى في الجسيمات الأولية”.
أما هارتشورن (1937،1962) فقد عمم مبدأ النفسية والألوهية الكونية في نسق فلسفي . وبالنسبة إليه فإن كل “الوحدات الفردية للطبيعة” أي الأفراد البيولوجيون والجزيئات والذرات والجسيمات الأولية ، حية ولها شكل من التجريب أو الإحساس . غير أن هذا لا يعني أن المركبات مثل الصخور والسحب، …. الخ، حية أيضا، فهي مركبات وليست أفرادا. ويحل التناقض الظاهري هنا بالاستناد إلي مقولة “المجتمعي “ التي يرجع إلي هوايتهيد وإلي ليبنتز قبل ذلك بأن الفرد الذي يمتلك الإحساس يمكن إن يكون مجتمعا منظما ، أو مجموعة من الأفراد المحسين . وبناء على ذلك فإن الله يكون كلا جماعيا، وكل الأفراد يصبحون مكوناته الجزئية . وحيث أن الله هو “الكائن الكوني ”فبالتالي “ بما إن استمتاعنا بالصحة هو مشاركتنا في صحة الخلايا الأخرى ، فإن سعادة الكون هي تكامل سعادة أجزائه . وأن رحمة الله هي الطريق الوحيد لتصور الطبيعة النفسية للكائن الكوني ”.
رأينا أن جاذبية النفسية-الكونية لدى كل من رنش ورايت تكمن في تفادي افتراض ظهور خصائص جديدة تماما في التطور . يقول رنش “على كل حال فإن المسألة الجوهرية هي تكون النفس من لا نفس ” . ومع أنه ينبغي علينا أن لا نبخس الصعوبة الفلسفية التي تواجهنا ، فإنني أثق إننا يمكن أن نجابهها وإن نتغلب عليها . هذا الوضع يوازي مشكلة تفسير التنامي بنظريتي التخليق المسبق والتخليق المتعاقب . فقد كانت الرؤية الظاهرية البسيطة هي أن الجنين موجود هناك ، مختبئا في الخلايا الجنسية ، وما عليه إلا أن ينمو ويزداد حجما ليبلغ حالة النضج . وقد اتضح عند الفحص الدقيق أن البساطة الظاهرية كانت خادعة . فمع أن الإرشادات لعملية التنامي “مكونة مسبقا” في الجينات ، على غرار الوجود المسبق لإرشادات الكمبيوتر في ثقوب أشرطته، فإن تنامي الجنين متعاقب، بمعني تكون جسم جديد لم يكن موجودا وجودا متفردا من قبل .
إن إمكانية الحياة ، إذا ما نظرنا إليها تطورياً ، كانت بالتأكيد موجودة في العالم اللا-عضوي.الدليل على ذلك ببساطة هو أننا نعرف أن الحياة ظهرت فيما بعد . بالقدر نفسه فلا بد وأن إمكانية العقل كانت موجودة في مادة الخلايا الأولية الحية، لأننا نعرف حقا إن كائنات عاقلة نشأت فيما بعد . يقول رايت (1964) محقا “مع أن البويضة المخصبة خلية حية، إلا أنها توحي بالعقل دائما بتفسير فزيو-كيميائي محض”. لكنة يواصل : “لو إننا لا نريد للعقل الإنساني أن يظهر بطريقة سحرية ، فلا بد له من ان يكون قد تنامي من عقل البويضة ، وظاهريا قبل ذلك ، من جزيئات الحمض النووي (دنا) في نويتي البويضة والسبيرم اللذان يشكلان طاقمهما الوراثي ” . غير أن هذا الاستنتاج لا يبدو متفقا مع المقدمات . لابد بالطبع من أن تكون إمكانية العقل موجودة في البويضة والسبيرم وجزيئات الدنا . لكن لا يتبع ذلك إن البويضات والسبيرمات نفسها لها عقول . إن للحجر إمكانية إن يصبح تمثالا ، لكن لا يتبع ذلك أن هنالك تمثالا خبيئاً داخل كل حجر .
لا بد من التسليم بأن إمكانية الطفل موجودة ، أو كانت موجودة ، في والديه . لكن لنلاحظ أنه حتى الطاقم الوراثي لهذا الطفل المعين لم يتحقق إلا بعد إن توحدت هاتان الخليتان الجنسيتان . وحيث أنه كانت للأبوين مئات البويضات وبلايين السبيرمات ، فقد كانت لهما أيضا إمكانية إنجاب أعداد لا حصر لها من الأطفال الآخرين . ولم تتقرر إمكانية تحقق بعض هذه الطواقم الوراثية التي تفوق الحصر إلا عند التخصيب ( إلا إذا كان ذلك بمعني الحتمية عند لابلاس الذي نشير إليه فيما بعد). وحتى بعد التخصيب فقد صار الجنين وليدا، وأصبح الوليد شخصا، بالتدرج المنتظم، وبلا انقطاع في التنامي المتواصل الذي لا يتيح لنا مجالا لتخيل ولوج “عقل ” أو “روح ” فيه. ولا أري هنالك جدوى مثل افتراض وجود عقول في البويضات والسبيرمات ، مهما تناهت درجة تخفيف تلك العقول . كما وليس هنالك معني للقول بأن لفافات الطعام الموجودة في أرفف البقالات حية وإنها تحتوي على جرثومة شخصي ، على الرغم من ان بعض محتوياتها قد تصبح كذلك بعد إن يتم استيعابها في جسدي.
إن افتراض الوجود المسبق للعقول ولفكرة خلودها أو على الأقل بقائها لأمد طويل يمثل إغراء شديدا للكثير من الناس . فقد كانت الثيوصوفية إني بيسان Annie Besant متأكدة تماما إن تسعة عشر من التناسخات الستة وثلاثين الأخيرة لروحها حدثت في الهند ، كما كانت واثقة من أن روحها ستتعرض للمزيد من التناسخ . لكن لحسن الحظ أو لسوءه فليس هنالك ما يمكن إن يقيم الدليل على صحة أو معقولية هذه الافتراضات . وإن المظاهر الخارجية على الأقل توحي بأن العقول تنشأ وتتنامى ثم تختفي . فقد نشأ العقل الذي هو أنا على درجات ، بدأت قبل حوالي ستة وستين عاما ، بوضوح من لا-عقل بتاتا، وإنما فقط من كروموسومات وسيتوبلازم ومواد غذائية لا عقل لها . قبل ذلك بسبعين سنة مثلا لم يكن لهذا العقل أي وجود . ولو أن هذا “محض سحر” فهو سحر يملأ الدنيا . ومما لا شك فيه أن عقلي هذا سيختفي من الوجود بعد بضعة سنوات . البديل لذلك هو اقتفاء أثر أولئك الناس الذين يعتقدون بأن العقول لا تختفي وإنما يتم تخزينها في أماكن للنعيم المقيم أو اللعنة الأبدية المحتومة . غير أن هذا يصعب تصديقه ، وأصعب منه أن أصدق أن عقلي كان متربصا في مكان ما خارج المسرح قبل سبعين سنة ، منتظرا دورة للولوج في الكروموسومة أو الخلية التي تناسبه .
يزيح هارتشون نظريته من مجال العلم بجرة من قلمه حينما يكتب إن “ أية وحدة من وحدات الطبيعة تكون كذلك ، ولا تعرف بأنها مركبة ، يكون لها ، للمدى الذي يقدر لأي شخص أن يدركه ، أشكال من المشاعر والخصائص النفسية الخاصة بها “. ذلك لأن مثل هذا الافتراض الذي لا يمكن دحضه لا مجال له في العلم . ومع التسليم بعدم وجود تعريف رسمي مقنع للحياة ، فنحن نعرف الخصائص المميزة لظاهرة الحياة الموجودة في كل كائن حي ، و إحدى هذه الخصائص القدرة على التضاعف الذاتي ( انظر الفصل القادم ) . وأن الحديث عن مثل هذه “الوحدات الفردية” مثل الذرات والإلكترونات ، بحسبانها على نحو ما حية ، قد يكون استعارة شاعرية ، لكنها خالية تماما من أي معني كفرضية علمية.
الصعوبة مع “عقل ” الخلية أو الذرة أشد . يطرح الفسيولوجي العظيم شرينجتون Sherriington (1953) الوضع كالتالي :
( مع إن الحياة يمكن تحليلها ووصفها بواسطة العلم الطبيعي، فإن قرينها، الفكر يظل عصيا متكسرا بالنسبة للعلم الطبيعي الذي يقصيه ويعتبره خارجا عن مجاله . وقد نشأ نتيجة لذلك تمييز جذري بين ظاهرتي الحياة و العقل، الأولى مجالها الكيمياء والفيزياء ، والثانية تخرج عن نطاقهما . ولا يعني هذا إن شرنجتون كان داعية لنوع من أنواع المذهب الحيوي ).
الحقيقة ببساطة هي إن العقل وفعاليته ، الفكر ، يتخبرهما الإنسان ولا تتم ملاحظتهما. إنني أعي مباشرة بعقلي الخاص فقط وأتخبر مباشرة أفكاري الخاصة فقط . وأنا افترض أن الآخرين يتخبرون أيضاً شيئاً كأفكاري لأن سلوكهم الظاهري يبين ملامح تناظر ملامحي وأعرف في دخيلتي إنها تلازم التفكير عندي. لكن، واقتبس شرينختون مرة أخري ، “إننا لا نعرف شيئا عن العلاقة بين الأفكار و الدماغ سوي التناسب الإجمالي في الزمان والمكان “. هل يمنحنا هذا القدر من المعرفة ترخيصا لافتراض وجود العقول والأفكار في الجزيئات والذرات في كل مكان ؟ إننا لا نستطيع إن نبرهن بسهولة أو ندحض دحضا قاطعا افتراض أن بعض الحيوانات مثل الكلاب و الحصين لها نوع ما من العقول، ونحن نفترض عند التعامل معها أنها كذلك . لكن كلما ابتعدنا عن الإنسان كلما صار التناظر واهيا ولذا فإن إلارواحية البيولوجية والفلسفية الجذرية تصبح أقل إقناعا .
لا يبدو ان الأصل التطوري للعقل يحتاج لأي “سحر” . كل واحد منا يعرف بالتأكيد أن عقله لم يكن دائما بالحالة التي هو عليها الآن . لقد ومضت خلجات عقولنا الأولى حينما كنا في الطفولة ؛ وقد نمت واتخذت شكلها الراهن بالتدريج على مراحل خلال سيرورة الحياة . ولست أرى ما يمنع سيرورة نظيرة لذلك خلال التنامي التطوري . لقد نشأت القدرة على تكوين العقل في النوع الإنساني ، أو لدي أسلافه القريبين لدرجة ما ، ثم نمت وصار لها قوامها المعروف . أما مدي تدرج سيرورة النمو والتشكيل فسؤال تصعب الإجابة علية .إن السيرورة التطورية ليست مثل سريان النهر الهادئ الذي يجري دائما بالسرعة نفسها. فقد تكون لها حينا فترات هدوء نسبي ، وأحيانا أخرى فترات إبداع كثيف .
لقد كان أصل الحياة وأصل الإنسان نتاجا لأزمات تطورية ، لحظات تغيير بلا عودة ، لحظات تحقق أشكال إبداعية للوجود . يمكن إن توصف هذه الإبداعات الجذرية بأنها انبثاقات ، أو تجاوزات في السيرورة التطورية . ولا تخلو أي من هذه التعابير من دلالات ليست مرغوبة ؛ لكن “التجاوز” يبدو تعبيرا أفضل، لذا نواصل استخدامه في الفصول القادمة. لم ينشأ العقل الإنساني من شكل ما لبداءات “عقول ” الجزيئات والذرات . و ليس التطور ببساطة عملية إفراغ لما كان في حالة مختبئة منذ البداية . إنه مصدر إبداع لأشكال من الوجود لم تطرأ أبداً من قبل على الحالات السالفة .
لا مفر هنا من السؤال الشائك : هل كان ظهور هذه الإشكال من الوجود أمرا حتميا ؟ ولو أن الأمر كذلك فهل تكون إبداعا حقا ؟ قال لابلاس في إفادته الشهيرة عن الحتمية الآلية :
(الفكر الذي يعرف كل القوي الفاعلة في الطبيعة في لحظة معينة من الزمان ، والأوضاع الخاطفة لكل الأشياء في الكون ، يكون قادرا على إدراك حركة أكبر الأجسام وأصغر الذرات في العالم بمعادلة واحدة ، شريطة أن يكون من القوة بحيث يخضع كل المعطيات للتحليل ؛ حينئذ لا يكون أي شئ ملتبسا لدية ، ويكون الماضي والمستقبل ماثلان أمام عينيه ) .
لا يكون بالنسبة لمثل هذا الفكر إبداع في العالم ، ولا يشكل الزمن عائقا أمامه . وبالطبع لا بد لمثل هذا الفكر أن يكون إلهياً . إن العقل الإنساني المتناهي المجرد والمحدود لا يستطيع أن يتحدث عن السرمدي إلا بالرموز الشعرية ؛ وقد حاول تيلاردي شاردن أن يتحدث بمثل هذه الرموز عن الجوانب الوجودية ، لا الظاهراتية ، للتطور . وبغض النظر عن نجاح أو فشل هذه المحاولة ، فهي تختلف تماما عن التوق لإيجاد فجوات في الصورة العلمية للعالم ، خصوصا التطور، واستخدام هذه الفجوات للتدليل على وجود الله . وقد كان بيرش (1965) محقا تماما حينما قال “إن التصالح بين الأصولية الدينية والعلم الحديث مستحيل ”. فقد مات آلهة الفجوات ؛ قتلهم أولئك الذين تعلقوا بهم وودوا حمايتهم . وقد عبر تيليش عن ذلك بوضوح شديد ، وهو عالم لاهوت وليس أخصائياً علمياً :
(لقد كان الذي اتخذ الخطوة الأولى نحو لا-دينية الغرب هو الدين نفسه. حدث ذلك حينما دافع عن الرموز العظيمة التي كانت وسيلته لتفسير العالم والحياة ، لا بوصفها رموزا ، وإنما عن حرفيتها قصصا واقعية . وقد خسرت تلك المعركة بمجرد أن فعلت ذلك) . لكن مع ذلك ، كما أضاف تيليش :
(أن ما يحدث في الزمان و المكان ، في أصغر الجسيمات ولدى أكبر الشخصيات، مهم بالنسبة للحياة الأبدية . وبما أن الحياة الأبدية هي المشاركة في الحياة القدسية ، فإن أي حدث محدود مهم لدى الإله ) (تيليش ) .
إن هذا قريب من مأثورة شليرماتشر Sehleiermacher 1963، عالم اللاهوت في القرن التاسع عشر “ المعجزة هي الاسم الديني للحدث . وإن كل حدث ، حتى أكثر الأحداث الطبيعية تكرارا وألفة ، يصبح معجزة بمجرد أن تكون الرؤية الدينية له هي السائدة " .
[1] White, A.D, A History of the Warfore of Science With Theology in Christendom.New York, Brazillen 1895, London, Arco publishers 1955.
[2] Durkheim, E., The Elementary Forms of the Religions Like. W. A. Lessa and E. Z. Vogt Eds Readers in Comparative Religion, Evanston, Row Peterson 1958.
[3] Munroe, R. L., Schools of Psychoanalytic. New York Holt, Rinehant, 1955, London, Hutchinson 1957, Kardiner, A.,
[5] Simpson, G.G, This View of like, New York, Harcount, Brace&World, 1964
[6] Barzun, J., Science, the Glorious Entertainment, New York, Harper&Row,1964
[7] Coulson, G.H., Science and Christian Belief, New York, Oxford University Press,1955
[8] Heim, K., Christian Faith and Natural Science, New York, Harper and Row,1953