أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
فصل من كتاب

الفصل الخامس: البحث عن معنى الحياة

التاريخ الحديث والوثائق

الفصل الخامس

  البحث عن معنى الحياة

عرف أرسطو الإنسان بأنه حيوان اجتماعي. وبالطبع فالإنسان ليس الحيوان الاجتماعي الوحيد. هنالك حيوانات أخرى كثيرة، من بينها من هو أكثر اجتماعية، ببعض المقاييس، من الإنسان. فقد وصل تقسيم العمل بين أعضاء مجتمعات الأرضة والنمل والنحل الاجتماعي والزنبور حدا أبعد مما في المجتمعات الإنسانية. يصنف معظم أفراد هذه الحشرات "عمالا" لأنها فقدت الوظيفة الأساسية للتوالد ؛  أو أنها عقيمة أو إن شئت محيرة، ليست ذكرا ولا أنثى، وان كانت من الناحية التشريحية إناث غير مكتملة التكوين أو،كما في حالة الأرضة، ذكورا وإناث معا. وقد فوض التوالد لطائفه متخصصة من الأفراد، ذكورا وإناث مخصبات. ويطلق اسم "الملكات" المضل على الإناث المخصبات التي لا تقود ولا تحكم.

.إن اجتماعية الإنسان من نوع خاص جدا كما أدرك أرسطو بوضوح. لقد أوحت كلمة اجتماعي بالحياة في دول المدن ؛ فالإنسان إذن "حيوان سياسي ". وبينما تعتمد اجتماعية الإنسان على الوعي بالذات والاتصالات الرمزية فان اجتماعية الحيوانات ليست إلا غرائز موروثة. والوحدة الأساسية في التنظيم الاجتماعي للإنسان هي العائلة النووية التي تتشكل بارتباط الأم والأب والأطفال. هذه الأسرة النووية تمثل عمومية ثقافية بشريه على الرغم من التنوع الذي لا حد له في العلاقات العرفية بين الأفراد في الثقافات المختلفة.

.ان تحديد مكان وكيفية نشأة العائلة النووية خلال التاريخ التطوري للنوع الإنساني أمر يخضع للحدس والتخمين. فهي لا توجد بشكلها الإنساني لدى الرئيسات غير الإنسانية التي تبدى مع ذلك تنوعا مدهشا في التنظيم الاجتماعي. وقد كان سلوك الرئيسات ووظيفتها التناسلية  وممارساتها لتربية الأطفال مواضيع لدراسات بارعة شديدة الاتساع. وقد دلت هذه الدراسات على أن حجم المجموعة الاجتماعية يتراوح من 2إلى 5في القردة العليا الشبيهة بالإنسان ومن 13إلي185 في بعض القرود الأفريقية. تميل المجموعات التي تعيش وتتغذى على الأرض لأن تكون  أكبر حجما من تلك التي تعيش بين الأشجار وفروعها. تتكون الزمرة عادة من عدد معتبر من الإناث البالغات جنسيا ومن واحد إلى عدة ذكور بالغين إضافة لبعض الصغار الذين لم يبلغوا مرحلة النضج الجنسي. وتكون بعض الإناث البالغات في حالة استقبال جنسي والأخريات بين حبلى ومرضع. وفيما عدا الرضع الذين تتم رعايتهم فان جميع الأفراد الآخرين يبحثون عن الطعام بأنفسهم. وليس هنالك تعاون للحصول على الطعام بين الأفراد في معظم الأنواع، ويكون التعاون محدودا جدا إن وجد.لكن هنالك تعاون فيما يخص الحماية المتبادلة. على وجه الخصوص فأن الذكور الأقوياء يتخذون مواقع دفاعية عند تعرض الزمرة للخطر، خصوصا خطر الحيوانات  المفترسة مثل القطط الكبيرة.

.هنالك اختلاف في وجهات النظر حول مدى الاقتتال الذي يتم بين أفراد الزمرة. فقد يكون هنالك قتال شرس بين ذكور القرد الأفريقي المحبوسين الذين يذودون عن الإناث الذين يستميلونهم في حديقة الحيوان. أما على الطبيعة فان المشاهدات تكشف عن وضع مختلف تماما. فهنالك نظام صارم بعض الشيء للسيطرة و الطاعة بين أعضاء الفرقة، وهذا النظام يتم تأسيسه والحفاظ عليه عادة بالتهديد الطقوسي لا بالاقتتال الفعلي. ويتم في بعض الأنواع استبعاد الأفراد الضعفاء من الذكور البالغين الذين يشكلون فرقا من “العزاب" يتسكعون قرب الزمرة انتظارا لفرصتهم.   ومع أنه تتوفر فرص أكثر للذكور السائدين لمضاجعة المستقبلات من الإناث، إلا أنه ليس صحيحا أن الزمرة تنتسب كلها إلى ذكر واحد. العكس هو الصحيح لأنه يوجد دائما  عدد من الذكور النشطين،كما يسود في بعض الأنواع قدر كبير من الحرية الجنسية. الفرق الأهم في السلوك الجنسي بين الإنسان وأقاربه يقع في مضمار آخر. فالأنثى في كل الرئيسات عدا الإنسان تكون مستقبلة جنسياً خلال فترات محددة من الدورة النزوية فقط. أما أنثى الإنسان البالغ جنسيا فهي دائمة الاستقبال.

.ومع أن قله فقط من إناث القرود في الفرقة تكون في الدورة النزوية في أي وقت ما، فإن واحدة إلى بضعة إناث يكن دائما على تلك الحالة. وهكذا يتوفر للذكور النشطين جنسيا الوصول باستمرار إلى إناث مستقبلات، لكنهن إناث مختلفات. ذلك يجعل آحادية الارتباط وأبوية الرعاية بعيدتا الاحتمال. حقيقة كما أسلفنا فأن ذكور القرود يتولون حماية الصغار وبقية أفراد الفرقة. وعلى الأقل في بعض الأنواع فإن الذكور يتسامحون  في احسن حالاتهم  مع الصغار، كما يأخذ أولئك حذرهم من آبائهم وأعمامهم. أما في الإنسان فأن استمرارية تلقى الإناث تساعد على تقليل حدة المنافسة بين الذكور وتجعل العلاقة الآحادية ممكنة.

.تفرض استطالة أمد عجز الطفولة الإنسانية عبئاً أكبر بكثير على الأمهات بالمقارنة مع الأمد القصير لطفولة القردة والنسانيس الأكثر خفة ورشاقة. فغالبا ما تكون أنثى الإنسان عاجزة عن جلب الطعام لنفسها ولصغارها بعد الوضوع. يصدق ذلك أكثر حينما يعتمد توفير الطعام على الصيد بدلاً من جمع الثمار والحشرات والحيوانات الصغيرة الأخرى القريبة من المعسكر. ويفرض هذا الوضع على الذكر الإنساني القيام بمهمة توفير مستلزمات العائلة. ووفقاً لعبارة هوكيت وآشر السلسة التي سبقت الإشارة  إليها فأن "كل ذلك يؤدى إلى تأنيث الآباء ".

.العائلة أقدم المؤسسات الاجتماعية الإنسانية وأكثرها دواما. وهى ثابتة لا بمعنى أنها لا تتغير،  فالاختلافات في تركيب الأسرة لا حصر لها، وإنما لأنها ربما تبقى على هذا الشكل أو ذاك مؤسسه قاعدية للإنسان ما بقى النوع الإنساني. كان هنالك جدل كثير حول الأهمية النسبية لكل من المحددات الوراثية والثقافية للدافع الجنسي والتنظيم الأسرى للإنسان. فمن الواضح أن الاثنين مهمان. ربما لا يتطرق لأحد الشك في حقيقة أن الدافع الجنسي نتاج آليات وظيفية ترسخت وراثياً. لكن مظاهر هذا الدافع يكيفها الإطار الثقافي.   ولا يجوز افتراض انتظام الأساس الوراثي لجينات الإنسان بسبب انتشارها الواسع في النوع  الإنساني. على العكس تماماً، فإن التباين الوراثي في الأشكال المفضلة المختلفة لإشباع الدافع الجنسي وفى حدته وتوقيته، مألوف وهام. ويحدد تعقيد العادات والعوامل الاجتماعية-الثقافية  الأخرى السلوك  الصريح والقنوات التي ينبغي أن توجه إليها الرغبات الجنسية. وقد نمى صرح هائل من القواعد السلوكية والمحظورات صار مفروضاً على الدوافع الفسيولوجية  المكيفة وراثياً. بعض المجتمعات أكثر إباحية وبعضها أشد تزمتا في القواعد التي تضعها للتحكم في علاقات الجنس والأسرة والنسل. ولم يترك أي مجتمع معلوم في الماضي أو الحاضر هذه الأمور كليا لهوى الأفراد وتقديرهم.

.تتشابك العوامل الوراثية والثقافية في علاقات الأب/الأم-الطفل أيضا. هنالك احتمال كبير بأن يكون تركيز الارتباط العاطفي للأم بابنها  أو  أبنائها متأصلا في الجينات، وإن لم يكن هذا الموضوع قد  أوفى حقه في الدراسة من الوجهة الوراثية. ويحتمل أن يصدق  الشي نفسه على علاقات الأب- الابن، وان كانت الجذور الثقافية أقل تعمقاً هنا، كما أن علماء الأنثروبولوجيا أفاضوا في وصف الحالات المحددة ثقافياً.

.تصعب تماما المبالغة في أهمية عجز الطفل الإنساني واعتماده الكلى على الأم بالنسبة لتنامي الإنسان. فلا بد لكي يبقى النوع من التعديل والضبط التطوري، ولهذا التعديل والضبط أهميته من الوجهتين البيولوجية  والثقافية. وكما أشار وادنجتون (1960) فإن للطفل سعة وراثية ليكون "متلقياً للسلطة" وليكون "كائنا أخلاقيا". ولم تزود العملية التطورية الإنسان بمبادئ وقيم     أخلاقية محددة، لكنها هيأت أطفاله وأعدتهم لاستيعاب مثل هذه المبادئ والقيم من الأبوين ومن الأقارب وغيرهم من ذوى السلطان. يسهل هذا  انتقال الأخلاق والقيم التي يتم تطويرها ثقافيا و يجري توارثها جيلا بعد جيل.

.طرح بعض علماء الأحياء، ومنهم من صار من دعاة المذهب " الإنساني"، فكرة مفادها أن الأخلاق تم تشكيلها وتثبيتها  بحسبانها دوافع غريزية وراثيه عن طريق الاصطفاء الطبيعي. لكن الذي حدث فعلاً  أكثر  إثارة ومدعاة للاهتمام. ما يتم ترسيخه بالتكيف البيولوجي ليس طبيعة  المبادئ الأخلاقية  ومحتواها وإنما القدرة على الصيرورة الأخلاقية. أما طبيعة  المبادئ الأخلاقية ومحتواها فتجيء من التطور الثقافي  البيولوجي. وربما أمكن أن نقول بتعبير فرويد أن الذي يورث هو القدرة على تكوين ذات عليا (سيوبر ايقو) لا نوع الذات العليا التي تتكون. ويلزم تذكير الذين يستنتجون  من ذلك أن الأساس البيولوجي للذات العليا ليس مهما، بالمدى الواسع للتباين بين المتلهفين على تلقى السلطة والمتمردين عليها، وبأن قدرا من هذا التباين يمكن أن يكون وراثياً.

لقد اكتسبت الأبوة بالنسبة للإنسان، افتراضاً في المراحل الباكرة لتطور الإنسانية، معنى لم يكن ممكنا لحيوان أن يمنحه لها. يجيء هذا المعنى من اكتساب الإنسان للوعي بالذات وبالموت.  فالأب صار يعي بزواله ووقتيته. ومن المحتمل أن يعيش الأطفال والأحفاد وأبناء الأحفاد حينما لا يكون الأب حياً. وللإنسان أمل، ربما توهم، أنه سيبقى بشكل ما في ذريته. وتبدو الحياة التي يكرسها الفرد لأسرته ولذريته ذات معنى ؛ وهو يمكن أن يتخبره بأن يقبض على جزء دقيق ويسير جدا من ذلك الخلود الذي يصبو إليه ولا يستطيع تحقيقه منفردا.

.وتعد رموز الخصوبة من أقدم الأدلة على يقظة الإنسان الروحية. ووفقا لهوكس و ولى (1963)

 "استمدت الدوافع الدينية للعصر الحجري قديمه وحديثه أقوى عناصر تماسكها وأكثرها تحديدا من الرغبة المشتركة في الخصب. وقد لوحظ أنه على الرغم من التداخل والارتباط الشديد                           لدين  العصر الحجري القديم مع الطقوس الطوطمية الأرواحية وسحر الصيد، فان أكثر مواضيع تلك الطقوس تطويرا وأشدها وضوحا تماثيل الأم-الآلهة وأعضاء الذكورة المنقوشة. ولا تزال لهذين الرمزين السيادة المطلقة في الآثار الثقافية   الأولية  للعصر الحجري الحديث... ومهما كانت الشكوك، فلا شيء يمكن أن يزعزع الشهادة الصامتة للمئات فوق المئات من الدمى الطينية والعظمية والحجرية الصغيرة للآلهة الأم ".

قد تبدو هذه التماثيل الفينوسية العتيقة ببطونها الحبلى وأردافها المبالغ في ضخامتها سخيفة ومنافية لمزاجنا العصري. لكن مع ذلك فان طقوس الخصب المتقنة الإخفاء لا تزال باقيه. ولا تزال الرموز  المتعلقة بعضو الذكورة بارزه في أدياننا البدائي منها والمتقدم. ويرمز إلى الإله سيفا في الديانة الهندوسية بذكر وفرج منقوشين بطريقه اصطلاحية. وقد قام الفيلسوف الروسي رازانوف  Rozanow بمحاولة ملفتة للنظر لتفسير النكاح والتناسل البشرى بحسبانهما طقوسا شبه دينيه. وطرق قودينف  Goodenough(1965) أفكارا مشابهة.

.يمكن بمعنى أوسع أن نقول أن أشكالا حديثه لطقوس الخصب تمنح معنى لوجود ملايين غفيرة من الناس الأحياء. فالإنسان يسعى للإشباع الجنسي،  ثم الارتباط الأسرى، ويكد لتحقيق أمن  ذريته ورفاهيتها. ويشكل هذا المسعى خططا للحياة ترسخت في دوافعنا الغريزية المؤسسة وراثيا بحيث صار الجميع تقريبا يسلمون ببداهتها وقلة صغيره فقط تساورها حولها الشكوك. ومع أن الجذور البيولوجية لهذا الجهد والمسعى الإنساني لا يتطرق إليها الشك، إلا أنه يتخذ على المستوى الإنساني الإتقان والزخرف الثقافي العفوي للرمزية والأسطورة والتصوف والشعر والفن. وتحظى الأمومة بالتقدير وربما التقديس لدى معظم الناس. وقد صارت المادونا والطفل رموزا مقدسة للمسيحية. ولا نحتاج للذهاب بعيدا لنرى هنا الآلهة الأم التي استعادت وقارها القديم ؛ فالتعلق العاطفي العميق برمز الأمومة بين تماماً.

 .لا يتفرد الإنسان بالتأكيد بخاصة كونه يسعى لا للجماع مع قرينه وحسب وإنما للتعاون معه في تربية النسل أيضا. هذا التعاون مفهوم ومتوقع تماما من الناحية البيولوجية. وقد تطور بصورة مستقلة في المجموعات الحيوانية المختلفة التي ظهر فيها. ففي الكثير من أنواع الطيور لا يكون الأبوان أحاديا العلاقة وحسب وإنما يتعاونان على تغذية  النسل وحمايته. ألا يكون في ذلك تفسيرا للتعلق الشديد للكثيرين بمراقبة الطيور ؟ وحتى تضحية الأبوين بالنفس لصالح النسل ليس أمراً نادراً تماماً ؛ فالأب في بعض الطيور والثدييات يضع نفسه في موقع الخطر ليدرأ عن صغاره أذى العدو المهاجم. أما مسألة تطابق هذا السلوك الإيثارى موضوعياً مع السلوك الإيثارى للإنسان فموضوعه مختلف.  لقد مال كثير من المراقبين لتلك المطابقة ؛  لكن من المشكوك فيه تماما أن يوجد الإيثار الإنساني -حب الخير-حينما لا تكون هنالك قدرة على التمييز بين خيارات بديلة وعلى اتخاذ القرار الحر  باختيار أحدها. من الناحية الأخرى فالرعاية الأبوية ليست بالتأكيد مقصورة على الإنسان. لكن هذا الدافع الغريزي ضعيف نسبيا ولا  يتدعم  بالتوق للانتساب للآخرين إلا لدى الإنسان  وحده. ولهذا السبب فان الإنسان وحده هو الذي يمكن أن يصاب بخيبة الأمل حينما يلقى الأبوان العقوق والرفض بدلا من محبة الأبناء.

       ·       هل يكفى إذن أن يعيش الإنسان ليحيا، يعيش لينجب مزيداً من الحياة، حياة تصل السلسلة إلى الأبد كما يأمل؟ هذا هو الجواب الوحيد المعقول للسؤال عن معنى الحياة بالنسبة للكثيرين، فسلسلة الحياة الأبدية هي النوع الوحيد من الخلود الذي يمكنهم الاعتقاد به. ولو أمكن لحيوان أن يسأل عن معنى الحياة لكان الجواب الوحيد هو أن الحياة نفسها هي معنى الحياة. لكن هل يكفى هذا الجواب بالنسبة للإنسان ؟ لا بد وأن يكون الحيوان الذي يفطن لهذا السؤال في المكان الأول إنساناً.

. لقد رأى كامو في لمحة شديدة الفراسة "إنني أعرف أن لشيء في هذا العالم معنى هو الإنسان، لأنه الكائن الوحيد الذي يطلب أن يكون له معنى ". هنا تكمن قوة الفكرة الأزلية  وضعفها إن الحياة غاية في ذاتها. هذه الفكرة تبقى على الحياة،فهل يمكنها أيضا أن تشبع عقلاً   أسبغت عليه نعمة أو نقمة الوعي بالذات وبالموت ؟ هل لابد من العثور على معنى للحياة الإنسانية في شيء يتجاوزها ويعلو عليها، إن كان العثور على هذا المعنى ممكنا ؟

.كان على الإنسان دائما أن يكدح ويناضل للحفاظ على حياته قبل أن يسأل عن السبب الذي يعيش لأجله.

يعجز الذين يعيشون منا في رغد وأمن نسبى أن يدركوا أن مهمة البقاء على قيد الحياة كانت ولا زالت تستغرق كل الوقت لأناس كثيرين. فالجوع لم يكن بعيداً جداً أبدا، والأمراض والكوارث من كل الأنواع تتعقب الناس. الذين خبروا الحياة تحت ظروف كهذه يعرفون أن دافع البقاء يكون كثيفا بلا تردد ولا  انقطاع، لكنه مع ذلك لا يحل كليا محل السؤال عن المعنى وراء كل ذلك  العناء.

.اقتفى كثير من علماء الإنسان أثر تايلور  وفرايزر بالقول أن الإنسان اخترع السحر خلال نضاله لكي يبقى على قيد الحياة، وأنه من السحر نشأت الأديان. ولا يشترك كل دارسي هذه المواضيع مع هذا الرأي، إذ يفترض الكثيرون وجود منشأ مستقل لكل من السحر والدين. الدين هو ما يفعله الإنسان بهمه الشاغل، بمصيره، أما السحر فمنفعي. لقد رغب الإنسان في مراودة قوى الطبيعة التي أعيته ولم يفهمها، في السيطرة عليها وتطويعها لارادته.وصف مالينوفسكى هذه الوظيفة المنفعية للسحر، وقد اقتبسنا ذلك من قبل (46). لكن المعتقدات السحرية تعلق بكل الأديان تقريبا، البدائي منها والمتقدم. ولا نحتاج للدخول هنا حلبة الجدال لنقرر  إن كانت الأسحار  مجديه أحيانا.  ولا يلزم أن نكون في عداد الغيبيين للتسليم بأن الأسحار قد تحقق ضربا من الأعاجيب لمن يؤمنون بها.

يشدد قود  Goode (1955) محقاً على أننا :

مطالبون بمنح نفس الأهمية  الفكرية والعلمية لكل من الأنظمة الدينية الخاصة بداهومى

              والرومان الأوغسطيين، زوفو والتبت، اللاكونديين والنفعيين، باختصار للأديان البدائية

              والمتمدينة على السواء. صحيح أن وقع بعض الأديان كان أشد على حياتنا الخاصة لأنها شكلت جزءا كبيرا من تقاليدنا ومعتقداتنا الجماعية، كالعبرانية مثلا. لكن ذلك لا يميزها  عن الأديان البدائية  بحسبانها مصادر للبحث عن الحقائق البنيوية الأساسية في الأنظمة الدينية.

يصدق  الشيء  نفسه على جانب المسألة الذي يشغل عالم الأحياء التطوري. لقد تنامت لدى الإنسان سعة، حاجة في واقع الأمر، لأن يكون له دين ؛ فما ترى كان ممكناً أن تكون الدوافع أو  الوظائف التي منحت قدرة اصطفائية وصلاحية تطورية لأولئك الذين تمت تلبية هذه الحاجة لديهم ؟ هذه مسألة لا طائل وراءها، حتى لو كان قود محقا في أن "أديان الإنسان الفطري ستظل مجهولة لكل العلماء الاجتماعيين إلى الأبد،  برغم أن الكثيرين من العلماء- الشعراء سيثابرون على الاقتناع بأنهم ألهموا تلك المعاني".

.لا يمنح السحر تبصراً في معنى الحياة مهما بلغت درجه الايمان والتعلق به. وسواء كان السحر مفيدا للبقاء أم لا فهو لا يفيد في معرفة ما نعيش لأجله. الأديان هي التي توفر الأجوبة على تلك الأسئلة، أما مصداقية تلك الأجوبة فهي بالطبع مسألة أخرى.  لقد وجد الإنسان في  العالم بمشيئة الله، ومعنى وجوده هو أن يعبد الله. والله أو الآلهة، مهما كان تصورها في الأديان المختلفة، أزلية لا تموت. أما الإنسان فهو واع بوقتيته وتشظيه. ويصف هارتشون الدين بأنه "قبول الإنسان لتشظيه". ويتغلب الإنسان على تشظيه ووقتيته بأن يكون جزءا من الحياة الأزلية الجليلة، على الأقل في خياله.

.هنالك تصورات مختلفة لمشاركة الناس في الحياة الأزلية في الأديان المختلفة. ليس هنالك وعد أو وعيد بالجنة أو النار في التوراة، لكن   عقيدة بعث الموتى ترسخت في اليهودية في الحقب التالية للإنجيل. وهذه العقيدة واضحة بجلاء في المسيحية والإسلام. وقد صور المفهوم الأصولي في آلاف اللوحات التي تبين القضاء الأخير في الكنائس المسيحية، غالبا بتفاصيل مرعبة ؛ كما وصفت  بالقدر نفسه من  الاهتمام بتفاصيلها المرعبة في ملحمة دانتى الكلاسيكية. ليس الموت سوى وقفه عابرة في مدرج الروح الأبدي. ويحل البعث في النهاية محل الموت، لا بعث الروح فحسب (فهي لا تموت أبدا) وإنما أيضا بعث الجسد الذي يعيش أبدا فيما بعد. لكن الحياة الأبدية تتفرع تفرعا ثنائيا مفزعا،  ليس فيها سوى بديلين، أما الثواب والنعيم الأبدي لصالح الأعمال أو عذاب النار وغمها لطالحها.

.ترفض البوذية والهندوسية هذا النوع من الخلود كليا. فالأرواح التي تتحرر من إسار البدن عند الموت تتناسخ , هنا في الأرض، مرة تلو المرة، في أجساد أخرى. ويعتمد نصيب التجسدات المتتابعة من النبل والانحطاط على الحسنات والسيئات التي تراكمت خلال التجسد السابق. ولا يعتبر تجوال الروح عبر التجسدات المتعاقبة شيئا طيباً أو مرغوباً. العكس تماما صحيح لأن غاية الترقي الروحي هي انتهاء غربة الروح واندماجها في الذات الإلهية أو في جوهر براهما الكون الأصلي أو النيرفانا.

.ويبدو أن الفكر الخلاق في المسيحية يتجه إلى نوع من تمثيل الوجهات المتعارضة المتعلقة بالخلود. فالإنسان المعاصر يشمئز من عسف التفرع الثنائي بين الجنة والنار، السعيد والشقي. ومن الواضح أن طهارة الحياة الإنسانية  أو فسادها يشكل سلسله متصلة، لا  تفرعاً متعسفا إلى طائفتين منفصلتين. يحاول تيليش (1963) حل هذا الأشكال كالتالي :

              على المسيحية أن ترفض إنزال رمز الخلود واستخدامه  للتعبير عن هذه الخرافة العامية رفضا تاما ؛وذلك

              لأن  المشاركة في الأبدية ليست "الحياة القادمة".لا وليست هي خاصية نوعية طبيعية للروح الإنسانية.

                    المشاركة في الأبدية فعل خلقي إلهي يتيح به للزمني أن ينفصل عن الأبدي وأن يعود إليه.

ويتابع تيليش :

               كثيراً ما يستخدم رمز البعث  استخداما عاما لتأكيد حتمية انبثاق الحياة  الأبدية من موت الحياة  الزمنية. انه بهذا المعنى طريقة رمزية للتعبير عن المفهوم اللاهوتي الأساسي للوجود الجديد.

                وكما أن الوجود الجديد ليس وجودا آخر  وإنما هو تحول من الوجود القديم، فأن البعث ليس خلقاً لحقيقة أخرى في مواجهة الحقيقة القديمة، وإنما هو تحول  ينشأ نتيجة لموت الواقع  القديم وينبثق منه.

.لقد توصل الناس في كل مجتمع إنساني معروف، وفى كل حضارة سلفت وأبقت سجلاً  تاريخياً يدل عليها إلى الأنساق من الأفكار الدينية يتعلق بمعنى حياتهم  والطريقة المناسبة لتوجيهها. ومع أن الأنساق الدينية المختلفة ليست متشابهة، بل تتعارض في بعض النقاط أحياناً، فهي تؤدى وظيفة لا غنى عنها. الدين يمكن الناس من تحقيق السلام مع أنفسهم ومع العالم الرهيب الغامض الذي أوجدتهم فيه قوى أكبر منهم. وقد كان الدين عمومية ثقافية شاملة للنوع الإنساني منذ أقدم العصور  لأن رموزه وأساطيره وفلسفاته وفرت الأجوبة لمسائل الوجود الإنساني التي تفوق حد الوصف. ولأن الدين يجيب على تلك الأسئلة، أو لأنه يبدو  كذلك، فقد صار أداة التماسك الاجتماعي.

.كثيرا ما زعم أن الدين مفيد   اجتماعياً  حتى بيولوجياً لأنه يمنح إقراراً  غيبيا  للأخلاق ؛ وأن هذه الوظيفة  انتهت أو أنها حتماً إلى زوال بعد أن  يتوقف الناس عن اعتبار مثل هذا التصديق الغيبي ضرورياً. لكن الدين لم يتمكن من توفير هذا  الإقرار  إلا لأنه منح معنى لأفعال الإنسان بأن أعطاها مرجعاً في مصيره. فحياة الأفراد وربما المجتمعات التي ينتمون إليها، ينظر  إليها بحسبانها جزءاً من مخطط جليل فرضته سلطة الأهمية. حقاً تمت المبالغة في هذه الفكرة من حين لآخر لإيجاد المبررات الزائفة للحروب والاضطهاد الديني. غير أنها بالمقابل حدت بالكثيرين لتكريس حياتهم لخدمة بنى جنسهم بدافع الإحسان والتواضع والمحبة، مطمئنين إلى أنهم بذلك يخدمون الرب. هكذا مكن الدين الفرد من اكتساب هوية تماثله مع مجموعات أخرى أكثر ثباتا من ذريته وعائلته النووية.

.تبقى القبيلة والأمة والإنسانية ككل أكثر من مدى حياة الفرد، وربما إلى الأبد.كذلك يؤمل أن تفعل مهنة  مثل العلم والفن أو حركة مثل الكنيسة  أو  الطائفة، أو مؤسسه مثل الحزب السياسي. وقد أثبت الناس حيناً بعد الآخر قدرتهم على التضحية بأنفسهم لمصلحة، حقيقية أو متخيلة، لحركات تستمر في البقاء والنمو بعد أن يموت الشخص الذي ضحى بحياته. وتضفي قدرة الناس على اكتساب هوية تماثلهم مع مجموعات وحركات ومؤسسات معينة تماسكاً شديداً عليهم. ولهذا التماسك أهمية كبيرة جداً في تطور الإنسان. أنها تجعل التاريخ الإنساني مختلفا عن التاريخ البيولوجي. النقطة الجوهرية هي أن تماسك المجموعات الإنسانية يستمد من وعيها بذاتها بينما تماسك السرب والقطيع وخلية النحل أو النمل مستمد من سلوك غريزي ينتقل من جيل إلى آخر عن طريق المورثات البيولوجية.

.ولا بد، بغض النظر عن اختيار المرء الديني أو اللاديني، من  الاعتراف بأن الدين جزء أساسي من الثقافة. ويذهب توينبى (1961) أبعد من ذلك إذ يتفق مع مؤرخ آخر هو دوسون على أن "الحضارات العظيمة في العالم تنتج عن الأديان العظيمة  بحسبانها إفرازا  ثقافيا ثانويا ؛ الأديان العظيمة هي الأساس الذي تنبني عليه الثقافات العظيمة ". ومهما يكن الأمر فإنه يستحيل لفظ جزء من ثقافة دون أن تسبب الأذى للكل. وكما أشار ميد  Mead (1955) " فسواء كانت حضارة ما محكمة التماسك أو مرنة مسترخية، وسواء كانت أخلاقها متوافقة داخلياً أو  كانت عميقة التناقض، سواء كانت الممارسات في أحد جوانب الحياة متطابقة أو متعاكسة،، أو لو كانت تبدو عند الفحص الخارجي منفصلة عن الجوانب الأخرى، فلا بد أن يتضح عند الفحص الأنثربولوجي الدقيق انتسابها بعضها للبعض بطريقة نظامية ".

.لقد تأسست الحضارة  الغربية على الأساس الديني اليهودي-المسيحي  (بما في ذلك الروسية التي أسماها توينبى الحضارة المسيحية الأرثوذوكسية). وقد ذودت المسيحية تلك الحضارة لأكثر من ألف سنه بمعاني وأهداف  الوجود الفردي والمشروعات الجماعية التي  تكمن في أعماق تراثنا الحضاري. لكن هذا الأساس الديني تعرض للتآكل منذ قرنين ونصف من الزمان بسبب تعارضه الحقيقي أو الظاهري مع القوة المتنامية للكشف العلمي، ولا يزال هذا التأثير ينمو نموا مضطرداً. وقد كتبت آلاف الكتب والمقالات حول هذا النزاع، بعضها يسعى لما يسمى ب "التوفيق" بين العلم والدين، وبعضها يحاول أن يبين أن العلم وحده هو القادر على توفير الأساس الروحي للوجود الإنساني، معتبراً بذلك أن كل الأديان قد استنفذت أغراضها. ليس في نيتي أن ألخص هذه الأدبيات المرتبكة والمربكة ولو باقتضاب. أنني أعتقد أن العلم، وعلم الأحياء على وجه الخصوص، ذو علاقة وثيقة بمصير الإنسان، ولا بد لتبين هذه العلاقة من التذكير ببعض الحقائق، وببعض المحاولات لربط هذه الحقائق في الإطار العام للأمر قيد البحث.

.كان كوبرنيق على فراش الموت حينما نشر كتابه الذي أوضح فيه أن الأرض ليست مركز الكون، وأنها مجرد كوكب يدور حول الشمس، وذلك في عام1543. ولم يجذب الكتاب إلا  اهتماما قليلا في بادئ الأمر. وقد نبذ كالفن نتائجه تلك بازدراء متسائلا "من يجرؤ على وضع حجة كوبرنيق فوق سلطان الكتاب المقدس ؟". لكن الأمر لم يترك للسكون عند هذا الحد. فقد أوضح كبلر في سني 1609 و1619، وجاليليو في سني 1610و 1632 م أن كوبرنيق كان على حق. أثار ذلك زوبعة، فاستدعى جاليليو للمثول أمام محكمة التفتيش وأجبر على الإقلاع عن هرطقته. ثم جاء كتاب ديكارت "خطاب في المنهج" عام 1637 م، وكتاب نيوتن "المبادئ  الرياضية"  في 1682، وكتاب لوك "مقال بخصوص الفهم الإنساني" عام1690م. وقد رأى نيوتن مناسباً أن يصف نفسه في أخريات أيامه بأنه "جامع الحصى اللامع في شاطئ المجهول العظيم ". لكن صورة نيوتن عن العالم وجدت مع ذلك قبولاً عاماً جعل الكنيسة تراعى الحذر في معارضة اكتشافاته بالطريقة التي اتبعتها مع جاليليو. لكن تكرر ذلك المشهد  غير اللائق بعد قرنين، وذلك في  عام 1859 وبعده. فقد صرفت نظرية داروين للتطور العضوي بدعوى أنها تناقض  ما يعتقد البعض أنه قصة الخلق الموحى بها. وتعرض العالم سنة 1925 لمهزلة "محاكمة القرد" في ولاية تنسى. في الوقت  نفسه تقريباً قام رؤساء تيلار دى شاردن في جمعية المسيح، وهو أحد أعمق الفلاسفة الدينيين في زماننا، بمنعه دون ضجيج  إعلامي من نشر كتابه الذي يرسم الخطوط العريضة لمفهومه للإنسان بحسبانه نتاجا للتطور.

.لا يزال هنالك الكثير من الناس الذين يحسون بالسعادة والراحة في التمسك بعقائدهم الأصولية. ولا ينبغي أن يثير ذلك الدهشة، لأن أغلبية كبيرة منهم تتساوى في جهلها بالاكتشافات العلمية مع الناس الذين عاشوا قبل قرون. لكن الظاهرة غير الاعتيادية حقاً هي الوجود المستمر لأقلية صغيرة من الأصوليين الدينيين ذوى الثقافة العلمية الذين يعرفون أن معتقداتهم تتعارض تعارضا تاما، بينا، صارخا مع الاكتشافات العلمية الراسخة. وتنشر في الولايات المتحدة  (أو ربما كانت تنشر حتى وقت قريب) مجلة جيولوجيا الطوفان، كما طبع على الأقل كتاب "علمي" واحد يتناول هذا الموضوع الغريب. وكانت لي مراسلة عقيمة  مثيرة للحنق  مع أحد معارضي التطور "الخلقيين" ممن لا يمكن اتهامهم بعدم معرفة الحقائق والأدلة العلمية. إن المناقشة مع مثل هؤلاء الناس مضيعه للوقت، وإني أعتقد أنهم أناس تعساء يحسدون أولئك الذين يعينهم جهلهم الصريح على التمسك بمثل تلك الأفكار.

.العلم والدين يتناولان جانبين مختلفين للوجود، يمكن مراعاة للتبسيط أن نقول أنهما جانبا الحقيقة والمعنى. فمن الممكن للمرء أن يدرس الحقائق دون أن يكترث لمعناها. لكن هنالك حقيقة واحدة هائلة جابهت الناس طوال مراحل استنارتهم حاولوا معرفة معناها بلا انقطاع، تلك الحقيقة هي الإنسان. فالكتب المقدسة  (المسيحية-اليهودية-الإسلامية-البوذية والأخرى) ليست مراجع علميه. أنها تتحدث برموز دينيه. تفتح هذه الرموز :

           "  مستوى من الواقع يظل مغلقاً وخبيئاً تماماً بدونها. نستطيع أن نسمى هذا العمق بعد  الواقع نفسه...أن هذه  الرموز الدينية  تفتح تجربة بعد هذا العمق في نفس الإنسان و أن مناقشة الحقيقة النهائية هي بعد المقدس. وهكذا يمكننا أن نقول أيضا أن الرموز الدينية هي رموز المقدس (تيليش1964) ".

لا يعنى ذلك أن على الإنسان أن يفصل أفكاره العلمية والدينية عن بعضهما البعض ويضعهما في حاويتين محكمتي الاقفال. لذلك فنحن نجابه دائما الخطر الذي رآه سانتايانا (في مورى 1960 ) بوضوح :

               الدين الذي يضع يده على جوهر الحياة كالمسيحية، ينبغي أن يكون دينا أبديا.لكنه يمكن أن يفقد هذه الميزة حينما يوقع نفسه في حبائل روايات معينة تتعلق بعالم الحقائق، وهى مسائل لا  علاقة لها بأهميته  المثلى”.

.تنشأ  مثل هذه التعقيدات باستمرار. من الواضح ان الفهم العلمي للطبيعة ليس مكتملاً. بعض الظواهر الطبيعية مفهوم وبعضها الآخر غير مفهوم. ويبدو مغرياً لبعض الناس، وحتى لبعض العلماء، أن يسدوا تلك الفجوات في المعرفة العلمية بالقدرة الإلهية. وقد سبق ان تعرضنا لعقم هذه الاستراتيجية الدينية في الفصل الثاني. فليس هنالك ما هو اسهل من اكتشاف مثل هذه الفجوات لأن أي عالم طبيعي برجى منه أي نفع يعرف الكثير من هذه المسائل والظواهر التي لا زالت قيد البحث أو التي استعصى فهمها. هل هذه  هي المسائل  المفضلة لتدخل الآلهة؟ وهل تخرج الظواهر المفهومة علمياً عن نطاق الفعل الإلهي؟ لا يمكن لأحد أن يدافع بجدية عن مثل هذا التفكير المختل. مع ذلك فلا حدَّ  للسرور الذي يمكن أن يدخل على ذلك النوع الشائع من المتدينين حينما يقال لهم ان العلم لا يستطيع إن يفسر هذا أو يعلل ذلك. فما لم يتم تفسيره يؤخذ على انه غير قابل للتفسير، مع ان أولويات المعرفة بتاريخ العلم تكفى لدحض هذه المغالطة العتيقة. وقد بذلت محاولات لحجب مساحات شاسعة للمعرفة عن العلم، من الكاردينال بلا رينين  Cardinal Bellamine الذي قال عن كوبرنيق وجاليليو إن " اكتشافاتهما الكاذبة أفسدت مشروع الخلاص المسيحي  بكامله" إلى وليام جننق برايان الذي قال  "الأفضل أن نضع ثقتنا في صخرة  الزمان من أن نعرف أزمان الصخور" وان " النزاع بين التطور والمسيحية مناجزة حتى الموت". وكان هناك دائماً دافع واحد لذلك، هو حماية التراث الديني من هجمات المتشككين والمرتابين. سببه الاعتقاد أنه لو تم التسليم بطرح أي جزء من التراث الديني فلن يكون هنالك حداً للتنازلات يمكن الوقوف عنده. قاد ذلك إلي عجز القادة الدينيين عن أداء واجبهم الرئيس. وهو  التمييز بين الأبدي في معتقداتهم  والمكونات الوقتية التي جاءت اعتباراً لمستوى معين من الفهم العام أو للوضع الاجتماعي- السياسي الذي وجد الدين نفسه فيه خلال تاريخه. وقد أدي ذلك التضاد الحرون إلى التراجع  المستمر  المشين للدين الأصولي.

.كانت المسيحية ديناً تخلل بعمق كل جوانب حياة الناس في الحضارة  الغربية. ثم اكتشف  "المستنيرون  "في القرن الثامن عشر، عصر الاستنارة، ان فرضيه الله لا ضرورة لها. فالعالم آلة ضخمة لكنها دقيقة جداً، تسير  وفق القوانين الثابتة التي اكتشفها نيوتن. وقد سلم بعض "المستنيرين" بأنه ربما كان هنالك إله صمم تلك الآلة وقام بصنعها، لكنه لم يعد يتدخل في سيرها بعد ضبطها، كآلية ساعة ضخمه فائقة الدقة. انه أشبه بالمالك  الغائب الذي لا يشارك إلا نادرا، أو لا يشارك إطلاقاً في إدارة شئون أملاكه. من الواضح أنه لا فائدة ترجى من التوجه بالصلاة والابتهال لهذا الرب الغائب. والآن لم تعد اللا-أدريه واللاتفريقية امتيازاً  للصفوة الشديدة الاستنارة. وربما صارت أغلبية الناس في الغرب وفى بلدان الشرق المتقدمة  مثل اليابان لا تؤمن بأديانها  إلا إيماناً شفوياً  لا يصدر عن القلب. ذلك يصدق حتى على بعض الذين يذهبون إلى الكنيسة صباح كل أحد ويضخمون سجلات الملل الدينية.

.مع ذلك فالإنسان الحديث، هذا اللا ديني المستنير المرتاب، لا يستطيع أن يمسك نفسه من التساؤل، على الأقل سرا، عن القضايا القديمة : هل لحياتي معنى وهدف أبعد وأسمى من الحفاظ على حياتي ومواصلة سلسلة الحياة؟ هل للكون الذي أعيش فيه أي معنى ؟ أم أن كل شيء فيه لا يعدو أن يكون ملهاة هزلية ورقصة شيطانية ؟ العجيب حقاً أن هذه الأسئلة صارت مؤخرا أشد إلحاحاً بعد أن سرت أقوال الفلاسفة بأن على العقلاء أن يكفوا عن توجيه هذه الأسئلة التي لا معنى لها. وقد أخذت الأديان البديلة تنمو نتيجة لذلك وتكسب أتباعاً كثيرين، لأنها تنفى عن نفسها التناقض مع العلم و تدعى الإجابة  على تلك الأسئلة القديمة "علمياً". والدين البديل الأكبر بما لا يقارن أنبياؤه ماركس ولينين. وهو يزعم أنه لا يستند إلى الايمان المجرد، بل ان صدقه يمكن إثباته بالبرهان العلمي.  وهو يعد كل إنسان بنصيبه العادل، وإن لم يكن بالضرورة المتساوي، من ثمرات الأرض، ويتعهد بمنع الجشعين من اغتصاب الملك العام. وهو يلتزم بأن يوقف استغلال الإنسان لأخيه الإنسان وأن يمكن كل فرد من التنامي الكامل والتحقق التام لمواهبه الفردية وذوقه وقدراته المفيدة اجتماعياً.كما سيجعل كل فرد يعيش ويعمل لأجل الصالح العام -صالح الذين يعيشون الآن والذين يأتون فيما بعد.

.الآن فذلك ما تعتبره المسيحية مرغوبا أيضا، لكن من الواضح أنها فشلت في تحقيقه خلال ألف وخمسمائة عام من هيمنتها على الحضارة  الغربية. وتأتى الشيوعية فتتبنى البرنامج الاجتماعي للمسيحية وتعد بتحقيقه عالمياً وبسرعة، وتعلن أن كل ما عداه في المسيحية وهم وأحبولة وأفيون للجماهير المستغلة. لهذا السبب فأن الشيوعية تعتبر هرطقة مسيحية "بمعنى أنها أفردت بضعة عناصر منها وركزت عليها لدرجة إقصاء العناصر الأخرى"  (توينبى1961 ). وأن تشذيب وتبسيط الأفكار الدينية في الشيوعية، مقارناً بتعقدها ومفارقاتها في المسيحية، يزيد من إغرائها لملايين الناس. وقد صارت قوة عالمية، ويبدو أن قوتها لا زالت تتزايد في البلدان النامية. فهي تبعث تفانياً جلياً  تاماً في بعض الناس، خصوصاً الشباب، وتوقظ ديناميكية اجتماعية لم يسبق لكثافتها مثيل.

       .لكن شبه الدين الشيوعي يتداعى عند التعرف علية والاقتراب الشديد منة تداعياً كلياً يفوق أي دين آخر. ولم يوضح أي شخص السبب في ذلك ببساطة وحسم أكثر من باسترناك: " كل ذلك (النموذج الشيوعي)  لا يزال بعيداً عن التحقيق، لكن أنهر الدماء التي أسالها مجرد الحديث عنه لا يجعل الغاية حقيقة تبرر الوسيلة" ولم يحلب ذلك الحديث للملايين التي لا حصر لها من القتلى والمعذبين والمشوهين روحياً من ضحايا ستالين سوى الخوف و القهر والمعارضة المكتومة والغم ولا شيء تقريباً من السعادة الإنسانية البسيطة.

.ليس هنالك في الفلسفة الشيوعية بأكملها سوى ملاحظات عابرة لإقناع الشخص الأمين المرتاب بأن الحياة التي تكرَّس لخدمة الآخرين أفضل من الحياة المكرسة للمنفعة الذاتية المباشرة. وليس بديهياً إن مستقبل الإنسانية عزيز لدينا للدرجة التي تجعل أياً وكلا منا يكرس، وربما يضحي بحياته لأولئك القوم الفرضيين البعيدين الذين سيوجدون في المستقيل. ونحن بالتأكيد لن نكون موجودين لمجرد المشاهدة، دعك عن المشاركة، في ذلك النعيم. ويجعل دستويفسكى ذلك جلياً تماماً بهذه الكلمات:" لقد قاسيت  لا  لكي يخصب عذابي وشقائي الأرض لأجل توفيق شخص آخر. لا. أنني أرغب في  أن أري بعيني رأسي الأسد والظبي يرقدان في سلام جنباً إلى جنب، والقتيل ينهض لحضن قاتليه".

.إن النظرة السامية النبيلة التي ترى أن معنى الحياة يكمن في النضال لكي يصبح العالم مكاناً افضل مما وجدناه  تشكل بالتأكيد جزءاً من عدد من الديانات العلمانية البديلة عدا الشيوعية. وليس هنالك سبب واضح يمنع الناس في المجتمعات الديمقراطية من التشبع بمثل هذه   الأفكار النبيلة و الحماس نفسه الذي يتسم به على الأقل بعض الشيوعيين الغيورين. لكن ذلك لا يحدث في واقع الأمر  إلا  لأقليات صغيرة. ولا يكمن سبب ذلك القصور في الدعاية والتثقيف. فالسياسيون من كل الألوان يتشدقون بهذه  الفكرة باستمرار، خصوصاً في المقدمات والتمهيدات والمحسنات البديعية التي ينمقون بها بياناتهم. وغالباً ما تتضمن تلك البيانات إشارة عابرة للمسيحية أو غيرها من الأديان العظمى لدعم الحجة. وصدق كل ذلك لا يخلو  على الأقل من الارتياب و الحياة لأجل الأهداف النبيلة يمكن أن يوصى بها أيضاً  بحسبانها خلقا علمانيا. وقد قدَّم فرانكل (1959) في كتابة عن قضية الإنسان العصري دفاعاً متيناً بليغأً عن هذا المبدأ الأخلاقي بحسبانه أساسا لما يمكن إن يكون ديناً علمانياً. لكن لا هو ولا  أي شخص غيرة استطاع إن يجيب على شكوك  ايفان كارامازوف وريبته.

     .أن يعيش الإنسان حياة محتشمة ويساعد الآخرين الذين هم في حاجة للمساعدة ويعمل ما بوسعه لسعادة الذين يأتون من بعده، فتلك مبادئ أخلاقية تجد قبولاً عاماً، نظرياً على الأقل. وتأتى الجدوى النظرية لهذه المبادئ في الغرب من التراث الديني اليهودي- المسيحي، لكنها الآن تحررت تماماً من الاعتماد عليه. أما قدرة هذه المبادئ الأخلاقية وحدها لأن تشبع توق الإنسان لحياة ذات معنى فذلك موضع شك. وقد ترنحت هذه  المحاولات أثر النقد الكاسح الذي أوسعتها به كتابات الوجوديين الحديثين. وكما يليق بالمثقفين الحقيقيين، فإنه لا يكاد يتفق اثنان منهم على وجهة نظر واحدة. لذا فإنني اتخذ من سارتر نموذجاً لتلك الأفكار، لكنني اعترف بعجزي عن إنصاف الأفكار الكثيرة المتداخلة الظلال والمعاني لهذا الكاتب الذرب.

       .يبدو لي إن أدق تعبير عن فلسفة سارتر  يأتي، لا من كتاباته الفلسفية الأساسية، وإنما من مسرحية الذباب les morieles وهي مسرحية جادة في قالب هزلي عن Aeschygus’s  O rtsteia محاكاة ساخرة لأورستيا اسشيلس . يتحدى اورستيا سارتر الآلهة بدلاً من أن يخضع لحكمها. وهو يتحدي إنذار جوبتر " لقد خلقتك وخلقت كل شئ يا اورستيا" بصرخة متمردة" إنني غريب على نفسي وأعرف ذلك. اعرف إنني خارج على الطبيعة، ضد الطبيعة،  ولا عذر  لي في ذلك، وليس لي ملجأ  إلا  نفسي.  لكنني لن أعود إلي قانونك؛  إنه محكوم علىَّ  بألا يكون لي قانون سوى قانون نفسي. لن ارجع إلي الطبيعة، حيث هنالك ألف طريق، كلها تقود إليك. لا أستطيع إلا  أن اتبع طريقي الخاص. ذلك لأنني رجل  يا جوبيتر، وعلى كل رجل أن يكتشف طريقة بنفسه".  لكن الثورة تنتهي بالشعور  بالقرف  "بالغثيان". ليس هنالك إله، وليس هنالك معنى في الكون. وليس للإنسان معنى في كون لا معنى له :

"دون أن أقوم بصياغة أي شئ بوضوح، فهمت أنني وجدت دليلاً  للوجود،  إلي غثياني، وإلي حياتي الخاصة. ويتلخص كل ما استطعت التوصل إليه  من بعد في ذلك العبث الأساسي. العبث: مجرد كلمة أخرى."

ليس هنالك جمال حقيقيي في الكون. "....... الحقيقي لا يكون جميلاً  أبداً. الجمال قيمة تنطبق فقط على المتخيل، ويتطلب إنكار العالم في تركيبه الأساسي." الشر، على النقيض من ذلك، حقيقي تماما. الشر ليس حقيقياً فقط، إنه لا خلاص منه أيضاً ". تكاد بعض أفكار سارتر عن الشر تكون تفسيرا لأفكار ايفان كارامازوف، بطل دستويفسكى.فمع أن الإنسان عبث بلا معنى، إلا أنه مع ذلك يملك القدرة على الحرية. لكن حريته من نوع شاذ ؛ إنها الحرية لأن يقول "لا". وبطرق تبدو  لي مستعصية على الفهم "الحرية هي تعطيل الإنسان لماضيه بإفرازه  لتفاهته ". وأيضا  "تتميز الحرية التي تتكشف في كربة  الإنسان وغمه بالالتزام بإعادة صياغة الذات صياغة تجسد الكائن الحر "(الاقتباس من كمنج  Cumming  1965).

.تبدو الفلسفة السارترية مواتية إما للانتحار أو النسك  والاعتزال. لكن سارتر كان على النقيض من ذلك عضوا جم النشاط في المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي وكاتبا غزير الإنتاج ومجادلاً بارعا شديد الدهاء. وهو يوجه ضغينته ضد النفاق الاجتماعي ودعاوى الاستقامة الكاذبة،وضد المؤسسة البرجوازية العدائية المتمكنة. وقد سعي للشراكة مع الشيوعية لكن الانحصار العقائدي الأورثوذوكسي للحزب كان فوق احتماله. وقد جعل من أحد المنبوذين "قديسا “، لأن ذلك الشخص المنكود " يضع المرآة قبالتنا فلا يكون هنالك مناص من أن ننظر فيها ونري أنفسنا ".

.ينسب بارزون (1964)  إلي الفنانين فضل اكتشاف "عفن الروح الجاف " في العالم الحديث الذي ينسبه المؤلف قطعيا للعلم والتكنولوجيا. وهو يفترض أن الفنانين "يمجون الثقافة العلمية ويحتقرونها"لأن " شيئا يتخللها يفرق، لا بين الإنسان المتحضر والمتوحش، لا بين الإنسان والحيوان، وإنما بين الإنسان والروبوت، شئ يصاب بالخَدَر، يتصلب، يتساقط كاللحم الميت المسود  حينما تهجم التقنية على الإحساس و يسيطر العلم على العقل". غير أن تمرد الفنان على  المجتمع بعلمه وتقنيته ينتهي "بالخيانة". فقد أصبح الفنان الحديث حليفاً للعلم في عملية تجريد الإنسان من شخصيته الإنسانية التي كانت السبب  في تمرده؛   فالفنان يكتشف بدوره أن الحالة الإنسانية، والحياة نفسها، ليست سوي "خداع مقيت".

ولم تعد أحاسيس الغثيان والقرف والعفن الجاف والفراغ و خداع الحياة المقيت الخ حكراً للفنانين والصفوة الفكرية التي يعتبر سارتر وبارزون من ابرز ممثليها. لقد تسربت هذه  الأحاسيس إلى" إنسان الجملة". ومن الواضح أن ذلك لم يكن لأن كتابات سارتر  وبارزون صارت القراءة المفضَّلة للجماهير.  السبب يكمن أعمق من ذلك. فقد جمعت تجارب مشتركة كل الفئات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. كانت هنالك حربان عالميتان ارتكبت فيهما الأمم المشهود لها بأعلى درجات التحضر أعمالاً  همجية تفوق الوصف. نحن نعرف عن معسكرات اعتقال هتلر وستالين وبرامجهما للإبادة  الجماعية. الاكتشافات العلمية الخارقة الذكاء سخرت للاستخدام الحربي. والوفرة والترف المادي تحولتا إلي علقم في أفواهنا، لأن الكثيرين جداً  تستلبهم الضخامة غير الشخصية التي أنتجت هذه  الوفرة. والكثيرون، خاصة الصغار، أتخموا بكل تلك الأشياء التي يفترض أن تجعل الحياة جميلة -الأكل والشراب والملبس الأنيق والنقود. لكن لأن هذه  الأشياء الجميلة تأتي بيسر شديد، فما لا يكابد  الإنسان للحصول علية تنخفض قيمته وتقل القناعة التي يجلبها.

.ربما كان هنالك أناس، في كل مكان وكل جيل، يشعرون أن  الأشياء في العالم لا تسير على ما يرام، أو  أنها تسير من سيء  إلي  أسوأ. لكن تعبير الاستلاب  alienation حديث عهد. على أي حال فإنه ليس وضعاً عادياً  أو صحياً لجمهرة الناس أن تشعر بالغربة عن المجتمعات التي تنتمي إليها.  يجد جولس هنري أخصائي علم الإنسان الاجتماعي ذلك الوضع شائعاً في الولايات المتحدة لدرجة القلق ؛ وقد جعل عنوان الكتاب الذي قدم فيه نتائج دراسته " الحضارة ضد الإنسان" (1963) :"حضارتنا  منقادة. إنها مساقة بدوافع إنجازها، دوافع المنافسة والربح والتعبئة، وبدوافع الأمن والمستوي الأعلى للحياة. فوق كل شئ فهي مدفوعة بقابليتها للتمدد". ما الذي يحول دون الرضي والقناعة بهذه الحضارة المدفوعة؟ كما يري هنري فانه:

"فيما عدا المهنيين والتنفيذيين فان معظم الأمريكيين لا يشتركون بعواطفهم، لا في حرفهم ( ما يفعلونه) ولا في عملهم (المكان الذي يؤدونه فيه). وفي النهاية فان ما ينسب الأمريكي المتوسط للحياة و  المكان والناس هو اقتصاده  الشخصي الخاص- أسرته وبيته وسيارته ….  الخ. حقيقة  أن أغلبية الناس لا يشاركون، أو  يكادوا لا يشاركون في المؤسسات التي يعملون بها تعني أن العمل الذي كان يعتبر عامل التماسك الاجتماعي واستمراريته في معظم الحضارات غير الصناعية صار يجرد الناس من التماسك الاجتماعي في أمريكا. بالنسبة لأي أمريكي تقريباً فان رفاق العمل، مهما كانت رفقتهم ممتعة، يمكن استبدالهم. الرفقة التي يكونها المرء في وظيفة معينة يمكن استبدالها بمجموعة مماثلة في الوظيفة التالية. وقد صار هذا  الإحساس بالاستبدالية، بأن الآخرين يمكنهم الاستغناء عن الواحد، بأن شخصاً  آخر يكون مناسباً  بالقدر نفسه، عامل كآبة وانقباض فعال في الشخصية الأمريكية."              

.اكثر فصول تحليل هنري إخافة تلك التي تتعلق بابتذال الإنسان،  بمصير أولئك الذين لا يسعدهم الحظ بالموت قبل حلول علل تقدم السن. أظن أن توينبي هو الذي لاحظ الظاهرة التي لا مثيل لها في التاريخ المعروف، بان المتقدمين في السن فقدوا الآن حقهم التقليدي المتعارف علية بالحصول على رعاية الأعضاء الصحيحين في أسرهم النووية أو الممتدة.

وعلى أي حال فقد صار هنري "متأثراً بالهوَّة التي تفصل الكبار عن الصغار حتى حينما يكون الكبار متيقظين عقلياً، ذلك لأن حضارتنا صارت تيَهْور الابتذال الذي يطوّح بنفسه في بحر اللاوجود".

.لقد انتاب كل واحد منا الشعور أحياناً على الأقل بان الحياة لا معني لها، ان العالم لا يتجه إلى مكان ما بالتحديد، ان الإنسان ليس إلا جزءاً  تافهاً في نظام الأشياء، ان التاريخ يمكن أن ينتهي بمجزرة بشريه، وان نهايته، مهما تكون، ليست ذات أهمية كبيرة للذين يعيشون الآن وسيفنيهم الموت قريبا ً. يلوذ البعض بالأديان التقليدية. ويهرب آخرون  إلي عبادة الملذَّات. ويسلك آخرون، ربما الأغلبية، اسهل المسالك، فينتهون إلى الخضوع والامتثال، وقبول أحدث أشكال "طقوس الخصب".

.لقد بدت الحياة المكرسة لبناء مسكن وإنشاء أسرة ثم الاختفاء بهدوء ذات معني بالنسبة للإنسان البدائي، فلماذا لا تناسب كل الناس إذن؟ يزعم قابور في كتابه الشيق الشهير رد ابتداع المستقبل (1964) ان مثل هذه الحياة تصلح "للشخص العادي"، لكنها لا تصلح للشخص "غير العادي". وفي تقديره : "الحياة دورة بالنسبة للشخص الاعتيادي. أنها تبدأ باكتشاف العالم الذي كل ما فيه جديد حول الطفل ، ثم تتدرج للاكتشافات العظيمة للجنس والحب، وتبلع اوجها في الأسرة  الصغيرة. وداخل هذه  الدوائر الكبيرة دوائر أخرى صغيرة للعمل والراحة والترفيه، ورغبات متواضعة تتم تلبيتها. يمكن أن  تكون هذه  الحياة سعيدة حتى النهاية لو خلت من المعاناة البدنية، الشديدة، وإذا ما تعلم الكبار من الرجال والنساء محبة الجيل الجديد أكثر من محبتهم لأنفسهم".

وكان قابور متفائلاً حينما قرر  أن "جنة الرجل الاعتيادي تلك صارت قريبة المنال". لكن  تبدو بعيدة المنال تماماً للرجل غير الاعتيادي الذي "يريد أن يترك عالماً  أحسن من الذي وجد فيه، عالماً أفضل،  يثريه بقدراته  الشخصية. وهو مستعد في سبيل تحقيق هذا الهدف لأن يضحي بمعظم أو بكل السعادة التي يستمتع بها الرجل الاعتيادي ".

.لكن التفرع الثنائي للرجل الاعتيادي- غير الاعتيادي ينطوي على تبسيط خطير. يؤدي استخدامه   إلي تغذية غرور   الأفراد والجماعات وعنجهيتهم. وقد يقود إذا ما سرنا به لنهايته المنطقية إلي  المذاهب المرعبة،مثل محقق دستويفسكي العظيم، أو لحكام مطلقين،مثل هتلر وستالين والذين يسلكون طريقهم. غير أن الطبائع البشرية تشكل في واقع الأمر طيفاً يمتد من أدني سلم الاعتيادية إلي القمة غير الاعتيادية وفقا لتعريفات  قابور. علاوة  على ذلك فإن  الألوف المؤلفة، حتى الملايين من الناس الذين راودتهم طموحات الإنسان غير  الاعتيادي، خاصة في شبابهم، وفشلوا في تحقيق تلك الطموحات لأسباب عديدة، ركنوا إلي الاكتفاء بما تيسر من نتف سعادة الإنسان غير الاعتيادي التي وقعت بين أيديهم. وهؤلاء يمكن أن يحتفظوا بأمل أن تتغير الأحوال العامة في المستقبل إلي الأحسن؛ وقد يأملون ضد الأمل في أن تسهم حياتهم، ولو قليلاً جداً، في هذا التحسن العام ولو بطريقة غير مباشرة.

.على أية حال، فالإنسان الاعتيادي والإنسان غير الاعتيادي أعضاء في  المجتمعات والحضارات نفسها،  يجعلهم ورثة  تجارب تاريخية متماثلة. وقد شكلت الأديان الكبرى نظم المعتقدات السائدة في الحضارات العظيمة للشرق والغرب، وهذه  الأديان الكبرى تسعي لمُثُل وقيم الإنسان" غير الاعتيادي". هذه الحقيقة تحولت دون أن يجد أي شئ دون هذه  القيم والمُثُل العليا قبولاً  تماما والسبب هو نفسه الذي يجعل مادة القراءة المعدَّة للأطفال والمراهقين غير مناسبة أو مقنعة للكبار الذين تعودوا على مواد قراءة الكبار.

.لنفرض أنك تعيش لأجل أطفالك، وأن الأطفال سيعيشون لأجل أطفالهم، وأن الأحفاد سيعيشون لأجل أطفالهم أيضا  وهكذا دواليك، وإلي ما لانهاية. إن لهذا معني من الناحية البيولوجية، لكنه تكرار  بلا معني بالنسبة لبعض الناس العاديين ولغير العاديين على السواء. أننا نرغب في أن نرى، أو  على الأقل نأمل في الوصول إلي  وضع ليس جديداً فقط وإنما أفضل أيضا. لقد كان معظم الناس في الغرب يؤمنون في القرن التاسع عشر بأن التقدم يسير بانتظام، وبأن حدوثه ربما كان محتماً. لكننا لم نعد الآن تمتلك الثقة بالقدر نفسه . غير أن هنالك بارقة أمل في تمثيل جديد.          

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.