أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
فصل من كتاب

الفصل الأول: الحركة الإنسانية والجنس البشري

التاريخ الحديث والوثائق

الفصل الأول

الحركة الإنسانية والجنس البشرى

يعلن دستويفسكى على لسان ايفان كارامازوف : "ما هو غريب، ما هو مدهش، ليس هو أن الله موجود حقاً، وإنما مصدر الدهشة هو ولوج مثل هذه الفكرة، فكرة ضرورة الإله، في رأس حيوان متوحش شرير مثل الإنسان؛ كم هى مقدسة، وكم هى مثيرة للمشاعر، وكم  هى حكيمة، وأية كرامة عظمى تضفيها على الإنسان". لكن الواقع اشد روعه حتى مما عرفه دستويفسكى.  فقد نشأ الجنس البشرى، الهومو سابينز (الإنسان العاقل)، من أسلاف لم يكونوا بشراً، ولم يكونوا عقلاء بالطريقة التى يمكن أن يكون عليها الإنسان. لقد صعد الإنسان الى حالته الراهنة من حاله أكثر وحشيةً، وإن لم تك بالضرورة أشد فساداً، لكنها بكماء ولا عقلانية، ولم يك داروين موفقاً حينما أطلق على أحد كتابيه العظيمين اسم “هبوط” الإنسان بدلاً من “صعود” الإنسان. فقد  كانت فكرة ضرورة الإله والأفكار الأخرى التى كرم بها الإنسان غريبة على أسلافنا البعيدين  لقد نشأوا ونموا وتملكوا الفكر الإنساني الخلاق خلال صعود الجنس البشرى  المضني الطويل من حالة الحيوانية إلى الإنسانية.

تملك الكائنات غير البشرية “حكمة البدن ”؛  لكن الإنسان يملك إضافة إليها حكمة الإنسانية. حكمة البدن هي قدرة  الكائن الحي على الاستجابة للتغيرات البيئية بطريقه تزيد احتمالات بقائه وتوالده للحد الأقصى.  هنالك مثلا نسبة تركيز معينة للأملاح في الدم ضرورية للحياة ؛ فإذا ما زاد مقدارها  فان الفائض يتم التخلص منه في البول؛ وإذا ما انخفض تناول الملح فان كميته في البول تنخفض. تنحصر  مثل هذه التفاعلات “الحكيمة للبدن على البيئات التي تعرف عليها النوع مرارا خلال تاريخه التطوري، وقد نشأت هذه “الحكمة  الكامنة بفعل الاصطفاء الطبيعي.

أما مكانة حكمة الإنسانية في مخطط الأشياء فأنها تستدعى اهتماما خاصا  فالإنسانية،  وفقا لتيليش (63 19 )[1]  “تفترض أن غاية الثقافة هي تحقيق الإمكانات الكامنة في الإنسان بوصفه حامل الروح”، و  “يمكن تمييز الحكمة عن معرفة الطبيعة بقدرتها على أن تظهر نفسها بعد تفلج الذات و الموضوع".  الحكمة الإنسانية ثمرة الوعي بالذات : الإنسان يستطيع أن  يتجاوز  نفسه وان يراها موضوعا بين الموضوعات الأخرى  لقد وصل إلى مرتبة الإنسان بالمعنى الوجودي، وصارت لديه تجربه وإحساس غامر بالحرية، بالقدرة على تدبير   الأفعال  وتخطيطها، وعلى تنفيذ خططه أو تعليقها إن، أراد، واكتسب الإنسان بالحرية معرفة الخير والشر. هذه المعرفة عبء ثقيل، أمانة برأت منها الكائنات الأخرى. وتقود  الحرية الإنسان  لأن يسأل ما أشار إليه برنتون ( 1953)[2] بالأسئلة الكبرى التي لا يقدر  أي حيوان آخر أن  يسألها.

هل لحياتي وحياة الناس الآخرين معنى ؟ هل للكون الذي رميت فيه بغير اختياري   أي معنى ؟   ليست هنالك إجابات نهائية على هذه الأسئلة الكبرى، وربما لن تكون لها إجابات أبدا، لو كنا نبحث عن قناعات موضوعيه دقيقه ومؤكدة.   مع ذلك فنحن ملزمون بالبحث عن إجابة ما، لأن قدرة الإنسان على البحث عن معنى وجوده وعن معنى الكون هي اعظم أمجاد إنسانية الجنس البشرى  إن الإلحاح على البحث عن أجوبه لمثل هذه الأسئلة “الميتافيزيقية” جزء من المعدات النفسية للنوع الإنساني لقد كان برنتون  (1953) [3] على حق حينما كتب “بأن الميتافيزيقا دافع أو شهوة إنسانية، وان دعوة الناس للتخلي عن الميتافيزيقا حماقة، كدعوتهم للتخلي عن العلاقات الجنسية  تماما.هنالك بالتأكيد بعض الناس الذين يستطيعون اعتزال الميتافيزيقا، كما أن هنالك الذين يستطيعون اعتزال ممارسة الجنس أيضا، لكن هؤلاء هم الاستثناء  وكما أن الذين يكبحون الدافع الجنسي يحرفونه إلى مسالك  أخرى غير مجديه، كذلك يفعل الذين يكبحون الميتافيزيقا.

الكلمة الألمانية weltanschauung ( عقيدة أو رؤية كونية) والكلمة الروسية mirovozzrenie (رؤية كونية) ليس لهما مقابل إنجليزي دقيق.  الترجمة المعتادة world view (نظره عالمية)، لا تفي بالمعنى الدقيق.  النظرة العالمية،  مثل المنظر من قمة جبل، قد تكون بديعة، وقد تبلغ حد الروعة، لكننا يمكن أن نعيش بدونها.لكن هنالك إلحاح اشد حول الـ  weltanschauung ولا يبدو أننا يمكن أن نستغني عن شكل ما من الـ mirovozzrenie.  الكلمة اللاتينية credo صارت تستخدم بالإنجليزية على نحو مقارب من “الرؤية الكونية. يعتبر هذا المعنى  أكثر قربا من “الهم الشاغل ” الذي  يعتبره تيليش جوهر الدين بأشد معانيه أتساعا وشمولا كما تدل هذه العبارة ”الدين هو الجانب الذي يمثل العمق في مجمل روح الإنسان".  ماذا تعنى استعارة العمق ؟ أنها تعنى أن الجانب الديني يشير إلى ما هو نهائي وغير محدود وتام في حياة الإنسان الروحية.الدين بأوسع المعاني الجوهرية للكلمة، هو الهم الشاغل، ويتجلى المصير  في كل الوظائف الخلاقة  للروح الإنسانية (تيليش1959)[4]

إن اهتمام الإنسان بالمصير هو ما اعتبره ايفان كارامازوف غريبا جدا ورائعا جدا. إن طبيعة الإنسان تدفعه لأن يسأل تلك الأسئلة الكبيرة  التي  يحاول كل إنسان تقديم إجابات لها حينا ما، على الأقل بما يقنعه هو شخصيا.قد تكون إحدى الإجابات الممكنة أن هذه الأسئلة لا تقبل الإجابة، وان غلاة المغرورين والحمقى فقط هم الذين يزعمون الوصول إلى إجابات نهائية وقاطعة لها.لكن على كل جيل أن يحاول الوصول إلى إجابات تتوافق مع تجربته المميزة؛ وفى كل جيل فان الأشخاص الذين عاشوا تجارب مختلفة يحاولون، ليس عبثا كما يرتجى، إدراك جوانب العالم التي خبروها من مواقعهم الخاصة.

كانت حياتي مكرسة للبحث  العلمي، وبخاصة علم الأحياء التطوري  وإن العلميين ليسوا اكثر تأهيلا، وآمل أن لا يكونوا أقل  تأهيلا من غير العلميين، للتفكير في تلك الأسئلة والإجابة عليها نجد أنه من السذاجة بمكان  الاعتقاد بإمكان اشتقاق رؤية كونية متماسكة من العلم وحده، أو بأن ما يمكن أن نتعلمه عن التطور يمنحنا القدرة على تقديم إجابات قاطعة لتلك الأسئلة الكبيرة. وقد صرف بعض المفكرين النظر في  مثل هذه الادعاءات باحتقار معلن، وعلى سبيل المثال فقد كتب بارزون[5] أن : “ المهنة العلمية لا تشكل صفوه، لا فكرية ولا  غيرها والمحتمل أن يكون “العلماء”،  من مدرسي العلوم في المدارس الثانوية العليا وكذلك مديري مراكز البحث العلمي أشخاصا  متوسطي القدرات “  لكن  حتى بارزون الذي لا يمكن اتهامه بالتحيز للعلم، يقر بأن العلم “ يجعل الناس يتفقون بشأن إفادات دون أن يحثوا على الاقتناع بها، وهم يفعلون ذلك بطريقة  يقتدى بها ؛ أنهم يتفقون بمجرد أن يتفهموا.ويمكن أن توصف  بعض هذه “الإفادات التي ينتجها العلم بأنها، على الأقل ، ذات علاقة بالأسئلة الكبرى، وينبغي أن لا نتجاهلها خلال تلمسنا بحثا  عن إجابات لها.

لم يمض وقت طويل على ذلك الزمن الذي كان كل فرد فيه تقريبا يعتقد بأن الأرض مسطحة، وأن الأمراض تسببها الأرواح الشريرة.الآن فأن الأفكار التي تجد قبولا عاما تختلف تماما. الأرض كرة تدور في محورها حول نفسها وحول الشمس، والأمراض تسببها  الطفيليات المتنوعة والأسباب البيولوجية الأخرى.  وقد أثرت هذه الإفادات على اتجاهات الناس؛ فالكونيات التي يعتقد فيها المرء ليست عديمة العلاقة باهتمامه المصيري.  كان العالم بالنسبة لنيوتون والذين تبعوه اختراعا علويا فخيما، يعمل بلا خطأ، وفق قوانين دقيقه لا تتغير.  وكان نيوتن يقبل أيضا حسابات الأسقف اوشر  Bishop Ussher  الذي قدر أن العالم خلق سنة4004 ق.م. وقد ترتب على ذلك الاعتقاد أن الكون ليس قديما جدا؛  أنه لم يتغير كثيرا منذ بدايته،ولا يتوقع أن يتغير كثيرا  إلى يوم القيامة. كان نيوتن تلميذ الكتاب المقدس والكوزمولوجيا   لذا لم يكن متاحا  للإنسان في عالم نيوتن لا القدرة الكافية ولا الوقت الكافي لتغيير مجرى الأحداث المقدرة سلفا، عند بداية الكون. 

ثم صار العالم الفسيح الذي اكتشفه كوبرنيق وكبلر وقاليليو ونيوتن نفسه  مختلفا تماما عن عالم القدماء والمفكرين القروسطيين المريح.  لقد انزل الإنسان والأرض من مركز الكون إلى ذرة تافهة من الغبار الضائع في الفضاء الكوني.  هكذا سلبت يقينيات العالم القروسطى المريح من الإنسان. وقد عبر باسكال تعبيرا مثيرا عن الوحدة التي أخذ يشعر بها الإنسان في الصمت الأبدي لتلك الفراغات المطلقة “  قبل وقت طويل من  الوجوديين الحديثين الذين جعلوا من القلق والاستلاب أساسا  لفلسفاتهم.لو أن  الإنسان عمل بجد في ذلك العالم القديم فسيتمكن من معرفة الكثير عن طريقة بناء العالم وكيفية سيره،  لكنه لا يمكن أن يأمل في تغييره،  إلا فيما يتعلق بالتفاصيل الصغيرة.  الإنسان إما يكون مباركا أو ملعونا ، وهذا الخيار مقرر سلفا  بالنسبة لأتباع المذهب الكالفينى، قبل أن يولد الإنسان وذلك لا يتيح مجالا للإنسانية بمفهوم تيليش، إذ ليس للفرد إلا  إمكانات ضئيلة قابلة للتحقيق؛ ولا تكاد  تتوفر فرصه  للثقافة لإحداث التغيير أبدا.

لقد شاع أن اكتشاف داروين للتطور البيولوجي أكمل عملية الحط من شأن الإنسان التي بدأ بها كوبرنيق وقاليليو.  لكنني لا  أكاد أتصور حكما اكثر  خطأ وأشد ظلما من هذا.  إن النقطة المحورية التي أكرس لها هذا الكتاب هي إثبات أن العكس تماما هو الصحيح.  فالتطور هو مصدر الأمل للإنسان.  حقا لم تستعد النظرية التطورية الحديثة  للأرض مكانتها في مركز الكون.  لكن بينما  لا يتمركز الكون حول الأرض، فإن تمركز الكون حول الإنسان ممكن تماما.  إن الإنسان، هذا النتاج الغامض للتطور الكوني هو بطل الكون، وقد يكون أخر الأمر  ملاحه. على أية حال فالكون ليس ثابتا وليس مكتملا،  وهو قابل للتغيير.  إن كل ما في الكون منغمس في سريان التطور وجريان التغيير لقد نشأ  المجتمع الإنساني والثقافة كما نشأ العالم الحي  والكرة الأرضية  والمجموعة الشمسية  حتى الذرات  “التي لا تتجزأ” من حالات سالفة   مختلفة تمام الاختلاف عن حالاتها  الراهنة علاوة على ذلك فهذه التغييرات ليست كلها تاريخا وأحداثا ماضوية  فالعالم لم يتطور في الماضي وحسب، وإنما هو  في حالة تطور الآن  ربما  “لم يكن العالم، وهو  موطن الجمال والبهجة في رؤية عصر النهضة، بحاجة إلى التغيير وإنما للمعانقة؛ وأهل  العالم  المتحررين من الإثم  كانوا جديرين بالمحبة الصادقة بكل بساطة“  (دنهام1964)[6]. لكن الرغبة في التغيير كانت سائدة في معظم الأحيان فكما جاء في الكتاب المقدس :

(العالم المخلوق ينتظر بشغف ولهفة ظهور أبناء الله  لقد صار فريسة الإحباط لا باختياره ولكن بمشيئة الذي خلقه؛ لكن الأمل كان موجودا دائما، لأن العالم نفسه سيتحرر من قيود الفناء ويدخل رحاب حرية ومجد أبناء الله ونحن نعرف أن العالم ظل  يتوجع بكل جوارحه حتى زماننا هذا  وكأنه يعانى  آلام المخاض ).

وحيث أن العالم  يتطور فمن الممكن أن يصبح بمرور الوقت مختلفا عن حالته الراهنة.  لذلك  يمكن للإنسان أن يوجه هذا التغيير صوب ما يراه مرغوبا وخيرا وقد عبر عن ذلك توماس جيفرسون بالتفاؤل المميز لزمانه بقوله : “على الرغم من أنني لا أؤمن، مثل البعض المفعم بالحماسة،  إن الحالة الإنسانية يمكن أن تبلغ درجه من الكمال  ينتهي فيها الألم والشر من العالم،  فإنني أعتقد أنها قابلة لتحسين كبير،  خصوصا في مجالات الحكم والسياسة؛ وإن انتشار المعرفة بين الناس هو  أداة ذلك التحسين   “  وقد ارجع كل من  ماركس ولينين الصدى في مأثوراتهم الشهيرة التي تقول بأننا  ينبغي ألا  نكتفي بتفسير العالم وإنما علينا تغييره.  وليس صحيحا،  على وجه الخصوص،  أن الطبيعة البشرية لا تتغير؛  فهذه الطبيعة ليست راسخة ثابتة لكنها صيرورة  و إن إمكانات تنامي الإنسان أبعد ما تكون عن النفاد، بيولوجيا و ثقافيا إذ لا بد  للإنسان أن يتطور بوصفه حامل الروح والمصير. ويمكنا أن نقول مع نيتشه:   “أن الإنسان شئ يمكن أن نتغلب عليه “.

ينسب إلى بيكاسو قوله أنه يمقت الطبيعة. وقد زعم تولستوى، وكذلك بعض الأشخاص الأقل بريقا، أن كل نتائج العلم لا تهمهم.   إن الولع و المقت انفعالات لا يمكن انتزاعها أو إيلاجها عسفاً.  قد يمقت أحدنا الطبيعة  أو يحتقر العلم، لكن يتعذر علينا تماما أن نتجاهلهما، إن العلم في عالمنا الحديث ليس ملهاة لبعض الناذرين أنفسهم له،  إنما هو في طريقه لأن يكون شأن كل شخص.  بعض الناس لا يهتمون كثيرا بالمجرات البعيدة،  أو البلدان الأجنبية، أو القبائل الغريبة جدا،  أو حتى أولئك الجيران الذين لا يضطرون للتعامل  معهم كثيرا أو عن كثب.  لكن لامبالاة الإنسان بنفسه ليس شيئا طبيعيا.   البعض قد يختلق اللامبالاة  لكن نادرا ما يحسها  في أعماقه، حينما يخلو لنفسه.  إن ذلك مفهوم تماما  بحسبانه نتاجا للتطور  البيولوجى لشخصية  أسلافنا، إذ  أن مبالاتهم  بأنفسهم تزيد من  احتمالات بقائهم.   وقد تأصلت فينا  مقولة مأثورة “اعرف نفسك ”  التي ظلت دوما حافزا للفكر الإنساني قبل صياغة تلك الكلمات بزمن طويل.

من الواضح تماما أن المعرفة العلمية وحدها ليست كافيه للإنسان كي “يعرف نفسه ” وربما كان هذا  أساس سخرية تولستوى بالعلم.  فبالنسبة إليه لم يكن العلم ذا صله بالمصير،  والمصير هو الشيء الوحيد الذي كان يهمه.  لكن تولستوى تمادى  في احتجاجه. ففي زمان تولستوى  وفى زماننا على نحو أشد إلحاحاً،  تفتقد معرفة الذات شيئا جد متصل بالحالة الراهنة إذا ما اختار أن يتجاهل ما يمكن أن يعرفه عن نفسه من العلم.  كل ذلك يقودنا إلى نتيجة بسيطة وواضحة تماما :  فكما إننا لا يمكن أن نشتق رؤية كونية من العلم،  فإننا لا يمكن أن نصل إليها بدون العلم  

 إن بناء رؤية كونية وفحصها فحصا نقديا يقع تقليديا في مجال الفلسفة. ومن المفهوم جدا أن يضيق الفلاسفة المحترفون بالهواة الذين يتطفلون على مجال تخصصهم ونادرا ما يتفوق العلماء الذين يتحولون إلى فلاسفة على  غيرهم من الهواة المتطفلين. فمع أن نزعة التملك هذه ليست بلا مبرر،  إلا  أن الأمر لا يمكن حسمه بهذه البساطة. ما هي حقيقة  الفلسفة ؟   من بين التعريفات الكثيرة يثير  تعريف برتراند رسل (1945)[7]  الانتباه   “هنالك أرض غير مملوكة تقع بين الدين والعلم تتعرض للهجوم من الجانبين، وهذه الأرض غير المملوكة هي الفلسفة وببريق أقل فإن الفلسفة تعرف باعتبارها “علم الكل ”  الذي يفحص نقديا  افتراضات كل العلوم الأخرى  ويتأملها من خلال علاقاتها المتداخلة.   وهنالك تعريفات  أخرى ترى أن الفلسفة تعمل لبناء رؤية كونية متماسكة و في إطار أي  من هذه التعريفات  فهنالك دور يقوم به  العلماء،  على الأقل على هامش الفلسفة.  إنهم على أقل تقدير يمكن أن يعدوا من  بين المتعهدين الذين يمدون الفلاسفة بالمواد الخام التي يحاولون  صياغة  معضلاتهم وحلها بها. وفيما عدا بعض الإستثناءات  البارزة،  فقد أخذت مدارس الفلسفة الطبيعية، خصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا، إمداداتها أساساً من العلوم الطبيعية؛  خصوصا مدرسة  الفلسفة التحليلية  الواسعة النفوذ المنهمكة في الرياضيات واللغويات  ويبدو  أن بعض مؤشرات التغيير  قد أخذت تلوح في الآونة الأخيرة.

إن علاقة الفلسفة بعلم الأحياء وعلم الإنسان واضحة تماما.  فالإنسان يأمل في كبريائه أن يكون  نصف إله. غير أنه سيظل  لقدر كبير نوعا بيولوجيا.  إن ماضيه وكل سابقيه بيولوجيون.  ولكي يعرف الإنسان نفسه فان عليه أن يعرف من أين جاء وما الذي قاده في هذا الطريق.  وأن عليه لكي يخطط مستقبله بحسبانه فردا ونوعا   - على الأخص-   أن يعرف حدوده وقدراته.   جزء من هذه المسائل بيولوجي وعلمي، والجزء الآخر “ديني ”.   إنها باختصار  مسائل فلسفيه بالمعنى الذي أشار إليه برتراند راسل، وحيث أنني متخصص في علم الأحياء لا في الفلسفة أو علم الإنسان فإن المهمة التي نصبت نفسي للاضطلاع بها تبدو طموحة جدا.   إنني أود فحص بعض المدلولات الفلسفية لبعض النتائج والنظريات البيولوجية والأنثروبولوجية.  إن هذا الكتيب الصغير لا يقصد منه أن يكون بحثا في الفلسفة البيولوجية أو البيولوجيا الفلسفية.  إنه يتكون من مقالات عن بعض جوانب  العلم التي كانت مؤثرة في صياغة رؤيتي الكونية الخاصة.   ليس هذا القول استباقا واسترضاءاً  للنقاد  المحتملين لهذه المقالات،  وإنما هو فقط لتفسير ما قد يبدو تناولا عشوائيا للموضوعات التي تشملها  أو تغفلها  الصفحات التالية  وإنني استسلم مع بيرش[8] (1965) إلى أنه:

“ يمكن جدا أن يقول لي زملائي العلميون، “ يا إسكافي الزم قالب أحذيتك لكننا ظللنا نمارس المهنة العلمية بما فيه الكفاية.  وأنني أقوم الآن بعمل لا يعتبر محبوباً في جيلنا  ذلك هو محاولة تغطية مساحة تبلغ حدا  من الاتساع  لا  تغطيه المعرفة المتخصصة لشخص واحد.  قد تكون المحاولة بالغة الجرأة  لكنني أقوم بها بدواعي إلحاحها، برغم اتساع الموضوع.   وما كنت لأكتب لو لم أكتشف لنفسي شيئا يمنح معنى لعالم المعرفة المتخصصة الذي أعيش فيه ".


[1] Tillich, p., Systematic Theology, Vol.111, Chicago and London, Chicago University Press, 1963

[2] Brinton, C., The shaping of the Modern Mind. New York, New American Library, 1953.

[3]  Ibid.

[4]  Tillich, P, Theology of culture. New York, Oxford University, 1959.

[5] Barznn, v., Science, the Glorious Entertainment.

[6] Dunham, B., Heroes and Heretics. New York, Knopf, 1964.

[7]  Russell, B., A History of Western Philosophy. New York.

[8]  Birch, L. C, Natune and God. London, Scm press, 1965

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.