هواجس الحرب والسلام في السودان
صالح موسى السليمى
نقلاً عن الزميلة سودانايل
في انتظار السلام الاتي وقف الشعب السوداني طويلا حتي تقئ البعض من طول الانتظار وادميت أقدام آخرين وتنفس الصعداء أفواجا واخرج أقوام هواء ساخن ملء الصدور دون حديث وتعرت اجساد، وتقشرت أكف، انتظاراً لذلك القادم المجهول بما يحمل من هواجس وتحديات تواجه أول ما تواجه طرفيّ المعادلة الأساسيين وهما الحركة الشعبية والحكومة السودانية.. ويقول علماء الجبر ان ما يصح ان يطلق عليه معادلة هى الثوابت والمتغيرات التى إذا طرحت من بعضها تساوي صفراً. ان سنوات الحرب العشرون قد حقنت الحياة السياسية السودانية ببذور التوتر والشك وعدم الثقة والأجندات الخفية الأمر الذى جعل من المسرح السياسي موطن لتفشي الريبة وحقلاً لتوالد الهواجس بالدرجة التى بصعب معها كنس هذه الأوشاب التى علقت بأذهان الساسة والمواطنين فى السودان مع العلم بأن (كل مواطن سوداني هو سياسي بالضرورة)، حتى لا نسرح بعيداً عن مجرى المقال الذى يؤكد على حقيقة واحدة، وينطلق من افتراض أساسي، يقول بأن هواجس السلام لدى الحكومة والحركة الشعبية مافتئت تؤخر اعلان توقيع اتفاق السلام حتى بدأت الصورة وكأنها كمن يمشي خطوة الى الأمام وأخرى للخلف هذا اذا لم نقل خطوة للأمام وخطوتين للخلف. اذاً ماهي هذه الهواجس والتحديات؟
لعل من أخطر الهواجس والتحديات التي تواجه الحركة الشعبية بقيادة د. جون قرنق يتمثل في التحول من حركة ثورية عسكرية يمثل استئصال الآخر نهجاً أصيلاً في استراتيجيتها، وليس بالضرورة ان يكون الاستئصال هنا محمولاً على منطق التشفي والابادة بقدر ما هو منهج الثورة التى تربأ بنفسها من التعايش مع القديم الذى هو هدفاً أساسيًا من أهدافها. التحول الى تنظيم سياسي له منهجه في التعامل مع قضايا السلام، والحرب، والتنمية، وتكنولجيا الاتصالات، والعلاقات الخارجية، وتطور الاجتماع البشري، ومفهوم فلسفة التناصر لا التدابر .. هل يمكننا القول ان هذا المحدد جعل من الحركة الشعبية تقدم رجلاً نحو التوقيع وتبطئ أخرى؟
كذلك يطارد الحركة الشعبية وبلا هوادة ثلاثية التماسك- الاستمرارية- التطور، المفهوم هنا ينصب ناحية السؤال الأساسي القائل بإمكانيات الحركة وقدرتها على الاستمرار في تقديم مشروع طموح يلبي تطلعات المؤيدين والمناصرين ويكون باستطاعته الصمود أمام تحديات الواقع الذى يتركب من العمل السياسي المفتوح في وسط سياسي مفتوح الذى نتيجته الحتمية احتماليات مفتوحة علي كل النتائج.
يظن الكثيرون أن رحلة التفاوض الشاقة الطويلة المضنية تشكك في ما يعرف بالنوايا الحسنة... وهل في الفعل السياسي نوايا حسنة؟ فطرفي معادلة التفاوض ولوقت قريب كان بينهم ما صنع الحداد ردحاً من الزمان، وكذلك بينهم واقع تجارب المصالحة الفاشلة بقيادة ريك مشار ولام اكول مما يجعل في نفوس عضوية الحركة شك يقيني مزروع في أعماق أعماقهم إبتداءً من د. جون قرنق الى صديقي الصغير جون مال قاتكوس بالرغم من زيارة وفد أسر الشهداء الى مقر المفاوضات دعماً للسلام الآتي، فالهاجس هنا والتحدي يقول بضرورة تناسي جراحات الماضي وأحزان الحرب اللعينة وارتال الشهداء والمفقودين والفقراء والمعوذين، وبناء السلام ترحماً على ضحايا الحرب عموماً.
من جهة أخرى يرى بعض المراقبين ان الحركة الشعبية تمتعت بدعم خارجي سياسي، ومعنوي، ومادي بوصفها حركة تحرر وطني مما مكنها من اقامة ممثليات فى أروبا، وأمريكا، وأفريقيا هي أشبه بالسفارات في حالة الدول المستقلة، فالهاجس هنا والتحدي يقول بتحدي توقف هذا الدعم عندما تتحول الحركة الي حزب سياسي داعياً للوحدة الوطنية، ومنافساً لأحزاب سياسية أخرى ذات خبرة طويلة في مجال الترشيح والانتخاب والتآمر في مواجه حركة تعيش حالة مخاض تحولي من عسكرية الى سياسية تقود ارتالاً من الجيوش تسعى الى تمدينهم ودمجهم في الحياة العامة الأمر الذى يحعل د. جون قرنق يستيقظ من نومه مفزوعاً في هجيع الليل بحثاً عن الحلول الضائعة.
كذلك يرى المحللون ان على الحركة الشعبية عند توقيع الاتفاق أن تغولب نفسها في مساحة حصرية تتكون من النسب القائلة 3% وزراء وحكومين، 25% سياسيين وهولاء هم التنظيم السياسي للحركة من مكتب سياسي، وقياديين وتنفيذيين، و10% موظفين في أقضية الدولة المختلفة، بينما يبقي 68% مؤيدين ومناصرين ولن يكون للحركة التزام محدد تجاههم سوى السعى لتوفير سبل العيش الكريم لهم فى اطار العملية التنموية مثلهم في ذلك مثل عامة الشعب، فالهاجس والتحدي هنا: هل توجد إمكانية تحقيق تنمية وتطور في الحال يكفي هؤلاء شر المسقبة ويكفي كذلك الحركة شر التمرد والانقسام مثلما حدث لحزب الأمة الكبير؟
يضاف الى ذلك صعوبة الاتساق النفسي مع استحقاقات السلام وهذا يتعلق بالسقوفات التي منت بها الحركة مناصروها سواء كان ذلك بتخطيط الدكتور أو من خلال بزنجباريات وأندلسيات ومندكوريات أعوانه والمتسلكين في جيوشه والذين ظلوا يحلمون لعشرين عاما بوطن بلا مندكورو، فالهاجس هنا يكمن في ضرورة الرضا والاتساق ـ نفسياً وثقافياً واجتماعياً ـ مع وضع جديد تحول فيه حلم الوطن المعين الى وطن للجميع وبارادة الجميع.
إن هواجس السلام والحرب لم تكن وقفاً علي الحركة الشعبية ولم تكن الحكومة السودانية بمنأى عنها فهي (الحكومة) تعيش بذات المفازة، ويغلي دمها كالمرجل وبذات الهواجس والتحديات والظنون فهي بذلك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى خوفاً من استحقاقات السلام التى تتمثل امامها في أن عليها بتشكيلها الحالي وقيادة المؤتمر الوطني ان تتنازل مترجلة من سلطة مطلقة الى سلطان مجتزأ فالحركة الشعبية تطالب بما يقرب الـ 30% من السلطان والصولجان، وهو تنازل يمثل المحطة الأولى في رحلة تفتيت نظرية السلطة القابضة. اذاً هو تنازل يومئ بالتخلي عن قدر مقدور من الثروات الأسلاب والأنهاب فالهاجس هنا يتعلق بفقدان ذات النسبة من المؤتمر الوطني من دائرة اتخاذ القرار والذى يعتبر في أبهي تجلياته مشروع لحشد المؤيدين والمناصرين.
لعل المراقبين لم يستثنوا الحكومة من تحدي التفاعل مع القادمين الجدد فهولاء (الحركة الشعبية) التى تحمل في جعبتها كماً هائلاً من التصورات والأجندات والمحن والاحن أقلها ما يعرف بمشروع السودان الجديد الذى يعني فيما يعني سودان الوحدة والديمقراطية والسلام، فالهاجس هنا له مايبرره أذ أن التحول وبهكذا طريقة يحمل من المخاوف مايجعل الحكومة تتمثل قول القائل "وقدر لرجلك قبل الخطو موضعها". ألم تكن الحكومة محقةً إذا قدمت رجلاً وأخرت أخري؟
كما ان السلام الحقيقي يعني تفكيك نظام الانقاذ السياسي الذى بدأ منذ 30/6/1989 وابداله بنظام آخر بمكونات مختلفة، السمة الغالبة فيه حالة السواء التى لن تدع لتنظيم أو منظومة سياسية يداً عليا على أخرى إلا بقدر ماكسبت من قدرات وحظ من تأييد الجماهير، وكثيرين هم الذين يرون في الأحزاب التي تولد في كنف السلطة ووجاهة السلطان يرون أنها لا تقوى على مكابدة حقائق الوعي المجتمعي المجسد لتطلعات الجماهير والمتجذر في اعماق الممارسة السياسية المفتوحة، فالهاجس هنا حقيقي و ذو إتصال بفقدان السلطة وإن كانت لصالح التداول الموضوعى في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات.
تبقى عملية إعادة رسم الأهداف الكلية السودان لصالح الذين أدميت أقدامهم فى الشمال والجنوب والانقسنا وابييى وجبال النوبا والوسط انتظاراً لهذا القادم، اذاً هذا لن يكون لصالح احد و لن يكون كذلك تقنيناً لإرادة واحدة تعلو فوق الجميع , فالهاجس يقبع وراء هذه الحقيقة الباهرة .
أخيراً تبقت رسالة أخيرة وهى تقول ان السلام اسم من اسماء الله الحسنى وهو القائل (السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار الخالق البارئ المصور) فالسلام يعلو على حميع هذه الهواجس مهما يكن إرتباطه بالسلطة الزمنية و اسلابها الزائلة ومظاهرها الفانية , لحياة يقول فيها القرآن مثمناً الحوار بالحسنى (وجادلهم بالتى هى أحسن و إذا الذى بينك و بينه عداوةً كأنه وليٌُُُُ حميم ) , فى أثر المسيح جاء ( إذا لطمك أخيك على خدك فأدر الاخر ) أو ما معناه . و بحلول السلام تتفتق الارض تخرج زينتها و زخرفها , ننتج الفوم و العدس و ويربو كل بستان و يسثمر يانعاً نضيضاً , فخريطة الانتاج الزراعى مزهلة التنوع , القمح , الفول المصرى, البقوليات فى الشمال, قصب السكر والقطن فى الوسط , و الفاكهة ,البن , الموز الفايو , الباباى فى الجنوب , الفول , السمسم ,الكركدى , اللوبيا و الثروة الحيوانية فى الغرب , ناهيك عن البترول , والنيل سليل الفراديس , الاراضى الواسعة غير المستقلة , و هذا ليس للحصر.