دوبجانسكي
علم الأحياء ومعنى الحياة
ترجمة د. فاروق محمد إبراهيم
احتضن المؤلف الرؤية الكونية التى تضم بعض مخططاتها الصفحات التالية لقرابة نصف قرن قام خلاله بتحويرها وتصحيحها. لقد نشأ جنين الفكرة قبل بلوغ المؤلف سن العشرين، حينما كان مفعماً بالابتهاج الغامر الساذج بعلم الأحياء التطوري؛ كانت الإثارة الفكرية التى شحذتها مؤلفات داروين وغيره من العلماء التطوريين تجابه تلك المتولدة من قراءات دوستويفسكى، ولدرجه أقل تولستوى، والفلاسفة أمثال سولوفيف، وبيرقسون؛ وقد بدى بعض التوفيق أو الانسجام ضرورياً، ونما إلحاح البحث عن معنى الحياة في الخضم الدموي للثورة الروسية، حينما بلغ اضطراب الحياة مداه وانحدر الإحساس بمعناها الى الحضيض.
كنت محظوظاً إذ كان من بين معلمي وأساتذتي، في روسيا، الأساتذة كوسكيفتش وفرنادسكى وفيما بعد فليبشنكو، ثم مورقان في أمريكا. وقد انتفعت كثيراً من مناقشاتي ومناظراتي مع أصدقائي وزملائي، اوبولنسكى واوبنوفلنسكى وليفيت في روسيا؛ ودن، وميرسكى، وسمبسون، وماير في أمريكا؛ وبيرش في كل من أمريكا والبرازيل واستراليا. ولا يوعز هذا الاعتراف بالفضل الفكري اتفاق المذكورين مع الأفكار الواردة في هذا الكتاب بتاتا وقد التقيت ببيير تيلار دى شاردن في مناسبتين، لكنني لم أوفق إلى تقدير عظمته إلا بعد نشر كتابه الذي أعقب وفاته. وقد أثرت مؤلفات أرنولد توينبى و بول تيليش في تفكيري، وقد حظيت بلقاء توينبى في مؤتمر ديلوس الثالث في يوليو عام 1965 وناقشت معه بعض أجزاء هذا الكتاب، التي كانت في مسودتها الأولى.
إن أية خبرة تنسب ليَّ مجالها علم الأحياء، وعلى وجه الدقة علم الوراثة التطوري. إن ذلك لا يمنحني إجازة إصدار تأملات في دنيا الفلسفة والدين، غالباً ما يعتبر العلماء مثل هذه التأملات هفوات مؤسفة، وربما جنح مهنية. وعلى الأرجح فهي تحفظ في طي الكتمان لأن التلبس بها يحط من السمعة المهنية للأخصائي العلمي. دعوني إذن أجلى أن طبيعة مشروعي هذا ليست محاولة لاشتقاق فلسفه من البيولوجيا، وإنما هي محاولة لتضمين علم الأحياء في رؤيتي الكونية. قد يكون الاعتراف سائداً بعلاقة علم الأحياء بالفلسفة، وربما تكون علاقة الفلسفة بعلم الأحياء أشد وثوقاً من معظم العلوم الأخرى، لهذا السبب فان عالم الأحياء يكون مؤهلاً، بتلك الصفة، لفرز وتقديم الحقائق والنظريات والأفكار البيولوجية التى يرى فيها أهميه وفائدة للفكرة الإنسانية عامه.
يلزم التنويه بلطف الدكاترة س. و. م. كو Coe، وأيالا Ayala ، و بيرش Birch، الذين قرأوا مخطوطة هذا الكتاب وانتقدوها، لقد استفدت من تعليقاتهم، لكن ذلك لا يجعلهم مسئولين بأي قدر عن أخطاء الحذف والإضافة، ولا يوعز باتفاقهم مع كل الأفكار ووجهات النظر الواردة في الكتاب إننى أتحمل مسئوليتها وحدي.
ت دوبجانسكي