كوش الجديدة صفحة أركامانى لقضايا تاريخ السودان الحديث والمعاصر
الوثائق الإسلامية فى السودان
إعداد الدكتور: قاسم عثمان نور*
علم الوثائق من العلوم التي لها أصول وقواعد وجذور ضاربة فى التاريخ الإسلامي، وارتبط علم الوثائق ارتباطاً عميقاً وقوياً بتاريخ الشعوب الإسلامية ولا نعني بكلمة تاريخ المعنى الاصطلاحي اللغوي للكلمة، بل تعني التاريخ الحضاري والاقتصادي والسياسي والأدبي والثقافي، وهو تاريخ حياة الشعوب، وليس تاريخ الملك والملوك والحكم والحكام كما يتبادر لبعض الأذهان. فقد أعطى علماء المسلمون أهمية كبيرة للمصنفات التي تناولت هذا العلم، ومن تلك المؤلفات: كتاب صبح الأعشى للقلقشندى، وكتاب ابن منجد الصيرفي، وكتاب ديوان الرسائل، وغير ذلك من المؤلفات التي تؤكد أن علم الوثائق له جذور عميقة فى تاريخ الشعوب العربية والإسلامية، وليس كما يدعي بعضهم أن علم الوثائق يرجع تاريخه الى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر الميلادي أو العصر الشارلماني، فإن المؤلفات العربية والإسلامية قد سبقت ذلك العصر بعدة قرون.
الوثيقة: المقصود بالوثيقة هى ما يخلفه الإنسان من أوراق وتسجيلات من المواد الكتابية القديمة فى كل أشكالها وأوعيتها التقليدية وغير التقليدية وتعد جميعها فى حكم الوثائق. وتشمل الوثائق الكتب والمؤلفات التاريخية والوثائق والمكاتبات والسجلات الديوانية. وهى تلك النوعية من المكاتبات التى كانت تصدر من دواوين الدولة المختلفة فتلك الدواوين على مر العهود والعصور تركت لنا مخلفات ووثائق وأعمال متعددة، استطاع أن ينقلها لنا فى شكل كتابات ومؤلفات مؤرخون وكتّاب على مر العصور الإسلامية أمثال: الطبري، واليعقوبي، وابن الأثير، وابن خلدون وغيرهم.
الوثائق الديوانية: عرف المسلمون الدواوين منذ عهد الخلفاء الراشدين وأول من ابتدعها الخليفة عمر بن الخطاب (حوالي سنة 20هـ) وكان أول من أقام ديوان الجند، واتخذ الخليفة عمر أول خزانة للوثائق "بيت القراطيس" وبمرور الزمن واتساع رقعة الدولة الإسلامية وتوسعها وتعاقب الحكام والولاة، أنشأت العديد من الدواوين فكان هناك: ديوان الخراج، وديوان الجند، وديوان البريد، وديوان الرسائل (الإنشاء)، وكان يتم اختيار رؤساء الدواوين من بين الأدباء والعلماء والفقهاء خاصة كتاب الرسائل والإنشاء.. حتى تولى بعض الكتّاب منصب الوزارة فى العهود العباسية والفاطمية.
الأدوات والمعدات التنظيمية: عرفت الدواوين العربية والإسلامية المعدات والأدوات المستخدمة فى تنظيم وأداء تلك المهام فمن ذلك عرفوا البطاقات، وكانت تسمى عندهم (تذكرة) والملفات، وكان يطلق عليها أضابير، وعرفوا الأختام الملوكية والسلطانية، وعرفوا الورق بأنواعه والكاغد والرفوف، وعرفوا الرسوم والنقوش على الرسائل، كما عرفوا الشمع والمداد بأنواعه وألوانه المختلفة. كما خبروا الترجمة واستعانوا بالمترجمين فى ترجمة الرسائل الصادرة والواردة، كما اهتموا بالخطوط وتزويق الرسائل وتنظيمها وزخرفتها وتجليدها.
يرجع التاريخ الإسلامي لبلاد السودان عامة وتاريخ سودان وادي النيل خاصة الى بداية الدعوة المحمدية، ولكن الثابت تاريخياً أن بداية الاتصال بأرض النوبة تمت فى ولاية عمرو بن العاص سنة 21 هـ والثانية فى عهد عبد الله بن أبي سرح فى عام 31 هـ ـ الذى قاد جيشاً قوامه نحو خمسة آلاف مقاتل ـ ولكن جيوش النوبة حالت دون سقوط مملكة المقرة المسيحية وعاصمتها دنقلا، وصمد النوبيون أمام جيوش المسلمين.. وكان أهل النوبة يدينون بالمسيحية ولهم كنيسة فى دنقلا. وكان عبد الله بن أبي السرح يأمل فى الحد من هجمات النوبة على صعيد مصر.. فمال الى الصلح معهم وتمَّ ذلك الصلح الذى عرف فى التاريخ بمصطلح معاهدة البقط أو عهد النوبة.. وكان عبارة عن هدنة أمان أو معاهدة عدم اعتداء التزم بها الطرفان. وظل هذا العهد قائماً بين بلاد المسلمين وبلاد النوبة لفترة تقارب الستة قرون.
ووضعت بلاد النوبة فى وضع خاص بين دار الإسلام ودار الحرب. خلال تلك القرون تسربت المؤثرات الإسلامية تدريجياً وفى هدوء وبطء حيث استوطنت بعض القبائل العربية بلاد النوبة وتوغلوا جنوباً وتوسع نفوذهم السياسي إثر مصاهرتهم للسكان الوطنيين. واستفادوا من الأعراف السائدة آنذاك فى بلاد النوبة فى توريث ابن البنت للحكم ونجحوا فى مصاهرة الأسر الحاكمة فانتقل الحكم لأبنائهم وأحفادهم فيما بعد. بالإضافة الى اعتناق الدين الإسلامي من قبل بعض الأسر الحاكمة والكثير من عامة الناس وخاصتهم.
وتعد معاهدة البقط من بواكير الوثيقة الإسلامية فى السودان ـ وبقط لفظ لاتيني، اشتهر فى الإمبراطورية البيزنطية التى سيطر المسلمون على أجزاء كبيرة منها ـ ويعني مجموعة الالتزامات المتبادلة وما تبعها من مدفوعات.
وأخيراً تمكن العرب المسلمون من القضاء على مملكة علوة المسيحية فى أواسط القرن الخامس عشر الميلادي.. وقامت على أنقاضها سلطنة الفونج الإسلامية والتى عرفت فى التاريخ أيضاً بالسلطنة الزرقاء وسلطنة سنار ـ وقامت ببسط نفوذها فى معظم أنحاء سودان وادي النيل بمعاونة وارتباطات وأحلاف قبلية مثل الحلف الذى ربط بين الفونج والعبدلاب وظلت هذه الدولة (السنارية) تبسط نفوذها العسكري والسياسي بدءاً من مطلع القرن الخامس عشر الميلادي 1504م حتى سقوطها فى عام 1821م إثر الغزو التركي المصري للسودان فى عهد محمد علي باشا والي مصر.
كما قامت فى أواسط القرن السابع عشر الميلادي سلطنة الفور الإسلامية. وكان مقر الأسرة الحاكمة فى جبل مرة فى دارفور الواقعة غرب السودان ومتاخمة لمملكة وداي (تشاد حالياً). كما نشأت ممالك ودويلات صغيرة مثل مملكتي: تقلي والمسبَّعات التى حكمت أجزاء من السودان. وتناولت الكتب والمصادر العربية أخبار تلك الممالك مثل ما ورد فى كتاب المواعظ والاعتبار، وكتاب أحمد بن سليم الداعية الفاطمي، وكتاب فتوح البلدان للبلاذري، وكتاب ابن عبد الحكم، وتاريخ اليعقوبي، وكتاب ابن خلدون العبر وديوان المبتدأ والخبر، وتاريخ الرسل والملوك للطبري، وغيرها من المؤلفات التاريخية الباكرة. وفى المجال الجغرافي كتاب الإدريسي، ورحلة ابن جبير، ورحلة ابن بطوطة، وكتاب ابن حوقل.. ومن كتب التراجم: كتاب الروض الزاهر فى سيرة الملك الظاهر لابن عبد الظاهر، وممالك الأبصار فى ممالك الأمصار لابن فضل الله العمري، وكتاب نهاية الأرب فى معرفة أنساب العرب للقلقشندي. ومن المصادر والمراجع السودانية يمثل كتاب طبقات ود ضيف الله.. مصدراً هاماً من مصادر تلك الحقب، كما أن كتاب تاريخ ملوك سنار لأحمد بن علي كاتب الشونة الذى يؤرخ لتاريخ المملكة السنارية وحكامها، وكتاب تشحيذ الأذهان بسيرة العرب والسودان لمحمد بن عمر التونسي. وجميعها من المؤلفات الباكرة باللغة العربية. بالإضافة الى المؤلفات والكتابات التى كتبها الأجانب عن تلك الممالك لعل أهمها وأشهرها كتابات الرحالة الاسكتلندي جيمس بروس الذى زار سنار فى عام 1762م ووضع كتاباً فى عدد من المجلدات عن تلك الرحلة. ومن الرحالة الأجانب كتب الرحالة النمساوي جون لويس بوركهارت، والفرنسي كايو، ودي كادلافين، وبونسيه وداؤود روبيني.
ومن المؤلفات الحديثة كتابات نعوم شقير، ومكي شبيكة، وكروفورد ويوسف فضل، ومحمد إبراهيم أبو سليم، ومحمد سعيد القدال، وجميع تلك المؤلفات وكل المؤلفين الذين تناولوا تاريخ السودان بالرصد والتحليل والتعليق، اعتمدوا فى كتاباتهم ومؤلفاتهم على مصادر أولية تمثلت فى الوثائق والمصادر الأساسية والمدونات ـ رغم قلتها وندرتها فى بعض العصور ولم تشكل المصادر الشفوية سوى النذر اليسير ولم يعتمد عليها بشكل قاطع.
أشجار النسب: تعد أشجار النسب من أهم المخطوطات التى درجت معظم القبائل العربية والبيوتات السودانية على الاحتفاظ بها، وهى عبارة عن قوائم تؤرخ لنسب قبيلة أو فرع من القبيلة أو لأسرة من الأسر. وتمتد هذه الأوراق فى متابعة تاريخ تلك القبائل والأسر لتلحقها بتاريخ النبي عليه الصلاة والسلام أو أحد خلفائه أو أحد صحابته.. كما تلحق معظم القبائل السودانية حتى تصل الى القبائل العربية بالجزيرة العربية.
وتظل تلك الأشجار بتقسيماتها سجلاً تحتفظ به القبائل والأسر، ويكون عادة موضع اهتمام وفخر. وما زالت العديد من الأسر وبخاصة البيوتات الدينية تحتفظ بتلك الأشجار حتى نالت شيئاً من التعظيم والتقدير وأصبح النظر إليها من باب التبرك. وقد فقدت الكثير من تلك الأوراق بسبب العوامل الطبيعية والحروب التي انتظمت السودان عبر العصور السابقة. فقد ضاع الكثير منها ودمر العديد منها، ولكن مازالت دار الوثائق القومية فى الخرطوم تحتفظ بمجموعات منها، كما قدر للمؤرخ البريطاني السير هارولد ما كمايكل، السكرتير الإداري لحكومة السودان إبان فترة الحكم الثنائي للسودان أن يجمع قدراً كبيراً من أوراق النسب وضمنها كتابيه اللذين صدرا باللغة الإنجليزية بعناوين:
ـ قبائل شمال ووسط كردفان (1912م)
ـ تاريخ العرب فى السودان (1922م)
والكتاب الأسطوري فى أنساب عرب السودان الذى يتحدث عنه النسابة السودانيون يرجعونه الى الإمام السمرقندى الذى يقال إنه قد وضعه عن القبائل العربية فى الجزيرة العربية، ولكن يرى بعض المؤرخين (يوسف فضل حسن) أن هذا الكتاب لا وجود له فى الواقع. ولكن تواتر الروايات عنه وكثرة الحديث.. ترجح أن يكون موجوداً بشكل من الأشكال. وهناك مجموعة ضخمة من الكتب والمؤلفات السودانية المطبوعة والمخطوطة التى تناولت قضايا أنساب وتاريخ قبائل عرب السودان.
وثائق تمليك الأرض: تعد الأرض وملكيتها من أهم المكتسبات التى تحرص المجتمعات الزراعية والرعوية على مراعاتها ومتابعتها بالتوثيق والحفظ، فإن مثل تلك الأوراق والوثائق التى تثبت ملكية الأرض لقبيلة من القبائل أو أسرة من الأسر أو لفرد من الناس يحرص الجميع حرصاً زائداً على المحافظة عليها، لأنها ببساطة تمثل لهم سبل كسب العيش وتقيم الحجة لدى الحكام والسلطات بالملكية والشرعية ولذا لا غرابة إن وجدنا تخصيص مجموعة من الدراسات عن وثائق الأرض فى السودان، ومن أهم تلك الدراسات التى تناولت موضوع تلك الوثائق ثلاثية الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم والتى تناول فيها الأرض فى دولة الفونج، والأرض فى مملكة الفور والأرض فى المهدية وصدرت تلك الأعمال تباعاً. وهى تتناول الأرض والوثائق المتعلقة بهاplified Arabic"'>ى العالمين العربي والأفريقي. فهى فى الأقدمية تعد فى المرتبة الثانية بعد دار الوثائق المصرية، حيث تعود جذورها التاريخية الى عام 1916م عندما شرعت الإدارة البريطانية فى جمع وتنظيم الأوراق المالية والقضائية، ثم تأسيس مكتب محفوظات السودان فى عام 1948م. وقد عني هذا المكتب بجانب جمع الوثائق الحكومية الرسمية بكل أنواعها وموضوعاتها بجمع الوثائق الخاصة بحوزة بعض الأسر والأفراد والبيوتات الدينية. ومن أشهر تلك المجموعات: مجموعة السادة الدواليب التى اكتشفت فى منطقة الكدرو ـ جنوب الخرطوم ـ ومجموعة السادة المجاذيب التى عثر عليها فى الدامر ـ شمال السودان ـ وجميعها يرجع تاريخها الى النصف الثاني من عهد الفونج. وقد تعدل اسم مكتب محفوظات السودان عقب الاستقلال (1956م) لتصبح دار الوثائق القومية المركزية، وبموجب قانون صدر فى عام 1982م أصبح اسمها دار الوثائق القومية ـ وبموجب هذا القانون أصبح للدار صلاحيات واسعة من حيث الإشراف والتصرف فى أرشيف الدوائر الحكومية وشبه الحكومية.
وقد تعاقب على إدارة الدار ثلاث شخصيات كان أولهم بيتر هولت الأستاذ البريطاني الذى أشرف عليها فى عام 1948. وقدر له الإشراف على جيل كامل من طلاب الدراسات العليا من خريجي كلية الخرطوم الجامعية فى مجال تاريخ السودان. وعاونه فى الإدارة الأستاذ محمد إبراهيم أبو سليم وكان خريجاً يافعاً من كلية الخرطوم الجامعية. وبعد تقاعد المستر هولت وسفره لبريطانيا فى عام 1955م تولى الأستاذ أبو سليم إدارة الدار وأصبح مديراً لها. وظل يعمل فيها حتى تقاعده للمعاش فى عام 1995م قدم خلال الأربعة عقود خدمة جليلة للوثائق وتاريخ السودان بشقيه القديم والحديث، وبفضل جهوده فى جمع الوثائق السودانية من كل المظان وجهده ودأبه الدائم فى جمع العديد من الوثائق السودانية فى شتى الموضوعات، استطاع أن يتيح الفرصة للاستفادة من مخزونات الوثائق السودانية. وقام بأرشفة وتكشيف العديد منها وإصدار مجموعة من المؤلفات زادت فى مجملها عن الستين مؤلفاً جميعها تعتمد على دار الوثائق ومخزونها فى الوثائق السودانية، وتعتمد معظم مؤلفاته على المصادر الأولية والتى تمثل الوثائق نسبة عالية منها. وعكف أبو سليم على تلك الوثائق تنظيماً وتكشيفاً وتقييماً حتى بلوغه سن التقاعد وخلفه الدكتور علي صالح كرار ـ سالكاً النهج نفسه والطريق الذى اختطه سلفه.
تضم دار الوثائق القومية نحو ثلاثين مليون وثيقة تشكل فى جملتها ثروة قومية بالغة الأهمية ليس من وجهة نظر السودان فحسب بل فيما يتعلق ويختص بالعديد من دول الجوار العربية والأفريقية، وتشمل تلك الوثائق إضافة الى أوراق النسبة ومنشورات الأرض والحكام والقادة فإنها تشمل أيضاً وثائق الدولة بما فى ذلك المستندات التاريخية والقانونية والدستورية. بالإضافة الى المقتنيات الخاصة التى تخص الأسر والأفراد. وتشمل تلك الوثائق مجموعات: الفونج والفور وفترة الحكم التركي وفترة المهدية وفترة الحكم الثنائي ثم الاستقلال وما بعد الاستقلال.
تعد الفترة الزمنية التى امتدت منذ عام 1882م حتى 1898م وتبلغ حوالي سبعة عشر عاماً هى الفترة الزمنية التى حكم فيها الإمام محمد أحمد المهدي وخليفته عبد الله التعايشي السودان. وذلك إثر إعلان الإمام محمد أحمد المهدي ثورته ضد الحكم التركي فى السودان ودان له السودان بكل حدوده الجغرافية الممتدة من صعيد مصر شمالاً حتى خط الاستواء جنوباً وشرقاً حتى الحدود الإثيوبية والبحر الأحمر وغرباً حتى حدود تشاد وأفريقيا الوسطى.
خلفت الثورة المهدية عدداً ضخماً من الوثائق متمثلة فى رسائل الإمام المهدي وخطاباته ومنشوراته للزعماء والقادة والمواطنين ورسائل خليفته الأول الخليفة عبد الله التعايشي ثم رسائل ومكاتبات الدولة المهدية بكل أنواعها وموضوعاتها، إضافة الى الكتابات والمؤلفات التى وضعت أيام المهدية مثل كتب الإنذارات، وراتب الإمام المهدي وغيرها من المنشورات والمطبوعات. وقد كان لمخابرات الجيش المصري دور كبير فى جمع وثائق المهدية وخاصة مديرها البريطاني "ونجت"، فقد ظلت المخابرات فى إدارة الحربية المصرية تحرص على جمع الوثائق والرسائل التى تقع فى أيدي الجيوش عقب المواقع والمعارك الحربية التى كانت تنشب بين جيوش المهدية وجيوش وقوات الحربية المصرية والتي كانت تحارب من أجل السيطرة وإعادة السودان تحت الحكم المصري التركي. وكانت المخابرات تعتمد على معرفة أحوال الدولة المهدية من واقع تلك الرسائل التى تقع في أيديها، وتكونت معظم المجموعات الحالية من غنائم تلك الوقائع ومن أهم تلك المجموعات:
مجموعة توشكي: وهي المجموعة المعروفة بمخطوط توشكي المنسوب الى القائد عبد الرحمن النجومي. وهو المخطوط الذى قام بتحقيقه الدكتور محمد إبراهيم أبو سليم، وحصل فيه على درجة الدكتوراه من قسم التاريخ من كلية الآداب فى جامعة الخرطوم. وقدر له أن ينشر أجزاءه الثلاثة بالإضافة الى فهرس مبوب لرسائل ذلك المخطوط. ويعود تاريخ المجموعة الى (1889م).
مجموعة شرق السودان: إبان فترة المهدية انتظم شرق السودان عدد من المعارك التى نشبت بين جيوش المهدية والجيوش المصرية والبريطانية. وكانت جيوش المهدية تحت قيادة القائد الميداني الأمير عثمان دقنه. وتشمل تلك المجموعات التالية:
(1) مجموعة الرسائل المتبادلة بين المهدي والخليفة عبد الله وبين عثمان دقنه والأمراء الذين معه من جهة أخرى.
(2) مجموعة عبد الله المجذوب: وهى مجموعة ضخمة من الوثائق تمثل الرسائل الرسمية الخاصة بشرق السودان وإداراته، والتى تشتمل على مجموعات من الرسائل والمنشورات التى تحتوي على كل المحررات التى أرسلها المهدي ونائبه الى الأمراء والقادة. ودفتر الوقائع التى سجل فيها الوقائع والمعارك التى دارت بين القوات الغازية وقوات المهدية. بالإضافة الى مجموعة المال والتى تتناول الأحوال المالية والإدارية فى الشرق.
(3) مجموعة وقائع دنقلا (يونيو 1896م): وهى عبارة عن محررات ورسائل متبادلة بين أمراء الأقاليم والخليفة عبد الله. وقد عثرت عليها المخابرات بعد موقعة دنقلا فى حزيران/يونيو 1896م
(4) مجموعة واقعة أم درمان: وفيها وقعت المجموعة الرئيسة من وثائق المهدية وذلك عقب موقعة كرري فى أيلول/سبتمبر 1898م، حيث دخلت القوات المصرية والبريطانية أمدرمان عاصمة الدولة المهدية وهزيمة جيوش المهدية وتفرق شملها وعقب المعركة قام القائد ونجت ومعاونه نعوم شقير بجمع الوثائق والمحررات الموجودة فى بيت المال وبمنازل القادة والأمراء وكتّاب الخليفة عبد الله. وتم التحفظ على تلك المجموعات وحفظت فى منزل الأمير يعقوب. وقام نعوم شقير برصد تلك الوثائق وتصنيفها وحزمها فى مجموعات على أساس الأقاليم الإدارية وبلغت نيف وثمانين حزمة، ومن ثم أرسلت الى القاهرة لدراستها عن طريق المخابرات. وأعيدت الى السودان مرة أخرى فى عام 1913م.
(5) مجموعة درم: تمثل مجموعة الوثائق السودانية المحفوظة فى مكتبة جامعة درم البريطانية أضخم مجموعة للوثائق السودانية فى الخارج، فإضافة الى وثائق ومحررات المهدية، هناك الآلاف من الملفات والأضابير التى تحتفظ بها مكتبة الجامعة البريطانية وكل تلك المجموعات مهداة من الإداريين البريطانيين الذين عملوا فى إدارة حكومة السودان إبان فترة الحكم الثنائي (1898ـ1955م) وتعد مجموعة "ونجت" ومجموعة سلاطين من أكبر تلك المجموعات، ويبلغ عدد البريطانيين الذين أهدوا مجموعات وثائقهم الى تلك المكتبة حوالي أربعمئة بريطاني. وقد عكف على تلك الوثائق المؤرخ البريطاني المستر هل ريتشارد الذى كان يعمل موظفاً فى الإدارة البريطانية، واستطاع ريتشارد هل وضع الكشافات والقوائم المصنفة للعديد من تلك المجموعات الهامة.. ومازال العمل جارياً من أجل تكشيف وتوثيق باقي المجموعات وبخاصة فترة الحكم الثنائي.
(6) مجموعة القاهرة: وهى تمثل الوثائق والمحررات والرسائل التى حصلت عليها المخابرات المصرية إبان فترة المهدية كما أن بعضاً من تلك الوثائق تعود الى فترة الحكم التركي المصري، كما تضم تلك المجموعة عدداً من الرسائل والمؤلفات التى وضعت فى قدح المهدية. ومازالت هذه المجموعة بعيدة عن أيدي الباحثين رغم مرور أكثر من مئة عام عليها، ولم تصنف ولم تعد لها أي قوائم أو تكشيف.
(7) مجموعة باريس: وهى مجموعات من الوثائق لعل أهمها مخطوط يقع فى ثلاثة أجزاء صنفه الشيخ مجذوب بن الطاهر المجذوب.. ولا يعرف كيف شق هذا المخطوط طريقه الى باريس ومازالت تحتفظ به دار الوثائق الفرنسية.
ومن المجموعات فى الخارج أيضاً هناك مجموعة بيل الأمريكية، ومجموعة فى مكتبة المعهد الأفريقي فى القاهرة، ومجموعة أنقرا فى تركيا، وهى جميعها مجموعات ما زالت بعيدة عن متناول أيدي الباحثين ولا يعرف عنها الكثير.
إذا نظرنا الى الوثائق السودانية فى أطوارها المختلفة وفقاً لتسلسلها الزمني: بدءاً من وثائق دولة الفونج الإسلامية، ووثائق دولة الفور الإسلامية، ثم وثائق المهدية، فهناك عدد من الملاحظات التى يمكن حصرها فى:
شكل الوثيقة (الرسائل الديوانية): تتكون عادة من ثلاثة أقسام رئيسة وهى المقدمة والمتن والخاتمة. حيث تبدأ الوثيقة الديوانية بالبسملة والدعاء الديني والصلاة على الرسول والدعاء له. ويأتي بعد ذلك فى الرسائل السلطانية" الختم السلطاني" أو ختم الوزير أو الحاكم أو الأمير أو القائد. فقد كان الختم أداة هامة من أدوات الإثبات الدالة على صحة ما جاء فى الوثيقة. حيث يعطيها الختم الصفة الشرعية والقانونية. ويلي الختم بيان التراسل كالمرسل والمرسل إليه ثم بعد ذلك متن الرسالة والتى تختلف وتتباين باختلاف وتباين موضوعاتها. ثم تأتي بعد ذلك المرحلة الأخيرة وهى الخاتمة والتي تختلف أيضاً باختلاف نوع الوثيقة. ففى الوثائق القانونية والشرعية تبدأ بذكر الشهود الذين شهدوا الحدث أو الواقعة ويأتي بعد ذلك فى آخر الرسالة كاتب الوثيقة مع ذكر التاريخ وينتهي بالصلاة على النبي. وفى الرسائل الخاصة تنتهي بالسلام مع ملاحظة أن كاتب الرسالة لا يكتب اسمه وربما يوضع الختم فى أسفل الرسالة.
أسلوب الوثيقة: تتفاوت الأساليب التى كتبت بها الوثائق، ففى وثائق الفونج والفور يلاحظ أن الوثيقة تكتب بأسلوب يجمع بين اللغة الفصحى والعامية. أما فى رسائل المهدية فالأسلوب المتبع استخدام اللغة الفصحى مع الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والاهتمام بالديباجة، وتشترك معظم تلك الوثائق والمحررات بخطوطها من التزويق والألوان. ومن الملاحظات الهامة فى وثائق ومحررات السلاطين الفونج خلوها من التوقيعات سواء كان توقيع السلطان أو الشهود، وقد اكتفوا بالختم السلطاني الذى يوضع عادة فى أعلى الوثيقة. وتوثيق الفور يتخذ فى جملته أصول وسمات التوثيق نفسه عند الفونج من حيث الشكل والمراحل الأساسية، ولكنها أدنى درجة فى الأسلوب وأقل مستوى فى الأداء التوثيقي من وثيقة الفونج مع زيادة الألفاظ والكلمات العامية والمحلية ولكن التشابه واضح فى كل خطوات ومراحل الوثيقة الفونجية والفوراوية، فالمنهل واحد والثقافة المعتمد عليها واحدة وهى الثقافة العربية الإسلامية.
وثائق المهدية: وتتمثل العناصر الرئيسة للرسائل المهدية فى مقدمة الوثيقة وهى الديباجة والمرسل والمرسل إليه والدعاء ثم المتن ثم العناصر التى تأتي فى نهاية الوثيقة وهى الخاتمة والتاريخ والختم.
أ- الديباجة: وهى عبارة عن دعاء يقصد به الاستعانة والتبرك واتخذ الإمام المهدي لمكاتباته ديباجتين تقليديتين إحداهما للمراسلات والأخرى للخطب وتتكون من ثلاثة عناصر البسملة ثم الحمد لله ثم الصلاة على النبي.
ب- بيانات التخاطب: وتبدأ بكلمة (وبعد) وتعد البداية الحقيقة للوثيقة، وقد تكون مقرونة مع التحية إذا كان فى شكل الخطاب، أما إن لم يكن كذلك فيخلو من أدوات التخاطب. المرسل: كان اسم المهدي يرد فى نهاية الوثيقة فى الفترة السابقة لدعوته وفى الفترات التالية حتى نهاية المهدية أصبح اسم المرسل يأتي فى المقدمة ويكون مسبوقاً ببعض الألفاظ الدالة على التواضع والعبودية لله (العبد المفتقر الى الله.. إلخ).
ج ـ المتن: يكتب المهدي محرراته بأسلوب مباشر لا أثر فيه للتكلفة والصنعة. وفى أسلوبه قوة وحرارة تنم عن إيمان عميق، كما يمتاز أسلوبه باستخدام اللغة العربية الفصحى فى أغلب رسائله مع التبسط واستخدام الألفاظ البلاغية وفقاً للشخص أو الجماعة التى يخاطبها ومن الملاحظ فى كل محررات المهدي كثرة الاستشهاد بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة والأحاديث القدسية. وكان ذلك يمثل ركناً هاماً من أركان محرراته. وكان يلجأ فى بعض رسائله الى القصص الرمزي والمشاهد لتقريب المعنى لذهن المخاطب.
وفي ختام رسائله كان ينهي الرسالة بقوله السلام أو لا حول ولا قوة إلا بالله. وما الى ذلك بعد ذلك يأتي تاريخ الوثيقة (الهجري) باليوم والشهر والسنة. ويأتي بعد ذلك الختم، حيث يرد بعد الكلام المكتوب مباشرة …والخطوط يطغى عليها الخط الصحراوي المشتق من الخط المغربي ويعرف بغلاظته ويباسه. أما المداد المستخدم فهو الحبر المصنع من السحم (الدخان) بعد مزجه بالصمغ وإضافة بعض المواد له وغليه بالنار، وتستخدم أقلام البوص التي يتم قطعها وفقاً لأنواع الرسائل المدونة، وفي كل تلك الرسائل والمحررات استخدام الكاغد والورق بأنواعه المختلفة بأحجام وأشكال متنوعة ومتعددة.
من الواضح أن هناك عدة عوامل مشتركة بين الوثائق السودانية في عصورها الثلاثة: الفونج والفور والمهدية. فقد كان النبع واحد هو الاعتماد على الموروثات الإسلامية والعربية، فجميع كتّاب الرسائل في تلك العصور هم من الذين تلقوا تعليماً أو تأهيلاً إسلامياً. كما أن الأثر الإسلامي واضح في جميع تلك المكاتبات والمحررات، ويمكن القول إن الوثائق السودانية ما زالت تحتاج الى جهد الباحثين لدراستها دراسة عميقة متأنية. وما قدمناه لا يخرج عن كونه لمحة عابرة حاولنا فيها إعطاء القارئ فكرة سريعة عن الوثائق السودانية ومدى ارتباطها وتأثرها بالوثيقة العربية الإسلامية.
; 1843م استطاع مريود، العم الشرير الذى لم يزل يختمر حقداً على أبناء أخيه المك أبكر، فى الخفاء تجنيد أشرار تقلي لمساعدته فى تنفيذ مؤامرة اغتصاب السلطة. وقد نجح فى قتل أحد أقارب المك أحمد، والوزير المنصور، واغتال المك أحمد كذلك، واستولى على الحكم بقوة السلاح. حاول ناصر، الذى كان سئ السمعة هو الآخر، نزع السلطة من عمه مريود وفشل فشلاً ذريعاً. ذهب ناصر الى الخرطوم يتوسل الى الباشاوات والبكاوات الأتراك لمعاونته لاسترداد حقه المسلوب، على أن يدفع ناصر فى المقابل، عند استعادة ملكه، جزية سنوية من الرقيق والعاج؛ ووعد بأن يكون القسط الأول 12 ألفاً من العبيد، وتحت د&