أركاماني.ARKAMANI

مجلة الآثار والأنثروبولوجيا السودانيةأرشيف أركاماني

English
بحث ودراسة

جبل البركل ونبتة القديمة

البعثات والتقارير الميدانية

Gebel Barkal and Ancient Napata

Timothy Kendall

Translated by Osama Elnur

جبل البركل ونبتة القديمة

تيموثى كندال

ترجمة أسامة عبدالرحمن النور

جبل البركل هى التسمية العربية الحديثة لجبل مسطح صغير أشبة بالطاولة فى الطرف الغربى لمدينة كريمة، السودان. منذ أزمان المملكة المصرية الحديثة (حوالى 1500 ق.م.)، علَّمت هذه الهضبة الصغيرة شديدة التحدر الحد الجنوبى الأقصى للإمبراطورية المصرية فى افريقيا وكانت موقعاً لمدينة حدودية هامة سميت نبتة (الخريطة).ومع ان هناك مخفر عسكرى أمامى فرعونى آخر يقع أبعد بأعلى النيل فى كرجس، بالقرب من الشلال الخامس، إلا أن نبتة كانت الإقامة المصرية الأقصى جنوباً والموقع الأبعد لقدسيتها الدينية.

لم تكن نبتة فى الغالب، بموقعها على الضفة اليمنى للنيل بحوالى 40 كيلومتر أسفل الشلال الرابع، ذات أهمية ميناءً نهرياً، ذلك ان التيار هنا كلن سريعاً للغاية بحيث يجعل الإبحار غير عملى. يبدو ان أهميتها تجسدت فى موقعها عند نقطة العبور النهرية للطريق البرى الذى يربط منطقة الشلال السادس بالشلال الثالث. كانت ولا شكَّ معبراً نهرياً ومحطة جمركية هامة، تجمعت فيها وخزنت البضائع الافريقية المختلفة قبل الإرتحال شمالاً الى مصر.

مع الوقت، أخذت أهمية نبتة الإستراتيجية فى التراجع أمام أهميتها الطقوسية، المشتقة من جبل البركل (الشكل 1). سمى المصريون الصخرة دجو-وااب (الجبل الطاهر) وحددوه بوصفه مكان الإقامة للهيئة البدئية لإله دولتهم آمون الكرنكى، الذى سكن فى طيبة، على بعد حوالى 1150 كيلومتر الى الشمال من البركل. اللافت للنظر، ان المصريين تصوروا جبل البركل إمتداداً بعيداً للكرنك واعتقدوا ان كلا الموقعين، البركل والكرنك، كانا بمثابة تجليين احدهما للآخر. آمون الكرنكى، على سبيل المثال، سمى دوماً بـ "سيد تاجىّ الأرضين". لكن عندما اكتشف المصريون جبل البركل، قرروا، "قبل أن يصبح معروفاً لدى الناس"، ان اسم الجبل كان " تاجا الأرضين". بكلمات أخرى، نُظر للجبل بوصفه مصدراً للقب الأقدم للإله، ومصدراً لإسم الكرنك. هذا الإختراع التاريخى سمح للمصريين تعريف جبل البركل بالكرنك، وبالعكس، وان يتصوروا هذا التل البعيد فى النوبة بوصفه المنزل الأصلى للإله، معلنين فى الوقت نفسه ان الإله قد ظهر بداية فى طيبة! ختى معابد الإله فى الكرنك وفى نبتة حملت الإسم نفسه: ابيت- سوت ("مقدس التاجين")، مما سمح للخلط، لأعراض دينية، بين تلك المعابد. هذه الدوغما الجديدة ثبتت آمون بوصفه السيد المقدس لكل من النوبة العليا وكل الإمبراطورية المصرية النوبية، مع نبتة وطيبة بوصفهما قطبى عبادته. حتى إسم نبتة نفسه، واللقب المحلى لإلهها - "آمون النبتى" (امن نبت) - قد يكو استنبط ليشكل تلاعباً لفظياً مع الأسماء الأخرى الشائعة للإله الطيبى، مثل "آمون، سيد السماء" (امن نب- بت) و "آمون المقدس" (امن ابت). قد يكون ذلك ما عزز لاحقاً فكرة ان نبتة وطيبة، والآلهة العظام فى كل منهما، كانوا فى الواقع متطابقين.

اعتقد المصريون بأن آمون النبتى سكن فى داخل الجبل، خلف المنحدر الصخرى الشاهق، مخفياً عن الرؤية القاتلة. شيدوا كذلك معابده وأيضاً معابد الآلهة الآخرين المرتبطين به مباشرة أمام المنحدر الصخرى الشاهق، مع محاورها متجهة الى الجبل (الشكلان 2 و3). فى الأزمان اللاحقة سيكون هناك معبدان كبيران شيدا أمام جبل البركل، الأول مكرس للهيئة الجنوبية لآمون (B 500) والآخر لهيئته الشمالية (B 800). الوضع نفسه يصح بالنسبة لطيبة، مع معبد الكرنك مكرساً للهيئة الشمالية، ومعبد الأقصر للهيئة الجنوبية.

سمة لافتة للإنتباه فى طبيعة آمون كانت هى قدرته على إمتصاص هُويات وكينونات الآلهة الآخرين فى كينونته، التى كانت "مختفية"؛ لاسم آمون عنى، فى الواقع، "المختفى". وكما بدأ الصعود السياسى لطيبة، حتى فى الأسرة الحادية عشر، تزايدت أهمية إلهها كذلك. عندما وحد الملوك، أبناؤه، مصر فى المملكة المصرية الوسطى المبكرة، أصبح الإله آمون "ملك الآلهة". لم يعلو آمون على الآلهة العظام، لكنه أصبح هو ببساطة "هم"،  مما نتج عنه ان كل واحد من الآلهة العظام نُظر اليه بوصفه واحداً من تجليات آمون. مع الوقت، بالتالى، نال آمون هوية وكينونة رع- آمون،  الخالق البدئى واله الشمس الهليوبولسى. جعله هذا أباً للآلهة. عنى هذا، أيضاً، انه كان الشمس المؤلهة فى كافة أشكاله الأخرى؛ رع، وخورآختى، وخبرى. امتزج آمون أيضاً بالمعبودين التناسليين مين وأوزريس، الهى الخصوبة والفيضان، واستولى على وظائفهما. كان آمون فى ذات المظهر التناسلى (الفالوسى)، معروف بإسم كاموتف، "ثور والدته"، مما يلمح الى قدرته فى إعادة خلق ذاته إبناً لنفسه الملك ( الذى كان هو "الثور" (كا) والذات الإلهية "الثنائية" (كا). عندما يموت الملك، يمتزج مع الإله ليصبح بالتالى أباً لذاته (كا = "فالوس" = جداً أعلى)، تحبل به الإلهة موت ("الأم")، التى كانت زوجة للإله الى جانب كونها "والدة" الملك المقدسة.

عادة يصور آمون بوصفه رجلاً، يلبس تنورة وتاجاً طويلاً بريشتين. وبالقدر نفسه يظهر متوجاً، فى هيئة رجل محنط، بعضو تناسلى منتصب، الذى هو شكله بوصفه كاموتف. عندما اكتشف المصريون جبل البركل وربطوا الجبل بآمون، أخذوا فى تصوير الأخير بطريقة ثالثة: كرجل برأس كبش (الشكل 4). هناك الآن بينة آثارية متزايدة تشير الى انه وقبل مجئ المصريين الى هذه المنطقة، كان النوبيون يبجلون إلهاً بهُويًّة كبش. آخذين فى الحسبان قدرة آمون على إمتصاص كل الآلهة المصريين المهمين فى كينونته الذاتية، فإن هيئة آمون برأس كبش تشير الى ان المعبود الطيبى امتص فى ذاته نظيره النوبى، الذى كان متطابقاً مع آمون فى أزمان أسبق. بإستثناء عصر إخناتون، عندما فرض الحظر على عبادة آمون، أصبح آمون الإله الشامل الذى تعبد فيه كافة الآلهة، أصبح جبل البركل أحد أهم مراكز عبادته. فى الأزمان الإغريقية الرومانية، عد آمون ببساطة شكلاً من أشكال زيوس- جوبيتر، ونسبت الأساطير حينها انه والآلهة الآخرون قاموا بزيارات متكررة للنوبة، حيث يقال بأن الخلق قد تمَّ هناك وحيث ان الرجال كانوا هم الأوائل الذين تعلموا تبجيل الإله.

احتمالاً فى وقت سابق لتعرف المصريين على جبل البركل، كان النوبيون، أيضاً، قد عدوا المكان مقدساً. رغم انه لم يتم الكشف بعد عن آثار إقامة أو بقايا طقوسية فى المرحلة السابقة لوصول المصريين، فإن الفخار النوبى الذى يعود تاريخه الى العصر الحجرى الحديث، وعصر ماقبل كرمة، وعصر كرمة قد تمَّ الكشف عنه فى طبقات غير مثبتة استراتيجرافياً. يشير هذا الى ان الموقع لا بدَّ وانه كان مأهولاً على الأقل منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد. الكشف فى قمة جبل البركل عن الالاف من الرقائق الحجرية المهشمة، والمصنوعة من نوع حجارة لا يمكن الحصول عليها إلا من سطح الصحراء، يشير الى ان الناسيس جلبوا الحجارة الى القمة لتصنيعها، وهو نشاط قد يحتوى على حافز دينى. بالمثل، التشابه بين المعبد فى البركل، كما يظهر فى المرحلتين المصرية والكوشية، وفى مرحلة كرمة، كما ظهرت فى نهاية طور كرمة الكلاسيكى، قد يشير الى وجود علاقة طقسية فيما قبل وصول المصريين بين جبل البركل و"الدفوفة الغربية" فى كرمة. توجد على الأقل إمكانية ان الأخيرة، مستطيل مسطح شبه جبلى يبلغ ارتفاعه 19 متر ومشيد بالطوب، قد شيدت فى كرمة بديلاً سحرياً او "نظيراً ثانياً" لجبل البركل. على كلٍ، فقد تمَّ تشييد مركب للمعابد أمام بعضها البعض، ونُظر لكل واحد منها مكاناً لإله قوى.

 ليس من شك فى ان المصريين، وإحتمالاً النوبيين المبكرين، ألصقوا أهمية مقدسة بجبل البركل نسبة  لشكله الشاذ. لم يكن التل منعزلاً فحسب فى وسط صحراء مسطحة وتميز بمنحدر صخرى شاهق، يبلغ ارتفاعه 90 متراً و200 متراً فى الطول، ولكن ركنه الجنوبى الغربى عُلمَّ ببرج هائل يقف منفصلاً، يبلغ حوالى 75 متراً فى الإرتفاع (شكل 5). هذا الحجر الضخم الواقف على شكل عمود أو مسلة (منليث) يحمل مظهر تمثال، لكن بلا شكل محدد، وقد يجوز تخيل أنه بالفعل كذلك. من جانب، يمكن النظر اليه بوصفه تمثالاً لملك أو إله واقف، يلبس التاج الأبيض. ويمكن النظر اليه عضواً تناسلياً (فالوس) منتصباً. ويمكن أيضاً النظر اليه كوبرا منتصبة عمودياً (صلاً) يضع التاج الأبيض على رأسه. تكشف الوثائق القديمة، المكتوب منها والمصور، ان الصخرة قد تمََ تخيلها بكل تلك الصور التى  أوردناها ومن ثمَّ قدست مصدراً لقوة إلهية لكل ما تمثله من أشياء مختلفة. كشكل إنسانى يلبس تاجاً، فانها قد تمثل الملك الحى أو السلف الملكى الأبعد، أو الإله نفسه. كعضو تناسلى، يمثل آمون بوصفه أباً مُنجباً. كصلٍ، يمثل القدرة الخلاقة  لأية ولكل إلهة ولكل أنثى. كانت الصخرة بالتالى أباً، وأماً، وطفلاً ملكياً ممتزجة فى كل واحد - الذى يعنى ظاهرياً المعنى الفعلى لـ "كاموتف".  أكدَّ جبل البركل، عن طريق برجه الصخرة الواقف على شكل عمود أو مسلة، ليس فحسب وجود آمون، بل انه يمتلك بالفعل شكل التل البدئى للتقليد المصرى، الذى ينظر فيه للخالق وقد ظهر فى بداية الزمن وولد الآلهة الأول عن طريق العادة السرية.

حتى يومنا هذا، فإن الحجارة الطبيعية، ذات الشكل الأشبه بالعضو التناسلى، تتم مطابقتها لدى شعوب السودان الوثنية التقليدية بالثعابين وبالأسلاف وتعبد كمصادر للطاقة الإستيلادية. كان جبل البركل بالتحديد مكاناً مثل هذا، ولا بدَّ وان يكون الحجم الهائل لصخرته الواقفة على شكل عمود أو مسلة قد قبع فى أساس تحوله الى مركز رئيس ومؤثر فى الطقوس الوثنية، إحتمالاً منذ الأزمان ماقبل التاريخية. ولا بدَّ وان المصريين كانوا قد تقبلوا أولوية الموقع وأقدميته، ذلك أنهم جعلوا آمون هذا المكان "الإله العظيم لكل العصور، الواحد البدئى".

لاحظ الرحالة الأوربيون جبل البركل للمرة الأولى فى عام 1820 وتعرفوا بطريقة صحيحة على الأطلال المحيطة به بوصفها أطلال نبتة القديمة، والتى كانت عالقة فى الذاكرة حينها عن طريق النصوص الكلاسيكية بوصفها كانت موضوعاً للحملة الرومانية فى عام 24 ق.م. فىالعقود اللاحقة، زار رحالة آخرون الموقع وقدموا وصفاً له وجلبوا تماثيلاً وآثاراً منقوشة بالكتابات من هنا للمتاحف فى القاهرة، ولندن، وبرلين. مسلة النصر العظيم لبعانخى، والتى وجدت هنا فى عام 1862، أثارت زوبعة عندما ترجمت لمرة الأولى، وحفزت فيردى لوضع اوبرا " عايدة" فى عام 1874. الى جانب تأكيد هذه المسلة على حقيقة إحتلال الملوك "الاثيوبيين" (الكوشيين) لمصر فى القرن الثامن ق.م.، فقد كشفت اربع مسلات أخرى وجدت معها عن انه وفى منتصف الألفية الأولى السابقة للميلاد،  ظلت نبته وجبل  البركل مركزاً رئيساً للعبادة وللتتويج فى مملكة كوش المستقلة.

هكذا ظل الحال الى  الأعوام 1916 حتى 1920، حينها بدأت أولى أعمال التقيب العلمية فى جبل البركل. دعمت تلك الأعمال بالتمويل المادى من جامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة، وأشرف عليها جورج ريزنر (الشكل 6). بعد التنقيب فى خمسة وعشرين مدفناً هرمياً صغيراً الى الغرب من الجبل، عمل ريزنر فى مركب المعابد، وكشف عن سبعة معابد وقصرين، كاشفاً عن المزيد من النقوش التاريخية والتماثيل الأكثر أهمية (الشكل 7). فى وقت متزامن نقب ريزنر فى جبانتين قريبتين، الكرو ونورى. وجد فى هاتين الجبانتين الأخيرتين، مدافن الملوك الخمسة الذين حكموا مصر  وأسسوا أسرتها الخامسة والعشرين، الى جانب مدافن ملكاتهم، وأسلافهم والتى يرجع تاريخها الى القرن التاسع ق.م. وخلفائهم الى القرن الثالث. وفى عام 1920 وسع ريزنر أعماله أبعد الى الجنوب الى مروى (البجراوية- المترجم)، ونقب كل الإهرام فى محاولته تتبع الأسماء غير المعروفة والتواترات للحكام الكوشيين حتى نهاية القرن الميلادى الرابع. لقد كان ذلك العمل واحد من أعظم الإنجازات فى مجال علم الآثار الحديث.

مع أن ريزنر اكتشف القليل من مسلات المملكة الحديثة وتماثيلها فى جبل البركل، فإن بقايا المعابد الفرعونية لم تبق بإستثناء أساسات بعض مبانى المعابد الفرعومية. الجزء الأعظم مما تبقى من أطلال فى الموقع يرجع الى الفترة ما بعد منتصف القرن الثامن ق.م.، وهو الوقت الذى أصبحت فيه نبتة المركز الدينى الرئيس للدولة السودانوية التى نعرف شئياً عنها.  على مدى ستة عقود ( تقريباً 712 - 661 ق.م.) فرضت كوش حكمها على مصر، ويصبح الآن أكثر وضوحاً أنه، رعم ان الكوشيين ما كانوا من أصول مصرية، إلا أهم كانو قادرين على تبرير إدعائاتهم على العرش المصرى عن طريق العلاقات الطقوسية التى وجدت بين الكرنك وجبل البركل خلال المملكة الحديثة. علينا أن نتشكك حالياً عما إذا كان  "تمصير" الملوك الكوشيين وتوحيدهم المبدئى لمصر العليا والنوبة بفعل خطط مبرمجة الى حد بعيد مع كهنة آمون. أهدافهم لا بد وأنها كانت، تحقيق إعادة التوحد، بع ثلاثة قرون، بين موقعين مقدسين لإله لكن لمجمل امبراطوريته الجنوبية. ثانياً؛ أنهم سعوا الى إستعادة " الملكية الحقيقية لمصر العليا" والتى اختفت بعد الأسرة 20. وثالثاً، انهم سعوا الى إستعادة أيام مجد المملكة الحديثة.  

الحكم الكوشى ما قدر له أن يدوم. فى عام 661 ق.م.، دحر الكوشيون عن مصر، بعيداً الى موطنهم، من جانب الغزاة الأشوريين. بإستقرارهم فى خاتمة المطاف فى مروى، الى الجنوب الشرقى من نبتة، ثبتوا مملكتهم فى الجنوب البعيد، على مدى ألفية لاحقة. خلال معظم هذا الإمتداد الزمنى، على كلٍ، بخاصة خلال العصر النبتى (حوالى 661- 280 ق.م.)، ظل جبل البركل المركز الدينى الأساسى للمملكة، ومن نبتى ادعى الملوك شرعيتهم فىالحكم. هناك نفذ الحكام مشاريعهم المعمارية والتى استمرت على الأقل حتى القرن الميلادى الأول. كام معبد آمون احتمالاً هو الحافظ دوماً للمعرفة، والأدب الدينى والتوثيق التاريخى. كما و لا بدَّ انه كان المتحف القومى للمملكة، ملئ بما يحتويه من تماثيل، وآثار، ونقوش بارزة تصور التاريخ المحتفى به لكوش ويربطها مباشرة بالمراحل المبكرة لفراعنة المملكة الحديثة، الذين عدهم الحكام الكوشيون "أسلافاً" لهم.

على إمتداد تاريخ كوش، يهر ان جبل البركل كان المركز الرئيس للتويج الملكى والطقوس الملوكية. لقرون حضر كل ملك جديد لكوش الى جبل البركل لتعزيز شرعيته وتتويجه عن طريق الإله الذى يسكن داخل الجبل، كما فعل بالتحديد الملوك فى عصر المملكة الحديثة. على إمتداد فترة حكمه قام كل ملك كوشى بإستشارة الوحى الإلهى فى شئون الدولة وإدارة الحرب. حتى وقت مبكر من القرن الثالث ق.م. يقال بأن الوحى نفسه كان يقوم بإخطار الملك عن طريق رسالة بموعد إنتهاء فترة حكمه، مصدراً الأمر له بتنفيذ الإنتحار. هذا التقليد تمَّ الغاءه عن طريق الملك ارجمنيس، الذى أخذ الأمر بيديه عندما صدر له الأمر بالإنتحار، فقاد قواته الى المعبد وقتل الكهنة. صحة هذا التقليد تشير اليها حقيقة انه ختى القرن الثالث ق.م.، سافر الملوك مسافة 230 كيلومتر من مروى الى نبتة ليدفنوا فى إهرام شيدت لهم عبر النهر بمواجه جبل البركل فى نورى (الشكل 8). آخذين فى الحسبان وجود معبد فى الوادى، غالباً لغرض التحنيط، يجوز للمرء ان يفترض ان معظم الملوك قاموا بالرحلة الى الجبانة وهم لازالوا أحياءً.

فى عام 24 ق.م.، هوجمت نبتة، ودمرت، و"سويت بالأرض" عن طريق الجيش الرومانى. يبدو ان هذا الحدث هو الذى حث على آخر عملية ترميم لمعابد البركل عن طريق الثنائى الملكى المروى نتكامانى وأمانى تارى فى القرن الميلادى الأول. المؤسف انه بعد حكمهما الثنائى، فإننا لا نعرف شيئاً عن الموقع أو استخدامه المستمر. تاريخ الموقع فى العصرين المروى المتأخر وما بعد المروى (حوالى 100- 600 ميلادية) غامض. بعد تأسيس المملكة الدنقلاوية المسيحية المغرة، ضمت نبتة القديمة ومعابد جبل البركل الى قرية مسيحية.

ــــــــــــــــــــــ

1. See Vivian Davies, "New Fieldwork at Kurgus: The Pharaonic Inscriptions," Sudan & Nubia 2 (1998), 26-30.

2. انظر ج. أ، ريزنر، "الآثار المنقوشة من جبل البركل، الجزء 2: لوحة الجرانيت لتحتمس الثالث،" Zeitschrift für Agyptische Sprache und Altertumskunde (من الآن فصاعدا ZؤS) 69 (1933)، 35، ل. 33. انظر أيضًا شرحه، "الآثار المنقوشة من جبل البركل، الجزء 3: لوحة سيتي الأول"، ZؤS 69 (1933)، 73-78، حيث يُطلق على آمون جبل البركل لقب "سيد عرش الأرضين" و"[سيد عروش الأرضين] الذي في الجبل النقي." 3. انظر، على سبيل المثال، J.-C. جولفين وجي.سي. جويون، خفافيش الكرنك (باريس؛ 1984)، ص 28 وما يليها. 4. على الجدار الجنوبي للمعبد الكبير أبو سمبل يظهر الإله آمون "رب عرش الأرضين الذي في إيبت-سوت" وهو جالس داخل جبل البركل.  راجع أرشيف الرحلات الاستكشافية إلى مصر والسودان في الفترة من 1905 إلى 1907 على http://www-oi.uchicago.edu/ OI/MUS/PA/EGYPT/BEES/BEES.html (الصورة P 2428/OI 1491).  في لوحة الحلم، يشير تنوتاماني إلى آمون جبل البركل على أنه "سيد عرش الأرضين، الموجود في إيبت-سوت" (انظر T. Eide, T. Hngg, R.H. Pierce, and L. Tِrِk, eds., Fontes Historiae Nubiorum, vol. I (Bergen: 1994), 193 (من الآن فصاعدا، يشير "FHN")؛ يشير "حارسيوطف" إلى المعبد الكبير في البركل باسم "إيبت-سوت لآمون نبتة" (FHN II، ص 444)؛ ويشير إليه ناستاسن باسم "إيبت-سوت من الذهب¹ (FHN II، ص 480). وعلى الرغم من أنه لم يُذكر مطلقًا، فمن المحتمل أن يكون جبل البركل بمثابة كا أو "مزدوج" للكرنك. لوحة تحتمس الثالث، آمون جبل البركل تسمى كا آمون الكرنك. انظر Reisner, ZؤS 69. 28, l. 2. 5. لاحظ أن Imn-ipt وImn nb pt هما اسمان شائعان لمعبد آمون في الأقصر: انظر P. Pamminger, "Amun und Luxor:  Der Widder und das Kultbild." Beitrnge zur سودانفورشونغ 5 (1992)، 5 وما يليها وهيلموت برونر، Die südliche Rnumé des Tempels von Luxor (ماينز: 1977)، ص 75. هذا يشير بقوة إلى أن الأقصر، "إيبت الجنوبي"، كانت في الحقيقة بديلاً سحريًا لجبل البركل، الذي لا بد أنه كان "إيبت الجنوبي" الحقيقي وموطن الآلهة¹ ka. انظر أيضًا Lanny Bell، "Luxor Temple and the Royal Ka،" Journal of Near Eastern Studies 44 (1985)، 251-294؛ ونفس المصدر، "المعبد الإلهي للمملكة الحديثة: مثال الأقصر،" في B.E. Shafer، معابد مصر القديمة (إيثاكا، نيويورك: 1997)، الصفحات 127-184. حتى آمون الأقصر  ("آمون-إيبت") في جبل البركل: انظر FHN II, 464. 6. منذ عهد تحتمس الثالث كان إله جبل البركل يُدعى بشكل روتيني "(هو) الذي يسكن داخل الجبل النقي".  انظر Reisner ZؤS 69، ص 25، وانظر الملاحظة 2.  7. المثال الأول مصاحب لنقش كورجوس لتحتمس الأول، والذي ربما يعود تاريخه إلى الفترة التي تلت فترة قصيرة من ملاحظة المصريين لجبل البركل لأول مرة.  انظر ديفيز، السودان والنوبة 2 (1998)، 27. 8. انظر ملخص البيانات والمراجع في ت. كيندال، كرمة ومملكة كوش، 2500-1500 ق.م.: الاكتشاف الأثري لإمبراطورية نوبية قديمة (واشنطن: 1997)، الصفحات 75-81، ول. الحضارة النبتية المروية (ليدن: 1997)، ص 303-309. 9. جي آر أندرسون وك. جريزيمسكي، "السودان: أرض المعابد المخفية،" روتوندا 34 (صيف/خريف، 2001)، 22-29. 10. ديودورس الصقلي 3. 2. 2؛ وانظر FHN II, 644.  انظر أيضًا أوريك بيتس، الليبيون الشرقيون، مقال (لندن: إعادة طبع 1970)، الصفحات 187-200. 11. في عامي 1989 و1996، عثرت بعثة وزارة الخارجية في بوسطن على العديد من هذه الأنواع المبكرة من قطع الفخار الممزوجة بالحطام اللاحق في الحرم وكذلك على الجرف الغربي لجبل البركل، خارج مصب كهف ضحل حيث كان هناك بروز للكاولينيت.  تم العثور على شظايا كرمة بأعداد صغيرة في مكب ريزنر من حطام منطقة المطبخ في القصر النبتي ب 1200.  انظر ت. كيندال، "الحفريات في جبل البركل، 1996: تقرير متحف الفنون الجميلة، بوسطن، بعثة السودان،" كوش 17 (1997)، 336. 12. تمت الإشارة إليه في عام 1988 من قبل إيزابيلا كانيفا للبعثة الإيطالية للجامعة روما "لا سابينزا". 13. مقترح في كندال، كرمة ومملكة كوش، ص. 79، وانظر C. Bonnet, Kerma, royaume de Nubie (جنيف: 1990)، الصفحات 32، 59-67. 14. انظر على سبيل المثال ر.ت. راندل كلارك، الأسطورة والرمز في مصر القديمة (لندن: 1991)، ص 36-44. 15. أ.ر.ك. بولتون، "دوباب ونوبة جبل الداير"، مذكرات وسجلات السودان 19 (1936)، 92-108، وج. بيل، "ملاحظات: أحجار الخصوبة النوبة"، مذكرات وسجلات السودان 19 (1936)، 314-316. 16. ريزنر، ZؤS 69، 37، ل. 43. 17. ف. كايليود، رحلة إلى مروي إلى فلويف بلانك أو-ديلا دي فازوكلٹv.II (باريس: 1826)، ص. 43؛ v. III، الصفحات 226-227؛ أ.ه.ل. هيرين، أبحاث تاريخية في السياسة والجماع والتجارة بين القرطاجيين والإثيوبيين والمصريين ضد الأول (أكسفورد: 1832)، الصفحات من 429 إلى 430. 18. انظر ل. ترك، مملكة كوش، ص 7-20؛ ر. ج. موركوت، الفراعنة السود: حكام مصر النوبيين (لندن: 2000)، الصفحات 8-22؛ ت. كيندال، "الاكتشاف الأمريكي للنوبة المروية والسودان" في نانسي توماس، تحرير. مقالات الاكتشاف الأمريكي لمصر القديمة (لوس أنجلوس: متحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون، 1996)، 151-164. 19. FHN I، ص 232 وما يليها؛ 252 وما يليها؛ 259 وما يليها؛ الثاني، ص. 438 وما يليها؛ إ.أ. واليس بادج، الأدب المصري، المجلد الأول. الثاني: حوليات ملوك النوبة (لندن: 1912)؛ ن.-ج. جريمال، أربع لوحات نبطية في متحف القاهرة JE 48863-48866 (القاهرة: 1981). 20. المرجع نفسه، ص. 155-157 والمراجع؛ وانظر ج.أ. ريزنر، "معابد البركل عام 1916 (الجزء الأول)،" JEA 4 (1917)، 213-227؛ شرحه، الجزء الثاني، JEA 5 (1918)، 99-112؛ شرحه، الجزء الثالث، JEA 6 (1920)، 247-264؛ دنهام، معابد البركل (بوسطن: 1970). 21. د. دنهام، المقابر الملكية في كوش، ط: الكرو (بوسطن: 1950)؛ شرحه، المقابر الملكية في كوش، الجزء الثاني: نوري (بوسطن: 1955). 22. د. دنهام، المقابر الملكية في كوش، الرابع: المقابر الملكية في مروي والبركل (بوسطن: 1957). 23. انظر المقال التالي: "جبل البركل: المركز النوبي للخلق والمصدر الأسطوري للمملكة المصرية والتاج.  هيرودوت الثاني. 29. 7. انظر FHN I، ص 308. 24. ديودوروس 3. 6. 1-4.  انظر FHN II، ص 647. 25. انظر الملاحظة 20.






















الأشكال

الخريطة: تظهر جبل البركل، ونبتة، وكريمة، ومروى، وصنم، وكرمة، والشلال الثالث، والشلال الرابع، والشلال الخامس، والشلال السادس، وكرجس، ومروى(البجراوية).

الشكل 1: منظر من الجو لجبل البركل، مع مدينة كريمة الحديثة، السودان، على يمين الصورة (الشمال الشرقى). بعد احتلالهم للنوبة العليا، حوالى 1500 ق.م.، طابق المصريون هذا الجبل المنعزل الغريب بالتل البدئى للميثولوجيا المصرية. هنا، وفق إعتقادهم، أظهر الإله الخالق نفسه للمرة الأولى وولد الآلهة الآخرين، والشمس، والملكية نفسها. وشيد المصريون مركب معابد أمام الصخرة الشاهقة الواقفة على شكل عمود أو مسلة ومدينة نبتة على ضفة النيل. الإهرام الملكية المروية يمكن رؤيتها فى الصحراء الى اليسار فى الصورة: الشكر لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

الشكل 2:صورة جوية لمعبد جبل البركل (القطاع الغربى)، كما كشفت عنه أعمال التنقيب. معظم المبانى لها أساسات يرجع تاريخها الى المملكة الحديثة، لكن الأطلال الواضحة يعود تاريخ معظمها الى عصر مملكة كوش المتأخرة (حوالى 800 ق.م.- 350 ميلادية). المبانى هى:(B 500) المعبد الكبير لآمون النبتى ، (B 800) معبد آمون الكرنكى،  (B 700) معبد آمون الأوزريسى، وديدون،  والملوك المتوفين، (B 600) معبد الملك الحى أو الكا الملكية[؟]، (B 1200) القصر المبكر، (B 1100) بر- اور أو البيت الكبير أو معبد التتويج، (B 1150) بر - نسر ["بيت الشعلة"] أو معبد إلهة الصل الملكى "عين حورس"، (B 300) معبد موت، "عين رع"، (B 200) معبد هاثور، "عين رع". الشكر على الصورة لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

الشكل 3: منظر إعادة صيان معابد جبل البركل. من اليمين الى اليسار، B 1200, B 200, B 800, B 700, B 600, B 500. الناقص B 1150, B 1100 المكتشفين فى عام 1996، والذين قد يحجبا منظر B 300, B 200. الرسم الحاسوبى نفذه رايزمان، لمتحف بوسطن للفنون الجميلة.

الشكل 4: آمون جبل البركل بهيئة رجل برأس كبش، يمنح التاج الى ملك حى. من مسلة الملك بعانخى (حوالى 744- 712 ق.م.) محفوظة الآن فى متحف جبل البركل، كريمة، السودان.

الشكل 5: منظر جوى لجبل البركل، من الشمال الشرقى، مع مدينة كريمة فى الخلفية وأطلال معبد آمون فى اليمين. الصخرة ذات الشكل الفالوسى ، والتى فى حالة إضاءة معينة ومن زوايا محددة قد تبدو كتمثال ملكى وكذلك كصل يقف عمودياً بتاجه، وهو ما اعطى الجبل ارتباطاته الدينية المركبة: الشكر على الصورة لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

الشكل 6: جورج ريزنر (1867- 1942)، مدير بعثة جامعة هارفارد ومتحف بوسطن للفنون الجميلة الى جبل البركل. الشكر على الصورة لمتحف بوسطن للفنون الجميلة.

الشكل 7: تمثالان ضخمان للملكين الكوشيين أنلامانى (اليسار) وأسبالتا (اليمين)، عثر عليهما ريزنر فى جبل البركل، معروضان حالياً فى متحف بوسطن للفنون الجميلة. هذا التمثالان جزء من آثار رائعة من حفريات ريزنر تم إقتسامها الآن بين متحف بوسطن والمتحف القومى للآثار فى الخرطوم.

الشكل 8: صورة جوية لاهرام نورى، من الجنوب الشرقى. أسست الجبانة عن طريق الملك تهارقا (حوالى 690- 664 ق.م.) واستخدمها كل خلفائه وملكاتهم بإستثناء واحد حتى بدايات القرن الثالث ق.م. الاهرام على الضفة المواجهة لجبل البركل حوالى 10 كيلومتر الى الشمال الشرقى، ويمكن مشاهدتها من على قمة جبل البركل.  الشكر على الصورة لإنريكو فيروريللى والجمعية الجغرافية الوطنية.

النص الإنجليزي للبحث                         كدروكة والعصر الحجرى الحديث فى اقليم دنقلا الشمالى


 

ترد الأسماء والتواريخ وبيانات النشر ضمن سياقها الأصلي.

تتيح نسختا اللغة قراءة المادة نفسها، بالاستفادة من الترجمات المنشورة حيث تتوافر، وإضافة ترجمات بمساعدة آلية للنصوص الأخرى. تنسب بيانات التأليف والترجمة الأصلية إلى إصدارها الأصلي؛ ويُرجع إليه عند الاقتباس الأكاديمي.