أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
فصل من كتاب

الفصل الثالث: التطور والتجاوز

التاريخ الحديث والوثائق

الفصل الثالث

                                                                     التطور والتجاوز

أشار الراحل ا.لـ. كروبر  Kroeber،  الذي كان عميداً  لعلم الإنسان الأمريكي لعدة سنوات، إلي أن كلمة التطور صارت كلمة “بيتية ” شائعة . وبالتأكيد لم تكن تساور كروبر أية أوهام على أن لدي أغلبية “أرباب البيوت ”، حتى في أكثر البلاد تمدنا ،   أشد الأفكار  غموضا عن ماهية التطور .   مع  ذلك كما أشار سوروكين Sorkin (1937) فقد صار التطور “ المقولة السائدة للإدراك العقلي".  و ( النظرة إلي الأشياء من منطلق أصولها وتناميها وتطورها هي رؤيتنا لكل شئ من الدين إلي البورصة . لقد تجذر هذا المنظور في عقولنا وأضحى على درجة من العمق بحيث لا يستطيع الكثيرون منا أن يتصوروا أي مدخل لا تاريخي أو لا تطوري أو لا تناموي لدراسة أية ظاهرة ) .

تشير كلمة “التطور” لدي معظم الناس إلي النظرية البيولوجية التي اقترحها شارلس داروين . لقد درس التطور البيولوجي الكثيرون ممن سبقوا داروين، لكن داروين هو الذي حشد جملة من الأدلة الغامرة لدعم نظريته. غير أن التطور ينطبق على مجالات أوسع بكثير من التطور البيولوجي.  فقد تم الاعتراف أو على الأقل النقاش في تطور المجموعة الشمسية والكرة الأرضية والمجتمعات البشرية قبل التطور البيولوجي. ليس هنالك تعريف عام مقبول لكلمة التطور.   إن تعبير “التغير المتواصل أي المستدام ”  يقارب المعني أكثر من غيره في الوقت الراهن .  يمكن تعديل هذا المفهوم في حالة التطور  البيولوجي إلي “التغير المتواصل عبر أجيال متتابعة ” ، وذلك لتمييز تنامي المجموعة  “فايلوجينى”  أي تاريخ النوع أو الأنواع عن  تنامي الفرد “أونتوجيني ” . اقترح هكسلى Huxeley  (1955) تعريفا أكثر تفصيلا ،  وفي تقديره أكثر تعميماً ،  للتطور  ” التطور عملية ذاتية الدفع وذاتية التحول وذاتية التجاوز ، محددة الاتجاه زمنيا ولذلك فهو غير قابل للإلغاء، ويولد في مساره ابداعاً متجدداً وتنوعاً متزايدًا وتنظيماً معقداً ومستوي أعلى للوعي وفاعلية عقلية واعية متصاعدة ”.  هذا التعريف لا يكفي لسوء الحظ للتطور البيولوجي وحده .  فحالات الركود التطوري تبين أن التطور ليس ذاتي الدفع ؛ التطور أساساً صيرورة تلمس، وهو صيرورة توجيهية في المرتبة الثانية فقط ؛  وأحياناً يكون التطور تقهقرياً  بدلاً من أن يكون تقدمياً ؛  الإنشطار التطوري  “زيادة التنوع ”  يتكرر بنفس درجة التركيز التطوري ”التغيير داخل نفس المجموعة” ؛  وقد نشأ الوعي والوعي بالذات،حسبما نعلم، في خط تطوري واحد هو الذي يقود إلي الإنسان .

يكاد الإنكار التام لحدوث التطور يكون مستحيلا ، على الرغم من أن بارمنيدس Parmenides كان يؤمن بأن  التغيير ليس سوي خداع للحواس.  وعلى أي حال فحتى لو كان هنالك واقع أبدي علوي لا يتغير ،  فالسؤال وارد حول مدي التغيرات التي أوهمتنا حواسنا بحدوثها. وقد قامت كل الشعوب حتى البدائية تماما،  بتأليف أساطير للخلق تحكي أصول العالم والجنس البشري. وغالبا ما تكسو هذه الأساطير مشاعر وجدانية رائعة تنبع ، كما تقول بعض النظريات، من أشد أغوار النفس البشرية عمقا  (لونق Long1963) .  تحكي أساطير الخلق أفعال الشخصيات المقدسة التي نتج عنها عالم اليوم .  وقد حدثت هذه الأفعال البطولية والأحداث العاصفة أساساً في بدايات العالم .  وبمجرد اكتمال تلك الأحداث فإن العالم يتم تصويره في حالة ثابتة نسبيا ولا تقبل التغيير .

إن قصة الخلق في سفر التكوين إذا ما أخذت وحدها  يمكن أن تفسر ، وقد فسرت فعلا أساسا لرؤية لاـ تطورية للطبيعة والكون والإنسان.  وقد سادت هذه الرؤية  اللاتطورية حتى تحطمت تحت تأثير  الاكتشافات العلمية في العصر التالي للنهضة. حقا لم ينكر كل تغيير ،  لكن التاريخ المفترض القريب جدا لبداية العالم ، سنة 44004ق.م. وفقا لتقديرات الأسقف اوشر ، أوحي بأنه لم يكن متاحا للعالم أن يتغير كثيرا منذ بداية الخلق . ومن هنا جاءت الكلمات الأكليركية : “ما كان هو الذي سيكون وما يقضي به العرف هو الذي سيتم ؛ وليس هنالك جديد تحت الشمس ” .

تفترض روايات أخري للخلق تكرارا أبديا لخلق العالم  وتحلله. تتضمن  بشكل ما  الرؤيتين التطورية واللاـ تطورية للعالم . وتعتبر كونيات فيشنو بورانا  Vishnu Puranaمثلا جيدا لهذه الروايات . فالكون يتكرر على دورات تبلغ الواحدة منها 4320000  بليون سنة بالضبط ، وهذا رقم مهول حتى بالنسبة لحوالي خمسة عشر بليون سنة هي التقدير الراهن لعمر الكون . وتتخلل هذه الدورات الكبرى دورات صغري مداها 432000 سنة تخضع لتغيرات جذرية من بداية خلق (كرتا يوقا)  إلي نهايته المدمرة  (عهد كإلي الذي نتوسطه الآن) .  كان الفيثاغوريون أيضا  مغرمين بالنظريات الدورية التي اختلف طول دوراتها (إنوس ماقنوس) من 5552 إلى 100020سنة . و كان نيتشة من أشد دعاة الإيمان حماسة بالتكرار الأبدي ؛ وجدت النظريات الدورانية للتاريخ حظوة لدي كل من دانيلفسكي وشبنقلر ولحد ما سوروكين.

تعتبر المسيحية من أكثر الأديان العظمي وعياً بالتاريخ ، وهي بهذا المعني تطورية.  إنها تؤكد أن تاريخ البشرية والعالم ليس مجرد وهم وليس شراً لا خلاص منه.  فالتاريخ هو مركبة الخلق.  لقد كانت للعالم بداية وستكون له نهاية. وقد وقع حدث محوري في لحظة معينة من التاريخ إذ  اتخذ الله هيئة إنسانية وعاش بين الناس . لذا فإن الإنسان  يتموضع في مركز المعني في التاريخ . وبكلمات تيليش (1963)  إن التاريخ يتأكد في نداء الوعي الباطني المسيحي بطريقة تجعل الإجابة على الأسئلة التي توحيها التباسات الحياة في بعدها التاريخي تكمن في رمز  "مملكة الله". ولا يعني هذا بالضرورة عقيدة للتطور التقدمي صوب حالة من الكمال؛ وفي الواقع فإن المسيحية ورثت عن اليهودية مبدأ السقوط المأساوي للإنسان من حالة كمال ابتدائي .

ليس صدفة إذن أن فكرة التقدم نمت وترعرعت في الخلفية الثقافية المسيحية ـ  اليهودية، على الرغم من الإطار العلماني ، لا  الإطار الديني الذي نشأت فيه (برى Bury 1932) . وقد اعتقد الموسوعيون أن “الكتلة الكلية للجنس البشري تتحرك ببطء  دائما إلي الأمام ” .  وقد ارتأى فولتير إن الإنسان يتقدم من “البساطة البربرية الخرقاء”  إلي  "تهذيب زماننا” .  ثم ظهرت أول نظرية ناضجة لتقدم الجنس البشري التطوري في نهاية عصر الأنوار ، تلك هي نظرية كوندورسيه . إنها ترنيمة لتفاؤل طليق نظمت في ظلال الموت.  وقادت الأفكار التطورية لهيردر  Herder وكانت   Kantوفخت Fichte   على أساس فلسفي مختلف إلي نسق هيجل الذي ينظر فيه إلي التاريخ بحسبانه التجلي المضطرد للروح .  ويضع ماركس الإنتاج والاقتصاد محل الروح ليصل إلي بديل لمملكة الله اسمه الاشتراكية والشيوعية.  وقد اكتشف ماركس “تطور”  مجتمعه تقريباً في نفس الوقت الذي نشر فيه داروين روايته  للتطور البيولوجي .  وكان ماركس ثاقب الذهن للدرجة التي جعلته يكتشف في داروين زميلاً تطورياً،  وهو انتماء رغب عنه داروين.  ولم يمض وقت طويل قبل أن يشرع سبنسر وتايلور ومورقان وآخرون في تأسيس علم الإنسان الاجتماعي القائم على مقدمات داروينية صريحة .

وقد ظهرت نظريات التطور الكوني والأرضي اللا عضوي قبل نظريات التطور العضوي بقدر من الوقت. فقد تقدم كانت (1755)  في سنه اليافعة قبل أن يصبح أمير الفلاسفة ، بنظرية السديم الأولي .  ارتأى كانت أن قوي الجاذبية النيوتونية أدت إلي تجميع مادة  الكون المبعثرة أصلا ًوتكثيفها في الشمس والكواكب.  وتصور لابلاس في عامي 1796 و1808  أن الشمس الأولية  كانت كرة غازية في حالة دوران سريع . وقد انفصلت أجزاء من تلك الكرة الغازية وتكثفت بفعل قوي الطرد المركزي القوية فشكلت الكواكب والأقمار . وطور ليئل في القرن التاسع عشر مبدأ التساوق الذي تقدم به  كل من بفون Buffon وهتون Hutton في القرن الثامن عشر ، وجعله  أساساً لدراسة التغيرات الجيولوجية للأرض. وقد الهم ليئل داروين وعضده،  بعد أن تشكك بادئ الأمر في نظرية التطور البيولوجي .

لكن النظريات الكونية  الحديثة جديدة عهد تماماً.  إنها نتاج تقدم الفيزياء وعلم الفلك في القرن العشرين . وهى تتلخص في نظريتين تبدوان مختلفتين ومتناقضتين ، على الأقل بالنسبة لغير المتخصص. ولا يبدو الحسم النهائي لهاتين النظريتين ممكناً الآن ، و يمنح ذلك دراسة الكونيات  إثارة شديدة في  الوقت الراهن.  فقد طور بوندي  Bondi وقولد Gold وخصوصا هويل Hoyle نظرية حالة الثبات . إن الافتراض الأساسي لهذه النظرية هو أن المادة الجديدة تنشأ باستمرار في الكون المتمدد . و أن هنالك تناسب بين  وتائر تمدد الكون وخلق المادة الجديدة ، ويؤدي ذلك لأن  تكون كثافة المادة في الكون في حالة ثبات تقريباً كل الوقت. وهكذا فإن المجرات الجديدة يتم تكوينها  باستمرار . أما النظرية الأخرى فإنها تفترض أن الكون نشأ قبل حوالي خمسة إلي عشرة بليون سنة، من حالة انضغاط بلغت فيها كثافة المادة والإشعاع مائة مليون  ضعف كثافة الماء . كانت البداية انفجاراً مهولاً  (ومن هنا جاء اسم نظرية  ” الانفجار الكبير”  التي ارتبطت خصوصاً مع النظرية التي اقترحها قاماو     Gamow) .  وقد بدأت ذرات العناصر الكيمائية تتكون خلال الدقائق الخمسة الأولي بعد الانفجار  الكبير حينما بلغت درجة الحرارة حوالي بليون درجة مئوية ؛ ويعزي التوفر النسبي للعناصر في الكون الآن لنتاج هذه العملية التي يقدر أنها  استمرت لمدة خمسة وعشرين دقيقة فقط . وتفترض نظريات حالة الثبات على النقيض من ذلك أن العناصر الأثقل من الهيدروجين والهليوم يتم “طبخها” باستمرار داخل النجوم الساخنة جداً .

وهكذا فإن أصل المادة التطوري إما أن يكون قد حدث في الماضي البعيد جداً  أو أنه صيرورة تجري  تحت شروط وظروف معينة في الوقت الراهن. من الناحية الأخرى فبينما كانت النجوم تعتبر رمزاً للثبات ولزمن لا نهاية له، فقد صار الآن مؤكداً بشكل  أن النجوم تخضع للتغيرات التطورية . زيادة على ذلك ، إذا ما اعتمدنا هذه النظريات على الأقل، فإن مجري هذه التغيرات يمكن التنبؤ به  تماما.  فمن المتوقع أن يزداد توهج شمسنا توهجاً شديداً بسبب زيادة في حجمها مرتبطة بانخفاض في درجة حرارة سطحها . وستبلغ الشمس في ذروة تمددها مائتين  إلي ثلاثمائة ضعف حجمها الراهن . وسيعقب  هذا التمدد  انكماش ، لكن ليس إلي ما دون حجمها الراهن ، تصحبه زيادة كبيرة في درجة الحرارة . في ذلك الوقت يقترب “الوقود”  النووي من مرحلة النفاد ويتوقف في النهاية إنتاج الطاقة .

التطور البيولوجي هو العنصر الوسيط في الثلاثي التطوري - الكوني والبيولوجي والإنساني . وقد تمت الإشارة إلي أن اكتشاف التطور البيولوجي كان  لاحقاً  للتطورات الأخرى . كان داروين هو المكتشف الحقيقي ،  وإن سبقه آخرون لهم إسهامات هامة وكان لامارك  أبرزهم وأكثرهم إثارة للجدل.  إن تحديد ودراسة تلك الإسهامات شئ ممتع،  لكن القول بأن داروين لم يقم إلا بفرز أفكار استعارها من سابقيه كما يقول البعض الآن ليس صحيحا . فقد ثبتت نظرية داروين بصورة جيدة لاختبار الزمن. إن النظرية الحديثة  بعيدة جداً بالطبع عن التطابق مع نظرية داروين التي انقضى عليها أكثر من قرن، لكن هنالك استمرارية فكرية لم تنقطع بينهما. النظرية الجديدة تسمي “البيولوجية”  أو  “التركيبية" لأنها تمثل تداخلاً  وتركيباً للاكتشافات من كل العلوم البيولوجية تقريبا. هذا إبداع في حد ذاته لأن علماء الوراثة والتصنيف والإحاثة والأجنة وغيرهم كانوا يقومون بصياغة النظريات التي كانت تبدو لهم متفقة مع مادتهم الخاصة دون أن يمنحوا للعلوم المجاورة لهم اعتبارا كافيا .

إن جوهر النظرية البيولوجية بسيط تماماً ، وستتم مناقشته في إطار مختلف في الفصل السادس. ولا نحتاج لأكثر من تخطيط مقتضب هنا . الفرضية الأساسية هي إن التطور يتألف بشكل رئيس من استجابة النوع البيولوجي لتحديات بيئاته . الحياة عموماً حالة غير محتملة للمادة ؛ إنها  إنجاز  دال على البراعة تحقق ضد كل المصاعب واحتمالات الفناء طريق الصعود التطوري البطئ .  وكان على الحياة لكيلا تضع البيئات غير المواتية حداً لوجودها أن تحافظ على تكيفها للبيئات المحيطة بها وأن تحسن منه طول الوقت . تشكل البيئات المتغيرة أقصى التحديات، وذلك لأنه  من غير المحتمل تماماً  أن يكون الطاقم الوراثي الذي تشكل استجابة لتحديات البيئة القديمة مناسباً  للبيئات الجديدة بالمصادفة و بالقدر  نفسه.

إن الاصطفاء الطبيعي هو الطريقة التي تستجيب بها الكائنات الحية لتحديات البيئة .هذا ما تصوره داروين بوضوح ، لكن الفهم الجديد للاصطفاء الطبيعي ناتج عن البيولوجيا الجديدة .  فخامات التطور هي الأشكال المغايرة التي تنشأ عن طريق الطفرات الوراثية.  الخاصة المذهلة لعملية الطفور هي التباسه التكيفي.  الطفرات تنشأ بغض النظر  عن فائدتها أو عن احتمال أن تصبح مفيدة ، عوضاً عن ظهورها وقت الضرورة وحيث تتم الحاجة لها . ومعظم الطفرات  في الحقيقة  ضارة .  الطفور بمفرده  ودون ضبط الاصطفاء الطبيعي لا يقود إلا إلي التدهور والاضمحلال والانقراض .

كثيرا ما شُبه الاصطفاء الطبيعي بالمنخل لأنه يبقي الطفرات القليلة المفيدة ويدع الطفرات الضارة الكثيرة تمر . لكن هذا التشبيه مضلل للغاية . إنه يغفل الجنس وتفاعل الجينات . إن التوالد الجنسي يبدع دوما توليفات من الأطقم الوراثية المتغايرة المتجددة التي نشأت أصلاً كطفرات. هذا التوليف أهم بكثير جداً من مجرد خلط وإعادة خلط الوحدات المستقلة ؛  إذ غالبا ما يعتمد التكيف لا على الطفرة في حد ذاتها وإنما على النسق الوراثي الذي توجد فيه.   فالطفرة التي تكون مفيدة في توليفة جينية معينة   قد تكون ضارة في توليفات أخرى .

علينا  لكي نجعل التشبيه بالمنخل صحيحا أن نتصور “ منخلاً” من نوع غير اعتيادي . يتم تصميم هذا المنخل بطريقة تمكنه من تسريب أو  إبقاء الحبيبات المنفردة لا على أساس حجمها وحدها وإنما باعتبار خصائص كل الحبيبات الأخرى الموجودة .  ما يكون لدينا في هذه الحالة ليس منخلاً وإنما أداة ضبط سبراني تنقل للكائن الحي “معلومات ” عن حالة البيئة . هذه الأداة أيضاً تجعل التغيرات التطورية الآتية متسقة مع السابقة . لذلك يحتوي الطاقم الوراثي للنوع الحي  على سجل لبيئاته السابقة وعلى بصمة بيئته الراهنة .إذن فالهبة الوراثية التي تنتج ليست “موزايكو” من الجينات التي تحتفظ كل  منها بتأثيرها  المستقل ؛ بل هي نسق متكامل ، لا يتأهل للبقاء إن لم تتوافق أجزاؤه مع بعضها البعض .

من الغريب جدا أن فكرة كون الإنسان والعالم الذي يعيش فيه نتاج التنامي التطوري تبدو مخزية لبعض الناس  “تحط” من قدرهم . لكنها في الواقع وعلى النقيض من ذلك شرط أساسي للإنسانية بمفهوم تيليش (ص2) لأنه لكي تكون للإنسان إمكانات قابلة للتحقيق فلا بد من أن تكون لديه قابلية التطور في المكان الأول.  لا بد للإنسان، فرديا وجماعيا، أن يكون صيرورة متحولة لا حالة ثابتة. لا بد للكون  أن يكون تكوينا.  وبكلمات تيلار دي شاردن (1964) “إننا نري بوضوح أكثر مع كل زيادة في معرفتنا إننا مشاركون ، جميعنا، في صيرورة التكونن الذي يبلغ ذروته بتمركز الكون حول الإنسان والذي يعتمد عليه  بشكل ما التحقق النهائي لذواتنا - بل سعادتنا الأبدية.”

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو  هل التطورات الكونية والبيولوجية والإنسانية صيرورات منفصلة أم انها أجزاء  وفصول أو مراحل لتطور كوني واحد . فإن طرح هذا السؤال إنما  هو طريقة أخر ى لإثارة الأسئلة الكبرى عن كيفية نشأة الأجسام الحية من المادة غير الحية ، وكيفية نبع وسريان نهر الوعي وإدراك الذات من السيرورات الفسيولوجية المباشرة لدي أسلافنا الحيوانيين . تتضح صعوبة هذه الأسئلة من العبارة التالية لعالم بيولوجي بارز :  “ ما هو غامض تماما يكتسب بعداً صوفياً لدي أناس كثيرين،  إن تكون الحياة نشأت من مادة غير حية  وأن يكون الجنس البشري بدأ مسيرته في ذلك الطريق الذي يبعده أكثر وأكثر من أصوله الحيوانية (دوبوا Dubos  1962) ”.  من المهم أن نحتاط هنا لحالتين من التبسيط المفرط ، متعارضتين في الدلالة لكن متساويتين في التضليل . الأولي تفترض انقطاعا تاما في الاستمرارية التطورية بين الحياة واللاحياة وبين الإنسانية والحيوانية . والثانية تتغاضى عن الاختلاف بين  التطورات الكونية والبيولوجية والإنسانية ، فتفلت منها لذلك رؤية مصدر الإبداع . إن استخدام مفهوم مستويات وأبعاد الوجود الذي نماه الديالكتيكيون الماركسيون من ناحية وعالم اللاهوت العظيم بول تيليش من ناحية أخرى هو في تقديري الحل الأمثل لهذا الإشكال .

ببساطة شديدة فإن الظواهر  في المستويات غير العضوية والعضوية والإنسانية تخضع لقوانين مختلفة خاصة بتلك المستويات . ليس ضروريا  أن نفترض عدم قابلية هذه القوانين للتعميم الاختزإلي ،  لكنه ليس مجدياً أن نصف ظواهر المستوي الأعلى بقوانين المستويات الأدنى.  يعبر أحد كبار كهنة الماركسية السوفيت ، بريزنت    Present  1963، عن ذلك بوضوح تام كما يلي :

(حيثما نشأ، فلا بد أن المجتمع الإنساني جاء من العالم الحيواني، وقد كان العمل ، صيرورة الإنتاج ، هي التي جعلت من الحيوان البشري إنساناً . وعلى أي حال فإن الذي نقل البشر من طريقة الحياة الحيوانية ومنح حياتهم الجديدة خصوصيتها صار جوهر  التاريخ وأساسه التالي .... الشيء نفسه يصدق في دنيا الطبيعة الحية ،  فإن الذي نقل الشكل الجديد لحركة المادة من  ما ـ قبل  تاريخها  غير  الحي هو الذي صار بالضرورة جوهر الحياة وقاعدتها الأساسية) .

ووفقا لتيليش (1963) ،

(لا يمكن تحقيق البعد العضوي ما لم يتحقق البعد اللا-عضوي ، ويظل البعد الروحي احتمالاً  كامناً ما لم يتحقق البعد العضوي . لقد تحققت كل هذه الإمكانات في الإنسان كما نعرفه، لكن الطبيعة الخاصة بهذا العالم تحددها الأبعاد الروحية والتاريخية...إن البعد العضوي موجود أساساً في اللا-عضوي ؛ ويعتمد ظهوره الفعلي على شروط تحددها البيولوجيا والكيمياء الحيوية ) .

تقع التطورات غير العضوية والعضوية والإنسانية في أبعاد أو مستويات مختلفة  لتنامي الكون التطوري . من المؤكد أن هذه الأبعاد أو المستويات ليست منفصلة تماما عن بعضها البعض ؛ بل هنالك على النقيض من ذلك علاقات تغذية استرجاعية بين الحي وغير الحي وبين الإنساني والحيواني. مع ذلك فالأبعاد المختلفة تتميز بقوانينها ووتائرها المختلفة التي يستحسن فهمها وفحصها في الإطار الذي ينتمي إليه كل منها.  إن التغيير في مستوي التطور العضوي أسرع من مثيله غير العضوي .  لكن التطور غير العضوي لا يتوقف بظهور الحياة ؛  لأن التطور العضوي مركب فوق  التطور غير العضوي . والتطور البيولوجي للجنس البشري أبطأ من التطور الثقافي ؛  فالتغيرات البيولوجية لم تتوقف حينما انبثقت الثقافة ؛  التطور الثقافي مركب فوق مثيله البيولوجي واللا-عضوي . وكما ذكرنا فإن التغيرات التطورية في الأبعاد المختلفة ترتبط بعلاقات تغذية استرجاعية .

إن بلوغ بعد تطوري جديد يعتبر حدثاً حرجاً في التاريخ التطوري ،  وإنني أقترح أن نسميه التجاوز التطوري. من الواضح أن كلمة “التجاوز” لا تستخدم هنا بمعني الفلسفة المتعالية؛  أن تتجاوز يعني أن تذهب إلي أبعد من حدود  الإمكانات التي كانت مستخدمة أو سالكة في نسق ما أو أن تتفوق عليها. هذا هو المعني الذي أشار إليه هالاويل   Hallowell (1961) حينما كتب ، “يكمن الأساس النفسي للثقافة ليس فقط في اكتساب أشكال تعلم معقدة للغاية وإنما أيضا في اكتساب قدرة على تجاوز ما تم تعلمه ، وعلى إمكانية الابتكار والخلق وإعادة التنظيم والتغيير “. وكتب اريك فروم   Erich Fromm(1959) إن الإنسان  “يحفزه دافع تجاوز  الدور البهيمي “،   وأنه “يتجاوز انفصالية وجوده الفردي بأن يصبح جزءاً من شخص ما أو شئ ما أكبر منه “.

لقد تجاوز التطور الكوني ذاته حينما أنتج الحياة. ومع أن العمليات الفيزيائية والكيميائية التي تجري في الأجسام الحية لا تختلف اختلافاً جوهرياً عن تلك التي تجري في الطبيعة  العضوية، فإن أنماط هذه العمليات تختلف في الطبيعة العضوية عن غير العضوية .  لقد تجاوز التطور غير العضوي حدود الأنماط الفيزيائية والكيميائية السابقة حينما انبثقت عنه  الحياة.  بالمعني نفسه فقد تجاوز التطور  البيولوجي نفسه حينما انبثق عنه الإنسان. من الواضح أن هنالك ظواهر وصيرورات تتراوح من الوعي بالذات إلي الأشكال الإنسانية للمجتمع والتاريخ تتواجد اقصائيا، أو تقريبا  كذلك، في المستوي الإنساني وحده.  ولا يبدو ضروريا أن نجهد أنفسنا كثيرا للتأكد من أن هنالك إمكانات عظيمة متاحة للإنسان  .

من المفهوم أن أصل الإنسان وأصل الحياة تعتبر من أكثر قضايا التاريخ التطوري تحدياً وأشدها صعوبة. وليس من الحكمة في شئ أن نضفي مظهراً تبسيطياً خادعاً  على تلك القضايا المعقدة على نحو استثنائي. من الناحية الأخرى فقد عرفنا  الكثير الجديد عن هذه القضايا ،  في السنوات الخمسين  حتى العشر  الماضية ، مما يجعل الرؤية الخاطفة لهذه القضايا مفيدا (انظر لمعلومات أكثر تفصيلا  كالفنز  Calvins  1964 وفوكس  Fox  1965 واوبارين  Oparin    1961واوري  Urey 1952 وخصوصاً كتاب سوليفإن  Sullivan  الواسع الانتشار لسنة 1964 ).  وربما لا تكون محاولات اكتشاف حياة خارج الأرض بعيدة عن التحقق  والنجاح.  وبغض النظر عن تقدير الواحد منا لفرص هذا النجاح ، فلا بد للمرء من الاتفاق مع ليديربيرج  Lederberg  (1965) على أن هذا المشروع يجسد بكل المقاييس مطلعا لعهد جديد : حدثاً فريداً في تاريخ المجموعة الشمسية والنوع الإنساني ، ومحورا للتفاني والتكريس الهائل للجهد والإمكانات ” .

يقدر عمر الحياة في الأرض بحوالي  بليوني سنة أو أكثر . لقد نشأت الحياة أول مرة في ظروف بيئية مختلفة تماماً عن تلك القائمة الآن ، ولا يمكن استعادة تركيب هذه الظروف صناعياً  الآن  إلا  بصعوبة بالغة .  لقد تكون الغلاف الجوي حينما بردت الأرض بروداً يكفي لتكثف بخار الماء وتكوين المحيطات، من غازات مثل الهيدروجين والميثان والأمونيا وثاني أكسيد الكربون مع كميات أقل من النيتروجين والقليل من الأوكسجين السائب. وقد تمت دراسة التفاعلات الممكن حدوثها في مثل هذه الخلائط دراسة واسعة في المختبرات، دلت على احتمال تكوين الفورمالدهايد وحامض الخليك وحامض السكسنك وحوالي عشرة حوامض أمينية . هذه ومواد أخرى أشد تعقيدا ولا يتم تكوينها  أساساً أو قطعياً  الآن إلا في الكائنات الحية ، نشأت وتراكمت في محلول  مياه المحيطات الخالية تماماً من الحياة ، جاعلة منها نوعا من “حساء”  المركبات العضوية. وكأن ممكنا لهذه المركبات ، وفقا لبونامبيروما   Ponnamperuma  (في فوكس1965) أن تشمل البيورينات أدنين وقوانين والسكر الريبوزي والسكر الريبوزي الناقص الأوكسجين والنيوكلوسيدأدينوسين .  وهذه المركبات بالذات هامة على وجه خاص لأنها من بين مكونات الحمضين النووييين دنا  DNA ورنا  RNA .

وصف هالدين  Haldane  (في فوكس1965)  الحياة بأنها “استنساخ لانهائي لأنماط الجزيئات الكبيرة “.  وقد بذلت براعة شديدة لبناء نماذج العمليات التي كان يمكن أن تؤدي إلي تجميع المكونات الجزيئية الصغيرة في جزيئات كبيرة تستطيع تسهيل استنساخ ذاتها ، مثل الدنا.  أفضل ما يمكن أن يقال عن هذه النماذج أنه كان ممكنا حدوث بعض العمليات التي تفترضها لكن ليس بالضرورة  أنها حدثت فعلا في التاريخ التطوري للأرض. أيضا ليس هنالك اتفاق عام  بأن الاستنساخ الذاتي هو الشرط الضروري والكافي لاعتبار نسق كيمائي ما حيا، وإن كان هنالك اتفاق على أنه شرط ضروري .  السبب لهذا كالتالي : لا يعني  الاستنساخ الذاتي فقط إن النسق يبتلع مادة معينة من بيئته (طعام)  ويحولها  إلي شبيهه (توالد) وإنما يعني أيضا أن أي تغيرات يمكن أن تحدث في عملية الاستنساخ الذاتي (طفرات) ، يمكن أن تنعكس بمرور الوقت في الوتائر النسبية لتردد الأنساق التي تغيرت و التي لم تتغير  (اصطفاء طبيعي) . بكلمات أخرى فإن بداية الاستنساخ الذاتي تفسح المجال للتطور البيولوجي. يمكن لهذا  التطور، أن يكون متصاعدا رغم أنه ليس بالضرورة  أن يكون كذلك.  فتطور هذا النسق يمكن  أن يتوقف بسبب إنهاك البيئة أو لحدوث تغيرات تقلل من كفاءته  (الانقراض) .  ويمكن، لو ظهرت  أنساق الاستنساخ الذاتي مرارا ،  أن يكون  معظمها قد ضاع دون أن يترك خلفاً . الذي يهم هو أن نسقاً واحداً على الأقل بقي و “ورث الأرض ” بأن أصبح نقطة بدء التطور البيولوجي .

هكذا فإننا يمكن أن نتصور تفسير التجاوز التطوري الذي نشأ في المستوي أو البعد غير العضوي وانتقل به إلي البعد العضوي بلغة علمية ، وبالتحديد بلغة بيولوجية وكيموحيوية . لكن ذلك لا يعني  أن تفسيرا بتلك اللغة قد تحقق فعلا . كما قال وارن ويفر    Warren Weaver(1964)  “يعتبر الإنسان عادة  أن إفادة ما قد تم تفسيرها إذا ما شعر بارتياح فكري حول الموضوع نتيجة ذلك التفسير “.   ولا تجلب الروايات الراهنة لأصل الحياة  لنا ذلك القدر من الارتياح ،   لنقص المعلومات المتاحة وإنما لأن تلك المعلومات تتضمن الخطأ  المعروف باسم المبادئ الصغيرة. من هنا يقال على المستوى البيولوجي أن عملية الاصطفاء الطبيعي يمكن أن تحقق  ما يستحيل تحقيقه تماماً بدونها . وكما ذكر في الفصل السابق فإن الإنسان يتكون من ذرات وجزيئات ، من “بقالات ” محولة ، وأن هذه البقالات المحولة تتجمع في تنامي الفرد بالضبط بالطريقة الصحيحة لتكوين إنسان . وهي تفعل ذلك لأن الفرد حلقة في سلسلة أجيال تبدأ ببداية الحياة ، ولأن الاصطفاء الطبيعي يودع في تلك الأجيال الإرشادات الضرورية لحدوث التنامي الفردي .

لو أن الاصطفاء الطبيعي حقق ذلك الإنجاز  الفذ في التطور البيولوجي،  فإنه يصعب مقاومة الإغراء باللجوء إليه لتفسير أصل التطور البيولوجي نفسه. هل كان هنالك شكل ما من الاصطفاء الطبيعي ما قبل-بيولوجي لاختراع أبسط الكائنات الحية من المركبات الكيمائية التي حققت قدراً  من التعقيد في “الحساء”  المخفف للمحيطات القديمة ؟  لقد ابتدع اوبارين وبرنال وفوكس عدداً من المشروعات الذكية لـ ”بداية عناصر الاصطفاء ” التي كان ممكناً أن تكون “نقطة البدء لنشأة الاصطفاء الدارونى” .  ويتحدث باتي (في فوكس1965) عن التطور الكيمائي “الذي يوحي بتفاعلات إجمالية فقط ، بدون نظام وراثي أو استنساخ ” ،   وعن الوراثة بحسبانها “أية عملية تنتقل عن طريقها المعلومات  من بنية  (الأب أو الأم)  لبنية ثانية  (متلقي الوراثة) بحيث تنتج عنها  زيادة صافية في النظام الفيزيائي للنسق كله ” ،  وعن التطور بوصفة “التوالد  والتكاثر التدريجي للمعلومات الوراثية عبر الزمن ” .  ويصل باتي بعد أن أعاد تعريف المفاهيم   لتناسبه،  إلي أنه “ليس مجدياً أن نسأل متي يصبح توالد النظام استنساخا أم نسخا ذاتياً ، متي أصبحت علاقات التغذية الراجعة المباشرة مع البيئة اصطفاء طبيعياً .  الاختلاف هنا اختلاف درجة فقط ، والحالتان تطورتا باستمرار” . لكن هذه المحاججة الدائرية للأسف تتفادى القضية ؛  فالاختلاف في الدرجة ينمو ليصبح اختلافاً في النوع . أن لب مسألة أصل الحياة هو السؤال كيف ومتي نشأ الاصطفاء الطبيعي.  الاصطفاء الطبيعي هو التوالد التفاضلي؛ حينما يتوالد شكلان للحياة بنسب متفاوتة يقوم الاصطفاء الطبيعي  بدوره ،  لكن لكي يقوم الاصطفاء الطبيعي بدوره فلا بد من أن يكون هنالك توالد،  والتوالد هو مفتاح الحياة .

لقد صارت مسألة اصل الحياة فجأة ذات جاذبية شديدة في أيام اكتشاف الفضاء هذه. فللاعتقاد بوجود حياة خارج الأرض ووجود كائنات عاقلة غير أرضية فتنة رومانسية شديدة . وقد نشرت الكتب، وانعقد على الأقل مؤتمر واحد ليناقش بكل جدية أنجع السبل لالتقاط الرسائل التي قد تكون موجهة إلينا من قاطني الفضاء الكوني ، وأفضل الطرق لمحاولة الاتصال بهم . وأن تفنيد فكرة خلابة بهذه الدرجة يكاد يكون أمراً قاسياً يدعو للشفقة والرثاء. لكن ما هي مؤهلاتها الثبوتية ؟   ربما  يكون أهمها التأكيد بوجود حوالي مائة مليون كوكب على الأقل في الكون يعتقد علماء فلك موثوقون بتشابه بيئاتها تشابهاً مقبولاً مع البيئات الأرضية . وبالفرص المتاحة بهذه الدرجة فإن أقل الأحداث احتمالاً يمكن أن يحدث أكثر من مرة . وتكون هذه الحجة قوية لو أننا عرفنا مدي احتمال أو عدم احتمال الحدث قيد البحث، لكن ليس لدينا الأساس الكافي للحكم في هذا المضمار .

الحجة الثانية وهي الافتراض بأنه بمجرد ظهور الحياة فإن تطورها يكون مشابها بالتقريب لتطورها في الأرض أقل اعتمادا من الأولي .  قد لا يبدو هذا الاحتمال مستبعدا للوهلة الأولي ؛  فالكثير من البنيات الجسمانية للكائنات الحية الراهنة هي تكيفات تساعد في حل مسائل طرحتها البيئة لأجل البقاء،  وقد يبدو أن الاصطفاء الطبيعي يمكن أن يستدعيها حينما تدعو الحاجة إليها بالطريقة التي تمت في الأرض.  لكن الأمر ليس  بالضرورة كذلك؛ بالمحل الأول فإن المسألة التكيفية قد لا تحل أبدا ، والنوع قد ينقرض؛ علاوة على ذلك،  وهذا حاسم ،  فالكثير من المسائل التطورية قد تحل بأكثر من طريقة. ولا يضمن أن تكون الحلول التي نعلم أن الكائنات استخدمتها في الأرض هي أفضل الحلول، أو أنها  الحلول التي قد تتكرر هنا في الأرض إذا ما تكررت  الظروف  نفسها، ( أنظر لمزيد من الحجج عن بعد احتمال وجود حياة شبه-إنسانية خارج الأرض دوبجانسكي 1960 وسمبسون1964 Simpson    ).

لا أريد أن يفهم عني الاعتقاد بأن أصل الحياة تتضمن عوامل أو عمليات توقفت عن الفاعلية في الأرض سابقا أو لاحقاً . فجريان الأحداث التطورية ليس هادئاً ومنتظماً دائماً ؛  إنه يتضمن  الأزمات ونقاط الانتقال التي تبدو عند استعادتها وتأملها كأنها انقطاعات في الاستمرارية. كان أصل الحياة  إحدى تلك الأزمات الجوهرية التي أهلها عمقها وتجذرها لأن تكون تجاوزاً . وكان أصل الإنسان تجاوزا  آخر . لا ينبغي أن يستنتج من ذلك أن أصل الحياة و أصل الإنسان كان فجائياً أو سريعاً جداً .  فالأحداث التي تبدو سريعة جدا جيولوجياً أو  على وجه الدقة احاثياً قد تبدو ممتدة وبطيئة بمقياس حياة فرد أو جيل .كان ظهور الحياة والإنسان التجاوزان الحاسمان اللذان وسما بداية عهود تطورية جديدة.  وقد تميز الحدثان  بتجذر  إبداعهما وعمقه ، لكن هنالك أمثلة أخرى عديدة و معروفة . فقد فتح انتقال الفقاريات البرية الشبيهة بالأسماك عالماً جديداً للإشعاع التكيفي في البيئات البرية كان مغلقا للكائنات المائية . وكانت نتيجة ذلك ما أسماه سمبسون (1953) “التطور الكمي ”   الذي أحدث تغييرا فجائيا في طرق الحياة وفي بنية الأجسام .  وكان تأنيس النار  واكتشاف الزراعة من الأحداث الخطيرة التي فتحت آفاقا جديدة للتطور الإنساني . وفي محيط أضيق فإن  التحقق الأرقى لحياة إنسانية فردية يعد تجاوزا للذات .

بينما يعد أصل الحياة في الأرض حدثا من الماضي البعيد، فإن الإنسان قادم جديد  (مع أن تقدير عمره تضاعف تقريبا نتيجة للاكتشافات الأخيرة) . حقا لا يزال السجل الأحفوري متشظياً ، لكن التعرف على الخطوط العريضة على الأقل للجوانب الخارجية لانبثاق الإنسان صار ممكناً . فقد عاش في شرق وسط أفريقيا والأجزاء الجنوبية منها خلال العصر البلايستوسيني قبل مليون إلي مليوني عام على الأقل نوعان من الأوسترالوبثكس ، وهو جنس بشري (هومنيد) من عائلة الإنسان . كان الأكبر حجما من هذين النوعين ، يمثل زقاقاً تطوريا مقفولاً  انقرض فيما بعد.  أما النوع الثاني الذي كان أصغر حجماً وأكثر ليناً في بنيته ، واسمه الاوسترالويثكس افريكانوس  ، فربما كان أحد أسلافنا .

كانت بنية العظام الحوضية لهذين النوعين شاهداً قوياً على أنهما كانا يمشيان بقامة مستقيمة ؛ وكانت أسنانهما أقرب بكثير إلي أسناننا منها إلي أسنان القردة العليا الشبيهة بالبشر.  ومع أن سعة الجمجمة كان كبيرا بالمقارنة مع حجمهما ،  إلا  أنه كان في مدي السعة المميزة للقردة العليا. وربما صنع واستخدم هذان النوعان أو  أحدهما  أدوات حجرية بدائية .  وقد وجدت مؤخرا بقايا مخلوق طريف للغاية في الترسبات الفلافرانشية في شرق-وسط أفريقيا ، أطلق عليه اسم. ويدل الاسم على رأي مكتشفيه بأن هذا المخلوق تم انتقاله من الجنس اوسترالوبثكس إلي الجنس هومو الذي ننتمي أيضاً  إليه . من الناحية الثانية فهو شديد القرابة لأوسترالبثكس افركانوس،  بل ربما كان أحد سلالاته . ومن الواضح أنه وبغض النظر عن الاسم الذي يطلق عليه يشكل بوضوح أحد “الحلقات المفقودة” التي لم تعد مفقودة .

 وقد عاشت في وقت لاحق في وسط العصر البلايستسيني المتوسط عدة سلالات من الجنس Homo  eractus(الإنسان منتصب القامة) المتفق على أنه سلف الإنسان الحديث ، هومو سابينز .  وقد وجدت بقايا هومو اركتس في جاوة والصين وأفريقيا وربما أوروبا أيضا. وقد عاشت في عصر الثلج الأخير قبل حوالي مائة ألف سنة تقريبا فصائل انسان نياندرثال الذي ينتمي إلي النوع هومو سابينز  واحتل المساحة الممتدة من غرب أوروبا إلي تركستان والعراق وفلسطين .

وجدت آلات حجرية خشنة مرتبطة ببقايا الكائن الجنوبي في كل من شرق-وسط وجنوب أفريقيا . ويعتبر الكائن منتصب القامة الذي وجد في الصين أول من استخدم النار ، كما دفن النياندرثاليون موتاهم ، وبعد ذلك من علامات الأنسنة . فكل الحيوانات تموت، لكن الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعرف ذلك. وكما سنناقش بتفصيل أكثر في الفصل التالي، فإن الدفن دلالة على الوعي بالموت وربما الاهتمام بالمصير. وربما بدا أسلاف الإنسان في تجاوز حيوانيتهم قبل حوالي مليون وسبعمائة ألف سنة .  ولا زلنا نحن أنفسنا في صيرورة هذا التجاوز . ولم يشخص أحد هذه الصيرورة بوضوح أكثر من بدني  Bidney  (1953)  الذي كتب أن : ( الإنسان حيوان متأمل لذاته ، لأنه الحيوان الوحيد القادر على موضعه نفسه، على أن يقف بعيداً عن نفسه، وأن يتأمل نوع الكائن الذي هو  والشيء الذي يود أن يفعله والحالة التي يود أن يكونها . قد تكون الحيوانات الأخرى واعية بشعورها وبالأشياء التي تدركها بحواسها ؛  لكن الإنسان وحده الذي يقدر على التأمل وعلى الوعي بالذات والتفكير في نفسه موضوعا) .  وكما يقول هالويل  (1960) لم يكن الإبداع الرئيس في تطور الرئيسات  هو ببساطة تنمية نمط تكيف ثقافي في حد ذاته ، وإنما كان إعادة الهيكلة النفسية التي لم تجعل نمط الوجود الجديد ممكناً فحسب بل أمدته بالأساس النفسي لإعادة التكيف والتغيير الثقافي ).  

لقد كتب داروين سنة 1871 أن : “الفرق في العقل بين الإنسان والحيوانات العليا على الرغم من عظمته هو بالتأكيد اختلاف في الدرجة وليس في النوع ” .  وهذه هي الحالة الراهنة للقضية تقريباً .  وقد تفاوت تقدير هذا الفرق تفاوتا عظيما ؛  فقد بخسه أولئك الذين يؤكدون أن الإنسان ليس سوي حيوان ، وعظم منه الذين يضعونه خارج نظام الطبيعة . بالنسبة للفئة الأولي ليس هنالك فرقا عظيما بين السمكة والفيلسوف ، وليس هنالك ما يجعل من إفراز دماغ الفيلسوف للأفكار استثناء عظيما عن إفراز كبده للمرارة . ويعتقد العالم الأنثروبولوجي لسلي هوايت  Leslie white أنه :  ( سواء كان المرء –الشخص المتوسط الممثل لمجموعته – يؤمن بالمسيح أو بوذا ، التسيير أو التخيير ، فليس مرد ذلك لاختياره. أن فلسفته ليست سوي استجابة نسقه  العصبي-الحسي-العضلي-الفطري لتيار المؤثرات الثقافية التي تدمغه من الخارج ) . لكن المؤلف نفسه  يقول في  الكتاب نفسه (هوايت1949) لأن السلوك الإنساني سلوك رمزي ولأن سلوك الأنواع الأدنى منه ليس رمزياً ، فإنه يتبع لذلك  أننا لا يمكن أن نعرف أي شئ  عن السلوك الإنساني من الملاحظات والتجارب التي تجري على الحيوانات الأدنى ) .

لقد اعتقد والاس  Wallace الذي شارك داروين في اكتشاف دور الاصطفاء الطبيعي في التطور أن عقل الإنسان بثته فيه قوى غيبية واعتقد لاك  Lack (1975) ، وهو من أبرز علماء البيئة التطوريين المعاصرين ،   الشيء نفسه :  "على المسيحي الذي يقبل مبدأ أصل الإنسان التطوري بواسطة الاصطفاء الطبيعي أن يتحفظ بشأن خصائص الإنسان الروحية ونوازع الخير والشر فيه التي لم تنتج عن هذا التطور وإنما هي ذات أصل غيبي ".  ويمكن أن يعد برونر    Brunner  (1952) نموذجا لنمط تفكير علماء اللاهوت الذين يسلمون بأصل الإنسان التطوري لكنهم يتمسكون بتفرد خاصة الهيومانوم أو عنصر الإنسانية الذي يميز الإنسان عن سائر الكائنات الأخرى :  "يتميز الهيومانوم بشيء ما تفقده الحيوانات الأخرى تماما ، يعبر عن نفسه ذاتياً بالروح وموضوعياً بخلق الثقافة ... أنه بعد لا وجود له في البيولوجيا ، قانون المعايير ، القدرة على إدراك المعنى  و الحرية والمسئولية" (نقد أفكار برونر في بيرش 1957 و1965) .

         كثيرا ما تم إعداد قوائم بالخصائص التشريحية والفسيولوجية والنفسية المميزة للنوع الإنساني. والإنسان حيوان من الرئيسات-منتصب-يمشى على قدمين ، دماغه كبير إذا ما قيس بالنسبة لحجمه البدني، يداه تصلحان لمعالجة الآلات ولصنعها ولحمل الأدوات . إنه ينهمك في اللعب ويقدر على التفكير التجريدي والضحك وتأليف الرموز واستخدامها ، وعلى التعلم واستخدام اللغة الرمزية, وعلى تعلم التمييز بين الخير والشر ، والشعور  بالتقديس والتقوى .  ينتمي بعض هذه الخصال على الأقل إلي الهيومانوم .كيف نشأت تطورياً ؟  إنه يصعب بالتأكيد وربما يستحيل علينا إعادة بناء التتابع الدقيق للأحداث خلال تلك الفترة الحرجة لانبثاق الإنسان من أسلافه قبل الإنسانيين ، حتى لو توفرت لنا معلومات أكثر تفصيلاً مما لدينا الآن . لكن الفهم العام للاتجاهات الرئيسة لتاريخ الإنسان التطوري لم يعد مستحيلاً وذلك بفضل بعض الأنساق البيولوجية الشاملة التي ألقت عليه بصيصاً من الضوء مؤخرا  .

      لا يعنى اختلاف نوع ما  في عدة خصال عن السلف الذي انحدر منه استقلال  تلك الخصال عن بعضها البعض من حيث المنشأ . قد تتغاير هذه الخصال معا لسببين على الأقل . فهي قد تكون آثاراً متعددة لتغير العامل الوراثي نفسه، كما في حالة الأعراض والتشوهات المتعددة الملازمة لمرض وراثي  يسببه  طفور جينة منفردة . كما يمكن لتلك الخصال أن تكون مرتبطة وظيفيا. وقد ثار جدل بين علماء الإنسان فيما لو  كان اكتساب القامة المنتصبة والمهارة اليدوية سابقاً أو لاحقاً لاستخدام  الآلات وصنعها. ويمكن أن تثار قضية مماثلة بشان القدرة على التفكير الرمزي وتأليف الرموز واللغة الرمزية والتوارث الثقافي . لكن هذه القضايا تجافي المنطق في مجملها، إن لم يكن في كل النقاط التي تثيرها. فالناتج ينمو مع الأداة والأداة تنمو مع الناتج. الأيدي التي تحررها القامة المنتصبة من مهمة المشي تكون أقدر على تنمية البراعة اللازمة لمعالجة الآلات. لكن القامة المنتصبة ليست ضماناً لأن تستخدم الأطراف الأمامية الآلات ؛ فالكانقارو العملاق في استراليا لا يستخدم أطرافه الأمامية لا  للمشي ولا لمعالجة الآلات . بالمقابل فإن لبعض القرود والسعادين أيدي على قدر كبير من الطلاقة ، لكنها لا تمشى بقامة منتصبة . من الواضح أن الحيوان الذي يشرع في معالجة الآلات يستفيد من المهارة التي تكتسبها أطرافه الأمامية بتلك المعالجة ؛ والعكس صحيح ، إذ قد ينتفع الحيوان الذي يطور المشي على قدمين  باستخدام أطرافه الأمامية لمهمة أخرى . لب الموضوع هو أن اضطراد استخدام الآلات يمنح ميزة اصطفائية لتطور المشي على قدمين ، والعكس صحيح.

          تعتبر اللغات الإنسانية أشكالاً سلوكية مختلفة عما يسمى "بلغة"  الحيوانات ، على الرغم من أن الاثنين يخدمان   وظيفة الاتصال . وقد قام هوكيت  Hockett  (1959) وهوكيت وآشر   Ascher  (1964) بتقديم تفسير مقنع لهذه القضية المعقدة التي حار الكثيرون بشأنها . فنداءات الحيوانات أو إشاراتها تقصى بعضها البعض تبادليا ، بمعنى أن الحيوان قد يستجيب لأحد المواقف بواحدة أو أخرى من ذخيرة نداءاته، أو قد يبقى صامتاً. بينما اللغة منتجة ، بمعنى أن الإنسان يصدر تلفظات لم يسبق أن صدرت عنه أو عن غيره، وهي مع ذلك مفهومة لأولئك الذين يتحدثون  اللغة نفسها. و يستطيع الناس التحدث عن أشياء ليست في نطاق رؤيتهم، وعن الماضي والمستقبل والأشياء المتخيلة. وذلك ما يعرف بخاصة الإزاحة . إضافة لذلك فللغة ما يعرف بخاصية التنميط المزدوج. إذ أنها تتألف من وحدات أو فونيمات ليست ذات معنى بذاتها لكن يمكن تجميعها في تفوهات ذات معنى. إن القدرة على تعلم لغة  خاصة متوارثة بيولوجياً ؛ إنها القدرة على تعلم إحدى اللغات الإنسانية، على الأقل في زمن الطفولة. ولا يستطيع الشمبانزي أن يفعل ذلك على الرغم من قدرة حنجرته الظاهرية على إصدار كل الأصوات الضرورية ؛ ويعزى ذلك العجز  لغياب بعض الآليات الذهنية اللازمة . فاللغات الإنسانية تتألف من تفوهات يترسخ معناها بالعرف الاجتماعي. ولا تتوانى التعابير الجديدة واللهجات المتغيرة عن الظهور أبدا .

        إن إشارات  الحيوانات ونداءاتها و "رقصات" نحل العسل تعتبر وسائل اتصال من الكفاءة لدرجة تثير الإعجاب، لكن فقط في المجال الضيق لاحتياجات النوع المعين الذي تتواجد فيه . ومن البداهة بمكان أن اللغة الإنسانية تتميز  بطلاقة لا حد لها إذا ما قورنت بتلك الإشارات والنداءات والرقصات. ذلك لأن لغة الإنسان رمزية. ويعتبر كاسيرر  Cassirer  (1944) وآخرين أن قدرة الإنسان على تأليف الرموز واستخدامها هي أهم الخصال المميزة له. "

تنتمي الإشارات والرموز  إلي عالمين مختلفين للخطاب : الإشارة جزء من عالم الوجود الطبيعي؛ والرمز جزء من عالم المعنى الإنساني . ذلك ما كتبة كاسيرر الذي أضاف قائلا :

          إن مبدأ الرمزية بشموله وصدقه وعمومية انطباقه هو كلمة السر ،  افتح يا سمسم التي تتيح  الدخول إلي خصوصية العالم الإنساني ، إلي عالم الثقافة الإنسانية. وقد صار التطور اللاحق مضموناً بمجرد أن امتلك الإنسان ذلك المفتاح السحري .

 إن القدرة على تأليف الأفكار التجريدية والرموز  والعيش بمقتضاها أمران متلازمان تطوريا، إن لم يكن فسيولوجياً ، مع استخدام اللغة. هنا أيضا ينمو الناتج مع الأداة ، والعكس صحيح . وترتبط هذه القدرات بدورها مع القدرة على  صنع الآلات. ولا بد  أن نلاحظ أن استخدام  الآلات وصنعها  فعاليتان مختلفتان بنفس درجة عمق الاختلاف  بين الإشارات والرموز . فصنع آلة لاستخدام مقبل يستدعى أكثر من مجرد البراعة اليدوية ؛ إنه يتطلب تشكيل صورة ذهنية لموقف يحتمل حدوثه مستقبلا لكنه ليس معطى للحواس. وقد ارتبطت كل هذه القدرات بعلاقات تغذية راجعة في الصيرورة التطورية.  أدى ذلك لأن يرفع الترقي في أي منها القيمة التكيفية لكل القدرات الأخرى المرتبطة بها ، وأن يمنح تحسن تلك الأخيرة قيمة اصطفائية استثنائية للمزيد من ترقي الأولى . وقد وصل النوع الإنساني الابتدائي المنتقل تدريجيا من الحيوانية إلي طرق الحياة الإنسانية نقطة اللاعودة التطورية نتيجة لعلاقات الضبط السبرانية المتداخلة. وقد صار الارتداد من الإنسانية النامية إلي الحيوانية السالفة متعذرا وراثيا ، حتى لو أصبح مجدياً تكيفياً . في تلك الحالة فإن الانقراض صار  أشد احتمالا من التقهقر التطوري .

        يلزمنا أن نستعيد هنا بعض المبادئ التطورية التي وردت سابقاً في سياق آخر . ينشأ التطور بفعل الاصطفاء الطبيعي استجابة لمقتضيات البيئة . الاصطفاء الطبيعي صيرورة  منفعية ؛    لأنه يحافظ على التكيف البيئي ويرقيه. إنه ليس نوعاً من الأشباح الخيرة ، فهو اوتوماتي بلا بصر  وبلا بصيرة . وهو  قناص للفرص  بمعنى أنه يكيف الكائن الحي للبيئات التي تتوفر هنا والآن ويعجز عن أن يضع التغيرات البيئية المستقبلية في حسبانه. وقد يكون الانقراض ، كما ألمحنا ، نتيجة هذا الأفق الانتهازي الحسير . فالتكيف معرض لأن يدفع النوع إلي زقاق ذو اتجاه واحد مقفول  (انظر الفصل السادس) .

هنالك نتيجة أخرى لتلك الانتهازية أكثر انطباقا على التطور الإنساني. فالصلاحية التي يتم اصطفاءها ليست صلاحية الأعضاء و الصيرورات والقدرات المنفردة المنفصلة عن بعضها البعض وإنما هي الصلاحية العامة للكائن الحي  للبقاء والتوالد. وبسبب ذلك فإن الناتج يكون، خصوصا في حالات إعادة البناء التطوري الجذري، خليطاً مربكا من التفوق والضعف . وإن انطباق هذه الحقيقة على التطور الإنساني جلي تماما. بكلمات هوكيت وآشر (1964 ) :

            لقد أدت اللغة والثقافة كما شهدنا إلي اصطفاء أدمغة أكبر . والأدمغة الكبيرة تعنى الرؤوس الكبيرة .

            والرؤوس الكبيرة تعنى صعوبة أشد عند المخاض . وحتى في حالنا الراهن فان الرأس هو سبب

            مصاعب الولادة الرئيس. ويمكن التغلب على هذه الصعوبة بقذف الجنين في مرحلة مبكرة من

            مراحل تناميه. وقد تم بالفعل اصطفاء القذف المبكر للجنين . لكن قذف الجنين المبكر يطيل

             أمد عجز الطفولة التي هي في  الوقت نفسه فترة لدونة قصوى يكتسب الطفل خلالها تراث مجتمعه

             غير البيولوجي المعقد. ويستدعى عجز الطفولة رعاية أطول وأكثر اتقاناً ، مما يجعل مساعدة الذكور

              البالغين للأمهات أمراً ضروريا . ولا تتأتى بعض المهارات التي يتعين على الذكور اليافعين تعلمها إلا                                        من الذكور البالغين . ويؤدى كل ذلك إلي تأنيث الآباء .

كما تعتبر بنية النفس الإنسانية التي اكتشفها فرويد وأتباعه حزمة من التناقضات والتنافر الذي يبدو لأول وهلة

وكأنه نتاج لأي شيء إلا  التطور التكيفي. غير أنه ينبغي علينا أن ننظر لتلك البنية لا في ذاتها وإنما في الإطار التطوري  الكلي. وليس الإنسان في ذلك الإطار نوعاً بيولوجياً ناجحاً وحسب وإنما هو أنجح الأنواع التي أنتجها التطور  البيولوجي على الإطلاق. وبكلمات هوكيت وآشر مرة أخرى :

                 لقد صارت الكائنات الشبيهة بالبشر  بشراً بمجرد أن اكتسبت القامة المنتصبة واستخدمت أيديها

                  لمعالجة الآلات وصنعها ولحمل الأشياء ؛ وحينما عرفت اللغة . حينئذ اكتملت الثورة الإنسانية .

لقد تجاوز التطور البيولوجي نفسه في "الثورة" الإنسانية ، والتي بلغ بها مستوى وبعدا جديدا ، وأخذ فيه  بريق الروح الإنسانية في اللمعان . لقد ولد  الهيومانوم  عنصر الإنسانية.

       بقى أخيرا  أن ننظر بإيجاز في مواطن الريبة التي قد تنشأ فيما يتعلق بهذه النبذة عن التجاوز التطوري الذي يؤدى إلي الإنسان . فالذين يرون وجود فجوة لا تسد بين الهيومانوم والحالة السابقة للإنسانية يرتابون حتى في مجرد وجود البداءات التي يمكن أن ينشأ منها الهيومانوم في الحيوان . الآن فالذي يفوت على أولئك الذين يعتقدون في الفجوات التي يستحيل عبورها أن الجدة النوعية للحالة الإنسانية هي جدة ذلك النمط وليست جدة مكوناته . التجاوز لا يعنى أن قوة أو طاقة جديدة هبطت من لا مكان ؛ وإنما  يعنى أن شكلا جديدا من الوحدة والانسجام  قد برز للوجود.

وعلى أية حال فمع أن إنكار وجود أي من مكونات الهيومانوم في الحيوانات لم يعد ممكنا ، إلا  أن الكوكبة الكاملة لتلك البداءات لا تتذكرها بالتأكيد . وقد تمت مؤخرا دراسة هذه المسألة عن طريق إجراء الكثير من التجارب الحاذقة التصور  ، البارعة الإنجاز ( انظر رنسش 1960 وثورب  Thorpe 1962 ،1963) . من الممكن إثبات قدرة الطيور والثدييات على تشكيل " مفاهيم غير لفظية مجردة " كالعدد كما دلت تلك التجارب. وقد تعلم طائر (غراب) في تجارب أجراها كوهلير   Koehler أن يختار الصحن الذي يحتوى على طعام من بين خمسة صحون  وضعت عليها نقاط ملونة، من نقطتين إلي ستة نقاط ، بالترتيب . وقد تمكن الطائر بعد التدريب من التقاط الصحن الصحيح بعد أن عرضت علية اللافتة التي تحوى ذلك العدد ، من بين لافتات أخرى . وقد تمكن طائر آخر (ببغاء) من اختيار الصحن الصحيح بعد أن تعرض للعدد الصحيح من المنبهات السمعية التي تدرب عليها .

إن "لغة" رقص النحل رمزية ، يشير فيها النحل المخبر  بحركاته على قرص العسل إلي اتجاه مصدر ما للطعام.  وهي بالطبع لا تملك أية خاصة من خواص اللغات الإنسانية التي سبق أن تمت مناقشتها . وقد قام كوهلير ولادقنا-كوتس وآخرون بإثبات "التعلم بالبصيرة" في الشمبانزي . كتب ثورب :

            أن المدركات الحسية للفرد المجرب الناضج سواء في الطيور أو الناس يتم بناؤها في عملية تعلم

            إدراكي-حسي تتألف فيها المدركات الحسية الأولية وتبنى في صور (جستالت) أكثر تعقيدا  ؛ وحقا

            لا توجد اختلافات جوهرية يمكن تمييزها في القواعد التي تستند إليها العمليتان .

فاللعب الحقيقي  يتواجد  في الحيوانات كما في الناس ويؤدى وظيفة تدريب الصغار نفسها وإعدادهم لفعاليات الأفراد الناضجين. وقد تم إظهار وجود بداءات البواعث "الجمالية-الأولية" في القردة والنسانيس التي يمكن دفعها للانهماك في الزخرفة بالألوان بنتائج  قد لا تختلف اختلافاً كبيراً جداً عن بعض أعمال الرواد  الطليعيين .  وقد تم الإعلان مراراً عن وجود بوادر أولية للسلوك التعاوني والأخلاقي وحتى الإيثاري في بعض الحيوانات ، لكن يصعب بطبيعة الحال إثبات تلك الحالات بما يبعد الريبة تماما (انظر ثورب لعرض نقدي لهذه الحالات) .

        هنالك صعوبة أخرى ذات طابع أكثر عمومية تجابهها التفسيرات التطورية لأصل الإنسان . فكثيراً ما يعزى حدوث الطفرات الوراثية والاصطفاء الطبيعي " للصدفة" . فهل يمكن الاعتقاد أبداً بنشأة الهيومانوم عن طريق تراكم سلسلة من المصادفات ؟ يعترض على ذلك الآحاثي الفرنسي دى كايوكس  De Cayeux (1958) بشدة :

" الاصطفاء اللوتري لا يفي بالغرض . والطفورية فشل مزدوج . إن أصل الأنواع لا يمكن أن يعزى للصدفة وحدها ، حتى بعد أن يصححها الاصطفاء الطبيعي " . وقد تقدم كتاب مثل جوزيف ود كرتش وبارزون وآخرين باعتراضات مماثلة على قدر كبير من البلاغة . الآن فان قدراً كبيراً من هذه الاعتراضات بنى على مجرد سوء فهم  . ما هو المعنى المقصود حقيقة من "الصدفة" و" العشوائية" في التطور ؟ لقد سبق أن أشرنا إلي حقيقة أن الطفرات الوراثية ملتبسة تكيفياً . الطبيعة لم تر مناسبا أن تجعل الطفرات الوراثية المرغوبة تنشأ  حيثما وحينما تكون هنالك حاجة لها . ويصعب جداً على عالم الوراثة أن يتصور طريقة معقولة تحققذلك . لكن حتى الطفرات ليست عشوائية لأنه من الواضح أن ماهية الطفرة  التي تحدث في جينة معينة تحددها بنية تلك الجينة . ثم أن الطفرات ليست التطور ؛ وإنما هي المادة الخام التي يتولى والاصطفاء الطبيعي يتولى معالجتها لتحقيق التطور.

        الاصطفاء الطبيعي ليس صدفة إلا بمعنى أن معظم الطواقم الوراثية  في عشيرة ما لا تملك تميزاً مطلقاً بالنسبة للطواقم الوراثية الأخرى وإنما تتميز عنها تميزا نسبيا فقط (وذلك برغم صيغة التفضيل "الأصلح" في عبارة "البقاء للأصلح " ) . فالاصطفاء الطبيعي يكون  متنفذاً إذا ما انجب طاقم وراثي مائة فرد مقابل تسعة وتسعين أنجبه حاملو طاقم آخر يختلف في وجود جينة طافرة بعينها . فيما عدا ذلك فالاصطفاء الطبيعي عامل مضاد للصدفة . أنه يمنح معنى تكيفياً للفوضى  النسبية لتوليفات الجينات الطافرة التي لا حصر لها . وهو يفعل ذلك دون أن تكون له إرادة أو قصد أو بصيرة. وإن التناظر   بين فعل الاصطفاء  الطبيعي والمنخل في الأدبيات الكلاسيكية لعلم الوراثة مضل كما أسلفنا . إن أفضل نظير للاصطفاء  الطبيعي هو آلية ضبط سبرانية تنقل للطاقم الوراثي "معلومات" عن  حالة البيئة .

         النقطة المحورية التي ينبغي التركيز عليها هي أن الانتخاب الطبيعي عملية خلاقة بمعنى حقيقي تماما  ( انظر للمزيد الفصل السادس ) . أنه يمنح  إبداعات حقيقية  للوجود- طواقم وراثية لم توجد من قبل أبدا . علاوة على ذلك فان هذه الطواقم أو بعضها على الأقل ، متناسقة ومتوازنة داخليا وتصلح للبقاء في بعض البيئات التي يثريها . ونادرا ما يدرك الكتاب والشعراء ودعاة المذهب الطبيعي الذين يظنون  في الإشادة بروعة وخصب الطبيعة وإبداعها المثير . أن الاصطفاء  الطبيعي هو موضوع ثنائهم . لكن السيرورة الإبداعية تتعرض بطبعها  لمخاطر الفشل والخلل الإبداعي . الذي يعنى في البيولوجيا الفناء والانقراض وهنا يبدو الإبداع أقل أمنا من الركون إلي إنتاج الجملة من طاقم وراثي مسبق التكوين . ويزخر علم الأحاثة بالأدلة التي تشير إلي أن الانقراض هو المصير الطبيعي الذي آلت إليه معظم الخطوط التطورية . وقد اعتقد بعض البيولوجيين الذين ارتأوا في الاصطفاء الطبيعي عملية آلية بلا روح في نظرية التكون القويم . وهي نظرية يكون التطور بمقتضاها مجرد تكشف الصور المشكلة والمقررة سلفا ( انظر الفصل السادس ) . لكن هذا التطور لا يخلق شيئا جديدا أبدا في حالة الخلق المسبق ، كما أن الانقراض يصير إما لغزاً أو هراءً .

        وتشكل  مسألة الحتمية جانبا آخر لإشكالية الإبداع والخلق الذي نتعرض له في الفصل السادس أيضا ، وأكتفي بإبداء بعض الملاحظات هنا . يسأل اتكن (1964) عن السبب في أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي تمكن من تحقيق نمط التكيف عن طريق الثقافة : " ما هو ذلك الشيء الذي امتلكه أسلاف الإنسان ( الرئيسات ) دون سائر الحيوانات الأخرى فمنحه القدرة على حل ضائقته التطورية ؟ " والجواب هو أن نمط التكيف الإنساني كان واحدا من عدة خيارات محتملة توفرت لأسلافنا البعيدين ، أما النمط المعين الذي يتبعه أي من خطوط الرئيسات التطورية فلم يكن  مقررا سلفا . لقد كان إبداعاً تطورياً ولم يكن قدرا  محتوما . هنالك بشكل عام نوعان من تفاسير التطور . يفترض أحد هذين النوعين أن أيا وكلا من التغييرات التطورية التي حدثت كان حدوثها محتما. يقر النوع الثاني وجود عدة طرق لحل معضلات التكيف لنفس البيئة ؛ و يرى أن اختيار  أحدها  أو تفادي أي منها ليس مقرراً سلفاً . وإنني أميل بسبب رفض لهذا التقدير المسبق لأن أبدي اعتراض على الاعتقاد الشائع بأنه،  لو وجدت حياة في أجزاء أخرى من الكون ، فلا بد وان تنتج عنها كائنات عاقلة شبيهة بالبشر أو على شاكلة السيوبرمان . أنني أشارك سمبسون (1964) وبلوم  Blum (1965) الرأي بان هذا الأمر ليس فقط موضع شك وإنما هو غير محتمل للدرجة التي تعنى الرفض بالنسبة لأية نظرية علمية .

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.