الفصل السادس
التركيب التيلارى
الإنسان هو الكائن الوحيد من بين المليونين أو أكثر من الأنواع التي تعيش على الأرض الآن الذي يتخبر الهم الشاغل، المصير. الإنسان يحتاج إلى إيمان، إلي أمل، إلي هدف يعيش لأجله ويمنح الكرامة لوجوده. إنه يجد نفسه في هذا العالم دون اختياره، ويود على الأقل أن يتجنب المعاناة المفرطة وأن يستمتع بالبهجة التي قد تكون في متناول يديه. أنه يرغب في أن يتخبر الجمال ويعيشه، وأن يتحاشى القبح، وهو يتوق فوق كل شيء للحب والانتماء للآخرين ؛ أنه يريد أن يكسب احترامه لنفسه ويحافظ عليه، وأن يكسب احترام وتقدير الآخرين إن أمكن. وهو مستعد لأن يتنازل عن ملذاته وأن يتقبل المحنة والألم في سبيل كسب هذا الاحترام واحترام الذات.
.كل هذا ضروري، لكن هل يكفي لكي يجعل للحياة معني ! أنه يكفي لبعض الناس العاديين. لكن آخرين، ربما بلا معقولية، يطلبون أكثر. لو أن الإنسانية لا معني لها فلا يمكن أن يكون لحياتي الشخصية معنى.لا بد إذن من أن أكتشف أملا ً للإنسانية في تطورها التاريخي. وهدف حياتي لا يمكن إلا أن يكون جزءا من هدف الإنسانية الكبير. فوق ذلك فإنه لمما لا يدركه العقل أن يكون للإنسانية معني إن لم يكن للكون معنى. الإنسان متشابك في الإنسانية والإنسانية في الحياة في كوكب الأرض، والأرض في الكون. والكون الذي تؤلف الإنسانية جزءا منه لا بد أن يكون له معنى. وقد عبر توينبي ( 1956 ) عن ذلك بالتعبير الرشيق التالي:
"لا تستطيع الروح الإنسانية التي تكمن في كل منا أن تكف عن البحث عن تفسير للكون الذي نجد أنفسنا فيه. وهي تلح على أن تمنح رؤيتنا الكونية أهمية للكون دون أن تجعله متمركزا حول الذات. قد يكون التوفيق بين هاتين الضرورتين مستحيلا في المنطق. لكن الروح الإنسانية لا تقبل التخلي عن البحث عن تفسير اللغز حتى بين فكي المنطق ؛ ويبدو أن العهد الجديد الذي أوحت به الأديان العليا يتيح التوفيق في إيحائه بأن معني الحياة والوجود والواقع هو الحب ".
.لقد كانت طقوس الخصب والجذل الأولي بالحياة كافية لأن تعطي مظهرا للهدف من حياة الناس البدائيين. وقد خلف تطور الإنسان تلك المرحلة من الطفولة الروحية السعيدة بعيدا في أغوار الماضي. لا بد للإنسان الحديث من أن يرقي ببصره فوق الجذل البيولوجي بالبقاء والتناسل. ولا يكفي أي شيء دون التركيب الديني لتلبية حاجة الإنسان تلك. هذا التركيب لن يكون مجرد أحياء لأحد الأديان القائمة، ولا يحتاج لأن يكون ديناً جديداً. وهو يمكن أن يقوم في كنف أحد أديان العالم الكبرى، أو عليها كلها مجتمعة. إن تربيتي وتعليمي تجعلاني أتحيز للمسيحية إطار ا لهذا التركيب. لكنني أفهم أولئك الذين يفضلون إطاراً يقوم على دين آخر. المهم أن يكون الناتج تركيبا حقيقيا. يجب أن يشمل التركيب العلم، لكنة لا يمكن أن يكون علما صرفا، وبهذا المعني فهو لا يمكن أن يكون "علمياً". يجب أن يشمل التركيب الفن وعلم الجمال، لكنه لا يمكن أن يكون جماليا وحسب. المذهب الذي يكون في تناقض صارخ مع الكشوفات العلمية المؤكدة لا يمكن أن يكون صحيحا، لكن المذهب الذي ينسجم معها يمكن أن يكون مع ذلك خاطئا. العلم يكشف الموجود، والإنسان يتوق لاكتشاف ما ينبغي وجوده. التركيب يجب أن يتسم بالإشباع الجمالي، لكن لا بد من أن تكون له صفة الإقناع العقلاني.
.لقد بين تيليش (1953) دور العلم في التركيب الديني بوضوح يثير الإعجاب :
بالطبع لا يمكن للاهوت أن يستند علي النظريات العلمية. لكن لا بد للاهوت من أن ينسب فهمه للإنسان لفهم الطبيعة الكونية، لأن الإنسان جزء من الطبيعة والإفادات عن الطبيعة تتضمن كل الإفادات عنه. حتى لو تمكن علماء اللاهوت من تفادي الأسئلة عن علاقة الإنسان بالطبيعة وبالكون، فسيظل الناس في كل زمان ومكان يسألون هذه الأسئلة -
في كثير من الأحيان بإلحاح وجودي الطابع وبداعي الأمانة المعرفية. ويمكن أن يصبح عدم توفر تلك الإجابات حجر عثرة لحياة الإنسان الدينية بأسرها.
.لا يكفي فهم الإنسان لنفسه لإشباع نهمه لمعنى الحياة ، بل لا بد من فهم الطبيعة بأسرها، الحية وغير الحية، بعلاقاتها المتداخلة. فالإنسان الذي قد يكون الطليعة الروحية للطبيعة ورأس رمحها ليس مع ذلك إلا جزءا يسيرا منها. وهو قادم جديد تماما علي العالم إذا ما نظرنا اليه بمقياس زمني كوني. لقد ظهرت بدايات الإنسان-بأقصى التقديرات - قبل حوالي مليوني سنه، بينما ظهرت الحياة في الأرض قبل حوالي بليوني سنه. ويقدر عمر الكون من خمسة إلي عشرة مليون سنه. فإذا ما اعتبرنا الإنسان علي نحو ما كائنا فوق الطبيعة، فهو بالتأكيد لم يبرز من أحشائها التي تشكل بداخلها إلا مؤخرا.
.الحياة أقدم بكثير جدا من الإنسان، والكون أقدم بكثير من الحياة. ذلك يشير إلي شرط ضروري لا بد لأي تركيب من تلبيته ليكون مقبولا. لا بد لهذا التركيب من أن يصور الإنسان والحياة والكون لا في حالة ثبات وإنما في حالة تغيير، أجزاء من سيرورة واحدة متصلة، عالم واحد لا ثلاثة عوالم ساكنة منفصلة. الفرضية الأساسية للتركيب تتطلب النظر إلي الكون وكل ما فيه نتاجا ناشئا لعملية التطور. التركيب يجب أن يكون تركيبا تطوريا.
.إن قبول هذا المبدأ ليس بالأمر السهل لبعض الناس. الإنسان يتوق عادة للاستقرار ويرتاب في التغيير. ومع أن الناس يرون التغيير يحل في كل شئ حولهم لكنهم مع ذلك يودون الاعتقاد بأن هنالك شئ أساسي، تصميم عام للأشياء
يبقي ثابتا إلي الأبد، لا يتغير. فالاستقرار يوحي بالأمن، بينما التغيير قابل لأن يجلب معه المخاطر والإجهاد وفقد الأمان.
إن العلماء دون غيرهم ليسوا فقط مروضين علي التغيير وإنما يرحبون به، أو هكذا يفترض. العلم معرفة تراكمية، فأرسطو لم يكن يعرف الكثير من أشياء مألوفة لكل التلاميذ الآن. ونحن نأمل بالطبع أن يعرف العلماء اللاحقون أكثر مما نعرف، وأن يفهموا الأشياء أفضل من فهمنا لها. لكن العلماء بشر، ولا يستطيع بعضهم مغالبة الشعور الخفي بالامتعاض حينما يثبت بطلان بعض أفكارهم.
.الأديان عكس ذلك ، عادة ما تعتز بثباتها وعدم قابليتها للتغيير. يقال أن الأديان هي المرساة الكبرى، رمز الاستقرار. مع ذلك يكتب توينبي (1956) :"لا بد للشيء الدائم الشامل من أن يترجم دائما وفي كل مكان بلغة الأشياء المؤقتة والمحلية ليكون في متناول أناس معينين في ظرف معين ومكان معين ".لا يتعارض تطور الدين اذن مع امتلاكه لحقائق أبدية وشاملة. لكن مظهر التعارض ينشأ من العجز عن التمييز بين ما هو أبدي وشامل وما هو مجرد إضافات وقتية تراكمت تاريخيا (انظر ص51 ). هنالك موقف موازي في عالم الفن وعلم الجمال. أننا نعجب برسومات انسان العصر الحجري الحديث في الكهوف التي عاش فيها. فالجمال الذي قدره علي الأقل بعض الأفراد في فجر التطور الحضاري هو الجمال نفسه الذي نقدره نحن اليوم. هذا لا يحول دون تطور الإحساس الفني والجمالي. فلا الرسومات الملونة في كهوف ألتاميرا ولاسو أغنتنا عن لوحات مايكل أنجلو وبيكاسو ولا العكس. ويؤكد مالرو (1960) أن
" كل أشكال الفن التي تجسد جانبا من المبهم الذي لا يسبر غوره تشترك جميعها في الإيحاء بوجود عالم آخر، ليس جهنميا أو الهيا بالضرورة، ولا مجرد عالم ما بعد القبر، لكنه عالم فوق الحقيقي، يوجد هنا والآن، متشابها للجميع ،بدرجات متفاوتة، " الحقيقي ليس إلا مظهرا، وثمة شئ آخر يوجد، ليس مجرد مظهر ولا يحمل دائما اسم الإله ".
.ان تأكيد حقيقة الوقت والتاريخ هو جوهر المبدأ التطوري. وإذا لم يحدث التطور فأن الوقت لا يعتد به، والتاريخ " حكاية يرويها أبله، ملأ ى بالضجيج والغضب،لا تدل علي أي شئ "
". وإن الذين يودون أن يؤمنوا مع ذلك بأن العالم والطبيعة البشرية ثابتين بطبعهما يركنون إلي حيل فكرية مثل أساطير العودة الأبدية والنظريات الدورية للتاريخ. وأكثر هذه الحيل حذقا نظرية أفلاطون للمثل التي عاشت أكثر من ألفي عام. الأشياء التي نشاهدها وفقا لتلك النظرية ليست سوي ظلال المثل الكاملة، المتقنة،الأبدية التي لا تتغير ؛ الظلال تتحول هنا وهناك، أما المثل فانها تبقي ساكنة إلي الأبد في صفاء.
قلنا فيما سبق أن المسيحية في الأساس تطوريه. أنها تؤكد أن معني التاريخ يكمن في التدرج من الخلق إلي الخلاص إلي الملكوت. وكما يبين فرانسكوير (1960) تبيانا مقنعا في كتابه العميق، فان الأدباء والمفكرين المسيحيين الأوائل لم يتمسكوا دائما بتلك الأفكار التي نصفها الآن بالأصولية. غير أن الذين تولوا الأمر بعدهم تأثروا بتوق رعيتهم للأمن والاستقرار. وهكذا تم التوصل إلي وفاق يقوم على فرضية أن الخلق اكتمل خلال بضعة أيام قبل حوالي خمسة آلاف من السنين ؛ ولا يجري ما يؤبه له الآن. لقد منحنا أرضا دافئة مريحة تجري حولها الشمس والقمر والنجوم لبهجة الإنسان وراحته، وأوجد فيها الحيوان والنبات لغذائه، وأحيانا لابتلائه. أما التغيرات التي تحدث فمعظمها دورية، ترمز لها أوجه القمر وتعاقب الفصول وموت النبات وعودته للنماء. ويجئ ملكوت السماء فجأة بلا توقع. وهو لا يكون تتويجا لكدح الإنسان التاريخي ليلاقي ربه، وإنما هو رحمة عفوية من عند الله، تماما كما كان الخلاص من قبل.
.وتسير المحافظة الدينية في يسر جنبا إلي جنب مع المحافظة السياسية. فالابتكار مدعاة للريبة : ما كان مناسبا لآبائنا يناسبنا نحن أيضا. العادات والقوانين والدساتير القديمة مناسبة لأنها قديمة ؛ فهي مأمونة دلت التجربة علي صلاحيتها. ويقتفي كل جيل أثر الذي سبقه؛ قد يجمع مالا أكثر أو يعمر أرضا أوسع، لكنه يترك النسيج الاجتماعي ونظم السلوك المقررة علي ما هي عليه. يرتكب بعض الناس الخطايا مرارا، والكل يفعل حينا، لكن الشعائر والطقوس المناسبة تكفر تلك السيئات وتعود عليهم بالغفران. فهنالك شعائر تبارك الميلاد والزواج والموت ؛ وهكذا تسير الحياة إلي الأبد.
.لكن طوفان الكشوفات العلمية أدي إلي تقويض أسس كل تلك الاتجاهات المحافظة. كانت الضربة الموجعة الأولي إثبات أن الأرض تدور حول الشمس، لا العكس. جاء بعد ذلك إثبات أن عمر العالم يقاس لا بآلاف السنين وإنما بآلاف الملايين. كان ممكنا أن يتم التوفيق بين هذه الحقائق وأن تتعايش مع النسق الساكن للعالم وجوهره الذي لا يتبدل. لكن إدراك حقيقة أن الخلق عملية مستمرة وليس حدثا ينتمي إلي الماضي البعيد كانت فاجعة. التغيير والتطور ليسا وهما ولا استثناء مؤسفا لقاعدة الاستقرار ؛ أنهما بالعكس، مزاج الطبيعة الذي يسري في كيانها. ولم ينشأ العداء لنظرية داروين لمجرد كونه أبان قرابة الإنسان للحيوانات الدنيا وتحدره منها. لقد كان لهذا العداء مصدر آخر أكثر عمقا. فلو أن الطبيعة والكائنات الحية كلها تتغير وتتحسن خلال التطور، فانه لا يعقل أن يكون أي نظام تقليدي مقدسا لا يقبل التغيير. وقد وصف تيلار دي شاردن الاختمار الفكري الذي جلبه المذهب التطوري في مقالة كتبها سنة 1920 ولم تنشر إلا بعد أربعين عاما من ذلك التاريخ كالتالي:
( انه لمشهد درامي طريف، أن يكون الجنس البشري منقسما آلي معسكرين متعارضين، أحدهما ينظر إلي الأفق معلنا بكل إيمانه الجديد : نحن نتحرك، والآخر يقرر في عناد، دون أن يتزحزح من موقعه:لا شئ يتغير. نحن لا نتحرك أبدا.)
.وقد تداول كثير من المفكرين في الدلالات الأخلاقية والأيديولوجية والفلسفية للتطور. يكفي أن نذكر : من بريطانيا، سبنسر وت.هكسلي ووادنجتون ؛ ومن الولايات المتحدة، جون ديوي وسمبسون ؛ ومن ألمانيا،هيكل وهارتمان ورنش ؛ ومن فرنسا بيرقسون. لكن كان علي المتنبئ الملهم تيلار دي شاردن، عالم الاحاثة اليسوعي الفرنسي، أن ينسب التطور إلي مصير الإنسان، وأن يخطط تركيبا تخطيطيا يكون التطور بمقتضاه "نورا يضئ كل الحقائق ".
.وقد تراوحت الاستجابة لأعمال تيلار من الثناء الحماسي إلي النقد اللاذع الفظ. فالعلماء يرتابون في رجال الدين الذين يتطفلون علي العلم، تماما كما يرتاب رجال الدين في العلماء الذين يقحمون أنفسهم في أمور الدين. لكن تيلار كان عالما ورجل دين في الوقت نفسه. ويساوي بعض أتباعه الغيورين إسهامه بإسهام دارون من حيث الأهمية،لكن يصعب ذلك، لأن التركيب التيلاري ليست له قوة الإثبات العلمي. إلا أن عظمته يمكن أن يدركها حتى أولئك الذين يختلفون معه في الرأي. أن كتابات تيلار تنتمي في واقع الأمر إلي طبقة قائمة بذاتها ؛ ويلزم لفهم محتوي تلك الكتابات إدراك حقيقة تفردها.
.كان تيلار مسيحيا متصوفا صادف أن كان في الوقت نفسه عالما، وكانت له أيضا ملكة التصوير الشاعرى. وكان تيلار يعي أنه إنما يكتب " رؤاه الأساسية " و" قناعات لا تخضع للبرهان العلمي الدقيق ". علي الرغم من ذلك فقد كتب في أعظم مؤلفاته، "ظاهرة الإنسان الذي كتب في الأعوام 1938 و1940 ونشر بالفرنسية سنة 1955 وترجم إلي الإنجليزية سنة 1959 أن الذي كتبه هو " معالجة بسيطة علمية بحتة". ( ما لم يذكر خلاف ذلك فكل مقتبسات تيلار التالية من هذا الكتاب ). وقد جعل ذلك الزعم تيلار فريسة سهلة للنقاد الذين أوضحوا أن كتابه ينحرف عن الأسلوب المتبع عادة في الرسائل العلمية. يصعب مع ذلك وصف آراء تيلار بأنها " مسيحية صوفية مشتقة صوريا من المبادئ التطورية "(سمبسون 1965). وستقع فكرة إمكان اشتقاق المسيحية من المبادئ التطورية أو من أية كشوفات علمية أخري وقع الهول ولا شك علي تيلار. ما حاول تيلار عمله كان شيئا مختلفا تماما، أنه بالتحديد خلق نظرة عامة متماسكة تتضمن عقيدته المسيحية ومعرفته العلمية كلتيهما.
.يكون أقرب إلي الحقيقة اذن القول بأن تيلار رأي العلم على ضوء فراسته الروحية. ولعل أفضل وصف لإنجاز تيلار يأتي من كلمات توينبي (1965)، ولم تكن لتلك الكلمات علاقة بأفكار تيلار التي لم تكن معروفة لتويتبي حينئذ :
الحقيقة التي يدركها الوجدان تجد تعبيرا طبيعيا في الشعر، و تجد الحقيقة التي يدركها العقل تعبيرا طبيعيا في العلم... الرؤية الشاملة للوجدان في المستوي الشعري نبوءة، وهي في المستوى العلمي للعقل ميتافيزيقا.
.وقد كان تيلار متنبئا ميتافيزيقيا، بالمعني الخاص الذي استخدم فيه توينبي هذه الكلمات.
يعتقد بعض الناس أن العلم والشعر لا يمتزجان بأفضل من امتزاج الزيت والماء. علي هؤلاء أن يوفروا علي أنفسهم مشقة قراءة مؤلفات تيلار. لقد خاطب تيلار أولئك العازفين عن معايشة انفصام الشخصية الأيديولوجي. وسيجد الذين يبحثون عن تركيب مشبع جماليا ومقنع عقليا بديلا لتلك الحياة الفكرية المجزأة في حاويات منفصلة عونا وإلهاما من تيلار. ليس غرضي هنا عرض المدى الكامل لأفكار تيلار وإنما استقصاء تركيبه من وجهة نظر علم الأحياء الحديث، وربما أقوم بطرح بعض التعديلات. ولو بدت تعليقاتي ناقدة في أحيان كثيرة فلا يسعني إلا أن أقول لبعض معجبي تيلار الذين قد لا يروق لهم ذلك النقد أنة لا شئ يمكن أن يضر بتركيب تيلار أكثر من تجميده في قانون ثابت. لقد تشكلت معظم أفكار تيلار البيولوجية في العشرينات من هذا القرن ، وقد حدث الكثير الجديد في علم الأحياء منذ ذلك التاريخ. ولو أن بيولوجيته تقادم عهدها فذلك يصدق أكثر علي داروين. ويجب إلا يغيب عن بالنا أن جدوى أي تركيب تكون دائما مؤقتة، لأن بعض مكوناته علي الأقل يصيبها التغيير. ولأن العلم والفن والفلسفة، كما نأمل، ستكون مختلفة عما هي عليه الآن. وسيكون علي كل جيل أن يقوم بمهمة مراجعة التركيب وتجديده.
"تحجم عقول الناس عن إدراك أن للتطور اتجاه دقيق ومحور مميز ". هذا هو الافتراض الأساسي للتركيب التيلارى. فالتطور الإنساني والبيولوجي والكوني ليس ببساطة دفا ورفرفة ودورانا سريعا كثيفا لا وجهة له. لكنه تقدمي، علي الأقل في تياره العام. تطور الحياة مواصلة وامتداد لتطور المادة غير الحية، وتطور الإنسان مواصلة وامتداد للتطور البيولوجي ؛ و "التركيب الكبير " الذي بشر به تيلار هو تكملة التطور الإنساني. فحياة الإنسان الفردية جزء أساسي من تطور الكون، ومصير الإنسان ومعناه وكرامته الفردية ليست سوي ذرات لمعني الوجود بأسره.
.يقصر بعض الكتاب استخدام كلمة " التطور " علي التطور البيولوجي وحده. هذا الاستخدام يبدو اعتباطيا. لقد كان للكون تنامي تاريخي، كذلك الحياة، وكذلك البشرية. وقد تدرج هذا التنامي فبلغ تطور الحياة من مادة لا عضوية، وصعد بالحياة إلي الإنسان من أسلاف لم يكونوا بشرا. ومع أن التطور اللا عضوي يعزي لفعل عوامل تختلف عن أسباب التطور العضوي، كما أن للتطور الإنساني بدوره أسبابه الخاصة به، إلا أن الحياة أحدث عهدا من الكون، والإنسان أحدث عهدا من الحياة. وكما بينا في الفصل الثالث فان ظهور الحياة وظهور الإنسان يمكن أن يعتبرا تجاوزات تطورية فتحت آفاقا لاحتمال تطورات من نوع جديد. وحينما نتأملها من منظور الوقت فإن هذه التجاوزات تمثل انقطاعاً في الاستمرارية التطورية، لكن تم التمهيد لها في التطورات السابقة. ولو أن لكلمة "تقدم" أي معنى، فأن تلك التجاوزات تدل علي أن التطور ككل كان تقدميا.
.لا بد من فحص تأكيد تيلار بأن لعملية التطور اتجاها محددا فحصا دقيقا. فالتغييرات التطورية التي تحدث في أي وقت مشروطة بالتغييرات السابقة لها، وهي بدورها تصبح شرطا للتغييرات التطورية اللاحقة. يتضح ذلك تماما في التطور البيولوجي، فالماضي التطوري لأي نوع من الكائنات الحية منقوش في مورثاته.التطور ليس تجميعا لأحداث متفرقة لا رابط بينها ؛ وإنما هو منظومة أحداث مترابطة. فلم يكن ممكنا للحياة أن تنشأ ما لم يوجد التطور الكوني كوكبا واحدا علي الأقل قادرا علي تحمل الحياة. ولم يكن ممكنا لكائن مثل الإنسان له القدرة علي التفكير الرمزي والوعي والوعي بالذات أن يظهر ما لم يوجد التطور البيولوجي كائنات لها أدمغة علي قدر عال من التنظيم. وحيث أن الأحداث التطورية المعينة لا يمكن أن تنشأ إلا علي أساس سلسلة أحداث سابقه، فاننا يمكن أن نصف تاريخ الكون بأن له "اتجاه". ويحق لنا أن نطلق اسم محور العملية التطورية المميز علي ذلك الخط التطوري الذي أوجد الإنسان.
"الاتجاه" يمكن أن يفهم بطريقة أخرى أيضا. فعملية التطور يمكن أن يوجهها أو يقودها أو يدفعها عامل طبيعي أو غيبي. في تلك الحالة فان التطور يتبع طريقا واحدا فقط وتكون نتيجته ونتيجة كل المراحل التي يتعين علية اجتيازها محتوم حدوثها في تسلسل زمني مقدر. وهنالك بعض مدارس الأقليات بين البيولوجيين التي تؤمن بمثل هذا التوجيه المقدر سلفا. فالنهائيون مثلا ً يفترضون أن كل التطور حدث لهدف واضح هو خلق الإنسان، وأن قوة أو قوي ما غيبية قادت التغيرات التطورية لتلك الغاية. وتؤكد مدرسة أخري أن التطور، علي الأقل البيولوجي، هو تكون قويم ( Orthogenesis ) .التغيير الذي يتم هنا هو تعاقب وقائع تقررها عوامل داخل الكائن، تقررها بنية مورثاته، وهو يتدرج لهدف محدد كالإنسان. فالتنامي التطوري إذن يتبع طريقا مرسوما، و يكون ناتجه الأخير مقدرا هو الآخر.
.يتميز التكون القويم تميزا مغايرا عن النهائية من حيث أنة لا يفترض قوي غيبية تقود التطور بالضرورة. "التفسير" المفضل هنا، وهو لا يعدو أن يكون تناظرا جذابا، هو أن التنامي التطوري ( Phylogeny )مقدر بالطريقة نفسها التي يكون بها تنامي الفرد ( Ontogeny) مقدرا. البويضة المخصبة لا تحتوي علي مصغر الإنسان ( Homunalus ) ، ومع ذلك فأن جنينا ينشأ من هذه البويضة ويخضع لتحولات كثيرة معقدة وللنمو يصير في نهايتها بشرا سويا بالغا. هل حوت أجساد أسلافنا البعيدين جدا، أو حتى الحياة الأولية، كل البدايات اللازمة للتنامي التطوري ؟ لو أن التطور يسير علي نهج التكون القويم، فانه يصبح التعليل اللفظي لكلمة "تطور"، الذي هو فض بدايات موجودة سلفا، كتنامي الزهرة من البرعم. فالشيء المشترك بين النهائية والتكون القويم هو أن التاريخ التطوري للعالم الحي كان مقررا سلفا، عند بداية الحياة، وربما في بدايات المادة. ولو صح ذلك فان التطور يكون عملية باهتة لا ينتج عنها جديد أبدا، لأن كل ما يفعله كان مقررا حدوثه سلفا.أنه يفقد الحرية والقدرة علي الخلق تماما.
.لقد أعلن تيلار "رأيه المعتبر" أن التكون القويم " ضروري ولا غني عنه ". لكن المعني الذي نسبه تيلار لهذا التعبير لم يكن معني اعتياديا. فقد وضع تعريفين للتكون القويم في نفس الصفحة (108)من الطبعة الإنجليزية لكتابه ظاهرة الإنسان. أحد هذين التعريفين أنه " قانون للتعقيد المحكوم، المرحلة الناضجة للسيرورة التي تقود أولا إلي الجزيء الصغير ثم الكبير وأخيرا إلي الخلايا الأولي ". التعريف الثاني هو " القدرة البينة للمادة الحية علي تشكيل نسق تتعاقب عناصره تجريبياً وفقا لمعايير التعقيد المركزي المتزايد ". و يبدو ما تشير اليه هذه الإفادة هو الحقيقة التي لا مراء فيها أن التطور إذا ما تأملنا أحداثه الماضية في كليتها كان تقدميا حقا، وكان له بهذا المعني اتجاه.
.ان أدلة التقدم والتوجه في التطور البيولوجي واضحة تماما إذا ما نظرنا إلي العالم الحي في كليته. حقا كان التطور قهقرياً في بعض المجموعات مثل الطفيليات (حالات فقدان الأعضاء خصوصا تحلل الجهاز العصبي ) ؛ كما بدا ميالا في مجموعات أخرى لتوليد تغيرات لا حد لها من نمط واحد فقط. لكن مع ذلك فإن ناتج التطور النهائي هو أن الكائنات الحية في الأرض لا تقتصر علي بدايات الفيروسات والأميبا. لقد ظهرت كائنات كثيرة ذات بنيات جسدية لا تقارن في تعقيدها إلا مع أروع الأعمال الفنية. كما أنتج التطور كائنات ارتقي النظام العصبي فيها علي نحو رائع مكنها من نقل المعلومات لتلك الكائنات عن حالة بيئاتها. وتستطيع مثل هذت الكائنات أن تسود في بيئاتها بدلا من أن تخضع لها.
.الآن فان كلية التطور هي التي تشغل بال تيلار تماما. والخط التطوري الخاص الوحيد الذي يهم تيلار هو خط الإنسان، وذلك لأنة يؤمن بأن التركيز البؤري للتطور قد تمحور في الإنسان، إذا جاز التعبير. بل وهو يتصور العالم الحي بأكمله كائنا واحدا : " إذا ما أخذنا المادة الحية المنتشرة في الكون بمجملها منذ البدايات الأولى للتطور فاننا نجدها تترسم الخطوط العريضة لكائن واحد ضخم ". وهذه إفادة مجازية متبصرة وجميلة للغاية تعبر عن وحدة الحياة. وأن تطور هذا الكيان الرمزي الذي يشمل كل الكائنات ويتخطاها قضية أخرى منفصلة عن تطور، أو تطورات ملايين الأنواع التي تعيش في كوكبنا الأرض أو عاشت فيه. علاوة علي ذلك فالتكون القديم فرضية قصد منها تفسير أسباب التطور،لا تقويم وصف ايجازي للتاريخ التطوري للعالم الحي.
.يضعني ذلك طوعا أو كرها في الوضع الشاذ الذي أحاجج فيه بأن تيلار لم يكن علي الرغم منه نصيرا لمبدأ التكون القويم. لم يكن لتيلار ما يقوله فيما يخص أسباب التطور سوي القليل. ومع أن الجزء الأخير من حياة تيلار يتطابق مع نشأة النظرية البيولوجية التركيبية الحديثة للتطور إلا أنه لم تتوفر له سوي فكرة مهزوزة عنها. مع ذلك فان مفهومه العام لطبيعة التطور يتناغم مع مبادئ النظرية البيولوجية أكثر بكثير من التكون القويم. وليكن واضحا أننا لسنا بصدد مسألة فنية بيولوجية وإنما بصدد قضية حاسمة بالنسبة للتركيب التيلاري بأسره.
.لو أن التطور يتبع طريقا مقدرا (التكون القويم)، أو أنه مدفوع وموجه بتدخل إلهي لغاية معينة (النهائية)، فان معناه يصبح لغزاً محيراً بل ومحبطا. إذا كان الكون قد صمم ليتقدم نحو حالة من الجمال والخير المطلق فقد كان تصميمه مختلا لأبعد الحدود. لماذا حقا نحتاج لبلايين السنين لبلوغ ذلك الهدف ؟ الأنسب في تلك الحالة أن يخلق الكون تاما وكاملا . لماذا البدايات الزائفة الكثيرة، والانقراض والكوارث والشقاء والكرب وأخيرا تلك المصيبة الكبرى- الموت. لا يمكن لإله المحبة والرحمة أن يكون قد خطط لكل هذا. وكل المذاهب التي تعتبر التطور مقدرا أو موجها تصطدم رأسا بحقيقة وجود الشر التي يتعذر تجنبها.
.لقد ظل الفلاسفة يصارعون معضلة الموت لأكثر من ألفي سنه. عرف تيلار كل ذلك، وعرف أن الأمل الوحيد في إيجاد حل يكمن في استبدال التسيير بالتخيير عاملا أساسيا في الخلق. وتقتضي الحرية علي المستوي الإنساني القدرة علي فعل الخير أو الشر. لو أننا لا نفعل إلا الخير، أو لا نتصرف إلا بطريقة واحدة فقط، فنحن لسنا أحرارا ولسنا مخيرين. إننا عبيدا للضرورة. ولا بد إذن لفهم تطور الكون عده بمعني ما نضالاً للانبثاق التدريجي للحرية. النتيجة النهائية للتطور ليست مقدرة لأنه، وفقا لتيلار، " هنالك خطورة أن ترفض عناصر الكون أن تخدمه - لأنها تفكر ؛ أو بدقة أكثر خطورة أن يرفض العالم نفسه من إدراك نفسه عن طريق التأمل ". هنا تقترب أفكار تيلار من الآخرين أمثال هارتشون (1962)، وهو فيلسوف يدرك المسائل التطورية.
.يصف تيلار منهج التطور بأنه تلمس وهو الوصف أقرب لأن يكون تصويراً شاعرياً وانطباعياً منه تشخيصاً علمياً دقيقاً، لكنه مع ذلك ملائم وفي موضعه تماما. لقد سبق أن أوجزنا في الفصل الثالث الخطوط العريضة للمبادئ الرئيسة للنظرية البيولوجية الحديثة ؛ ويتعين أن نتوسع هنا في بعض جوانبها المتعلقة بالتقدير المسبق والإبداع في التطور البيولوجى. هل التطور هو مجرد المكابدة التي يبدو أن لا ضرورة لها لفض ما كان دائما هناك، مقدرا ومكونا، وإماطة اللثام عنة تدريجيا، بمرور الوقت ؟ أم أنة يمكن أن يكون تعاقبا للمحاولات والأخطاء التي يكون الإبداع حصيلة بعضها ؟ هل يمكن أن يكون التطور تحقيق جزء يسير جدا من سلسلة الإمكانات التي لا حصر لها ؟ ألا يمكن فهمة بمعني ما كاستجابة الخلق لخالقة بأتساع نطاق الحرية ؟ وهل يرتبط الألم والمكابدة والصراع والشر بهذا التوسع التدريجي للحرية ؟
.هنالك ثلاثة مراحل، أو مستويات للتطور : 1-أيجاد المواد الوراثية الخام عن طريق الطفور الوراثي، 2- تكوين الأنماط الوراثية المكيفة للبقاء والتكاثر في بيئات معينة عن طريق الخلط المندلي في التولد الجنسي والاصطفاء الطبيعي 3- إقامة الحواجز بين الأنواع عن طريق العزل التناسلي. الطفرات تغييرات في المورثات والكروموسومات. الخاصة البارزة للطفرات التي تعتبر الإيهام التكيفي من أبرز صفاتها. المعني هنا أن الطفرة تنشأ بغض النظر عن فائدتها أو ضررها للكائن الحي. معظم الطفرات في واقع الأمر ضارة، وكثير منها يسبب العاهات والأمراض الوراثية، وبعضها مميت. كيف يمكن للطفور إذن أن يوفر المواد الخام للتطور ؟ الجواب أن قلة من الطفرات ليست ضارة، بل مفيدة، خصوصا حينما تتغير البيئة التي يعيش فيها النوع البيولوجي. ونتيجة هذا التغير في البيئة فأن بعض المورثات القديمة تفقد صلاحيتها التكيفية وتحل محلها مورثات طافرة.
.الطبيعة الضارة لمعظم الطفرات توفر إثباتاً درامياً لغياب التوجيه في العملية التطورية. التطور ليس تقدميا علي مستوي الطفور. أنه النقيض الأكيد للتكون القويم. الطفور وحده يسبب الفوضى، لا التطور. لكن الاصطفاء الطبيعي يعيد التوازن لأن المورثات الضارة ينخفض تواترها بينما المورثات المفيدة تبقي وتتكاثر. كما ذكرنا سابقا فقد دأب بعض الكتاب علي تشبيه الاصطفاء الطبيعي بالمنخل الذي يبقي بعض الحبيبات وتتسرب منه أخرى. لكن هذا التشبيه ركيك. فالاصطفاء الطبيعي يتفاعل مع الأنماط الوراثية، لا مع المورثات المنفردة. ؛ والذي يبقي أو يموت، يخلف ذرية أو لا يفعل إنما هو الكائن الحي لا المورثة المنفردة. المورثة التي تكون مفيدة في مجموعة معينة من المورثات قد تكون ضارة في غيرها. والتغييرات التي يميل الاصطفاء الطبيعي لتشجيعها في وقت ما تعتمد علي التغييرات التي سبقتها. التشبيه الأقرب للاصطفاء الطبيعي في هذه الحالة ليس المنخل وإنما آلية الضبط في نظام أوتوماتي. وهكذا فإن الطاقم الوراثي في النوع البيولوجي يتلقى المعلومات ويراكمها عن تحديات البيئة التي يعيش فيها النوع. وما التغيرات التطورية إلا استجابات إبداعية لتحديات البيئة، و ليست تغييرات تفرضها البيئة كما اعتقد خطأ اللاماركيون.
.تتوالد كل الكائنات العليا تقريبا وكثير من الكائنات الدنيا جنسيا. الجنس طريقة مذهلة الكفاءة لتوليد توليفات وراثية لا حصر لها يتنفذ فيها الاصطفاء الطبيعي. ذلك لأنة يترتب التالي علي قوانين مندل : احتمال التوليفات الوراثية المختلفة في عشيرة بها n مورثة لكل منها حالتاn = 3. ولو أن n تساوي مئات أو ألوف المورثات فسيفوق عدد التوليفات الوراثية الممكنة جميع الأفراد الموجودين علي سطح الأرض من أي نوع من الأنواع البيولوجية. هذه الآلية المندلية أكثر كفاءة في واقع الأمر مما تدعو إليه الحاجة. و لذلك فالأغلبية القصوى من الأنماط الوراثية المحتملة لا تتحقق أبدا.
وأن نتائج هذه الكفاءة المذهلة جديرة بالاعتبار. أولا، أن لكل فرد من أي نوع من الأنواع التي تتوالد جنسيا مثل الإنسان على سبيل المثال طاقم وراثي فريد، لم يسبق حدوثه في الماضي ولا يحتمل تكراره في المستقبل ( الاستثناء هو التوائم المتطابقة التي تكون طواقمها الوراثية متطابقة تقريبا ). ثانيا، أن التغييرات التطورية أحداث فريدة، فمن غير المحتمل إطلاقاً أن يتكرر تطور الإنسان مثلاً أو أن يرتد لأسلافه قبل الإنسانيين. ولو وجدت حياة في كوكب آخر غير الأرض فلا يحتمل أبدا أن تتطابق مسيرة التطور فيها مع التطور الذي جري في الأرض. ثالثاً، من بين الأعداد الغفيرة جداً من التوليفات الوراثية التي تتشكل فإن البعض يكون متناسقا والبعض الأخر لا يكون. كيف نزيد من نسبة تردد الأولي ونقلل من نسبة تردد الثانية ؟ لقد طورت الحياة كائنات تكيفت لبيئات وطرق حياة مختلفة. وفي معظم الأحيان فان خلط مورثات هذه الكائنات يكون ضارا. هنالك مليونان علي الأقل من أنواع الكائنات الحية في الأرض (البعض يقدرها بضعف هذا العدد). الأنواع المختلفة لا تتهاجن ولا تتبادل المورثات، أو نادراً ما تفعل ذلك. إنها معزولة تناسلياً عن بعضها البعض، أو هي تقريباً كذلك. ويتم بلوغ هذا العزل التناسلي بطرق كثيرة متنوعة. فالأنواع قد تتوالد في مواسم مختلفة، أو تتواجد في مواطن مختلفة ؛ والجاذبية الجنسية بينها قد تكون ضعيفة أو معدومة ؛ وهجائنها قد لا تكون قابلة للحياة إن ولدت، أو تكون ضعيفة أو عقيمة الخ.
.يمكننا أن نميز نمطين من التغييرات التطورية. أولا: هنالك التغيير التركيزي ( anagenesis )، وهو الذي يؤدي التغيير التطوري فيه إلي الحفاظ علي تكيف النوع لبيئته والمزيد من ذلك التكيف، بينما يظل النوع واحدا. النمط الثاني هو التغيير الانشطاري ( cladogenesis )الذي يؤدي إلي انشطار النوع الواحد إلي نوعين أو أكثر. يحدث هذا الانشطار بسهولة شديدة حينما يوجد أفراد النوع الواحد في مناطق ذات بيئات مختلفة. هنا يتم التمايز أولا إلي أجناس جغرافية تصير أكثر وأكثر اختلافاً من الوجهة الوراثية خلال استجابتها لبيئاتها المتغايرة. وحينما يبلغ التشعب الوراثي حداً لا يصبح تبادل الجينات عنده مواتيا للتكيف البيئي فإن الاصطفاء الطبيعي يعزز تنامي العزل التناسلي للدرجة التي تؤدي إلي تشعب النوع السالف إلي نوعين جديدين أو أكثر. وقد حدث التركيز والتشعيب في تطور معظم المجموعات الحيوانية والنباتية. أما في الإنسان فقد كانت الغلبة للتركيز التطوري. حقا لقد تشكل النوع الإنساني ولا يزال يتشكل من أجناس متعددة. تتمايز الأجناس وتتباعد أو تنصهر فتزول ؛ أحيانا يسود التباعد، وأحيانا أخري يغلب الانصهار. وتمايز الأعراق بالطبع تشعبي. علي أي حال فقد ظل هنالك نوع بشري واحد فقط منذ أواسط العصر البلايستوسينى، أي منذ حوالي مليوني عام ونصف. لقد تطور الكائن البشري المنتصب القامة بأجناسه المختلفة إلي الإنسان العاقل. ولا تبدي أجناس الإنسان أي ميل لمزيد من التشعب ؛ لقد ظلت تتلاقى وتتجمع في واقع الأمر لمليوني عام، ولا زالت قوي دفع التلاقي تتنامى.
.يمكن تصوير عملية التطور أيضا بالتعابير التي استخدمها توينبي لوصف نشأة الحضارات وتطورها اللاحق في مؤلفه الفخم ( دراسة التاريخ : التحدي والاستجابة). التحدي يأتي من البيئة، والاستجابة تجيء بواسطة عامل الاصطفاء الطبيعي. وفي غياب التحدي يكون هنالك جمود تطوري، ومن ثم "الحفريات الحية " أي تلك الأنواع التي لا تبدي تغييراً ملموساً عبر امتداد أزمنة جيولوجية طويلة. لكن التحدي لا يضمن الاستجابة، ولا يقرر ما تكون علية الاستجابة علي وجه الدقة. النوع الذي يعجز عن الاستجابة بسبب عدم توفر المادة الوراثية المناسبة يضمحل وينقرض. و قد تكون الاستجابة متخصصة نكيفياً لمواءمة بيئات مختلفة أي تشعبيه. و يعمل التشعيب علي إثراء التنوع العضوي، ويمكن أن يقال أنة يخلق عددا من الفرق "الاستطلاعية" التي تستكشف احتمالات البيئات المختلفة ( تلمسها، إذا ما استخدمنا تشبيه تيلار البليغ ).
.لقد استغرق تطور الحياة زمانا طويلا، بليوني عام علي أقل تقدير، لأنه لم يكن مجرد الفض أو الكشف البسيط عن شئ كان موجودا منذ البداية. يماثل تاريخ الحياة التاريخ الإنساني من حيث أن الاثنين يشتملان علي الخلق الإبداعي. الاثنان يتدرجان عن طريق التلمس، تجربة المحاولة والخطأ، وكثيرا ما تضيع بدايات خاطئة في أزقة تطورية مغلقه، وينتهي الفشل بالانقراض. لكن للاثنين نجاحاتهما وأعمالهما الفذة، والاثنان حققا تقدماً شاملاً. وقد كان هنالك تعجيل عام بالتطور. لقد استغرق التطور الكوني زمنا أطول من التطور البيولوجي، واستغرق تطور الإنسان أمداً أقل. ولا تنطبق مفاهيم الإبداع والحرية علي المستوي تحت- الإنساني للتطور. لكن مع ذلك يمكن الجدل حول الارتخاء التدريجي للجبر المطلق مع تقدم تطور الحياة. وتكون عناصر الإبداع في تطور الكائنات العليا أكثر وضوحا عما تكون علية في المستويات الدنيا (انظر دوبجانسكي1963).
.يدفع أنصار الغائية والتكون القويم بأنة نسبة لعدم معقولية أن يكون التطور كله نتيجة "للمصادفة" فلا بد من وجود تصميم لمساره. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا وتشويقا مما توحي به ثنائية المصادفة والتصميم المسبق. من الواضح أن القول باحتواء بدايات الحياة لكل إمكانات التطور الذي تحقق فعلا صحيح، لكنه نفسه مبتذل بالقدر تحصيل حاصل. لو لم تكن بدايات الحياة محتوية لنهاياتها لما تمكن التطور من إنجاز ما أمكن تحقيقه. المهم هو أنه كانت للحياة إمكانات لا حصر لها لم تتحقق، وتلك نتيجة منطقية لحقيقة أن مقدارا صغيرا جدا من التوليفات الممكنة للمورثات يتحقق أصلا. ومن المضلل الظن أن كل الكائنات الحية، بما فيها الإنسان، ظلت مشكلة مسبقا في بدايات الحياة ولم تك تحتاج إلا لبعض الوقت كيما تتفتح مثل الزهرة في البرعم. المسألة الفعلية تكمن في بعد آخر.
.يتلقى الطفل نصف مورثات أبيه ونصف موروثات أمه. أما المورثات المعينة التي تنتقل من الأب أو الأم للطفل المعين، فذلك ما تحدده المصادفة. الطفرات التي تحدث، متي وأين، تحددها المصادفة أيضا. مع ذلك فالتطور ليس مسألة مصادفة إلا بقدر ما تكون لوحة الموزايكو تجميعاً عرضياً للحجارة (بعض الرسامين الحديثين يرشقون القماش عشوائيا بالدهان، لكن ليس هنالك مثيل بيولوجي لهذه الحيلة ). المصادفة في التطور تلجمها فاعلية مضادة للمصادفة هي الاصطفاء الطبيعي الذي يستجيب لتحديات البيئة. لنتذكر أن الاصطفاء الطبيعي ليس منخلا وإنما هو أشبه بآلة تحكم أوتوماتي متطورة. الشيء الجدير بالاعتبار هو أن "التحكم" لا يبلغ حد الجبرية المطلقة. هناك عناصر خلق وحرية يمكن تمييزها، خصوصاً في تطور الكائنات العليا.
كيف يمكن ذلك ؟ كثير من تغيرات البيئة تتم الاستجابة لها بأكثر من طريقة. مثلاً، علي كل النباتات الصحراوية أن تستجيب لتحدي الجفاف. النباتات المختلفة تفعل ذلك بطرق مختلفة. البعض يخفض أوراقه إلي أشواك، والبعض يفرز طبقة شمعية أو صمغية لحماية الأوراق من فقد الماء، والبعض الآخر تتساقط أوراقه حينما تنخفض الرطوبة تحت الحد الحرج، وأخري تنبت وتزهر وتنضج بذورها في الفترة الوجيزة للغاية التي يتوفر فيها الماء. ويلزم للحيوانات التي تكون فوق حجم معين وجود جهاز تنفسي ؛ وهو يمكن أن يكون خياشيم أو قصبات هوائية أو رئات من أنواع مختلفة. وقد ابتدعت بعض الحيوانات الطيران وطورته بطرق مختلفة. وللتكيف للحياة في المناخات الباردة فان لبعض الحيوانات فراء دافئ وأيض يمكن الجسم من الحفاظ علي درجة حرارة ثابتة، وبعضها يبقي في حالة سكون خلال الفصل البارد، أو يهاجر لبلاد دافئة. وتتفادى بعض الحيوانات أعداءها باتخاذ أشكال وألوان تساعدها علي التخفي وتجعل التعرف عليها صعباً، والبعض الآخر يعلن لأعدائه المحتملين عن خصائص مقيتة وخطيرة، حقيقية أو مدعاة، بألوان انذارية مزخرفة وملفتة للنظر. كل طرق التكيف هذه تكون ناجحة أحيانا، ولا يبدو لأي منها امتياز كامن علي الطرق الأخرى.
.إن تعدد أساليب التكيف للبيئات المتشابهة لا يوافق فرضيات الغائية والتصميم المسبق لأن هذه الفرضيات تجعلنا ننتظر طريقة واحدة مثلي للتكيف. والاصطفاء الطبيعي علي نقيضها، أشد مرونة. لقد أطلق علماء القرن التاسع عشر التطوريين تعبير "البقاء للأصلح" علي الاصطفاء الطبيعي. لكننا نفضل سحب صيغة التفضيل هذه ، لأن الخليق بالبقاء يبقى. من أقوال تيلار المأثورة أن التطور " يتخلل كل شئ ليجرب كل شئ، ويجرب كل شئ ليكتشف كل شئ ".وهذا التشخيص المناسب لا بد له من تصحيح. إذ لم يكن تيلار علي علم بالحقيقة التي شددنا عليها من قبل وهي أن جزءا يسيرا جدا من التوليفات الوراثية الممكنة يتحقق. هنالك إذن مبالغة في تعبير "يجرب كل شئ "،لأن التطور لم يجرب ولم يكتشف إلا القليل جدا من "كل شيء".
لم تكن مجموعة التوليفات الوراثية التي تشكل هبة النوع الإنساني الوراثية الطبيعية موجودة قبلا، في عصر الأيوسين أو العصر الطباشيري مثلا. هل كان ممكنا، لو أتيح لعالم أحياء أن يعيش في تلك العصور السحيقة القدم، أن يتنبأ بإمكانية تطور الحياة ووصولها إلي الحالة الإنسانية ؟ ليس هذا السؤال صعبا كما قد يبدو، فهذا البيولوجي العتيق لا يستطيع أ لتنبؤ بذلك لو أن المعرفة التي توفرت له كانت مماثلة لمعرفتنا الراهنة.
.ولنلاحظ ( بين قوسين ) أن سؤالا خياليا بالدرجة نفسها تقريبا يقوم بطرحة بعض الكتاب التبسيطيين وتتداول فيه بمنتهى الجدية وكالات حكومية ذات ميزانيات سخية : لو وجدت حياة في أجزاء كثيرة من الكون خارج كوكبنا الصغير، فهل يمكن أن يكون تطورها قاد إلي كائنات شبيهة بالإنسان ؟ أود أن ألتمس بأن الادعاءات الجامحة بتطور مثل هذه الكائنات مبتسرة وسابقة لأوانها. ومع أن الإنسان يعيش في كوكب صغير لا يختلف كثيرا عن بلايين الكواكب التي لا حياة فيها، إلا أنة غالبا ما يكو ن الكائن الرشيد الوحيد في هذا الكون.
.كما ذكرنا آنفا فان تيلار يصف منهج التطور بأنة "تلمس". وهو يدفع أيضا بأن "التلمس هو المصادفة الموجهة". ذلك يستدعي فحصا دقيقا. أن تعبير "تلمس"هذا ربما كان أبرع تعابير تيلار المجازية واحذقها. فالاصطفاء الطبيعي يتعامل مع الطفرات وتوليفات المورثات التي تقوم"المصادفة" بدور هام في إنشائها. انه "يوجه" هذه المصادفات إلي قنوات تكيفيه. علي المرء أن يحذر شخصنة الاصطفاء الطبيعي. انه ليس روحا وليس ضربا من الكائنات البالغة البراعة التي توجه التطور لغايات معينة. التلمس في الظلام هو في الحقيقة المنهج الوحيد الذي يمكن أن يسلكه الاصطفاء الطبيعي. التلمس يمكن أن يقود إلي اكتشاف منافذ جديدة للحياة، كما يمكن أيضاً أن ينتهي بالسقوط في هاوية. انه قد يحافظ علي الحياة ويرتقي بها، وقد يقود إلي الانقراض. لقد كان تيلار عالم حفريات، وكان انقراض خطوط الحياة مألوفا لديه تماما. لكن الغريب أنه لم يوجه إلا اهتماماً قليلا جداً لهذه الظاهرة في كتاباته. ولم تكن ملاحظة أن الاصطفاء الطبيعي بالضرورة قناص للفرص وقصير النظر في تلمسه لتشكل صعوبة بالنسبة إليه لو أدركها.فلأن الاصطفاء الطبيعي يفقد النظرة المسبقة للمستقبل فهو يكيف الكائن الحي للبيئات الموجودة في المكان والزمان الذي يكون فاعلا فيها. النوع المعين قد يكون متكيفاً ومتوافقاً تماماً مع بيئته الراهنة، لكنة يمكن أن ينقرض إذا ما عجز عن إعادة التكيف لو تغيرت البيئة. والدرجة العالية من التكيف والتخصص لاتسير دائما جنبا إلي جنب مع المرونة والقدرة علي إعادة التكيف.
."الصدفة الموجهة" لغز إذا ما أخذناها حرفيا. لكن تيلار أضاف إليها لغزاً آخر حينما يكتب أنه في: "التطور "تلتقي النزوة العمياء للأعداد الكبيرة التقاء عجيبا مع التوجه الدقيق لغاية يجري رصدها، لكن هذه المفارقات تصف لنا وصفا دقيقا وواضحا لما تم تحقيقه فعلا".. كيف يكون ذلك ممكناً ؟ لقد كان التطور البيولوجي بقدر ما تشعيبياً، فتزايدت تبعا لذلك أعداد الأنواع الموجودة في الأرض. لكن الأنواع الموجودة الآن انحدرت من قلة من الأنواع التي عاشت في الماضي. وكلما أوغلنا في الماضي فان هذه القلة تصبح أقل وأقل. ذلك لأن أغلبية الخطوط التطورية انتهت بالانقراض. وبينما تبقى قلة صغيرة فقط من الأنواع فإن عدداً أصغر منها يحقق تكيفاً نادراً يؤهلها لطرق حياة جديدة في البيئات التي لم تكن مستغلة بكفاءة أو لم تكن مستغلة من قبل أبدا. لهذا فان التنوع العضوي يتزايد تدريجياً بسبب التطور التشعيبي. لقد أنجز التطور ما هو أكثر من مجرد حفظ الحياة في الأرض وتوقي إبادتها. لقد خلق أنساقا حياتية متصاعدة التعقيد مأمونة التكيف. وبذلك حقق النوع الإنساني ذروة الطمأنينة البيولوجية. ومن غير المحتمل أن ينقرض الإنسان بسبب أي تعارض مع بيئته الطبيعية أو البيولوجية.لأنه قادر، أو سيصبح قادراً عما قريب، علي التحكم السليم في بيئته. ولا يمكن أن ينقرض النوع الإنساني إلا بجنون انتحاري مثل الحرب الذرية أو عن طريق كارثة كونية.
.ان تنوع الكائنات الحية في الأرض شئ خلاب حقا لكنه محير بعض الشيء لعالم الأحياء. لماذا يكون هنالك أكثر من مليوني نوع من الكائنات الحية، بعضها غريب الأطوار حقا ؟ ربما تكون الإجابة أن "نزوة الأعداد الكبيرة العمياء" هي التي جعلت التقدم التطوري ممكناً. والسمة الرئيسة للتطور التقدمي، أو إحدى سماته علي أية حال هي نهاياته المفتوحة. وأن غزو البيئات الجديدة واكتساب طرق جديدة للحياة يفتح آفاقاً جديدة لمزيد من التغيرات التطورية.
.لقد تمكنت سلالات بعض الأسماك من غزو الأرض واستغلال مصادرها الغذائية والتطور إلي برمائيات بفضل "اكتشاف" التنفس عن طريق الرئة. ولا تزال معظم البرمائيات تعتمد علي الماء في مراحلها التكوينية. وقد تم التحرر من هذا الاعتماد "باختراع" البيضة التي تحميها القشرة ليكتمل النمو الجنيني بداخلها. وتطورت عائلة البرمائيات التي عثرت علي هذا "الاختراع" خلال تلمسها إلي زواحف.تعيش معظم الزواحف في أجف الصحارى،وكثيرات منها لا تتعاطى الماء السائل أبدا، وإنما تحصل علي كامل احتياجها للماء من الطعام الذي تعيش عليه.وربما كان المقتني التطوري الرئيس التالي هو اكتساب الآلية الوظيفية للحفاظ علي درجة حرارة ثابتة للبدن بغض النظر عن حرارة الجو المحيط. تحقق ذلك في مجموعتين من الزواحف انحدرت الطيور من إحداها والثدييات من الثانية. وقد طورت الطيور الطيران وطرق الحياة التي يتيحها ذلك. أما الثدييات فقد طورت آلة وظيفية معقدة لتكون الجنين داخل جسم الأم ولتغذية الرضع باللبن والرعاية الأبوية. وصاحب هذه الإبداعات تزايد حجم الدماغ ونمو الملكات العقلية.
.ان مقدار التغيير التطوري في الملكات العقلية لذوات الثدي مقارنة بالأسماك كبير ومؤثر. لكن هذا التغيير يتضاءل أمام إعادة هيكلة الملكات العقلية وتركيبها الذي تم خلال المليون أو مليوني عام الماضيين، وهي فترة قصيرة جيولوجيا، في الخط التطوري المنتهي بنوع واحد هو الإنسان. وقد كان هذا التغيير عظيما للدرجة التي أهلته ليكون تجاوزا تطوريا. ولا يقارن هذا التجاوز إلا بذلك الأقدم كثيرا ألا وهو انبثاق الحياة من لا حياة.كما يبدو أن هنالك هوة سحيقة تفصل بين الإنسان العاقل وكل الحيوانات الأخرى. بكلمات تيلار "من المسلم به أن الحيوان يعرف، لكنه لا يعرف أنه يعرف - ذلك أكيد تماما ". والإنسان قادر "لا علي مجرد أن يعرف وإنما أن يعرف أنه يعرف ". علي كل فلنشدد مرة أخرى (انظر الفصل الثالث) : أن كل ملكة عقلية إنسانية أساسية موجودة بشكل أولي في بعض الحيوانات. إذن فالفروق بين الإنسان و الحيوان ليست إلا فروقا كمية فقط. ولا يدفعنا ذلك إلي الاشتباك في تناقض. فالفروق الكمية يمكن أن تنمو وتزيد للدرجة التي تتحول بها إلي فروق نوعية. وقد كان أسلافنا الحيوانيون يملكون بدايات طفيفة للملكات التي أدت، حينما تنامت تناميا عظيما وتجمعت، إلي خلق كائن جديد تماما - الإنسان.
كانت قشرة الأرض (اليابسة) مغطاة قبل ظهور الحياة بغلاف مائي (المحيطات)وغلاف هوائي (المحيط الهوائي).
وقد أضافت الحياة غلافاً جديداً هو المحيط الحيوي، وهو يقع أساسا في المساحة البينية للغلاف الجوي مع اليابسة والمحيط المائي كانبثاق الغلاف الحيوي قبله من المحيط المائي تماما.وقد انتشر الإنسان في جميع أرجاء الأرض وأصبح يشكل غلافها الأكثر جدة، "الغلاف المفكر".
وقد اقترح له تيلار وفرنادسكي باستقلال أحدهما عن الآخر اسم "الغلاف المعرفي ". ويعتبر تطور الغلاف المعرفي من ناحيتين علي الأقل استمرارا لتطور الغلاف الحيوي.أولاً فقد انبثق المحيط المعرفي من المحيط الحيوي تماماً كما نشأ قبله الأخير من المحيط المائي. وثانياً فالمحيط المعرفي يرتبط بعلاقة تغذية راجعة بالأغلفة الأخرى. وأن قوة الإنسان تنمو باستمرار عاملا بيولوجيا وعاملا جيولوجيا أيضا. بالمقابل فان الإنسان يتأثر ببيئته. لكن مع ذلك فإن نمو الغلاف المفكر، التكونن المعرفي، يعتبر أساسا صيرورة جديدة.
لقد سبقت الإشارة إلي فكرة تيلار بأن مجموع المادة الحية في الأرض تشكل كائنا كونيا واحدا. ومن الواضح أن الجنس البشري يعد جزءا، أو إن شئت عضوا من هذا الكائن. ويتوقع تيلار أن يصبح هذا الكائن الكوني بدوره وحدة من نوع مختلف -" تجمعا عضويا مهولا للأرواح". ويري تيليش (1963) أن التاريخ الإنساني يختلف اختلافا أساسيا ومتميزا عن "التاريخ" التطوري العام. السمات المميزة للتاريخ الإنساني هي : " أن يكون مرتبطا بهدف، أن يتأثر بالحرية، أن يخلق الجديد من حيث المعنى، وأن يكون مهماً بمعني شامل وخاص وغائي". أضيف هنا تحفظاً واحداً هو أن هذه العلاقات المميزة للتاريخ الإنساني، كما الملكات العقلية الإنسانية الأساسية، قد تكون موجودة بشكل أولي في المستوي البيولوجي أيضاً.
.لقد قامت " نزوة الأعداد الضخمة العمياء" بدور هام في مجمل العملية التطورية، من خلق الكون عبر نشأة الحياة حتى التكونن المعرفي. لقد أوجد التطور الكوني حشوداً من المجرات والشموس والكواكب. ولقد ظهرت الحياة، وفي النهاية الوعي والوعي بالذات، في واحد علي الأقل من الأجرام السماوية التي لا تحصي عدداً. وتتشابك الأعداد الكبيرة في تطور الإنسان أيضاً. فالنوع البشري الوافر العدد مضطرد الزيادة. هل هذه الحشود زوائد لا ضرورة لها ؟ قد تبدو كذلك، لأن التقدم الفكري والروحي هو عمل الأقليات الصفوية في الأساس، بل أنه يعزي حقيقة لأقلية أصغر من الأفراد العباقرة. وما مصير الأغلبية الساحقة من البشر إلا الموت والنسيان. فهل أن هذه الأغلبية الساحقة من البشر لا تقوم بأي دور في الرقي التطوري للإنسانية ؟
من المشكوك فيه تماماً أن تكون للصفوة القدرة لأن تعيش بمفردها في غني عن الحشود المغمورة. علي أي حال فإن دور الحشود ليس مقصوراً على أن تكون سباخاً للأرض التي تزدهر فيها ثقافة الصفوة. إن جزءا صغيرا جدا من الذين يحاولون تسلق ذري الإنجاز الإنساني يصلون إلي مكان قريب من الذروة. لا مفر إذن من وجود حشود من المتسلقين. وإن لم يكن الأمر كذلك فقد لا يتمكن أي فرد من الوصول إلي القمة. ولا تكون حياة الحشود المنسية عبثاً طالما أنهم هم أيضا بذلوا جهدا للصعود.
.لقد دافع المفكر الروسي الأصيل والغريب الأطوار فيدوروف (1832-1903؛ في زنكوفسكي 1953 ) بقوة عن فكرة أن البشر شركاء في "المشروع المشترك". وطور تيلار، علي غير علم بسابقه، فكرة مماثلة في إطار تطوري : “ لا ينتظر الإنسان أي مستقبل تطوري إلا بمشاركة كل الناس". ويدخل تيلار هنا مجال التكهن وان مانع في الاعتراف بذلك. لكن تيلار لم يسمح لرؤاه التنبؤية بالتحليق بعيدا عن أرضية المعرفة التراكمية الصلبة. لم يكن ممكناً بالطبع لتكهن تيلار أن يقبل البرهان العلمي، وإلا صار تنبؤا علميا. علي أية حال فان التكهن يمكن أن ينسجم ويمكن أن يتناقض مع المعرفة العلمية. ذلك يبيح لنا فحص رؤى تيلار من وجهة نظر علم الأحياء التطوري التي كانت نقطة انطلاقة هو نفسه.
.إن التيار السائد في تطور الغلاف المعرفي، التكونن المعرفي، ينحو إلي "الكوكبة" و "التركيب الكبير". ينطوي ذلك علي الالتقاء والتوحيد الجذري للروافد الطبيعية والحضارية والأيديولوجية للجنس البشرى. لقد قام التشعيب بدور ثانوي وان لم يكن قليل الأهمية في التطور الإنساني خلال المليون أو المليوني عام الماضيين. إذ أوجد التنوع العرقي والقومي والطبقي والحضاري. وقد قام تنوع البشر بدور مماثل للتنوع البيولوجي في "محاولة كل شئ لاكتشاف كل شيء". لكن الجانب الآخر للعملة ليس جميلا ؛ إذ كثيرا ما ألهب الاختلاف بين البشر العداء والقسوة والكراهية والبطش والحروب (الحارة والباردة) والإبادة الجماعية ومعسكرات الاعتقال. يزعم الدارونيون الاجتماعيون، الذين تتساوى لا-دارونيتهم مع-اجتماعيتهم، أن التنازع ونتائجه البشعة ليس سوي الثمن الذي تدفعه البشرية لتقدمها. ولا يزال بعض علماء الأحياء يترنمون بتسبيح النصر في "تمجيد الخراب".
.يرفض تيلار الدارونية الاجتماعية. إن أقوي دافع للتقدم في التكونن المعرفي يأتي لا من النزاع والخراب وإنما من الحب. وقد بدأ فعلا ً إحلال الحب محل النزاع في التطور البيولوجي، التكونن المعرفي. لقد وصفت الكلاسيكيات التطورية الاصطفاء الطبيعي بأنه "صراع لأجل البقاء".و "الصراع" لا يعني دائما الاقتتال. إن نظرتنا الحديثة للاصطفاء الطبيعي تراه يتم بالتعاون والتنافس كليهما. زيادة علي ذلك فكلما أوغلنا صعودا في التطور البيولوجي فإن أهمية التعاون تتصاعد مقارنة بالتنافس. وهو عموما أكثر أهمية في الحيوانات العليا منه في الدنيا. ويجعل تيلار الحب عاملا أساسيا للتطور بمجمله. " إن شظايا العالم تسعي لبعضها مدفوعة بقوة الحب حتى يحقق العالم وجوده. وليس هذا مجازاً فقط، أنه أكثر من الشعر بكثير". حقا إنه مجاز، وإنه شعر،وهو بهاتين الصفتين ينقل إلينا تبصراً هاماً.
فلنقل، علي طريقة تيلار المتناقضة ظاهريا فقط، أننا نري أن هنالك تنافسا لأجل التعاون في التطور التقدمي. هنالك أيضا تطور في الحب ؛ فالحب يرتقي من الحب الجنسي إلي الحب الأخوي إلي حب الإنسانية إلي حب الله. الحب يوحد دون أن يلفظ التنوع. وعلي المستوي الإنساني فهو الوسيلة التي يحقق بها الشخص والنوع كليهما تجاوز الذات. وأن التركيب الكبير " عملية نفسية-بيولوجية جبارة تقود إلي الوحدة في التنوع ويكون الحب أداتها الرئيسة. وقد كتب تيلار سنة 1920 (تيلار1964) :
الجنس البشري ككل، الإنسانية الجمعية هي المطالبة بأداء فعل حاسم تتحرر بموجبة قوي التطور الأرضي الكلية وتزدهر ؛ فعل يتعزز و يتواصل فيه الوعي التام لكل إنسان بوعي كل فرد إنساني آخر، لا الأحياء وحدهم وإنما الأموات أيضا.
.إن ثورة المعلومات وسبل الاتصال تجعل "كوكبة" النوع الإنساني أمرا محتوما في رؤية تيلار. إن النوع الإنساني يعيش فقط في سطح كوكب واحد صغير. وما لم تتوفر سبل الهجرة لاعمار كواكب أخرى فسيتعين علي البشر أخيراً أن يتعلموا أن يعيشوا في وئام، أو علي الأقل في سلام مع جيرانهم العديدين الذين تتزايد أعدادهم باستمرار. ليست النقطة الرئيسة هنا فقط أن الكثافة السكانية زادت وستوالي تلك الزيادة، وإنما، وذلك أكثر أهميه، أن الاختراعات التكنولوجية تسهل الحركة وتجعل النقل الفوري للمعلومات والأفكار لكل أركان الأرض أمرا ميسورا. و تعزز المعرفة النمو الروحي والتوحيد كليهما - " أن نكون أكثر يعني بالدرجة الأولي أن نعرف أكثر".
.قد يبدو تكهن تيلار بالكوكبة المرتقبة للعالم وبالتركيب الكبير أحلام يقظة لحالم لا يأخذ قوي الشر والجوانب المظلمة الكثيرة في الطبيعة البشرية في حسبانه. وقد أدرك تيلار أن أفكاره قابلة لأن يساء تفسيرها لتبدو وكأنها تدعو لاختزال البشرية لحالة من الرتابة المبتذلة لكي يتم صبها في قالب حميد. لكن لا شئ يمكن أن يكون أشد بعدا عن فكر تيلار من ذلك.لقد عالج تيلار المعضلة الكبرى لتوفيق الإجماع والتركيب الكبير مع التفرد وما أسماه برنتون (1953) التعددية البيولوجية.وكما كتب برنتون:
الأرض، تكسو نفسها بحبيبات التفكير التي لا حصر لها وحسب، وإنما محيطة نفسها بغلاف مفكر واحد لتصبح وظيفيا حبة تفكير عملاقة بمعيار كوكبي. انها حشد التأملات الفردية المتجمعة والمعززة تبادلياً في فعل واحد من التأمل الجمعي المتفرد.
.بعيدا جدا من أن يصبح الجميع متشابهين أو يتم دمجهم و بفرض التئامهم، فإنه يرتقب عندما يشارف التكونن المعرفي تحقق التركيب الكبير أن يتنامى عمق الشخصية الإنسانية المنفردة ويزيد ويبلغ تفردها الحد الأقصى. إن معني الحياة الإنسانية الفردية يتحقق بمشاركتها واشتمالها في حركة الصعود التطوري للتكونن المعرفي. وان الأفراد ليسوا متعاوضين علي المستوي الحيواني، لأنهم ليسوا متطابقين، لا في طواقمهم الوراثية ولا في تناميهم. أن التكونن يقود إلي تأكيد التفرد لا إلي مسحة وتسويته.
هل هنالك ثمة بارقة لما يدعم الأمل المشرق في التركيب الكبير أكثر من إيمان تيلار المتوهج ؟ هل يمكننا إقصاء القطب النقيض : التحلل والشتات والاستعلاء المتغطرس للفرد ضد الجنس البشري ؟ ان مثال المحقق الدستويفسكي الكبير والسوبرمان النيتشوي هما نقيضة طريقة التمثيل الكبير. أن تيلار يأخذ ذلك في الحسبان دون أن يشير إلي نيتشة أو إلي دستويفسكى. أن حرية الإنسان تمكنه أيضاً من الابتعاد عن طريق التركيب الكبير. الإنسان يمكن أيضا أن يصبح غبارا لشرارات الوعي المفككة المستقلة عن بعضها البعض. وستتمكن بعض تلك الشرارات الأقوى أو الأشد بريقاً أو ربما فقط الأكثر حظاً من " أن تجد في النهاية الطريق الذي سعي إليه الوعي دوما لتحقيق ذاته". لكن تيلار يرفض هذا الطريق الذي يقود في تقديره إلي زقاق تطوري مغلق. أن الإنسانية الناضجة روحياً تستطيع أن تخارج نفسها من مثل هذا الزقاق المغلق لأن الإنسان هو شكل الحياة الوحيد الذي لا يتحتم عليه قبول إملاء الضرورة والخضوع للقوي التطورية الفاعلة فيه لأنه يستطيع أن يوجه تطوره. كما أن الفرد المنعزل مفارقة بيولوجية وإنسانية في الوقت نفسه. وتضيع حياة النساك والمنقطعين للعبادة هباء إن لم يتمكنوا من توصيل تبصراتهم للناس الآخرين، طبعا شريطة أن تكون لهم تبصرات تستحق أن يتم توصيلها.
.إن الاعتداد بالذات الذي يودي بالشخص إلي قطيعة مع الإنسانية ضار بالشخص وبالإنسانية في الوقت نفسه. وان النمو الصحيح تغذيه المحبة وتكبحه وتقزمه الأثرة والتمركز حول الذات. ولا يمكن أن يتم تحقق الذات إلا بحب الآخرين والاتحاد الروحي معهم. " فان الذات الحقيقية تنمو بتناسب عكسي مع الأنانية ". ويفترق تيلار من المثال البوذي لتذويب الشخصية الإنسانية وتحللها في اتحاد ثم اندماج نهائي في الذات الإلهية. إن تيلار يرفض هذا التذويب. علي الإنسان " أن يسعى لترويض الأمل اللازم في مستقبل بلا حدود مع فنائه الفردي المحتوم".
ويتكهن تيلار كمال كلية التطور وتحققه في النهاية. " أنا الألف والياء،الأول والآخر، البداية والنهاية "-----. وهذا الرمز الديني المسيحي هو مصدر الهام تيلار من دون شك. وهو يجعل ذلك واضحا تماما في مؤلفة : الاضطراب العظيم أم التكوين ؟ (1964).
بالنسبة للمسيحي الذي يري في صيرورة الأنسنة مجرد تمهيد طريق الوصول إلي مملكة الله، فإن المسيح هو الذي فوق كل شئ يطوق نفسه بحقيقة الكون التامة ؛ لكن في الوقت نفسه فان الكون هو الذي يستضيء بدفء المسيح وخلوده.
من الواضح أن الهام الصوفي، لا سيرورة الاستنباط من المعطيات العلمية، هو الذي ينقل تيلار لذري رؤاه الأخروية. لكنه يبقي مع ذلك تطوريا بيولجياً متسقاً. والنقطة التي يؤكدها المرة تلو الأخرى هي أن علي الإنسان أن يكون مشاركا إيجابياً في سيرورة التطور، لا متفرجاً سلبياً.
إن كمال العالم، وأبواب المستقبل، والدخول إلي الرحاب الملكوت، لا تفسح
لقلة مميزة ولا لشعب مختار من دون البشر. انها تلقي مصارعها فقط للزحف المشترك
للجميع سوياً، في اتجاه يتمكن الكل من اللحاق به تحقيقا لذواتهم، في تجديد
روحي للأرض.