البحث الآثارى الى الجنوب من الشلال الثالث
فى الأعوام 1911- 1914 أجرت البعثة الممولة من قبل السير ولكام حفرياتها فى الجزء الجنوبي من الجزيرة، فى جبل مويَّة (بين النيلين الأزرق والأبيض على بعد ثلاثين كيلومتر الى الغرب من سنار القديمة). كما أشرنا مراراً فإن الجنوب الكوشي، بما فى ذلك " جزيرة مروى " يكاد يكون غير مدروس من الناحية الآثارية، وأجريت الدراسات المنتظمة فقط فى بعض الأماكن المتفرقة، من بينها العاصمة. من هنا أهمية الأعمال التى أجريت فى جبل مويَّة، وهو الأبعد من بين المواقع فيما يبدو الى الجنوب. إلا أن ما تم إخضاعه للحفر لا يتعدى 20 % من مساحة الموقع. الإقامة هنا تم تأسيسها فى حوالي القرن العاشر ق.م. وامتدت الى ستمائة عام تقريباً. يرجع تاريخ ازدهاره الى القرن السابع ق.م.، وبداية انهياره الى منتصف القرن السادس ق.م.
فى الاستعراض القصير، الذى احتوى على عرض للمراحل الأساسية لتاريخ كوش، يعترض أديسون على نظرية ريزنر عن الأصل الليبى للأسرة النبتية، ويشير بصفة خاصة الى أن ما تم الكشف عنه فى مدافن الكرو مما سُمىَّ برؤوس الأسهم " الليبية " هى أكثر شبهاً بما تم الكشف عنه فى جبل مويَّة (حيث لم يكن هناك وجود لأى ليبيين بالطبع)، منها برؤوس الأسهم الليبية الحقيقية. إن تلك الحقيقة ذات أهمية حيوية بالنسبة لجذور المملكة النبتية، التى ارتبطت بعلاقات تجارية مباشرة مع جبل مويَّة وهو ما تشير إليه المكتشفات فى الطبقات العليا للموقع. هكذا فإنه يتوفر لنا تصور إن لم يكن عن حدود نبته السياسية فعلى الأقل عن مدى امتداد علاقاتها الاقتصادية وتأثيراتها الثقافية. للأسف لم يتم تحديد الأسباب التى أدت الى ذبول الموقع. يفترض أديسون أن ذلك قد يعود، احتمالاً، الى شح الأرض مع التزايد السكاني أو الى هجرات قبلية دورية وهو ما يشير إليه الفخار. لكنه يترك هذه الإشكالية مفتوحة رهناً بنتائج الدراسات الآثارية للعصر الحجرى الحديث فى شمال أفريقيا.
وبنهاية عمل هذه البعثة جرت دراسة موقع إقامة آخر فى أبى قيلى والجبانة التابعة له والذى يرجع تاريخه للعصر المروى المتأخر. ويقع الموقع فى الضفة الشرقية للنيل على مبعدة 4-3 كيلومتر الى الجنوب من سنار (حوالي 275 الى الجنوب من الخرطوم). يقوم الموقع فى رابية وكان مأهولاً من القرن الثانى- الأول ق.م. حتى القرن الثالث- منتصف الرابع الميلادي. الهام هو أن بعض المكتشفات- رؤوس أسهم حديدية ، وفخار- شديدة الشبه بما تم الكشف عنه فى مقابر كارانوج التى يرجع تاريخها للفترة نفسها. من ثمَّ يمكن الحديث عن وجود درجة من الوحدة الثقافية ميزت مجمل المساحة الواسعة للمملكة المروية.
عند بدء أعمال التشييد مجدداً فى خزان سنار فى عام 1921 التى كانت قد انقطعت نتيجة اندلاع الحرب العالمية الأولى، تم الكشف فى الضفة الشرقية للنيل الأزرق عن جبانة من العصر المروى. للأسف فإن مصلحة الآثار السودانية لم تعلم بذلك إلا بعد انقضاء عامين أو ثلاثة, عندما بدأت بعض المواد من المقابر المنبوشة فى الظهور فى متحف الخرطوم. بعض المكتشفات تفرقت فى الأيدي، وبعضها فقد فى سفينة غارقة فى الطريق الى انجلترا. وكان أديسون قد نشر فى حينها تقارير عن تلك المكتشفات Addison,1950.
يقع الموقع على مبعدة من قرية الني. عندما زاره أديسون كانت أغلبية المقابر قد نبشت، ولم يتم النجاح لا فى تحديد مركب المقابر ولا الأحجام الفعلية لحفرة الدفن والتى غالباً ما كانت بيضاوية واستخدمت لدفن أكثر من جثمان. من بين المواد التى وصلت الى متحف الخرطوم كانت هناك أواني من البرنز تظهر مؤثرات إغريقية، وفخار ومصنوعات من المرمر وأدوات للزينة. الكثير منها يظهر تماثلاً مع مواد تمَّ العثور عليها فى النوبة الشمالية. من هنا يمكن الاستنتاج بأنه إما أن تكون التجارة قد ربطت بين طرفي مملكة مروى أو أن تكون هناك تحركات للقبائل من الجنوب الى الشمال. العديد من الأوانى تتماثل مع أواني ترجع الى جبل مويَّة.
يشير الثراء الذى ميز المقابر، احتمالاً، الى نشوء إقامة بحجم كبير ومزدهرة فى جنوب البلاد لا تقل عن مواقع الإقامة فى فرس وكارانوج فى الشمال، وقد يكون هناك مركز إدارى كما هو الحال فى الموقعين الشماليين. بالتالي من المحتمل أن تكون حدود كوش امتدت أبعد الى الجنوب ذلك أنه يصعب تصور نشوء موقع بهذا الحجم فى أقصى نقطة فى الحدود. للأسف، إذا استثنينا تقارير أديسون التى ذكرناها والعرض المختصر للغاية الذى كتبه قبل فترة قصيرة د. ديكسون Dixon,1964 فإن هذه المكتشفات المثيرة لا تزال غير منشورة.
فى بداية عام 1913 بدأت العمل فى السودان بعثة العلماء الأمريكيين بقيادة ريزنر، واستمر نشاطها على ما يربو على العشرة أعوام لتجسد عصرا للبحث الآثارى فى السودان. لقد قدم ريزنر ورفاقه لعملية إعادة تركيب تاريخ نبتة ومروى أكثر من أية بعثة أخرى. وتميزت أعمالهم بأنهم كانوا حريصين على اقتسام نجاحاتهم، ولو أنَّ ذلك كان فى البداية من خلال تقارير متقطعة، لكنهم نجحوا بسرعة فى نشر التقارير الكاملة.
كان ريزنر محقاً، عندما كتب فى مقدمة التقرير الكامل عن نتائج الحفريات فى كرمة Reisner,1923 أن النوبة الشمالية تمثل من الناحية الآثارية "كتاباً مغلقاً"، وأن كل ما فعله كل من ماكيفر ووولى وجارستانج رغم أهميته، ما كان كافياً للتوصل الى استنتاجات معممة مقنعة. كل المعلومات عن الماضى الغابر لهذه المنطقة محدودة فقط فى المعطيات المستقاة من النصوص المصرية، بخاصة أخبار الإداريين المصريين عن رحلاتهم الى الجنوب وكذلك المعلومات الواردة فى الحوليات الملكية بدءاً من حجر باليرمو.
استمرت الحفريات فى كرمة على مدى ثلاثة أعوام (بدءاً من1913 حتى بداية 1916)، ورغم أن الاستنتاجات التى توصل اليها ريزنر على أساس المادة التى اكتشفها كانت خاطئة، فإن الآثار التى كشف عنها القناع كانت عالية الأهمية بحيث سمحت فيما بعد بتغطية فصل كامل من فصول تاريخ كوش. الآن وفى الوقت الذى تتعرض فيه استنتاجات ريزنر لإعادة تقييم نقدي فإننا نعرف أنه اكتشف لا مستعمرة تجارية مصرية ولا مدافن نبلاء مصريين تزعموا هذه المستعمرة الواقعة فى الطرق التجارية الجنوبية حامية لها، وانما جبانة لزعماء محليين هم الأسلاف المبكرين للأسرة الكوشية الذين حكموا قبائل محلية أصيلة امتلكت ثقافتها المحلية الخاصة التى كانت على درجة عالية من التطور. صحيح أن ريزنر حدد بوضوح المدافن المسماة مدافن- شاتى (أى التى يرافق فيها الرقيق أسيادهم الى عالمهم الآخر قسراً- المترجم)، وطريقة وضع الجثمان غير المصرية، والطقوس الجنائزية، لكنه مع كل ذلك ظل ريزنر أسيراً لنظريته الخاطئة، وتوصل الى استنتاجات غير صحيحة، محاولاً لوى عنق الوقائع وتطويعها لتلائم فرضيَّاته. هكذا فإن هذه المدافن بالقرابين البشرية المحتواة فيها، وبانعدام التوابيت فيها، وبوضع الجثمان بدلاً على عنقريب وما الى ذلك فسرها ريزنر كبقايا من عصر أقدم وكتأثير للعادات الأفريقية على المستعمرين المصريين.
حالياً فإن كل المواد الهائلة التى جمعها ريزنر، والتى وصفها بدقة ونشرها تحتاج الى إعادة نظر. تساعد تلك المواد كما سنوضح لاحقاً فى الكشف عن الجذور المحلية لثقافة نبتة ومروى.
أعطت الجبانة المروية غير الكبيرة الموجودة فى كرمة آثاراً محدودة للغاية. المثير فى تلك المكتشفات أنها مطابقة تماماً لما تم الكشف عنه فى كارانوج: نفس أسلوب المصنوعات من الزجاج وتقنيتها، ونفس رؤوس الأسهم الحديدية. بعض المفارقات الطفيفة يمكن تفسيرها بالظروف المحلية: فكرمة تقع على بعد ما يزيد عن 350 كيلومتر الى الجنوب من كارانوج. بالتالي يجوز الحديث عن وحدة الثقافة فى القرنين الميلاديين الثالث والرابع وفقاً لتقدير ريزنر.
التنقيب فى البركل والكرو ونورى
فى شتاء 15/1916 قام ريزنر بنفسه، بعد الدراسات الأولية فى 12/1913، بالدراسة الشاملة لمعابد جبل البركل. نُشر التقرير عن النتائج التى تمَّ التوصل إليها خلال أعوام قبل تنظيف المعابد قام ريزنر بدراسة 25من الغرف الجنائزية فى الأهرام الملكية الواقعة عند " الجبل النظيف ". اتضح أنها جميعها كانت قد تعرضت للنهب فى القدم، باستثناء واحدة ترك فيها اللصوص، نتيجة التعجل أو لسبب آخر، بعض المجوهرات ومنتجات فنية يرجع تاريخها للقرن الأول ق.م. من ثمَّ اهتم الآثاريون بتنظيف معبد آمون الكبير الواقع فيما بين النهر وجبل البركل. أحاطت بالمعبد من جهة الجبل مبان أخرى. الى الجنوب وجدت بعض المعابد الأخرى بما فيها المعبد الذى شيده أسبالتا ورممه سنكامانسكن. المعبد الأقدم من بينها يعود تاريخه الى القرن الخامس عشر ق.م. فى حين شيد الأخير من بينها فى العصر المروى. فيما يتعلق بمعبد آمون الهائل والذى بدء فى تشييده منذ الأسرة الثامنة عشرة فإنه تعرض لإعادة البناء أكثر من خمس مرات ليتخذ فى نهاية المطاف أسلوباً وتخطيطاً مروياً كلياً.
عثر فى المعابد وبالقرب منها على العديد من التماثيل للملوك الكوشيين- بيَّا، وتهارقا، وتانوت آمون، وأسبالتا، ونتاكامانى وغيرهم، وأيضاً، وهو الأهم، نقوش يرجع تاريخ أقدمها الى عصر حكم الأسرة الثامنة عشرة. من بين تلك النقوش، على سبيل المثال مسلة تحتمس الثالث، التى تكمل حولياته، ومسلة الأمير خاليوت، ما يمكن عده من بين أهم المصادر التاريخية.
تعطى أعمال إعادة البناء والتعديلات اللاحقة فى المعابد، وكذلك الأشياء الصغيرة التى وجدت بداخلها وبالقرب منها، مادة للحكم على التحولات والتقلبات السياسية الجارية فى كوش على مدى ألفى سنة تقريباً. ورجع ريزنر مجدداً بعد فترة قصيرة 18/1919 الى معابد جبل البركل حيث بدأ فى التنقيب فى جبانات كوش الملكية الواقعة بالقرب من نبتة: نورى و الكرو. أثبتت المواد الى كشف عنها عالم الآثار الأمريكي أهميتها البالغة. فقد مكنته تلك المواد من القيام، للمرة الأولى، بوضع جدول كرونولوجي مطلق لتاريخ كوش فى عصر مملكة نبتة. فى المقام الأول وبمساعدة المواد المكتشفة التى تحمل أسماء الملوك، تمَّ التعرف على أهرام الجبانتين. بالطبع لم يتعرف ريزنر على أسماء المدفونين فى كل الاثنين وخمسين أهراما التى نقب فيها، لكن التى بقيت بدون أسماء هى الأقلية.
لتأريخ المقابر استخدم ريزنر معطيات نقوش جبل البركل الى جانب نصوص أخرى تم اكتشافها فى مصر ولجأ الى الأساليب الآتية:
- قارن أشكال الأهرام وأساليب تشييدها.
- أخضع التماثيل الجنائزية(الشوابتى)، والأواني المرمرية، والمسلات، وغيرها من التى وجدت فى الأهرام أو بالقرب منها الى التحليل التيبولوجي.
- كذلك حلل تيبولوجياً موضوعات القرابين بما فى ذلك الفخار وكل الألواح الممكنة سواء التى عليها نقوش أو التى بدون نقوش، والأسلحة وغيرها.
- مقارنة التموضع النسبي للأهرام.
فى ذلك انطلق ريزنر من الافتراض بأن أفضل الحرفيين والفنانين أسهموا فى بناء الأهرام وفى إعداد المصنوعات التى وجدت فيها محافظين على تقاليد الفنانين المصريين للأسرة الخامسة والعشرين. مع ذلك كانت تظهر من وقت لآخر أساليب عمل جديدة وبعض الثغرات فى الشكل والأسلوب. فى هرم كل ملك وجدت مصنوعات تشير الى تداخل أجيال لتؤلف مجموعة واحدة. بهذه الطريقة وجد ريزنر نفسه مضطراً لدراسة نظام تواتر المجموعات على أساس المصنوعات المختلفة وتعاقبها، وأشكال تبدل تقنية بناء الأهرام، وكذلك مواقعها من حيث علاقات بعضها بالآخر، مع ملاحظة أن الأكثر تميزاً من حيث الموقع هى التى شيدت فى وقت أسبق. ونشر ريزنر تأملاته بصورة مقتضبة فى مقال بمجلة الآثار المصرية (1923) وقدم فى نهايته جدولاً يوضح تواتر تعاقب فترات حكم ملوك نبتة والسنوات النسبيَّة لحكمهم. وقد استفاد تلامذته لاحقاً من منهجه وأضافوا الى ملاحظاته واستنتاجاته ودققوها، بخاصة جدوله الكرونولوجي. وظلت الاستنتاجات الأساسية بدون تعديلات جذرية ولم تفقد صلاحيتها الى اليوم قاعدة لتشييد كرونولوجية كوش فى القرون الثامن – السادس ق.م. وللوصف الشامل لجبانات كوش الملكية.
تؤرخ أقدم المدافن فى الكرو بمنتصف القرن التاسع ق.م. وتشبه الى حد بعض مدافن كرمة. جثمان المتوفى يسجى على عنقريب دون أن يتعرض للتحنيط. من ثم يهال على المدفن كوم ترابى ضخم. على مدى القرنين اللاحقين تعرض شكل المقبرة الى تغيرات جذرية، فتحولت بداية الى مسطبة ومن ثمَّ الى هرم. فى أقدم مدافن هذه الجبانة تم دفن ستة أجيال هم أسلاف مؤسس الأسرة الخامسة والعشرين بيَّا، وكذلك والده كاشتا. للأسف فإن كل المقابر كانت قد تعرضت لنهب شامل فى القدم بحيث أصبح مستحيلاً تحديد أسماء المدفونين فيها. من بين الأشياء التى بقيت كان هنالك العديد من القطع الذهبية.
مع ظهور الأهرام تبدأ فى السيادة طقوس الدفن المصرية، بما فى ذلك التحنيط، رغم أن الجثمان ظل يسجى على عنقريب. النقوش على التماثيل الجنائزية ساعدت فى التعرف على أسماء أولئك المدفونين فى تلك الأهرام- ملوك وملكات الأسرة الخامسة والعشرين، بدءاً من بيَّا وزوجاته. تمَّ العثور على كميات كبيرة من المصنوعات الفنية بما فى ذلك حلى ذهبية.
فاقت أهرام فى نورى نظائرها فى الكرو حجماً. كان تهارقا هو أول من شيد هرماً لنفسه فى نورى وسبب ذلك فى الغالب عدم توفر موقع ملائم فى جبانة أسلافه. استخدمت جبانة نورى على مدى ثلاثة قرون ونصف- من 690 حتى 337 ق.م.، أي حتى بعد أن نقلت العاصمة الى مروى. إجمالاً تم تنظيف 18 مقبرة لملوك و 54 مقبرة خاصة بملكات. خلال ذلك تم تحديد العديد من الأسماء غير المعروفة سابقاً، وكذلك تتابع حكم العديد من الملوك. وأعطت هذه الجبانة الكثير من الآثار التى تسمح بالحكم على العلاقات التجارية والصلات الثقافية لنبتة ومروى، وأيضاً على تطور ثقافاتهما الأصيلة. للأسف لا زالت بعض النقوش التى تم الكشف عنها تنتظر النشر.
فى عام 1920 وبعد الانتهاء من التنقيب فى معبد آمون بالبركل شرع ريزنر فى دراسة الجبانات الثلاث فى مروى (البجراوية) الجنوبية والشمالية والغربية، والتى عاصرت أقدمها مدافن الكرو. استخدمت الجبانة الغربية حتى العصر المروى المتأخر، ومن ثمَّ فإنها تكون قد استخدمت على مدى ألفية كاملة. خصصت هذه الجبانة لأعضاء الأسرة الملكية الأقل شأناً. فى وقت متزامن مع الجبانة الغربية أنشأت الجبانة الجنوبية حيث استمر الدفن فيها حتى الربع الأخير من القرن الثالث ق.م. (آخر المقبورين فيها الملكين أركاكامانى وأمنيسلو، والملكة بارتارى). وعندما لم تتبق مواقع جيدة نشأت الى الشمال منها الجبانة الجديدة الشمالية التى استخدمت حتى نهاية مملكة مروى. هنا يمكن تتبع، مع مرور الوقت وضعف الصلات بمصر، العودة المجددة الى عادات الدفن القديمة بما فى ذلك دفن العبيد الذين كان عليهم مرافقة سيدهم للوقوف على خدمته فى العالم الآخر. وتسمح الكميات الهائلة من منتجات الفن المنظور بدراسة تطور الثقافة المحلية على مدى قرون كثيرة. منتجات الحرفيين ليست هامة فحسب لتحديد التواريخ وإنما تعطى إمكانية تحديد طبيعة الصلات بعالم البحر الأبيض المتوسط وكذلك مستوى تأثير الأخير على أداء فناني مروى الذين حققوا قدراً عالياً من المهارة، بخاصة فى تجهيز مختلف أنواع الحلي.
البحث الآثارى فى سمنة وأورونارتى
فى24/1923 و 1929-1927 عملت البعثة المشتركة لجامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة بقيادة ريزنر عند الشلال الثانى فى سمنة على ضفتى نهر النيل وأيضاً فى جزيرة أورونارتى. كان لبداية العمل فى دراسة التحصينات والقلاع المصرية فى النوبة الشمالية التى شرعت هذه البعثة فى إنجازها، أهمية كبيرة لإعادة تركيب تاريخ العلاقات بين مصر وكوش فى العصر السابق لنشوء مملكة نبتة. بالنسبة لتاريخ كوش فى الثلاثمائة وخمسين سنة اللاحقة لم تعط تلك الأعمال مادة تذكر خلافاً للأعمال فى قلاع أخرى، على سبيل المثال فى بوهين حيث تمَّ الكشف، كما فى سمنة وكمة، عن آثار مثيرة للملكتين القديمة والوسطى. يشير معبد سمنة الذى شيده تهارقا من الطوب غير المحروق أمام المعبد القديم لتحتمس الثالث، الى أن حكام نبتة التفتوا الى أهمية تلك التحصينات الواقعة فى الطريق الرئيس الذى يربط كوش بمصر.
إذا إستثنينا أعمال ريزنر بعد الحرب العالمية الأولى، فإن البحث الآثارى فى النوبة الشمالية وبخاصة فى السودان كان محدوداً للغاية حتى نهاية العشرينات. فى عام 1929 ارتباطاً بقرار رفع مستوى خزان أسوان الى 122 متر مما ينتج عنه رفع منسوب المياه فى البحيرة بين أسوان ووادى حلفا، بدأت مرحلة استكشافية جديدة استمرت حتى عام 1934. تم نشر نتائج تلك الأعمال فى سلسلة تقارير شملت تحت عنوان "البعثة الآثارية للنوبة 1929-1934".
لم تجر فى السودان فى تلك الفترة ولا فى السنوات التى تلت أية أعمال، ولذلك فإن المواد المكتشفة أضاءت فقط تاريخ الأطراف الشمالية لكوش. إشترك فى الحفريات وفى وصف الآثار أبرز علماء الآثار والدراسات المصرية: بطراوى، وغوتيه، وجريفيث، وكيروان، ومونير دى فيلارد، وريدر، وشتيندورف، وايمرى، ويونكر. وقد تمَّ إصدار تسع عشرة مجلداً من هذه السلسلة فى الفترة من 1929 حتى 1938. للأسف فإن العديد لازال غير منشور أو أنه وصف بصورة غير مكتملة فى تقارير مبدئية.
بالطبع فإن تلك الأبحاث التى أجريت فى جبهة واسعة، رغم أنها انحصرت فى منطقة محدودة، سلطت الضوء على كل مراحل تاريخ البلاد بدءاً من العصر الحجرى القديم، وكللت بالنجاح فى الكشف عن آثار هامة: هكذا تمَّ على سبيل المثال فى عامى 1931- 1932 الكشف عن مدافن الزعماء أو الملوك النوباديين فى بلانا وقسطل، والتى ينتمى لما يسمى بالمجموعة المجهولة والتى اؤرخت بالعصر البيزنطى.
أماطت الحفريات التى أجراها ايمرى وكيروان بين وادى السبوع وأديندان عن عدد من الجبانات المروية، التى كانت كبيرة الى حد ما فى بعض الحالات، والتى أعطت مواد تسمح بالحكم على حجم التجمعات السكانية فى المنطقة المعنية فى عصر نبتة- مروى ومدى انتشار التأثير السياسى للملوك الكوشيين. للأسف فإن غالبية المدافن كانت قد تعرضت للنهب فى القدم، وانحصرت المكتشفات فقط فى الفخار، والحلي الصغيرة، وبعض اللوحات الجنائزية المتفرقة. وبعد أن قدم ايمرى نتائج تلك الأعمال فى تقارير مبدئية موجزة، قام بالاشتراك مع كيروان بنشر تقرير أكثر شمولية قدما فيه وصفاً لمقابر الجبانة المروية فى وادى السبوع ، وكورسكو، وأمادا، والديوان، وتوماس، وأبى سمبل وغيرها. ومع ثراء ما تم جمعه من مواد فإن ذلك ما كان كافياً للحكم على مستوى التفاوت الإجتماعى وسط السكان المحليين فى عصر نبتة- مروى. شمل التقرير نبذة تاريخية قصيرة عن تاريخ النوبة الشمالية منذ العصر الأسرى المبكر حتى إنهيار مملكة مروى. والحق وصف الموضوعات الأثرية بالخصائص التيبولوجية للمواد المختلفة ( الفخار، والجعارين، والأختام، والتمائم وغيرها)، وأيضاً المقابر. أفرد فصل خاص لوصف قلعة كوبان والإقامة الملحقة بها. وبما أن القلعة قد هجرت بنهاية الأسرة العشرين فإنه لم يتم الكشف آثار للعصر اللاحق تقريباً حتى بداية العصر المسيحي، عندما استغلت القلعة مجدداً وأزيلت عنها الرمال جزئياً.
الحفريات فى كوة والأطراف الشمالية لكوش
انحصرت أعمال التنقيب فى السودان فى تلك الفترة فى منطقة الشلال الثانى- الرابع. ففى 31/1930 عملت بعثة جامعة أكسفورد بقيادة جريفيث، وبعد وفاته بقيادة كيروان فى الأعوام 34/35/1936، فى موقع كوة، جم أتون القديمة. هنا فيما وراء الشلال الثالث نشأ موقع للإقامة، واحتمالاً مدينة كانت فى الغالب مركزاً إدارياً للمنطقة، إذا ما أخذنا بالحسبان الأهمية التى أولاها الفراعنة المصريين والملوك الكوشيين لها. تمَّ تأسيس الموقع من قبل أمنحتب الثالث أو إخناتون على الضفة اليمنى للنيل بمواجهة دنقلا الحالية بحوالى 10-12 كيلومتر الى الجنوب منها. أقدم المعابد فى كوة شيده توت- عنخ- آمون. فيما بعد نقش كل من رمسيس الثانى والثالث والرابع أسماءهم. المعبد الثانى فى كوة شيده شاباكا وكرسه لإلهة مياه النيل أنوكيس. إلا أن الازدهار الفعلى لكوة يبدأ مع اعتلاء تهارقا الى العرش والذى، وفق ما تشير اليه نقوشه والآثار المعمارية المكتشفة، قام هنا بنشاطات هائلة. شيد تهارقا معبد آمون الضخم الذى تشبه خريطته معبد صنم. كما أن تهارقا رمم المعبد الذى شيده توت- عنخ- آمون، وقام بزراعة البساتين فى الموقع. وفيما بعد ترك العديد من ملوك نبتة ومروى بصماتهم فى كوة (أمان-نيتى-ايركى، وأسبالتا، وماليناكن وآخرون). المبنى الضخم، المسمى حرفياً "القصر الشرقي" يعود تاريخه الى العصر المروى، فى الغالب القرنين الثانى- الأول ق.م. كما تم العثور فى كوة على آثار تعود لعصر أغسطس. فى الموسم الثانى للحفريات تم تنظيف عدد من المنازل أشارت الى مراحل متعاقبة للإقامة. كل هذه الآثار المعمارية مع ما وجد فيها من موضوعات (فى عدادها شقوف فخارية بخاصة اليونانية والرومانية) تمثل مركباً للمصادر هاماً، والذى يسمح بإعادة تركيب لحظات متقطعة من تاريخ نبتة ومروى، على سبيل المثال الأحداث التى ارتبطت بحملة بيترونى، وأيضاً تتبع العلاقات التجارية والثقافية لكوش فى الألفية الأولى السابقة للميلاد.
إلا أن أكبر اكتشاف فى كوة أنجزه علماء الآثار، حوليات تهارقا وأمان-نيتى-ايريكى، لا تقل مستوى عن النقوش التى تمَّ الكشف عنها فى حينه بجبل البركل. أهمية الحفريات التى أجريت هنا كبيرة بخاصة لأن وصفها نشر بصورة رائعة من جانب ليمنج ماكادام بمشاركة كيروان وباستخدام المواد التى عثر عليها جريفيث. إلا أن البحث فى كوة بعيداً عن أن يكون قد إكتمل.
فى موسم 34/1935 أجرى كيروان حفريات فى فركة – على بعد حوالي 150 كيلومتر الى الجنوب من وادى حلفا. أعطت الجبانات التى نقب فيها والتى تنتمى للمجموعة المجهولة، أى النوباديين، كما فى بلانا وقسطل، مادة أماطت اللثام عن أهمية التراث الثقافى لنبتة وبخاصة مروى.
لم تعط الحفريات التى أجريت فى 1936-1938 فى سيسبى (التى تقع على بعد حوالى 270 كيلومتر الى الجنوب من وادى حلفا) حيث وجدت قلعة وموقع تابع لها من عصر المملكة المصرية الحديثة، أية آثار لعصر نبتة- مروى.
وفى عمارة (الواقعة حوالى 100 كيلومتر الى الشمال) عمل فى الأعوام 1937-1939 و 1947-1948 علماء الآثار الإنجليز. تمَّ الكشف هنا أيضاً عن مدينة وجبانة من عصر المملكة المصرية الحديثة. فقط فى الضفة الشرقية للنيل تمَّ العثور على بقايا معبد مروى. وتمَّ الكشف عن مدافن متفرقة للمجموعة المجهولة. من هنا انطلقت الطريق الى واحة سليمة. هكذا يبدو أن عمارة مثلت البوابة الى وادى النيل بالنسبة للقوافل القادمة من الغرب. وبما أن العمل الذى أجرى هنا كان مجرد استكشاف أكثر منه حفريات فإن نتائج العمل، كما هو بالنسبة لسيسبى، لم تنشر كاملة.
بالطبع فإن الحرب العالمية الثانية التى اندلعت أدت الى توقف البحث الآثارى لسنوات فى وادي النيل. فقط فى الخرطوم تمَّ الكشف أثناء أعمال بناء جارية عن مدافن مروية و، احتمالاً، من عصر نبتة، والتى درسها آركل ووصفها. وكانت بقايا المتاع الجنائزي- فخار، ورؤوس أسهم من الحديد، وتمائم وغيرها- مشابهة لنظائرها التى سبق الكشف عنها فى فرس وكارانوج، و احتمالاً، فى مروى وجبل مويَّة. وكانت بعض الأواني المتفرقة مماثلة لتلك التى تمَّ الكشف عنها فى نورى. من ثمّ فإنه هنا على ملتقى النيلين الأبيض والأزرق نشأ موقع للإقامة فى عصر ازدهار نبتة، وهو موقع قد يرجع تاريخ تأسيسه الى قرون سابقة.
وفى أحد مواقع الإقامة بالشهيناب (بين جبل أولياء والشلال السادس الى الشمال من الخرطوم) والذى يرجع تاريخ نشوئه، إنطلاقاً من المكتشفات الهائلة، الى العصر الحجرى الحديث، كشف آركل فى 49/1950 عن مدافن مروية: خمسة منها لأطفال وستة لراشدين. يؤرخ الموقع بحوالى سنة 100 – 150 ق.م. المتاع الجنائزي بها كان عادياً: فخار، وتمائم، ورؤوس أسهم، وقطع من الكتان. أهمية هذا الكشف فى أنه سلط الضوء على حجم السكان فى ذلك العصر.
فى شتاء 51/1952 أكد كراوفورد، نتيجة رحلة أنفذها للمنطقة بين الشلالين الرابع والخامس بغرض رسم خرائط للتحصينات المسيحية القروسطية والكنائس الموجودة بها، أنه وفى التقاوى وجد موقع إقامة يرجع تاريخه للعصر المروى، وأنه وجدت فى الجريف مدافن يعود تاريخها للفترة نفسها. بالإضافة فإنه حدد موقع إقامة بالقرب من الفكى محمود وفى القطينة على النيل الأبيض، الى الجنوب من الخرطوم. يفترض كراوفورد أن الفخار المروى يمكن تقسيمه الى شمالي وجنوبي. تنتمى الى الشمالي الأواني الفخارية المصنوعة من الصلصال الأحمر، وكذلك الأواني ذات الزخرف المرسوم. الأواني المصقولة ذات الزخرف المحفور تم إنتاجها فى الجنوب.
الى أواخر العصر المروى (270- 350 م) يرجع المدفن التلي فى العشرة (وهى قرية تبعد 5 كيلومتر الى الجنوب من أمدرمان) والذى عاصر المدافن المروية المتأخرة، والتى ارتبطت بتحركات النوباديين، ومن ثمَّ بانتشار ثقافة المجموعة المجهولة كما تتشابه مع المدافن التلية فى تنقاسى، الواقعةعلى بعد 10 كيلومترات الى الجنوب من مروى الحالية على ذات الضفة من النيل، مع بعض الاختلاف فى التفاصيل الدقيقة. ويلاحظ أن المتاع الجنائزي فى مدافن تنقاسى كانت أكثر فقراً مقارنة بمدفن العشرة.
فى ربيع 1954 قام شيتيك بدراسة طريق القوافل من نبتة الى مروى (كبوشية) والذى يسير مخترقاً صحراء البيوضة. أظهرت هذه الدراسة آثار ترجع فى الأساس للعصر المسيحي.
حملة إنقاذ آثار النوبة الشمالية
فى عام 1955 بدأت مرحلة جديدة للبحث الآثارى فى النوبة الشمالية والسودان عندما بدأت مصر، بعد تحريرها من الاحتلال الاستعماري طويل المدى، فى وضع مشروع خزان أسوان (السد العالي) والذى سيؤدى الى إغراق منطقة تمتد الى 500 كيلومتر من الشلال الأول حتى كوشه فى الجنوب. تطلب ذلك تنفيذ أعمال إنقاذ هائلة للآثار ودراستها. هكذا لأكثر من عشر سنوات تعمل العديد من البعثات من أقطار مختلفة تحت إشراف منظمة اليونسكو. بالطبع فقد انصب الإهتمام بالمنطقة المهددة بالغرق، ولذلك فإن البحث فى المناطق الجنوبية كان فى منطق متفرقة. نتائج الحفريات، باستثناء القليل، لا زالت تنشر فى تقارير مبدئية موجزة للغاية. بالتالي فان البينات المتحصل عليها والمواد غير متوفرة فعلياً للاستخدام العلمي، وتلمح التجربة الى أنه يستبعد أن يتم نشرها كاملة فى وقت قريب. الحقيقة أن آثار عصر نبتة- مروى قليلة عموماً نوعاًً وكماًً. إن ذلك مفهوم حيث أن البحث يجرى فى الأطراف الشمالية لكوش بعيداً عن مراكزها السياسية والإدارية.
بدءاً من عام 1951، بداية بصورة متقطعة، ومنذ 1961 بصورة منتظمة سنوياً قدم ليكلان فى دورية Orientalia ملخصاً لاكتشافات البعثات الآثارية العاملة فى السودان ومصر، مع ببليوجرافيا مفصلة، مغطياً كل ما تمَّ التوصل إليه خلال موسم الحفريات الجاري. ويجدر ذكر أن آدمز قدم بإيجاز النتائج التى تم التحصل عليها فى السنوات الأخيرة فى النوبة الشمالية والسودان. وقد حظيت الفترة من نهاية السيادة المصرية فى كوش حتى قيام الحضارة المجهولة بخمس صفحات ونصف الصفحة فى هذا الموجز. هذا الى جانب التقارير التى سجلها رؤساء البعثات ، والتى نشرت عادة فى مجلة "كوش". نحاول أن نجمل ما تم إنجازه فى كل المواقع التى يرجع تاريخها الى عصر نبتة- مروى خلال الاثنى عشرة سنة الأخيرة، من عام 1955, وسنقوم بعرض المادة باتجاه النيل الأعلى (أي من الشمال الى الجنوب).
هناك على حدود الدوديكاسخيونس حيث قامت الحدود عادة، التى تفصل ممتلكات البطالسة، ولاحقاً الرومان، عن الخاضعة لسيطرة ملوك كوش عثرت البعثة الإيطالية المتحدة برئاسة دونادوني فى المحرقة بالقرب من المعبد الروماني على ست مدافن مروية تغطيها بنية فوقية أقرب الى هيئة مساطب. وعثر فيها على نماذج من المصنوعات الفخارية المميزة للعصر الروماني، وأيضاً كأس من البرونز مزخرفة مشابهة للكؤوس التى سبق العثور عليها فى كارانوج. يبدو أن الكوشيين عاشوا دوماً فى هذه المنطقة الحدودية، ويحتمل داخل الممتلكات الرومانية.
بالقرب من توماس (كارانوج)، حيث نشأ مركز إداري فى العصر الإغريقي- الروماني على حدود مملكة مروى، عثرت بعثة معهد الدراسات المصرية لجامعة ستراسبورغ على مسلة ولوحة قرابين تحملان اسم أبراتوى- حاكم (بشتى) هذه المنطقة. إن أبراتوى معروف من نقوش أخرى ومن الخربشات الإغريقية والديموطيقية فى معبد فيلة، والتى يمكن بفضلها تحديد تاريخه بـ 253 و 260 م. بمعنى ثانٍ فإن أبراتوى كان معاصراً للملك المروى تيكريدأمانى (246- 266 م.) وفقاً للإفادة المقتضبة التى قدمها ايمرى فإنه تم العثور فى إبريم (بريميس) فى عام 1961 مدافن يرجع تاريخها للعصر المروى، وسبع مسلات من بينها قبطية، وكذلك العديد من الأواني البرنزية والزجاجية والفخارية. فيما بعد فى 63/1964 اكتشف بلملى هنا نصوص مروية، وفى 1966 برديات جزئية عليها كتابة كورسيفية مروية، وهى المرة الأولى التى يتم فيها الكشف عن مثل هذه المادة. بالإضافة تم الكشف عن فخار مروى مزخرف. فيما يتعلق ببوابات القلعة التى نظفها بلملى فإنها شأنها شأن التحصينات كان قد شيدها الرومان بعد حملة بتروني (23 ق.م.).
نقبت البعثة الأسبانية فى مسماس جبانة مروية حيث وجدت نماذج رائعة من الفخار المروى المغطى برسوم ملونة. جبانة أخرى أجرى التنقيب فيها فى توشكي فى 1960/ 1961 من جانب البعثة المشتركة لجامعتي إيل وبنسلفانيا. ساعدت المصنوعات الرومانية المستوردة فى تحديد تاريخ نشوء الجبانة. فى واحدة من المقابر وجد ختم من البرنز نقش عليه شكل بأربعة أجنحة وأربعة أرجل شديد الشبه بالمردة المجنحين البابليين. ومن المكان نفسه جاءت النصوص المروية على البرديات الجزئية. فيما بعد تم العثور على مسلة مروية تحوى 13 سطراً فى البنية الفوقية لمقبرة يرجع تاريخها للعصر القبطي، وتنتمي المسلة لشخص باسم ملى- وش. فى أرمينى بالجوار على الضفة الشرقية نسخت مخربشات مروية. بعد انتشار المسيحية استمرت الإقامة التى تأسست فى العصر المروى وهو ما يؤكد عليه العثور هنا على مسلات مروية جزئية وتماثيل "با" وبقايا بنيات فوقية للمدافن استخدمت فى تشييد الكنيسة.
تقريباً على بعد كيلومترين ونصف الكيلو الى الشمال من المعبد الكهف فى أبى سمبل، فى الصحراء ، قامت بعثة متحف ليدن بتنظيف مدينة كانت موجودة فى القرون الأولى للميلاد احتلت المدينة مساحة 220x120 متر. تظهر بوضوح ثلاث مراحل للإقامة . لم يتبق من منازل الطبقة الأولى شيئاً سوى الأساسات على عمق أربعة أمتار، فوق تلك الأساسات تمَّ لاحقاً تشييد منازل الطبقة الثانية، والتى بقيت ثلاثة منها بحالة لا بأس بها. شيدت جدرانها من الطوب والسلالم وقوائم الأبواب من الحجر. عثر فى الأفران على بقايا طعام – حبوب وفواكه. فى القرنين الثالث والرابع، كما تشير منازل الطبقة الثالثة، أصبح الموقع فقيراً. استخدم الناس للمعاش منازل الطبقة الثانية. جمع علماء الآثار الكثير من شقوف الفخار المغطى برسوم ملونة، والمصابيح الهلنستية، والدمى، والتمائم وغيرها، وكذلك اوستركون عليها نصوص ديموطيقية ومرَّوية وخرائط المنازل. الإقامة هنا كانت زراعية وانتعش فيها الغزل مما مكن من نشوء مبادلة مع كل من الجنوب والشمال حيث تمَّ جلب الفخار ومواد الترفية (مثل المصابيح الرومانية). هذا المركب يمثل واحدا من المواقع القليلة التى أعطت تصوراً عن حياة السكان وعاداتهم فى الجزء المروى من النوبة الشمالية فى القرون الأولى للميلاد.
موقع إقامة مرَّوية آخر كبير حكماً بجبانته وجد فى جبل آدا واستمر الى ما بعد ذلك كشف علماء الآثار من مركز البحوث الأمريكي فى مصر فى عام 1962 بقايا أهرام شيد بعضها من الطوب غير المحروق، وكان بعضها قد شيد على أساس من الحجارة. اؤرخت الأقدم منها الى عصر متأخر– بداية القرن الميلادي الرابع. عثر هنا على كميات كبيرة من تماثيل-با وموائد قرابين. فى إحداها ذكر اسم حاكم فرس، الذى دفن فى هذه الجبانة، حيث قُبر أبناء النبلاء المحليين (بشتى). كما يشير احد النصوص القليلة فإن المدينة سميت قديماً "آجى". وقد حصنت المدينة باكروبول تمَّ تنظيف جدرانه الضخمة. عثر فى القلعة على مخطوطات باللغة النوبية القديمة ووثائق عربية.
اكتشافات مثيرة ميزت البحث فى بلانا وقسطل، حيث استمرت فى عام 1959 الأعمال فى الجبانة. هنا تمَّ الكشف عن مدافن زعماء أو حكام النوباديين وأفراد أسرهم. المدافن التلية فى بلانا (عددها 26) اؤرخت بالقرون الثالث- السادس للميلاد. بعضها لم يتعرض للدمار مما سمح بإعادة تركيب صورة مكتملة عن الطقوس الجنائزية. المتاع كان غنياً ومتنوعاً. كثيرة كانت المصنوعات من المعادن: المصابيح، والأواني، والأحقاق. كان من بينها مصنوعات مستوردة. وفى قسطل تمت دراسة 43 مدفناً تلياً لحضارة المجموعة المجهولة، والتى مثلت ليس فقط نوباديين وإنما السكان المحليين ما بعد مرويين. كذلك درس عد من المدافن المروية كان معظمها قد تعرض للنهب. لكنه فى بعضها بالرغم من ذلك وجدت بعض الحلي، ومواد للزينة الشخصية، والدمى، والمصنوعات الزجاجية والفخارية، وألواح القرابين منها ثلاثة تحمل نصوصاً.
بالقرب من المقابر "الملكية" التى كان قد نقب فيها سابقاً ايمرى، وجدت جبانة مروية ممتدة عثر فى مدافنها على ما يزيد عن 600 قطعة مختلفة والكثير من المصنوعات الفخارية المزخرفة برسوم ملونة متنوعة: نباتات، وتماسيح، وطيور، وأسماك، وأفاعى، وكلاب،و رؤوس بشرية. المصنوعات من الزجاج وجدت مكاناً لها فى تلك المجموعة. جمعت العديد من الحلي المختلفة: التمائم، والختم، والأسورة، والعقود. وجدت فى بعض المقابر قطع من الكتان، وأحذية، ورؤوس أسهم وغيرها. كل ذلك عند نشره سيعطى مادة كافية وقيمة للحكم على الفن المروى والحرف، وكذلك عن مدى الصلات التجارية.
Addison 1950, 'Archaeological Discoveries on the Blue Nile', Antiquity, vol. 24, No.93.
M.D.Dixon 1964, 'The Origin of the Kingdom of Kush (Napata-Meroë) ', Journal of Egyptian Archaeology 50.
G.A.Reisner, The Meroitic Kingdom of Ethiopia: A Chronological Outline.- Journal of Egyptian Archaeology 9.
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة