أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
بحث ودراسة

وعلى العموم، فقد اتخذت الإدارة البريطانية عام

التاريخ الحديث والوثائق

(7)

(7/1) لا تنتطح عنزان، بالطبع، على كون الاستعمار البريطانى قام بدور قصدي مباشر فى تكريس المشكلة ومفاقمتها. غير أن نقطة اختلافنا هى أنه لم (يخلقها)، فلا معنى للتركيز على دوره وحده كما فى اجترارنا المتثائب لبعض المتداول غير المفكر فيه. بل إن بعض الكتاب لا يُخفون الآن ميلهم الصريح للمطابقة بين الاستعمار وبين مركز المستعربين الثقافي الاجتماعى المتبوع، فى ما يتصل بالمنافسة على الهامش الثقافي الاجتماعى المستتبع (أبكر آدم اسماعيل، 1999). ورغم مرارة هذا الاستنتاج، أو ما قد يلوح فيه من شطط، فإن البريطانيين، فى الحقيقة، استندوا إلى غبينة "الاستتباع" هذه، وإلى ذاكرة الرق التاريخية، وإلى الموروث من (أحاجى) نهب الموارد كما مارسه (الجلابة) منذ القرن السادس عشر، مما سلفت الاشارة إليه، ليكرسوا، بما يخدم استراتيجياتهم الاستعمارية، أوضاعاً اثنية تاريخية وجدوا عليها السودانيين عند دخولهم البلاد. لقد صاغوا وطبقوا (السياسة الجنوبية) منذ مطالع عشرينات القرن المنصرم، من خلال جملة قوانين وترتيبات هدفت لِلجْم التقارب، دَع التثاقف، بين اثنيات البلاد المختلفة فى الشمال والجنوب وجبال النوبا الشرقية والغربية، مثل قانون الجوازات والتراخيص لسنة 1922م، وقانون المناطق المقفولة لسنة 1929م، وقانون محاكم زعماء القبائل لسنة 1931م، علاوة على فرض الإنجليزية لغة رسمية فى الجنوب، وتحديد عطلة نهاية الأسبوع فيه بيوم الأحد، وتحريم ارتداء الأزياء الشمالية على أهله، وابتعاث الطلاب الجنوبيين لإكمال تعليمهم فى يوغندا، وما إلى ذلك. فإذا افترضنا، نظرياً، إمكانية استبعاد العامل الاستعمارى، فهل تراها كانت ستنتفى أسباب المشكلة بالنظر إلى الوضعية الذاتية للعلاقات الاثنية وسيرورتها منذ القرن السادس عشر؟! هذا، برأينا، هو السؤال الذى يحتاج إلى تفكير جديد.

(7/2) وعلى العموم، فقد اتخذت الإدارة البريطانية عام 1946م قراراً بتغيير تلك السياسة بعد انقضاء أقل من ثلاثة عقود على تطبيقها، وعقدت مؤتمر جوبا فى يونيو عام 1947م لإقرار السياسة البديلة التى تبقى الجنوب ضمن حدود السودان الموحد بنظام الحكم الذاتي، ثم شكلت الجمعية التشريعية فى ديسمبر عام 1948م بمشاركة الجنوبيين. ويفترض د. أسامة عبد الرحمن النور، فى محاولة لإعطاء تفسير علمى لذلك التغيير من زاوية مختلفة، أنه لا بدَّ قد جرى فى ملابسات الأثر الذى أحدثه تطور علم الانثروبولوجيا والانقلاب على أسس الاثنوغرافيا، أو ما صار يعرف فى بريطانيا بالأنثروبولوجيا الكلاسيكية. وكانت الأنثروبولوجيا الاجتماعية البريطانية قد حققت طفرة كبيرة بالتلازم مع بدايات الحقبة الاستعمارية فى الفترة 1860ـ1880 بظهور مؤلفات المدرسة التطورية الرائدة مثل (حق الأم) لباخوفن، و(المجتمع البدائى) لتايلور، و(نظم القرابة والمجتمع القديم) لمورغان علاوة على أعمال آخرين مثل ماين وليبوك. وقد قدموا جميعهم، بوعي أو بدونه، التنظير الذى احتاجه الاستعمار، باستثناء مورغان الذى اتخذ موقفاً متميزاً من التمدن ومن مجمل النظام البورجوازى فى القرن التاسع عشر، قبل أن تستقل الانثروبولوجيا علماً خاصاً، فى مرحلة الأبحاث الميدانية، عن احتياجات الاستعمار، فتنجح،  ولو نسبياً، فى التأثير على أيديولوجيته (أسامة عبدالرحمن النور، 2001).

(7/3) مهما يكن من شئ، فقد دخل السودان مرحلة ما بعد اتفاقية الحكم الذاتي فبراير 1953م وهو ( موحد)، ودخل مرحلة ما بعد الاستقلال يناير 1956م وهو (موحد)، وما كان ذلك ليكون لولا أن النواب الجنوبيين صوتوا مع إعلان استقلال السودان (الموحد) من داخل البرلمان الأول فى 19/12/1955، مقابل (كلمة شرف)، مجرد (كلمة شرف) من القوى السياسية فى الشمال بتلبية أشواقهم للحكم الفيدرالى بعد الاستقلال! وقد كان من الممكن أن يشكل ذلك، فى ما لو كنا أوفينا بوعدنا، نموذجاً فى التعامل المستقيم مع أشواق (الآخرين) من النوبا وغير النوبا على امتداد السنوات الخمسين الماضية. فهل ترانا نعى الآن (كعب آخيل) فى ما جرى على (درب الآلام) الشائك والطويل هذا، والذى اضطررنا لقطعه حفاة، منذ أن حنثنا بقسمنا ذات يوم أغبر، وإلى أن أتى علينا حين من الدهر لم يعُد فيه (الآخرون) يصدِقون شيئاً مما نقول إلا بضمانات أجنبية؟!

(8)

(8/1) تصدت إنتلجينسيا المستعربين المسلمين (الجلابة) لقيادة الحركة السياسية الشمالية منذ ما قبل مرحلة الاستقلال السياسى. وطوال ذلك التاريخ لم تكف هذه النخب، وبالأساس تيارها (العقلاني/ التوحيدي) بمختلف مدارسه الفكرية وانتماءاته السياسية، عن اجتراح مختلف الاطروحات حول قضية الهُويَّة. لكن، ولأن صعوبات معرفة (الآخر) التى لا يحفل بها التيار (السلطوي/ التفكيكي) أصلاً، والقائمة بالنسبة للتيار الأول فى حاجز اللغة والثقافة والمعتقد، غالباً ما تشكل إغواءً بالركون للشائع عن هذا (الآخر) فى الذهنية العامة، فقد ظلت تلك الاطروحات تصطدم فى كل مرة بتلك الصعوبات، مما أسلم أغلبها لاستسهال التفسيرات التى تصورها مجرد "حواجز صناعية أقامها المستعمرون لتجزئة القطر الواحد" (محمد فوزى مصطفى، 1972م)، أي، محض مؤامرة استعمارية قطعت الطريق أمام التحاق الاثنيات الأفريقية السودانية، خصوصاً فى الجنوب، بحركة الاستعراب والتأسلم التى استكملت نموذجها الأمثل، بحسب زاوية النظر هذه، فى الشمال والوسط. هكذا، وبإزاء مصاعب البناء الوطنى بعد الاستقلال عام 1956م، وبدفع من الجامعة العربية والمنظمات الإسلامية التى انتمى إليها السودان بعد الاستقلال ضربة لازب، والتى أناطت به مهمة تعريب وأسلمة الأفارقة على مبدأ القهر والغلبة (عبد الله على ابراهيم، 1996)، ولأن الاستسهال يقود للمزيد منه، فقد أفرغت معظم هذه الاطروحات، على تنوع منطلقاتها، وبالأخص وسط القوى التقليدية التى ورثت السلطة من الاستعمار، فى برامج وسياسات رسمية على النحو الآتى:

أ/ أعلنت (العربية) لغة رسمية، فى ما أسماه بعض نقاد هذه السياسة "بالجبر اللغوي" (المصدر نفسه). وقد شكل ذلك إهداراً لكل ثراء البلاد من جهتى التعدد والازدواج اللغويين، حيث توجد فى السودان ممثلات لكل المجموعات اللغوية الأفريقية الكبيرة، ما عدا لغات الخويسان فى جنوب أفريقيا (سيد حامد حريز ـ ضمن عبد الله على ابراهيم، 2001). وبحسب إحصاء 1956م فإن اللغات التى يتحدث بها أهل السودان تبلغ المائة وأربع عشرة لغة، نصيب سكان جنوب السودان منها حوالى الخمسين لغة. ويتحدث 51% من جملة السكان البالغة آنذاك 10,262,536 اللغة العربية، ويتحدث 17,7% اللغات النيلية (11% منهم بلغة الدينكا)، ويتحدث 12,1% بلغات غير العربية فى الشمال والوسط (المصدر نفسه). وقد صنف جوزيف غرينبيرج كل المجموعات اللغوية الكبيرة فى أفريقيا فى أربع أسر. وباستثناء الأسرة الخويسانية، فإن الأسر الثلاث الأخرى جميعها متوطنة فى السودان، وهى: أسرة اللغات الأفريقية الآسيوية، ومنها العربية والبجاوية، وأسرة اللغات النيجركردفانية، ومنها لغة النوبا الكواليب والمورو والفولانى، وأسرة اللغات النيلية الصحراوية التى يعتبر السودان الموطن المثالى لكل أفرعها، وهى ميزة لا تتوفر فى أى قطر آخر فى أفريقيا. وينتمى إلى هذه الأسرة ما يربو على 70% من اللغات المحلية المتحدثة فى السودان، بل ويتمتع بعضها بموقع معتبر فى خارطة البلاد اللغوية من حيث عدد متحدثيها وسعة انتشارها الجغرافى، كمجموعة اللغات النوبية فى جبال النوبا وشمال السودان وحلفا الجديدة، ومجموعة اللغات النيلية، ولغة الفور، ولغة الزغاوة، على سبيل المثال (الأمين أبو منقة ؛ الأضواء 16/2/2004). وتزداد أهمية لغات هذه الأسرة بالنسبة للسودان لجهة اشتراكه فى عدد منها مع جميع البلدان المجاورة. بل إن خارطته اللغوية تضم لغات نيلية صحراوية مهاجرة من بلاد بعيدة فى غرب أفريقيا، مثل لغة صنغاى السائدة فى مالى والنيجر، ولغة الكانورى السائدة فى بلاد برنو (نيجيريا) والنيجر وتشاد. وتكمن أهمية مثل هذه الحقائق فى أنها تشير إلى عمق الصلات التاريخية بين السودان وجيرانه القريبين والبعيدين، كما وأنها تشكل عنصراً مهماً فى تواصل السودانيين مع هذه الشعوب (المصدر نفسه).

ب/ ومثلما جرى، فى الشأن الداخلى، إستسهال رسم السياسات التى تتمحور نهائياً حول مركز الدين الواحد (الإسلام) واللغة الواحدة والثقافة الواحدة (العربية)، الأمر الذى أقصى كل أقوام التعدد والتنوع الثقافي واللغوي، باعتبار خاصة اللغة كحامل للثقافة، وأحالها إلى مجرد هدف للأسلمة والتعريب، فقد جرى، فى الشأن الخارجى أيضاً، استسهال المراهنة، بعين البعد الواحد، على إدراج السودان بأسره تحت شعارات (العروبة) و(القومية العربية) و(الوحدة العربية) وما إليها، واعتبار ذلك كله بمثابة (الممكن) التاريخى الوحيد المتاح لحل مشكلة (الوحدة السودانية)، فإذا بمردوده العكسي الفاجع يتمثل فى تحوله لدى الذهن (الآخر) غير المستعرب إلى محض ترميزات ناجزة بنفسها للتيئيس من هذه (الوحدة)، وحفز الميل (للانفصال)، الأمر الذى دفع ببعض المفكرين العرب، حتى ممن يرون أن "القومية العربية .. ما تزال قوة حية ومحركة"، لأن يدقوا أجراس التنبيه إلى هذه "الخاصة القطرية .. فى التفكير القومي العربي، وما تقدمه لذلك الفكر من أمثولة هو بأشد الحاجة إليها" (إيليا حريق ؛ مقدمة فى: عبد الله على ابراهيم، 1996). فالحقيقة أن الفكر القومي العربي "عالج .. تلك المشكلة بشئ من الخفة إن لم نقل العداء .. (و) التجاهل أو التهوين .. مدعياً .. أن الأقليات لا تختلف فى الرأى عن النهج القومي العام .. (لكن) الطريق القويم للقومية العربية اليوم .. هو احترام الفروق القائمة فى المجتمع والدولة القطرية ومساعدتها على التكامل والنمو والازدهار لكى تستطيع .. تشييد البناء القومي الذى يقوم على قاعدة وحدات من الدول القطرية. فبدل أن نسعى إلى القضاء على الدولة القطرية وعلى خاصتها، فالأحرى بنا أن نعمل للاحتفال بها والاعتماد على مقدراتها، فهى الأساس الذى نرتقى منه نحو البناء القومي الأعلى" (المصدر نفسه).

(8/2) والواقع أن ثمة مقدمات فكرية لذلك الاستسهال بلورتها، قبل الاستقلال، الاتجاهات والميول الغالبة على فكر وثقافة المستعربين المسلمين، وعلى الحركة الوطنية عموماً، ووسط إنتلجينسيا (الجلابة) بالأخص. ففى عام 1921م. كرس الشيخ عبد الله عبد الرحمن الأمين كتابه (العربية فى السودان) لإثبات (نقاء) اللسان العربي فى السودان (كله)! وفى ذات الاتجاه انطلق الشعر الذى كان يمثل وقتها صورة الفكر الرئيسة، من خلال الموالد وفعاليات الخريجين والمناسبات الدينية والاجتماعية المختلفة. ولعل المفارقة تتجلى هنا كأوضح ما يكون فى أنه، وعلى حين كان على عبد اللطيف، نوباوى الأب دينكاوى الأم، يتزعم الحركة الوطنية فى عقابيل الحرب العالمية الأولى، كان شاعرها الأكبر خليل فرح، نوبي الأصل، ينشد ممجداً الثوار الوطنيين بأنهم:

أبناء يعرب حيث مجد ربيعة

وبنو الجزيرة حيث مجد إياد!

وفى عام 1941م حدد محمد احمد محجوب، وكان من أبرز مثقفى تلك الحقبة ثم أصبح، لاحقاً، من أميز قادة الفكر السياسي فى حزب الأمة، وأحد الزعماء المرموقين الذين تقلدوا الوزارة، شروط المثل الأعلى للحركة الفكرية "فى هذه البلاد"، على حد تعبيره، بأن "تحترم تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، وأن تكون ذات مظهر عربي فى تعبيرها اللغوي، وأن تستلهم (التاريخ) القديم والحديث (لأهل) هذه البلاد و(تقاليد شعبها). هكذا يمكننا أن نخلق أدباً (قومياً)، وسوف تتحول هذه الحركة الأدبية فيما بعد الى حركة سياسية تفضى الى الاستقلال السياسي والاجتماعى والثقافي"(أقواس التشديد من عندنا ـ ضمن: أسامة عبد الرحمن النور؛ مصدر سابق). ومن نافلة القول بالطبع أن المحجوب لم يكن يرى فى كل البلاد سوى (تاريخ) و(ثقافة) و(لغة) المستعربين المسلمين وحدهم! وتكتسي، بلا شك، دلالة خاصة فى هذا السياق عودة الإمام الصادق المهدى، رئيس حزب الأمة، بعد ما يربو على نصف القرن، لينتقد ما أسماه (الأحادية الثقافية) لدى القوى السياسية الشعبية التى حكمت السودان بعد الاستقلال مما أدى إلى استقطابات دينية وثقافية حادة (ورقة "تباين الهويات .."، مصدر سابق). 

ج/ ورغم أن السودان لم يُشرَك أحياناً فى بعض المنظمات العربية بسبب وضعه الطرفى، أو لعدم حسم مسألة العروبة فيه (محمد عمر بشير، 1991)، فإن العروبة والديانة الإسلامية ترسختا، مع ذلك، لا (كخيمة) يؤمل أن تسع قضية (الوحدة) بقدر ما تسع حركة المثاقفة الطبيعية بين مُكونات التعدد السودانى، وإنما كأيديولوجية قامِعة فى أيدى نخب (الجلابة) الفكرية والسياسية. هكذا تمدد تيار التعريب والأسلمة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً، جاعلاًً من الإسلام إطاراً وحيداً لمنظومة القيم فى كل البلاد، ومن العربية وسيلة وحيدة للصحافة والراديو والتلفزيون ودواوين الحكومة ومناهج التربية والتعليم، كما جرى "تأطير المجتمع .. على تلك الأسس .. (مما) أعاق .. فرص الأقليات التى لا تتوافق مع النموذج السائد فى مجالات التطوير الذاتي .. و .. تكون حاجز نفسى/ سلطوي .. فى وجه أية مراجعة .. للشأن الداخلي يُظن أنها قد تمس جوهر الانتماء العربي" (يوسف مختار الأمين، 2002). وقد زاد الأمر تعقيدًا عجز هذه النخب عن إنجاز القدر المطلوب من التنمية الشاملة، وتأسيس نظام للحكم يلبي طموحات الأغلبية. وفى ظل أوضاع التخلف، وتدهور الاقتصاد والظروف المعيشية، وارتفاع معدلات النمو السكاني، تتوسع تلقائياً بؤر الصراع الاثني والجهوي والثقافي، مما يتجلى فى تبني مواقف سياسية وثقافية مغايرة للسائد، بحمل السلاح فى مواجهة السلطة المركزية، وإشعال الحروب الأهلية والصراعات القبلية التى تتفاقم أبعادها وآثارها يومًا بعد يوم (المصدر نفسه).

(8/3) ولأن الثقافات (الأخرى) غير منسجمة فى السياق، بل وقد تتسبب فى إرباكه، فقد جرى إقصاؤها عملياً أغلب الأحيان، كما فى حالتيّ الدين واللغة، أو محاولة إدماجها قسراً assimilation فى (أفضل!) الأحوال، على طريقة الاستعمار الفرنسي (!) ويكفى أن نشير، من بين جمهرة النماذج الراهنة، والتى لا حصر لها، إلى نموذجين ساطعين:

أ/ يتمثل النموذج الأول فى فرقة الفنون الشعبية على أيام مايو، حيث غالباً ما كانت العروض من الشرق والغرب والجنوب تتماهى مع إيقاعات وحركات الشمال والوسط ترميزاً مزعوماً (لوحدة) مدعاة، فتتحول الخشبة إلى (مولدٍ) سياحى (زائطٍ) بالأزياء والألوان وجلود الحيوانات على أجساد الراقصين والراقصات، وصنوف الخرز والسكسُك والسيور على أعناقهم ومعاصمهم وأرجلهم، قبل أن يجرى، منذ مطلع التسعينات الماضية، (تحجيبهم) بمقايسات (الزى الإسلامي)، أو (تغييبهم) بحظر عروضهم نهائياً، وكفى الله المؤمنين القتال!

ب/ ويتمثل النموذج الثانى فى ما يُعرف (بالأوركسترا القومية!) و(فرقة البالمبو). فأما بالنسبة للأولى فقد كفانا قائدها نفسه، د. الفاتح حسين، مئونة التدليل على كونها لا تعكس جماع الثقافات الموسيقية السودانية، وبالتالى فهى لا قومية ولا يحزنون (الصحافة، 18/4/04). وأما بالنسبة للأخرى فقد كنت أبديت تخوفي قبل زهاء ربع قرن (SUDANOW, February 1980) من خطة د. خالد المبارك، مدير معهد الموسيقى والمسرح أوان ذاك، لتكوين أوركسترا (قومية!) يلعب العازفون فيها على آلات من مختلف أقاليم البلاد. وقد استندت فى مقالتي بعنوان (Avoiding Crusades) إلى عِلم وخبرة الماحى اسماعيل، مدير قسم الموسيقى العربية بإذاعة كولون، فى التنبيه لكون هذه الآلات تنتمي، فى الأصل، إلى بيئات ثقافية شتى، وأنها، لهذا السبب، سوف تحتاج لإعادة دوزنتها، بالضرورة، أي، لانتزاعها عملياً من قلب تربتها الثقافية، تمهيداً لإرغامها على الأداء (المنسجم!) مع بعضها البعض، فيكون الناتج، بدلاً من جماع ثقافات، مجموعة أصفار كبيرة! ودعوت لتأمل ما ينطوى عليه ذلك من مخاطر فادحة على مستقبل حوار الثقافات وتساكن القوميات، حين يستحيل إلى محض تنضيد قسرى لرموز وإشارات وأشكال تفتقر، أول ما تفتقر، إلى الروح. وقد أحزنني أن أرى تلك الخطة العقيمة تبعث مجدداً، بعد إذ قبرت فى مهدها. فلئن كانت دعاوي (الوحدة فى التنوع) و(التنوع فى الوحدة) و(حوار المكونات الثقافية) هى سيرورات، فى جوهرها، لا محض إجراءات، فإن الفهوم الإدارية الميكانيكية تهدر كل معنى لها، حين تنتهى بها، وسط (الكركبة) و(الضجيج)، إلى مجرد مسوخ شائهة تخضِع ثقافات الجنوب والشرق والغرب والجنوب الشرقى الموسيقية لمقتضى دوزنات الشمال والوسط، فلا يُصار إلى أكثر من إعادة إنتاج الأزمة الناشبة بين (المركز) و(الهامش)، وإن كان فى سياق آخر!

(9)

(9/1) منذ أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضى، أى مع بواكير الارهاص الجدي بتدشين مشروع الدولة الدينية الذى استكمل أهم خطواته التحويلية بانقلاب الثلاثين من يونيو 1989م، بدأت كثير من الأقسام التقليدية ضمن التيار (العقلاني/ التوحيدي) العريض، بما فى ذلك فئات وشرائح اجتماعية واسعة وسط (الجلابة) أنفسهم، تستيقظ، وإن ببطء، على فداحة الخطر الذى باتت خطة الأسلمة والتعريب تتهدد به، لا معتقدات (الآخرين) ولغاتهم وثقافاتهم فحسب، وإنما مستقبل الإسلام نفسه فى البلاد، علاوة على اللغة العربية والثقافة العربية، أي، وجود الجماعة المستعربة المسلمة ذاتها. وأخذت هذه الأقسام تتشكك فى تلك الخطة القديمة

طريقاً مفضياً إلى (الوحدة الوطنية)، بعد أن لمست فشلها فى بلورة رؤية تجتذب ولو إجماع المستعربين المسلمين أنفسهم، دَع (الآخرين) الذين أثارت لديهم من الشكوك فى مقاصدها ما جعلها تبدو، على نحو ما، وسواءً أرادت أم لم ترد، رصيداً إضافياً يتغذى عليه، فى المحصلة النهائية، تيار الاستعلاء (السلطوي/ التفكيكي)! ومن ثمَّ بدأت وسط هذه الأقسام حركة انعطاف (عقلانية) ملحوظة نحو (الآخر) المهمش، إنطلاقاً من اقرار جهير بأن "بلادنا بحاجة ماسة للتعامل مع تباين الهويات على أساس التعايش والتكامل لا الصراع" (الصادق المهدى، "تباين الهويات.."، مصدر سابق). هذا فى الوقت الذى لا يزال فيه (السلطويون/ التفكيكيون) على شروطهم، ليس فقط بتهميش أو إدماج أو حتى محو هذا (الآخر) فحسب، بل بإعادة ترسيم خارطة الوطن نفسه جغرافياً وسكانياً، إن دعا الحال، كى يُمسى ملائماً لمقايساتهم! وليس أصدق فى التعبير عن تأذيهم براهن هذه الخارطة التى تثير المصاعب أمام حركتهم من تذمر قديم للترابى فى قوله: ".. كان (قدرنا) (نحن) فى السودان أن (نبتلى) ببلد مركب معقد البناء يكاد يمثل كل الشعوب الأفريقية بلغاتها وسحناتها وأعراقها وأعرافها" (أقواس التشديد من عندنا: م/الصياد، ع/مايو، بيروت 6/5/1988). وكفى بذلك إفصاحاً عن المُضْمَر تجاه قضية (الوحدة) حتى فى مفاوضات (نيفاشا) الراهنة!

(9/2) أما من جانب ما يمكن تسميته (بالضمير) السياسى الوطنى الديمقراطي وسط التيار (العقلاني/ التوحيدي)، والذى تمثله، فى رأينا، قوى اليسار بكل أقسامها، وتحديداً الحزب الشيوعى باعتباره أعرقها فكرياً وسياسياً وتنظيمياً، فإن تمظهرات ذلك الاستعلاء شكلت، منذ وقت باكر، صدمة عميقة بالنسبة له، وأفدحُها جوراً اعتبار كل مَلمَلةِ احتجاج فى الهامش إما حركة تمرد فى الجنوب أو مؤامرة عنصرية فى الغرب، وفى جبال النوبا بالأخص. فكان المؤمل أن يصبح (نقيضاً) هادماً لرؤى وسياسات وبرامج التيار (السلطوي/ التفكيكي)، لا مجرد (خصم) معترض عليها. وما من شك فى أن جهوداً فكرية وسياسية كبيرة قد بُذلت فى هذا الاتجاه خلال السنوات الخمسين الماضية، فعلى سبيل المثال:

أ/ أقرت الجبهة المعادية للاستعمار فى بيانها بتاريخ 28/9/1954م حق (الحكم الداخلى)، ليس لقوميات الجنوب فحسب، بل ولكل القوميات السودانية (محمد سليمان، 1971 ـ ضمن: عبد الله على ابراهيم، 2001). (الحكم الداخلى) هو ما أصبح يشار إليه لاحقاً (بالحكم الذاتي الإقليمي) حلاً جذرياً، فى رأي الحزب، من كافة الجوانب السياسية الاجتماعية والاقتصادية Socio-politico Economic. وتطبيقه يستتبع بالضرورة أن يؤخذ فى الحسبان رأى المعارضين له وسط المجموعة القومية المعينة. ومن هذه الزاوية بالتحديد فإنه لن يكون ثمة مناص من طرحه للاستفتاء، أى لشكل من أشكال تقرير المصير.

ب/ ذلك هو ما أكد عليه أيضاً عبد الخالق محجوب فى مطلع عام 1971م بتشديده على أن الحكم الذاتي الإقليمي، حلاً ديمقراطياً شاملاً، يجب أن يفضى إلى تقرير المصير لحسم الصراع حول قضية الوحدة نهائياً (حول البرنامج 1971، 2002). ويجدر التنويه بأن هذا الوسع فى الرؤية قد أدرج مؤخراً، ربما لأول مرة خارج وثائق الحزب، ضمن خيارات "إعلان كمبالا" الصادر عن ورشة الخبراء حول مستقبل الترتيبات الدستورية فى السودان التى نظمها بين 26 و27 يناير 2004م مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان بالتعاون مع حركة عموم أفريقيا اليوغندية، حيث انصب ثقل معتبر من آراء هؤلاء الخبراء على "ضرورة النص في الدستور الانتقالى وفى الدساتير التالية على الحق الدائم لجميع القوميات الموجودة في السودان فى تقرير المصير متى ما رأت ذلك، بحسبانه حقاً أساسياًَ وضمانة لحقوق الشعوب المهمشة، وأكدوا أن ذلك هو السبيل الديمقراطى لخلق وحدة طوعية وعادلة في السودان".

ج/ وفى مساهمته المشار إليها، باتجاه المؤتمر الخامس للحزب، وفى ما يتصل بالتجمعات القومية والقبلية، عنى عبد الخالق بتركيز بعض الموجهات البرامجية، مثل ضرورة " التشجيع الفعلي للنمو الحر لثقافات هذه المجموعات"، مشدداً على أن ذلك لن يكون " إلا إذا بعثت لغات  هذه المجموعات ولهجاتها، وعمدت الدولة الوطنية الديمقراطية بجدية إلى تشذيب تلك الأدوات والتوسل بها فى التعليم (وفقاً للتجارب التربوية فى هذا المضمار) وفى النهضة الثقافية الشاملة"، على "أن تصبح هذه الثقافات جزءاً من المكونات العضوية للثقافة السودانية" (حول البرنامج 1971، 2002). سوى أن عبد الخالق لم يعلق هذه الموجهات فى فراغ، بل عمد إلى تقعيدها جدلياً ضمن جملة أشراط اقتصادية اجتماعية وسياسية لا تقوم لها قائمة بدونها، وتتمحور بالأساس حول الديمقراطية الشاملة: ديمقراطية فى علاقات الانتاج، وفى الحقوق السياسية للجماهير الكادحة، وفى النظام السياسى (المصدر نفسه).

د/ وكان حسن الطاهر زروق، ممثل الجبهة المعادية للاستعمار فى البرلمان الأول 1954ـ 1957 قد طالب "بألا نعلم اللغة العربية ولا الدين الإسلامى فى الجنوب لأنهما غريبان على أهل الجنوب"(محمد سليمان، 1971 ـ ضمن عبد الله على ابراهيم، 2001). ودرءاً لسوء الفهم فى ما يتصل بتعليم العربية والإسلام فقد ظل الشيوعيون يستشعرون دائماً حساسية خاصة تجاه دعاوي الأسلمة والتعريب القائمة فى مناهج الادماج القسرى، أى كسر (الآخر) تمهيداً لإعادة صياغته ضمن السياق العربي المسلم، كما ظلت فكرة التدرج والتراضى الطوعى والقبول الثقافي المتبادل، أو ما يعرف اختصاراً (بالتثاقف الطبيعي)، هى شاغلهم منذ ذلك الوقت الباكر. أما فى ما يتصل بالفهم السليم لموقف الحزب من الدين فلا بدَّ من قراءة مطلب حسن الطاهر مقترناً، على الأقل، بالنقد الذى سبق أن سدده هو نفسه للتجربة السوفيتية، قبل انهيارها بنحو من نصف قرن، حين ألمح للخلل الأساسي فيها من جهة "عدم تقدير دور الدين فى حياة الشعوب"(السودان الجديد، 1/9/1944 ـ ضمن: محمد نورى الأمين، رسالة دكتوراه ـ وانظر أيضاً مقالتنا: "مثار النقع"، الصحافة 2/1/2001).

هـ/ وقد ورد فى تقرير لجنة التحقيق فى الاضطرابات التى حدثت بجنوب السودان فى أغسطس 1955 أن الجبهة المعادية للاستعمار قامت، ضمن نشاطها السياسى فى ديسمبر 1954 فى مركز الزاندي والمورو وبين عمال صناعة القطن ونقاباتهم، بتوزيع منشوراتها بلغة الزاندي (تقرير اللجنة، الخرطوم 1956 ـ يوسف الخليفة أبوبكر فى حريز وهيرمان بل، 1965 ـ ضمن عبد الله على ابراهيم، 2001).

و/ وقد عاد جوزيف قرنق، عضو اللجنة المركزية ووزير الدولة بوزارة شئون الجنوب فى حكومة مايو الأولى، ليُعِدَّ، من واقع برنامج الحزب تجاه قضية الجنوب، بيان 9 يونيو 1969 الذى ارتكز على الاعتراف المستقيم بالحقائق الموضوعية للقضية القائمة بالأساس فى الفوارق التاريخية والثقافية بين الشمال والجنوب، والاعتراف، من ثمَّ، بأن من حق شعبنا فى الجنوب أن يبنى ويطور ثقافاته وتقاليده فى نطاق سودان اشتراكي موحد (نص البيان ضمن محمد عمر بشير، 1970). وفى سياق تطبيق ذلك البرنامج طلب جوزيف قرنق من مستشاره الفني للتدريب والتعليم أن يدرس إمكانية تبني لغة من لغات الجنوب، مثل الدينكا التى هى أوسع اللغات الجنوبية انتشاراً، لتكون لغة الإقليم القومية، وأن يحدد العوامل الجديرة بالاعتبار لتلك الغاية، وأن يستقرئ النتائج الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التى ستترتب على ذلك فى القطر وفى الإقليم، ورد الفعل المتوقع من الجنوبيين الذين يتكلمون لغات أخرى، وأن يدرس كذلك إمكانية اختيار أكثر من لغة لهذا الغرض (عبد الله على ابراهيم، 2001). ولو كان قد قدر لتلك الخطة أن تطبق بنجاح منذ ذلك الحين، لشكلت نموذجاً صالحاً للاهتداء به فى جبال النوبا وفى غير جبال النوبا.

(9/3) غير أن كل ذلك السداد بقى، للأسف، حبيس الشعار البهي الذى قد يثير الاعجاب شيئاً، وربما يهدهد الخيال شيئاً. ولكم فعل ذلك وأكثر شعار (الحكم الذاتي الإقليمي) أو (حق القوميات فى التطور والازدهار). غير أن الاقتصار عليه وحده من شأنه أن يحوله إلى محض ترميز يُراد له أن يكون ناجزاً بنفسه، محض (تميمة) أو (تعويذة) أو (رُقية)! وهذا ما ظل يحدث، للأسف، بالنسبة لكل تلك الأطروحات الفكرية والاشارات البرامجية التى تجمدت، أو كادت، فى أسر الديباجات العامة، دون أن تتحول كما ينبغى، حتى لدى الخبراء والمتخصصين من الشيوعيين والعناصر الوطنية الديمقراطية، إلى علم سوداني ثوري نافع يطورونه بالمراجعة، ويثرونه بالاضافة، ويزدادون قدرة على استنطاق حقائقه التفصيلية، ويتوسلون به لتغيير بنية الوعى الاجتماعى عبر جدل الكدح اليومى وسط الجماهير من مختلف القوميات والتكوينات الاثنية، أي، الجماهير التى لا يمكن الاقتراب من أي مستوى لتثوير أوضاعها بغير الطلب الحثيث لمعرفة أفضل بهذه الأوضاع. أما (استصعاب) هذه المعرفة فمن شأنه أن يغوي بالتراجع حتى عن مستوى النظر المفتاحي الباهر الذى كان قد بلغه الفكر الثوري فى فترات سابقة. فعلى سبيل المثال، ومقارنة بتلك الاستنارة الباكرة التى دفعت الحزب الشيوعي عام 1954 لترجمة منشوراته السياسية إلى لغة الزاندي قبل توزيعها فى مراكز الناطقين بها، لم تكترث حملة تعريب الثانوي عام 1965، بقيادة الحركة الديمقراطية وسط المعلمين، لوضع اللغات المحلية فى المناهج الدراسية، مما اعتبره باحثون شيوعيون اعتداءً على صلاحيات اللغات الأخرى التى ربما صلحت كوسيط للتعليم، أو كمادة دراسية للناطقين بها تمهيداً لتصبح ذلك الوسيط، كما وأن المؤتمر القومي للتعليم (أغسطس 1969) لم يصدر بشأن لغة التعليم فى الجنوب أكثر من توصية باتخاذ اللغات المحلية بحروف عربية وسيطاً للتعليم فى السنتين الأوليين فى مدارس المناطق الريفية، على أن تحل العربية مكانها ابتداءً من السنة الثالثة (عبد الله على ابراهيم، 2001). وهكذا نرى أن (استسهال) السائد فى الوعي الاجتماعي، والمترتب على (استصعاب) المعرفة (بالآخر)، يمكن أن يستدير ليفعل فعله حتى فى الفكر الثوري إذا لم يجابه بالقدر اللازم من اليقظة والانتباه!

(10)

(10/1) فى حوار صحفي نشر قبيل وفاته بفترة قصيرة وجه محرر Africa News  سؤالاً للمرحوم يوسف كوة عمَّا لوحظ أنه (يردِده) فى أحاديثه (باستمرار) حول (شعور) يقول إنه كان يتملكه فى السابق بأنه (عربى)! فأجاب المرحوم بأنه، بالفعل، كان يشعر، وإلى وقت قريب، بأنه (عربى) لمجرد أنه (مسلم)، ولكن ذلك الشعور تغير فى ملابسات اصطدامه عبر مسيرة حياته بتجارب مريرة وقعت إثنتان منها، على الأقل، وهو بعد تلميذ فى المدرسة الأولية، و".. كنت وقتها شديد الايمان، أقرب إلى الأصولية الإسلامية .. وكنت أحرز الدرجات العليا فى مادة (التربية الإسلامية). غير أن المدرس روى لنا ذات يوم حكاية قلبت كيانى رأساً على عقب. كان الموضوع على ما أذكر عن (عذاب القبر)، وكان المدرس يشرح لنا ما ينتظرنا بعد الموت، فقال: إن كنت مسلماً فإن ملاكاً ببشرة تشع نوراً سوف يصطحبك إلى الجنة، أما إن كنت كافراً فإن ملاكاً من العبيد السود سوف يأخذك إلى النار! وتعجبت من وجود ملاك عبد! ثم تعجبت، بذات القدر، من اقتران عبوديته بسواد لونه! أربكتنى تلك الأسئلة، غير أننى لم أفاتح أحداً بشأنها. وجاءت الحادثة الثانية أثناء إحدى حصص الدين أيضاً، كان الموضوع عن (النساء وحقوقهن) .. وفجأة قال المدرس بامتعاض: النوباويات فقط هن اللاتى يشتغلن خدامات فى بيوت المدينة! أحسست بمهانة مزلزلة. وطفقت أراجع معتقداتي وقناعاتي السياسية، فظهر التغيير واضحاً فى سلوكي، وبدأت أكتب شعراً عن قضاء السود وقدَرهم، حيث قلت فى قصيدة بعنوان (شكوى إلى الله):

عبيد .. عبيد، لأننا سود،

فهل قدرنا أن يكون لنا أسياد لمجرِّد أننا سود"؟!

ثم روي عليه رحمة الله كيف تراكمت فى حياته مثل تلك الحوادث بآثارها السالبة، مما أفضى به فى النهاية إلى الغابة، حتى أصبح نائباً للعقيد د. جون قرنق فى قيادة الجيش الشعبي لتحرير السودان بمنطقة جبال النوبا Interview by Stephen Amin; Africa News, Issue 61 - April 2001).

(10/2) وبالطبع فإنه لا يصح، كحكم عام، التعويل على هذا الضرب من الخبرات الشخصية وحدها فى إعادة تركيب المشهد التاريخي الكلي، كما ولا نحسبنا أصلاً فى حاجة إلى شئ من ذلك الآن، كوننا قد استوفيناه، فى ظننا، من خلال الأجزاء المتقدمة. هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فإن مثل هذه الإفادات الصادرة عن قائد مرموق فى قامة المرحوم يوسف كوة لا يمكن أخذها إلا على محمل الاسقاط لخبراته المؤلمة الباكرة إنساناً، والكامنة، ولا بدَّ، فى قاع خلفية نشاطه العام بوصفه سياسياً وعسكرياً، دون إعطائها، على أيَّة حال، حجماً أكبر من حجمها فى نسق العوامل المكونة لشخصيته مناضلاً. لكن، ومع ذلك كله، ينبغى عدم إغفال الحقيقة المتمثلة فى أن هذه الحالة المحددة تتجاوز خصوصية فرديتها لتكشف عن (العام المجرد) الذى هو سمة متكررة فى ظاهرتها، كما وعن (العام العياني) الذى يجسد قانون أو نسق الروابط فيها، بما يشكل مقطعاً مستعرضاً cross section  لتسرباتها أحياناً، لدى كل أشباهها ونظائرها، بين (اللاوعي) و(الوعي) فى مجمل النموذج النمطي لاحتجاجات (الهامش) بتمظهراتها المعتادة، خصوصاً فى الجنوب وفى الغرب، مما درجت أيديولوجيا الاستعلاء السلطوي على تسميته (حركات تمرد) أو (حركات عنصرية). وربما كان قريباً جداً من ذلك ما سبق أن أوردنا نقلاً عن أنتونى مورلاند، مراسل (AFP)، بشأن تفسير سايمون كالو، مدير تعليم الحركة بجبال النوبا، لخلفيات قرارهم فى 2001 بإحلال الإنجليزية محل العربية لغةً للتخاطب والتعليم فى مدارس الغابة، حيث لم يكتف فيه بتقرير أن النظام التعليمي القديم كان يهدف إلى تعريب وأسلمة النوبا، بل حرص على أن يضيف إلى ذلك قوله: "لقد أسلمت أنا نفسى عندما كنت تلميذاً وغيرت اسمى لإسماعيل، وإلا .. لما كنت أكملت تعليمي"!

(10/3) لذا فإننا قد نكون على مشارف مدخل أكثر ملائمة لمقاربة الجزء الثاني من سؤالنا الذى افترعنا به هذه الكتابة، وهو الجزء المتعلق بمدى مسئولية (الآخر) عن الراهن المعلول لقضية (الوحدة الوطنية)، من حيث عدم الفصل فى هذه المسئولية بين (موضوع) النضال بوصفه جملة علاقات وارتباطات وقوانين، وبين (ذات) المناضل بحسبانه طاقة نشاط اجتماعي يقترن فيها توفر الادراك الموضوعي بالقدرة على إحداث الأثر الفعال. ولمَّا كان السؤال، فى حقيقته، يتمحور حول ”مشكلة وطنية فى ظروف التخلف ـnational question under backward conditions”(جوزيف قرنق، 1970)، فإن استخدامنا لمفهوم (الآخر) لا يرد هنا بدلالة (كل فردٍ) فى تركيبة (الهامش) القومية أو القبلية، وإنما ينصب على شخصية (المثقف/ القائد) فى هذه التركيبة، من زاوية المكانة التى يتبوأها وسطها، فى مثل ظروف التخلف هذه، والدور الذى يقوم به، من ثمَّ، لجهة التأثير الاستثنائى والخطير فى ما يتصل بتفسير المشكلة وبلورة مآلاتها النهائية فى الوعي الاجتماعي العام، وليس من باب النفى العدمي، بالطبع، لفاعلية جماهير هذه التركيبة كما قد يتبادر للأذهان. بل إن هذا (المثقف/ القائد) غير مستطيع أصلاً ممارسة هذا التأثير إلا من خلال استخدامه الواعي والقصدي لمنظومات القيم والمفاهيم الموجبة أو السالبة التى تتشكل فى مستوى البناء الفوقي superstructure للنشاط المادي لهذه الجماهير ذاتها فى مختلف أوجه حياتها. وإذن فدور مثقف الهامش يتحدد، فى الواقع، بحسب انتقائه النوعي المتحيز لهذه أو تلك من القيم التى يشتغل عليها من داخل بنية الثقافة المحلية نفسها، بالأساس، وليس من خارجها، ويعكف على إعادة إنتاجها فى الظروف الجديدة، واستثمارها فى دعم الاستراتيجية التى يروج لها ويجيش هذه الجماهير حولها. وهكذا تقع سديدة تماماً مساءلة الحركة الشعبية عن رؤيتها النهائية لقضية الوحدة من زاوية الفكر السياسي الذى تتبناه، دون إغفال لجملة الرؤى والمشاعر التى تضطرم فى عقول ووجدان قادتها ورموزها، عسكريين ومدنيين، فتحدد خياراتهم، وترسم توجهاتهم، وتنعكس بالضرورة على ديناميات المؤسسات التى يتوسلون بها لتحقيق برامجهم ومشاريعهم.

(11)

(11/1) ونبدأ باختبار فرضية رئيسة مفادها أنه، وعلى الرغم من جريان مياه كثيرة تحت الجسور السياسية فى السودان ومحيطه الإقليمي والعالمى منذ العام 1983، فإن المفهوم الأيديولوجى (للسودان الجديد)، بحسبانه عظم الظهر بالنسبة لبرنامج الحركة الشعبية لتحرير السودان، مما أتيح لها تطبيقه على الأرض فى مناطق نفوذها الحالية بجبال النوبا، ما يزال متجذراً فى صميم (المانيفستو) الذى أسس لمشروعيتها عند انطلاقتها الأولى فى ذلك التاريخ. ولعل أبرز، بل أبهى، ما وقعت عليه العين فى تلك الوثيقة هو المكانة العلية التى شغلتها قضية (الوحدة) فيها، وإن كان قد غلب عليها بوضوح مقلق نزوعها البادي لاختزال القضية برمتها فى محض مخطط مثالي تبسيطي يقصي كل دعاوي التنوع والتعدد، ويعزوها جملة وتفصيلاً إلى مؤامرة (فرِّق تسُد) الاستعمارية! رغم ذلك فقد استقبلت الحركة وأطروحتها تلك عن (الوحدة) باستبشار شعبي واسع، ومستحق فى جوهره، مِمَّا أسهم اليسار الماركسي والتيار الديمقراطي الثوري فى إزكاء حماسته. ولا غرو، إذ لم يكن بالأمر الهيِّن بروز حركة سياسية جنوبية تعادي دكتاتورية نميري، أوان ذاك، وتتجاوز، فى  الوقت نفسه، ضيق  النظرة الإقليمية التقليدية ومحدوديتها، لتضع قضية (الوحدة) على رأس أولوياتها، دَع استهدافها إحداث تحولات عميقة على مستوى السودان كله (بالتنمية) و(المساواة) و(العدالة) و(الاشتراكية). وربما كان هذا بالتحديد، علاوة على العشم الذى لم ينقطع فى أن يفضى الحوار معها إلى المزيد من التثوير لأطروحتها، هو ما يفسر ذلك الاستبشار والحماس اليساري والديمقراطي الثوري الذى استقبلت به! 

(11/2) وقد وقع بالفعل تطور هائل فى الأداء السياسى للحركة التى اكتسبت، إجمالاً، خبرات واسعة، خلال العقدين الماضيين، واستكملت أبنيتها الرئيسة على مختلف الأصعدة، وصمدت أمام الانشقاقات التى استهدفتها بالاضعاف، ونجحت فى مدِّ الجسور مع مختلف القوى، ومتنت تحالفاتها على كلا المستويين الداخلي والخارجي، واستحالت، بشكل عام، إلى رقم يصعب تجاوزه فى خارطة السياسة السودانية. لكنها، بالمقابل، أساءت التقدير فى أكثر من مناسبة، وانحرفت عن الحق فى أكثر من موقف، وارتكبت من الأخطاء العظيمة، عموماً، ما كبد مسيرة التطور السياسي فى البلاد خسائر فادحة. وليس ببعيد عن الأذهان، على الأقل، قراءتها المفارقة للسداد، بكل المعايير، لوقائع الانتفاضة الشعبية فى أبريل 1985 وما ترتب عليها من تغيير سياسي لم يقع عند الحركة إلا كامتداد لمايو، أو (مايو الثانية May Two كما فى المصطلح الذى استخدمته، فوصف قائدها العقيد د. جون قرنق المجلس العسكرى الانتقالى الذى تكون آنذاك لحسم قضية السلطة بعد انهيار نظام النميرى بقوله: "إن المجلس العسكرى ما هو إلا نظام مايو، فقط من غير النميرى"(د. منصور خالد ؛ قصة بلدين، ص 382)، إضافة للاحباط الذى سببه، فى سياق هذه القراءة الخاطئة، خطابه الذى رددته أوان ذاك إذاعة الحركة من إثيوبيا لأيام متتالية، وجاء فيه: "القضية ليست خمسة عشر جنرالاً يمسكون بمقاليد السلطة فى الخرطوم، ولا ينبغى لأحد أن يظن أنه هو الآخذ وهو المعطى، فالله هو المعطى وهو الآخذ the Lord giveth and the Lord taketh" إذاعة الحركة، 26/5/1985)، وما إلى ذلك مِمَّا يعلمه القاصي والداني.

(11/3) غير أن ما يهمنا هنا بوجه خاص تحول الحركة من أطروحة (المانيفستو) القديمة بشأن قضية (الوحدة) إلى أداء سياسي عملي واصَل طرح مفهوم (السودان الجديد)، ولكن بمضمون مغاير بدا، للوهلة الأولى، كما لو أنه، بمدِّه اليد نحو تكوينات (الهامش) القومية الأخرى، قد اتجه نحو طرح أفضل لهذه القضية، إقراراً بموضوعة (التنوع فى الوحدة)، واستصحاباً لكل حقوق هذه التكوينات، وعلى رأسها حقها الأصيل فى التعبير عن تميزها الهُويّوي وازدهار ثقافاتها الخاصة. فإلى أي مدى يصح هذا الفهم لمضمون الموقف الجديد، بخاصة فى ضوء صياغة السياسة اللغوية الجديدة للحركة وتطبيقها، أو ما يسميه مثقفها/ القائد سايمون كالو (بالثورة اللغوية!) فى المناطق الخاضعة لإدارتها بجبال النوبا؟!

تابع

الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.