قراءة في كتاب: "مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج للدكتور/أحمد المعتصم الشيخ
خالد محمد فرح/طرابلس
khaldoon90@hotmail.com
المبحث الثاني الذي اشتمل عليه هذا الكتاب، جاء بعنوان: "زمن العنج". ومن وحي هذا العنوان أقول: إنه لو لم يقتصر جهد الدكتور/ أحمد المعتصم إلاَ على محاولة الاقتراب من هذا الاسم الذى تلفه غلالات من السحر والغموض، والذى ظل يرتبط لدى عامة السودانيين بالأساطير العجيبة، ومن ذلك أسطورة "خراب سوبا"، لكفاه ذلك تفرداً وأصالة وجرأة أكاديمية وفكرية محمودة ينبغي أن تحسب لصالحه. ذلك بأننا قد رأينا سائر الباحثين من أجانب ووطنيين، قد تجانفوا تجانفاً مريباً عن البحث في موضوع "العنج" هذا، وأهملوه إهمالا يكاد يكون كاملاً. فكأنهم قد حسبوه حديث خرافة. والآن قد جاء بحمد الله
-فيما يبدو- جيل من الباحثين "المسلطين" ممن ليست عنده "قشة مرة"، ولن ينكص عن قول كل ما يمكن أن يقال في مختلف أبواب الثقافة والتاريخ والحضارة السودانية العميقة الجذور والمتشعبة المغاور، والتى لم يزل البحث فيها لم يقتل يقينا بعد في مجالات عدة.وقد جاء في التمهيد الذى صدَر به المؤلف هذا البحث، وذلك في معرض توضيحه للدافع الذى حدا به الى تأليفه ما يلي: "تحاول هذه الدراسة البحث في مسألة العنج الذين يرد ذكرهم بصورة متكررة في التراث الشفاهي والمخطوطات الوطنية التى تؤرخ لنهاية مملكة علوة وظهور الفونج. والاشارات للعنج تضعهم في الفترة المسيحية المتأخرة بعد سقوط دنقلا وإسلامها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي، وقبل ظهور دولة الفونج في أوائل القرن السادس عشر، ولم تحظ هذه الفترة بالاهتمام من قبل دارسي الفترة المسيحية، الذين يتوقفون عند إسلام دنقلا، ودارسي دولة الفونج الذين يركزون في دراساتهم على بداية عهد الفونج في القرن السادس عشر. وبذلك نجد أن هذه الفترة التى امتدت قرابة القرنين، لم تجد حظاً يذكر من الدراسة، وعممت عليها الحقائق التي توصل إليها في دراسة منطقة المقرة، أو إسقاط فرضيات فترة الفونج عليها." أنظر الكتاب ص 41.
ويذكر المؤلف في سياق التمهيد أيضاً، أن المصادر التى أوردت إشارات "للأنج" أو "العنج"، تتلخص في ثلاثة مصادر مختلفة: أولها ما ورد بشأنهم عند المؤرخين العرب في العصور الوسطى، والذين أشاروا الى "الأنج" عنصراً سكانياً محصور المكان، وفي جهة غير محددة. والمصدر الثاني هو المخطوطات الوطنية التى ورد فيها ذكر للعنج عند إشارتها لبداية فترة العبدلاب والفونج. والمصدر الثالث، كما قال، هو التراث الشفاهي للمجموعات السكانية في وسط السودان.
وقد تطرق الكاتب الى الاشارات المقتضبة التى جاءت في مؤلفات بعض الباحثين والمؤرخين المختصين في تاريخ السودان وسكانه وقبائله، مثل: آركل، ودي فيلارد، ومكمايكل، ومكي شبيكة، ويوسف فضل. وملخص تلك الاشارات هو أن "العنج" هم السكان الذين كانوا يعيشون في مناطق من حوض النيل والجزيرة وأجزاء من شرق السودان وغربه خلال الفترة التى سبقت قيام سلطنة الفونج في عام 1504 م. والسلام!! وقد يضيف بعض المؤرخين مثل البروفيسور يوسف فضل حسن، أن المسميين: "نوبة" و"عنج"، يستعملان مترادفين في بعض المخطوطات الوطنية. أما المشتغلون بعلم الآثار الذين اهتموا بالآثار المسيحية للمقرة وعلوة، فيذكر عنهم المؤلف أنهم: "لم يضفوا أي أهمية للاشارات الواردة عن العنج في المصادر الأخرى. ويخلو سفر مثل كتاب "آدمز" الشامل للدراسات الأثرية في منطقتي المقرة وعلوة، من أية إشارة للعنج. ونجد كروفورد الذى قام بالمسح الأثري في منطقة النيل الأوسط، ولآثار الفترة المسيحية بالتحديد، عندما تصادفه كلمة "العنج"، يحاول تخريجها لتعطي معنى آخر. وكذلك شيني الذى قام بحفريات في سوبا. والشاهد أن دارسي الآثار، لم يلتفتوا الى الروايات الوطنية والشفاهية عن العنج، ولم يحاولوا الاستفادة منها وتضمينها في تقارير نشاطهم الآثاري (أنظر الكتاب ص 43).
ويستشهد المؤلف في معرض سعيه لإثبات مشروعية البحث في مسألة "العنج" هذه وتسويغها، وبالتالي محاولة وضعها في سياقها الصحيح في إطار تاريخ السودان الوسيط، أو بمعنى آخر: إثبات تاريخية Historicity هؤلاء العنج، يستشهد برأي للدكتور عبد الله علي إبراهيم، سبق أن عبَر عنه في ورقة بحثية له بعنوان: "كتابة التاريخ السوداني والروايات الشفاهية" Sudanese Historiography and Oral Traditions، نشرت ضمن كتاب بعنوان: "الفلكلور والتنمية في السودان". وهو كتاب من تحرير البروفيسور أحمد عبد الرحيم نصر، وقد صدر عن معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، في عام 1989. ومفاد ذلك الرأي هو: أنَ المؤرخين السودانيين قد تعاملوا بإهمال مع الموروث الشفاهي، ولم يتم استخدامه بصورة جدية، ولم يتم استغلال إمكانياته الواسعة، وذلك بالرغم من أن التاريخ الشفاهي قد أضحت له مناهجه، وعلى الرغم من أنه يمثل مصدراً غنياً للمعرفة عن تاريخ الشعوب، ويجب لذلك الاستعانة به للكتابة العميقة للتاريخ.
وبخصوص المنهج الذى اتبعه المؤلف في هذه الدراسة الرائدة في مجالها بكل المقاييس، قال الكاتب إنه قد اتبع منهجاً متداخلاً يحاول الاستفادة من كل ما هو متاح من معلومات في المصادر التقليدية وغير التقليدية على السواء. بيد أنه قد اعتمد بصفة أساسية على الروايات الشفاهية التي تم جمعها، أو التى وردت في مصادر سجلت فيها كتابة، وبوسائل أخرى لم يسمها.
ونبَه الكاتب الى أنَ دراسته، كما قال، لا تنبني على فرضية تسعى الى إثباتها، أو تهدف الى نقد فرضية سائدة، ولكنها تسعى الى أن تقود القارئ الى المعطيات الواردة في المصادر الى النتيجة المنطقية لتتبعها. ويضيف المؤلف أنَ دراسته لا تسعى الى الاجابة على الأسئلة بصورة جازمة، وإنما تسعى لإثارة الأسئلة وطرحها للنظر والتأمل.
حول مكان العنج ككيان بشري وسياسي، يرجح المؤلف من واقع قراءته لنص أورده المؤرخ بن عبد الظاهر عن حادثة وقعت في عام 1286 م.، تتعلق بحملة مملوكية أرسلت لتتعقب الملك "آني" أحد ملوك المقرة، الذى ذكر أنه فر من جنوب دنقلا وهرب إلى جهة "الأنج"، وهي منطقة وصفت في النص المشار إليه بأنها: كثيرة الأشجار والأفيال والقرود والنسانيس والوحش الذى يسمى المرعفيب (وهي كلمة بجاوية تعني الضبع)، يرجح أن يكون مكان العنج هو منطقة دلتا نهر القاش. كما استنتج من قراءته لنص أورده "النويري"، يتعلق بتجريدة مملوكية أخرى للمنطقة ذاتها، ورد فيها اسم بلاد "هلنكة"، استنتج احتمال وجود علاقة بين "العنج" و "الهلنكة" أو ما صاروا يعرفون الى الآن بـ "الحلنقة". وذكر المؤلف في هذا السياق، أن "السوط" يسمى في اللغة الأمهرية "ألانجا" Alanga، وربط بين هذه الكلمة و"سوط العنج" المشهور كأحد أبرز مظاهر الثقافة المادية التى لا يزال السودانيون ينسبونها الى "العنج".
وقد رجح المؤلف من خلال استقرائه لما ورد عن الأنج في اللمحة الخاطفة التى أوردها عنهم بعض المؤرخين العرب كما أسلفنا، أن تكون تلك المنطقة (بلاد الأنج أو العنج)، هى منطقة دلتا القاش وما جاورها من بلاد البجة الجنوبية، بل إنَ حدسه قد ذهب الى عد "الحلنقة" ربما يكونون هم " العنج " أنفسهم استناداً إلى القرينة اللغوية والتشابه اللفظي، ثم نظراً لمكانة " السوط " الطقوسية عند كليهما.
بيد أنَ المؤلف يذكر أبا القاسم بن حوقل (ت 956 م) في موضع آخر، باعتباره أول من أشار إلى قيام كيان سياسي محدد في تلك المنطقة، التي يشير إليها بن حوقل باسم مملكة " تفلين ". والتي يقول عنها وعن أهلها: " ولهم ملك مسلم يتكلم بالعربية من قبل صاحب علوة. و" أهل تفلين" فيهم مسلمون كثيرون على غير ناحية من دينهم، يتجرون ويسافرون إلى مكة وغيرها ". ص 56 من الكتاب.
قلت: هذا النص من ابن حوقل الذي أثبته المؤلف، غير أنه لم يقف عنده وقفة فاحصة متسائلة، مهم جداً في تقديري. وهو قمين لمن تدبره ملياً، بأن يعينه على محاولة استكناه بعض السمات الأساسية للهوية الإثنية والدينية للعنج، مقروءا مع ما احتفظت به الذاكرة الشعبية المتوارثة بين أجيال السودانيين المتعاقبة منذ قيام السلطنة الزرقاء وإلى الآن عن أولئك القوم، مضافاً إليه بالطبع، الرواية الشفاهية للحلنقة أنفسهم عن أصلهم الذي ينتمون إليه، وذلك حتى لا نغفل فرضية المؤلف.
ولنبدأ بما احتفظت به الذاكرة الجمعية التليدة لأهل السودان حول السمات والخصائص الجسمانية للعنج. وفي هذا الخصوص نقول: إن الروايات الشفاهية المتداولة عن العنج في مختلف أنحاء السودان تكاد تجمع على أن العنج كانوا أناساً " صفر الألوان، ورقابهم طويلة، وشعورهم طويلة أيضاً " . ( انظر مادة عنج في كتاب قاموس اللهجة العامية في السودان لعون الشريف) .
أما وصف رقاب العنج بالطول، فربما أفادنا أيضا في تخريج هذه اللفظة نفسها " العنج ". ذلك بانَ هذه المادة " عنج " تفيد في اللغة العربية الفصحى، كما تسعفنا بذلك كتبها ومعاجمها، معنى " طول الرقاب بالضبط ". ومن ذلك قول الشاعر الجاهلي " عامر الخصفي المحاربي " في قصيدة له منشورة في " المفضليات " ، يصف في أحد أبياتها خيلا طويلة الأعناق:
ويوم رجيج صبَحت آل طيئ " عناجيج " يحملن الوشيج المقوَما
وقد فسر الشراح كلمة " عناجيج " هنا، بأنها تعني الخيل الطويلة الأعناق.
وفي العامية السودانية، تجئ المادة " عنج/ نعج " مرتبطة بالأعناق وطولها. ومن ذلك قول ود المكاوي ( مادح الشيخ الطيب ) ، في قصيدته الشهيرة " يا ليلى ليلك جنَ " :
عنَج رقابو تحنَى
وفي كردفان يطلقون على ذلك الطائر المائي الطويل العنق ، الذي يعرف في مناطق أخرى من السودان ب " الرهو " ، وهو عينه طائر ال Ibis المقدس عند قدماء المصريين، يطلقون عليه اسم " النعيجة ". وهو بالمناسبة، غير الطائر الأبيض الرشيق الذي يسمى في كردفان " أب رهيو " ، ويسميه الناس في المناطق النيلية " طير البقر ".
إنَ إشارة أحمد المعتصم الخاطفة لمملكة " تفلين " العربية التي سبق أن أشار إليها بن حوقل في كتابه " صورة الأرض " ، وأثبت وجودها في منطقة حوض نهر القاش منذ القرن العاشر الميلادي على الأقل، وافتراض المؤلف ضمنياً أن يكون العنصر البشري الذي كان يعمر تلك المملكة ذا صلة بعنصر " العنج " ، لمما يقوي حدس كاتب هذه السطور بان " العنج " هؤلاء، ربما كانوا فعلا من عرب السودان " العاربة " المنقرضين، أو أنهم كانوا، على أقل تقدير، عنصراً بجاوياً مسلماً – ولو إسمياً- و على درجة عالية من الاستعراب.
أما وجود مجموعات سكانية ذات أصول عربية في تلك المناطق ( جنوب ديار البجة)، تعود إلى القرون الأولى من الهجرة، فإنه من الحقائق الثابتة آثارياً. إذ تم العثور على آثار سكنى مجموعات بشرية وشواهد قبور لعرب، تعود إلى القرنين الثالث والرابع الهجريين، بنواحي " خور نبت " الواقع بمنطقة حوض وادي " بركة ". وهذه المعلومة مثبتة في مقال نشر في أحد أعداد مجلة Sudan Notes & Records ، ندَ عني اسم مؤلفه وتاريخ نشره الآن. بل إنَ أسماء بعض الأشخاص المتوفين التي وجدت منقوشة على شواهد تلك القبور، تشي بقوة بأنها تعود إلى عرب أمويين تحديداً مثل: " هذا قبر الوليد بن محمد بن الوليد بن أبان ". ذلك بأنَ " الوليد " و " أبان" ، قد كانا من الأسماء الشائعة بين بني أمية.
كذلك هنالك بعض الشواهد الأخرى التي تحمل على الاعتقاد في أنَ " العنج " ربما كانوا بالفعل عنصرا عربيا أو مستعرباً، وربما مسلماً أيضاً، ولكن " على خفيف ". فعلاوة على ما ذكرنا من صفاتهم الجسمانية التي اختزنتها عنهم الذاكرة الجمعية الشعبية، فإنَ ذات الذاكرة تقول عنهم إنهم كانوا يتحدثون العربية.
أما ديانتهم، فأنا أحدس أيضاً من غير يقين قاطع، بأنهم ربما كانوا مسلمين تطاول عليهم العهد وانقطع عنهم الدعاة والمعلمين، قبل أن تفد عليهم أفواج من القبائل البدوية المهاجرة التي لم يكن أفرادها على حظ كبير من التفقه في الدين. ولذلك بقوا على حالة من الإسلام الاسمي كما نرجح.
ولعل تسامح " العنج " مع طائفة من " الفقراء " والدعاة المسلمين الذين بدءوا مسيرتهم التعليمية والدعوية خلال فترة حكمهم، لمما يقوي الحدس القائل بانتماء هؤلاء العنج أنفسهم انتماء ما للدين الإسلامي. إذ ترد في التراث الشفاهي، وكذلك في المخطوطات الوطنية مثل كتاب الطبقات لود ضيف الله وغيره، بعض الإشارات لنفر من المتصوفة ومعلمي القرآن الذين ظهروا أثناء فترة حكم " العنج ". مثل: غلام الله بن عايد وأحفاده، والشريف حمد أبو دنَانة، والشيخ البنداري، والشيخ حمد ود زروق وغيرهم.
ومما يقوي الاعتقاد في " استعراب" العنج و" تأسلمهم "، ما وعته الذاكرة الشعبية وكذلك المخطوطات الوطنية من أسماء نسائهم مثل: " عجوبة " المشهورة التي قيل إنها قد خربت " سوبا " ، وأسماء رجالهم التي أورد منها المؤلف في كتابه نقلا عن بعض المخطوطات الوطنية، اسم: " حسب الله العنجاوي "، الذي وصف بأنه كان " كبير العنج ". كذلك ألفيت المخطوطات الوطنية في حيثما ورد فيها اسم هذا القبيل من الناس، كثيراً ما تشير إليهم باسم: " عربان العنج " .
أما إذا صحت الفرضية القائلة بعلاقة العنج ب " الحلنقة " ، وهو الرأي الذي يميل إليه المؤلف فيما يبدو، فينبغي أن نتناول هذه الفرضية في ضوء ما توفر لدينا من معطيات تاريخية وآثارية واثنولوجية للمنطقة المعنية أيضاً. وهي معطيات تتضافر كلها لتؤكد تأثر تلك المنطقة " بلاد البجة الجنوبية " ، بوجود بشري عربي وإسلامي قوي منذ القرون الأولى للهجرة. ولعل مما يحسن ذكره في ذات السياق، أنَ " الحلنقة " أنفسهم يعودون بأصلهم إلى قبيلة " هوازن " العربية، وبالتالي يكون الإشكال محلولا.
يذكر المؤلف في موضع آخر من بحثه، أنَ اسم " العنج " يختفي من تراث أهل " البطانة " وشرق النيل الأزرق، ويحل محله اسم " البلو " بنفس الدلالة. وهنا نقول إن اسمَ " البلو " المذكور، ربما يكون تحريفاً لاسم قبيلة " بلي " العربية التي كانت من أوائل القبائل العربية التي هاجرت من الجزيرة العربية إلي السودان، ربما من قبل ظهور الإسلام، والتي يبدو أنها قد كانت من أوائل القبائل العربية التي احتك بها البجة. يدلك على ذلك أن البجة يطلقون على اللغة العربية في لغتهم إلى الآن: " بلويت ".
ويحدد المؤلف المنطقة التي شهدت سيطرة العنج، وتأثرت بالتالي بالتراث العنجاوي وساد فيها، بالمنطقة من الشلال الرابع وحتى الشلال السادس في النيل، وشمال النيل الأزرق وبعض أرض الجزيرة والنيل الأبيض، وشرقا بالبطانة وغربا بمنطقة الكبابيش.
ويقول الكاتب عن هذه المناطق المتأثرة بالتراث العنجاوي، بأنها تتميز " بظاهرة لفتت أنظار الكثيرين وهي انتشار المقطع " آب " في أسماء المجموعات السكانية .... وهو مقطع يسود في منطقة البجة وقد اصطلح على أنه مقطع بجاوي " أ.ه ص 74 من الكتاب.
والواقع هو أنه ليس صحيحاً أنَ المقطع " آب " لا يوجد خارج منطقة التراث العنجاوي كما حددها المؤلف. إنَ هذا المقطع موجود عند البشاريين والعبابدة في أقصى الشمال الشرقي للسودان، كما إنه يوجد عند عربان أقصى جنوب مصر مثل العبابدة والجعافرة وربما لدى قبائل أخرى مثل القراريش والعليقات وغيرهم. كما انه لا يندر أن يوجد المقطع " آب " عند القبائل القاطنة في الجزيرة وعلى ضفاف النيلين الأبيض والأزرق، إلى الجنوب من المنطقة التي حددها المؤلف.
إنَ ثبوت وجود المقطع " آب " في أسماء بعض القبائل والمجموعات العرقية خارج نطاق " التراث العنجاوي " وفقاً للمؤلف، بل خارج السودان كما رأينا: " أقصى صعيد مصر " ، لمما يحمل على الشك في صحة اقتصار نسبة هذا المقطع إلى لغة البجة وحدها. وعطفاً على ذلك أيضاً، فإننا نقول إنَ لفظة " أرباب " بمعنى " حاكم الكيان القبلي الصغير " أو بمعنى أحد الأعيان والوجهاء في مصطلح فترة الفونج، كما يذكر المؤلف، رابطاً بينها وبين المقطع " آب " الآنف الذكر، ليست حكراً على العامية السودانية وحدها. ففي اللهجة العراقية المعاصرة، يوصف الرجل السيد الكريم الفاضل الغطريف بأنه " راجل أرباب ".
لقد كاد يستقر في أذهان الباحثين في مجالات التاريخ والأنثربولوجيا واللسانيات في السودان، أنَ اللاحقتين " آب " و " يب " اللتين تدخلان على ألفاظ كثيرة في عربية أهل السودان العامية، مثل قولهم: " قرباب" و " ويكاب " و " جقليب " و " سكليب " ، هي من كلام البجة. قلت: قد يكون ذلك كذلك، ولكنَ هذه المقاطع يبدو أنها ليست من كلام البجة وحدهم، بل هي بالأحرى من قبيل المشترك اللغوي بين ما يسميها الدكتور جعفر مرغني بلغات حوض البحر الأحمر، بما في ذلك اللغة المروية القديمة و اللغة العربية.
خذ مثلا كلمة " عنقريب " ،هذا السرير الخشبي المعروف في السودان. فإنك تجد البروفيسور عون الشريف قد قال في تخريجها في كتابه: " قاموس اللهجة العامية في السودان " ، إنها " بجاوية " الأصل. وقد شاع هذا التخريج وفشا بين سائر اللغويين والفلكلوريين . ولكنني سمعت البروف عبد الله الطيب، رحمه الله، يقول نقلا عن زميله البريطاني بروفيسور سارجنت، أستاذ اللغة العربية بجامعة كمبريدج،إنَ أهالي جزيرة " سوقطرة " الواقعة في بحر العرب، جنوب اليمن،وهم يتكلمون واحدة من مجموعة اللهجات الشحرية- الظفارية ذات الصلة اللصيقة باللغة الحميرية القديمة، يسمون نجوم الدب القطبي: " العنقريب ". وهو ذات الاسم الذي يطلقه عليها السودانيون. فتأمَل!.
كذلك فإنَ التراث العنجاوي في كردفان – حسب علمي- ليس قاصراً على الكبابيش وسكان منطقة الجبال البحرية وحدهم كما جاء في هذه الدراسة. فقد أورد السير هارولد مكمايكل في كتابه: " قبائل شمال ووسط كردفان " ، نقلا عن بعض النسابة الوطنيين، أنَ بعض البطون المنسوبة إلى بعض القبائل التي تقطن في وسط وغرب كردفان، هم من " العنج " في الأصل.
في الفصل الأخير من هذه الدراسة، الذي جاء بعنوان: " نهاية زمن العنج " ، يتطرق المؤلف للجدال العلمي الذي دار بين المؤرخين، ولا يزال قائماً، حول تاريخية قيام الحلف السناري ( بين العبدلاب والفونج ) ن الذي ينسب إليه إسقاط " سوبا " ، ومن ثم قيام دولة الفونج. حيث أشار إلى النقد الذي وجَه إلى تلك الفرضية، واعتقاد البعض بأنَ الأمر قد تم أولا بقضاء العبدلاب على العنج بمفردهم، ثم تمت بعد ذلك هزيمة العبدلاب على أيدي الفونج في عام 1504 م.
ومما استوقفني بصفة خاصة في سياق هذا الجزء من الدراسة، عبارة أوردها المؤلف تشي بالتشكيك في تاريخية وجود الشيخ عبد الله جماع نفسه، فقط لأن الاسم الشائع في تراث العبدلاب هو " ود عجيب " . يقول المؤلف: " وعبد الله جماع نفسه لا يجد الإجماع على وجود شخصية بهذا الاسم، حيث أنَ روايات العبدلاب الشفاهية نفسها لا تجمع عليه، وإنما تشير بعض الروايات إلى بداية أمرها من ( عجيب ) " . من الكتاب ص. 93 .
قلت: وهذا شئ " عجيب " حقاً. وهل يكفي عدم ورود اسم شخص ما أو شئ ما أو واقعة ما مكتوباً، لإثبات عدم وجوده التاريخي؟ هذا هو " هبل " كبير أصنام مشركي قريش، لا يشك أحد في وجوده التاريخي، ومع ذلك، فإن اسمه ليس مذكوراً في القرآن الكريم، بل يذكر أسماء آلهة أخرى هي: اللات والعزى ومناة. وما أكثر ما وردت الإشارات " المكتوبة " عن " العنقاء " و " التنين " في القصص والأشعار ، وهي أشياء لا وجود لها البتة في الواقع.
إنَ تاريخية وجود عبد الله جماع، يمكن إثباتها بسوى البينات التاريخية المعروفة، عن طريق باب من أبواب علم اللغة الاجتماعي هو باب " أسماء الأعلام " أو ما يعرف في الفرنسية بال Onomastique . ذلك بإنَ اسم " عبد الله " قد تكرر ثلاث مرات أخر في سلسلة ملوك العبدلاب، مما يدلك على انهم قد سموا جميعهم على سلف عظيم لهم يدعى " عبد الله " ، الذي هو " عبد الله جماع " بلا ريب. ( انظر كتاب محمد صالح محي الدين عن مشيخة العبدلاب ) .
إنَ شيوع اسم " عجيب " و " ود عجيب " في تراث العبدلاب عموما، إنما يمكن تفسيره، في تقديرنا، بالمكانة العالية وشبه الأسطورية، التي كان يتمتع بها الشيخ عجيب المانجلك، نجل عبد الله جماع المذكور، وخليفته على العرش. ذلك بانَ عجيب المانجلك كان في نظر العبدلاب، وفي نظر كثيرين غيرهم داخل السودان، هو " سلطان الظاهر والباطن ". فهو عندهم ملك وولي صالح وشريف، أمه بنت الشريف حمد أبو دنانة كما يقال ( وهذه من التراث الشفاهي ). وهو فارس مجاهد وفاتح عظيم وحاج لبيت الله الحرام. ولهذا كله ذاع صيته وشاع اسمه، ووسم الأسرة العبدلابية الحاكمة كلها بميسمه. ولكن هذا لا يمنع أن يكون مؤسس المملكة، هو أبوه الشيخ عبد الله جماع، الذي تسمت به القبيلة من بعد فقيل " العبدلاب"، وإلا فكان ينبغي أن يسموا ب " العجيباب ".
ولنضرب مثلا على مثل هذا الوهم الذي يوقع في مثل هذا الخطأ نقول: فلنتخيل انه قد جاء باحث بعد ألف عام من الآن، ووجد التراث المكتوب الرائع والموثق الخاص بالشيخ عبد الرحيم البرعي " راجل الزريبة " ، وطفق يؤرخ لقرية " الزريبة " المذكورة، فزعم أنَ مؤسسها هو " الشيخ البرعي، " وليس والده "الشيخ محمد ود وقيع الله ". فقط لأن البرعي أكثر شهرة من والده، وأنَ له تراثا إبداعياًً موثقاً مكتوباً.
ومثال آخر من الواقع السوداني هو: إنَ قبيلة " الركابية " مثلا، انتسب أفرادها إلي جدهم الأقرب "ركاب"، وليس لجدهم الأعلى " غلام الله بن عايد " الذي لا يشك في وجوده التاريخي، على الأقل من وجهة نظر النسابة الوطنيين والروايات الشفاهية. بل إنَ اسم غلام الله نفسه، ليس بالواسع الانتشار حسب علمي بين أفراد هذه القبيلة.
وصفوة القول هو أنَ هذا الكتاب " مملكة الأبواب المسيحية وزمن العنج " ، كتاب جديد غاية الجدة في مادته، وأصيل غاية الأصالة في بابه كما أسلفنا، كما أنه كتاب مفيد وممتع حقا. وهو حري بأن يحدث ردود فعل علمية أكثر رصانة وتمحيصاً من قبل العلماء المتخصصين في هذا المجال، بأكثر مما فعلت أنا عبر هذه الخواطر التي ربما اعترتها بعض الانطباعية والتسرع، وربما شابها بعض القصور في الأداة البحثية، الناتج عن عدم توفر المراجع اللازمة بحوزتي في الوقت الراهن.
خالد محمد فرح
دبلوماسي وباحث
رئيس قسم الدراسات والبحوث بالأمانة العامة لتجمع دول الساحل والصحراء (س.ص) ، طرابلس- ليبيا