الفصل الثانـــي
- المبحث الأول -
الخلفيات الاجتماعية – الثقافية والنفسية للزار
2 – 1 - 1 الطقوس وطبيعتها
2 – 1 - 2 الزار وطبيعته
2 – 1 - 3 الممارسة الاحتفالية الراقصة وانفعالاتها سلوكاً تعبيرياً رمزياً.
* السلوك الطقسي
* الرمزية من منظور التحليل النفسي
* الممارسة الطقسية سلوك تعبيري رمزي
* السلوك الهستيرى
* السياق الرمزي للمارسة الطقسية
* أنماط الرمزية التعبيرية
![Text Box: "بغض النظر عن التقنيات المستخدمة في المعالجة في طقوس الزار فإن أكثر التقنيات نجاحاً هى فترة الاثارة العاطفية للمريض التى تعقبها فترة التفريغ للشحنات التوترية".
- طه بعشر-[1]](zar_1_files/image001.gif)
2 – 1 - 1 الطقوس وطبيعتها
تمتلك كافة الشعوب طقوساً تمثل نوعاً خاصاً من السلوك القابل للملاحظة، القائم على أحكام راسخةestablished أو تقليدية traditional. ويمكن النظر إليه بالتالي طريقةً لوصف الإنسان أو تعريفه. فالإنسان قد يعرف بأنه كائن عاقل أو كائن اقتصادي أو سياسي أو كنوع لاعب playing species، كما أنه يمكن النظر إليه بوصفه كائناً طقسياً يُظهر توازناً أخاذاً ومدهشاً بين سلوكه الطقسي والفعلي. فالطقس هو نوع من السلوك المعممpervasive kind of behaviour يمكن الاستناد عليه لفهم كنه الإنسان، تماماً مثله مثل اللغة التي تعد نظاماً رمزياً قائماً على قوانين راسخة، بالتالي يمكن النظر للطقوس بوصفها نظاماً رمزياً من الأفعال، ويمكن رؤية العلاقة الشائكة المعقدة بين الطقوس واللغة فى تاريخ المحاولات العديدة لشرح السلوك الطقسي، ومن ثمَّ نجد اهتمام أغلب التفسيرات بأهمية اللغة بوصفها عاملاً مهماً فى النظرية التى تهتم بطبيعة الطقوس. إن اللغة الخاصة بتفسير الطقوس هى لغة الأسطرة language of myth. أما فيما يختص بمعنى الطقوس وطبيعتها فلقد سادت ثلاثة تناولات:
يعتمد التناول الأول منها origin approachالأصل معياراً، وذلك عن طريق نظرية تختص بالأصل التاريخى للطقوس، كما هو الحال بالنسبة للأديان. المقدمة المنطقية أو القانون لهذا التناول هو أن تنامى الفرد (تطور كائن مفرد) يعيد باختصار التنامى التطوري (نمو مجموعة كائنات ذات علاقة) تماماً كما يعيد الجنين البشري باختصار مرحلة واحدة من تاريخ تطور الإنسان فى الرحم، أي، الـ gill stage يتوقف النجاح فى تفسير المدى العالمي الظاهر للطقوس على إمكانية تحديد أقدم الثقافات والمعتقدات. رأي العلماء أنه إذا ما أصبح بإمكانيتهم الكشف عن الأصل فإنه سيصبح بمقدورهم تفسير الطقوس المعاصرة لدى الناس. اتجه البحث عن أصل الطقوس بعيداً عن المجتمعات المعقدة التى تعرف الكتابة إلى المجتمعات الأمية الأقل تعقيداً، من ثمَّ نتج عن هذا التناول مصطلحات من نوع الديانات والثقافات البدائية بحثاً عن اجابة عن معنى الطقوس والأساطير والأديان. تم افراز ثقافات وطقوس مختلفة، وأصبحت مسألة الأضحيات، سواء البشرية أو الحيوانية، مثار جدل بين الباحثين من دعاة النظرية التطورية. هكذا طالعنا روبرتسون سميث Robertson Smith في بحثه المنشور في "الطبعة التاسعة للموسوعة البريطانية" Encyclopædia Britanica 1973-1974 برأى مفاده أن الدافعية للأضحية وتقديم القرابين تكمن في رغبة الالتحام بين البشر من الجماعات البدائية وآلهتهم، بالتالي فإن أصل الطقس إنما يوجد في العبادات الطوطمية، ومن ثمَّ أصبحت الطوطمية تعد من قبل العديد من الباحثين المرحلة المبكرة للدين والطقوس.
تأثير آراء سميث يمكن تتبعها في أعمال عالم الأنثروبولوجيا الإنجليزي جيمس فريزر James Frazer، وعالم الاجتماع الفرنسى ايميل دوركايمDurkheim Emile، وفي أعمال سيجموند فرويد Sigmund Freud أب التحليل النفسى. رغم اتفاقهم مع ما قال به سميث فإن مسألة الأضحية والطوطمية ظلت مثار اهتمام أبحاثهم عن أصل الدين. بالنسبة لفريزر فقد قاده بحثه إلى القول بأن السحر كان مرحلة سابقة للدين، لكنه على الرغم من قوله بالانتقال من فترة طغى عليها السحر إلى فترة ساد فيها الموقف الديني، فإنه يرى أننا لا نستطيع أن نجد قاسماً مشتركاً بين السحر والدين (الموسوعة الفلسفية العربية، م1، 1986: 444) ويقول فريزر في هذا الخصوص إن الإنسان "أدرك أن تلك القوى التى كان يظنها أسباباً لم تكن كذلك، وأن كل جهوده المبذولة انطلاقاً من اللجوء إلى تلك الأسباب الوهمية كانت باطلة. ذهب عمله المضني سدى، ومارس نشاطه الخاص في سبيل لا شيء. كان قد شدَّ حبالاً لايتعلق بها شيء. إن كان العالم الكبير يتبع طريقه بدون مساعدته أو مساعدة أعوانه، فإنما ذلك لوجود كائنات أخرى شبيهة به، مع أنها أكثر قوة منه بكثير، تدير بشكل غير منظور سيره وتتمم كل ما كان قبلاً يظنه خاضعاً لسحره" (جيمس فريزر،1971:76).
قادت أعمال كل من سميث، وفريزر، ودوركايم للبحث عن أصل الطقوس والأديان في الطوطمية كما تجلت في أستراليا .. "فالطقوس الطوطمية كانت تشد عرى التضامن الاجتماعي والقبلي، ثمَّ تنقَّت الذهنيات الدينية تدريجياً إلى أن أغدقت على الطوطم شكلاً روحانياً مجرداً" (الموسوعة الفلسفية العربية،م 1،1986: 444). ويرى دوركايم أن العلماء سيجدون في الطوطمية الشكل الأصلي للطقوس حيث إن الدين ليس "نظام أفكار فحسب بشأن الله والإلهي، بل يوجد خلف الاعتقادات قوى من نوع خاص تسود على الفرد وتدعمه .. ترفعه فوق ذاته، وتنقله إلى محيط غير ذاك الذى فيه يجري وجوده الدنيوى .. نطاق المقدس، وتجعله يعيش حياة أعلى وأكثر زخماً". هكذا يصل دوركايم إلى التمييز بين غير المقدس والمقدس. إن المقدس وكل ما يتضمنه من طقوس واحتفالات، يهدف إلى صيانة التضامن الاجتماعي، ويحمل الناس على احترام النظام، وكلها أمور بالغة الأهمية في سبيل استمرار البشر. فالأستراليون يعتقدون بأن السلوك الطقسي يحتوي على موقف يتعلق بالمقدس، وأفعال وأشياء مقدسة، بالتالي ليست سوى تمثلات رمزية للمجتمع.
وقد تأثر سيجموند فرويد بالنظرية الطوطمية، وحاول أن يجد لها دعماً من خلال نتائج دراسات علم النفس التحليلى. يرى فرويد في الدين عارضاً عصابياً يختلف عن الأعراض الفردية لكونه "عصاباً مهووساً عامًا"، ويقوم قمع الغريزة الأنانية بدور تكويني في الدين، كما يقوم قمع الغريزة الجنسية، في المرض العصابي. أما الطوطمية فيمكن عدها محاولة أولى للدين في تاريخ الإنسان بما هى عليه من تكريم للبديل عن الأب؛ وبما للوليمة الطوطمية من أهمية متفاوتة، أضف إلى ذلك الاحتفال بالأعياد التذكارية وفرض المحرمات والنواهي التى قد تؤدي مخالفتها إلى الموت.
التناول الثاني لتفسير السلوك الطقسي يدين بالفضل لأعمال كل من سميث، وفرويد، ودوركايم الذين رفضوا النظرية التطورية أداة لتفسير السلوك الطقسي؛ ذلك أنها لا تتناسب مع شرح هذا السلوك، بالإضافة إلى أنها تحمل أفكاراً جريئة لا يمكن التثبت منها بل يمكن نفيها في الآن نفسه.
بالتحول من فرضية الأصل انتقل الباحثون إلى التأكيد على المعطيات الامبيريقية التى يتم تجميعها من خلال الملاحظة الفعلية، وهو ما أدى إلى تراكم كم هائل من المادة الوصفية للطقوس المختلفة الممارسة في أنحاء العالم. فإذا كان مصطلح الأصل يعد مركزياً بالنسبة للتناول الأول؛ فإن مصطلح الوظيفة يمكن استخدامه مؤشراً على التركيز الأساسي الذي يوليه التناول الثاني، وهو ما يشير إلى أن طبيعة الطقس لا بدَّ أن يتم تعريفها من حيث دورها الوظيفي في المجتمع المعين. ومن ثمَّ يتبلور هدف التناول الوظيفي في محاولة تفسير السلوك الطقسي من منطلق الاحتياجات الفردية والتوازن الاجتماعي. هكذا يتم تقييم الطقس بوصفه استجابة تكيفية وتوافقية للبيئة الاجتماعية والطبيعية. وقد اتبع العديد من الباحثين المرموقين هذا النهج بحسبانه الأكثر فاعلية في تفسير الطقوس. وهكذا تبنى مالينوفسكى*، ورادكليف براون°، وايفانز برتشاردq، وادموند ليش· مدخلاً وظيفياً لدراسة الطقوس وتفسيرها.
أما التناول الدينى فإنه تمحور حول دراسات المؤرخين للدين، وكان معظمهم على اتفاق مع الوظيفيين بأن أصل النظريات التطورية لا فائدة منه كفرضية. كذلك رفضوا الوظيفية تفسيراً ملائماً لشرح الطقوس، متمسكين برأيهم القائل بأن السلوك الطقسي يعني أو يعبر عن عالم المقدس، عالم ترانزدستالي، أي، قمة الواقعية. على كل لم يعط هذا التناول تفسيراً أو شرحاً للطقوس؛ ذلك أن الاشكالية فيه ظلت باقية ولا يمكن تأكيدها؛ إلا إذا اتفق العلماء على أن الواقع الترانزدستالي يمكن أن يكون له وجود.
ويمكن تلخيص مميزات عامة للطقوس، نجدها عند أغلب المجتمعات ومختلف الثقافات، فهى ممارسة لها إطارها الطقسي. عدم التقيد بتلك الأطر سيؤدي إلى عدم فاعلية الاحتفال. كذلك يمكن التعامل مع الطقوس بوصفها وسيلة تعبير غير ناطقة تقوم على أساس رمزي ولغتها هى لغة الأساطير. واستناداً إلى رؤية العلماء الوظيفيين يمكن عدها شكلاً من أشكال الاستجابة التكيفية للبيئتين: الفيزيقية والاجتماعية. أما عن مرجعيتها فإنها تتمثل في منظومة الاعتقاد، كما، لها علاقة بالفنون.
وكان جلين ويلسون قد أشار إلى أن الطقوس هى بمثابة "مسقط" الرأس لكثير من فنون الأداء. فالطقس يتميز بالتكرار النمطي المغلف لنشاط ما استجلاباً لأثر سحري. ولا يتكرر النمط السلوكي فقط نتيجة للعادة ولكن أيضاً لأنه قد اكتسب دلالة باطنية عميقة. وقد تكون جذور هذا النشاط في الماضي عشوائية أو من قبيل المصادفة، أو قد تمَ نسيانها لكنها أصبحت الآن تغلف بمغذى اجتماعي وديني له أهميته. واشار ويلسون إلى عدة وظائف للطقوس أبرز منها (1) تجديد المعالم الخاصة بالمناسبات الاجتماعية (زفاف، وجنازة وما إليه)؛ (2) تقوية اواصر التوحد والانتماء مع جماعة معينة؛ (3) التواصل مع العالم الذى يقع فيما وراء الطبيعة؛ (4) توسيع حدود الوعي من خلال الدخول في حالات تشبه الغيبوبة أو حالات شبه انتشائية. ومن بين مكونات الاحتفالات الطقسية هناك مكونات معينة من ترنيم وغناء، وتشكيل خطوات خاصة، وأقنعة وأزياء والتى شقت طريقها وأسهمت في الأداء المسرحي (انظر: جلين ويلسون، 2000:59-61).
يجمع العلماء على وجود علاقة وثيقة بين الطقوس والأساطير، وأثبتت الدراسات العلمية لحياة الجماعات البدائية أن للأسطورة لديهم وجود واقعي لسببين: قداستها وعظمة هدفها. ويؤكد مالينوفسكي على وجود هذه العلاقة بين الطقوس والأسطورة بقوله "إن الأسطورة إذا درست وهي حية فاعلة فسوف تتضح حقيقة كونها إحياء لواقع فطري يروى استجابة لنزعات دينية عميقة وميول أخلاقية وارتباطات اجتماعية"، وأضاف "إن الأسطورة تبرهن على كفاءة الطقوس، وتمد معرفتها الإنسان بالحفز على النهوض بالأعباء التى تمليها الطقوس والفضائل" (Malinowski,B.,1926:21). هذا في حين يرى فرويد أن الأسطورة تدل على نسق فكري ويمكن ارجاعها بالتالي إلى عناصر محددة وقليلة، وهى بعيدة الغور في الطبيعة الإنسانية وتعتمد على غريزة لا يمكن ردها، ويتوجب على الباحث تحديد طبيعتها وخصائصها (روزنتال وآخرون،1981:23). وتتشابه الطقوس مع الأسطورة من حيث المحتويات، إذ إنها تحتوي على الإيقاع، والإشارة، والرمزية. يمكن أن نخلص للقول بأن هنالك ارتباطاً بين كل من الأساطير والطقوس ... "إذا تعرض المجتمع الذى تتفاعل معه الأسطورة لعناصر ثقافية أخرى تنفرط عقدتها، وتنحدر إلى سطح الكيان الاجتماعي، أو تترسب فى اللا شعور وتظل في كلا الحالين عقيدة أو ضرباً من ضروب السحر، أو ممارسة غير مقبولة أو شعيرة" (عبدالحميد يونس،1972:19). وكانت جين هاريسون Jane Harrison قد ربطت نشأة الفن الدرامي بالشعائر والطقوس مؤكدة على أن الطقوس مسرحة للأسطورة، مشيرة إلى أن الأسطورة ميزة الفعل الاجتماعي (Encyclopedia Americana,1966:162-163).
ويمكن عد الطقوس شعيرة من شعائر الانتقال وفقاً لتسمية ارنولد فان جنب* rites de passage والتى تقام في دورات الحياة (زواج، وختان، ووفاة الخ.) ويمكن عدها طقوس انتقال من حالة المرض إلى الصحة والمعافاة. ووفق قاموس الفولكلور (Maria Leach, 1949:946) فإنه يمكن عدها طقوساً شعائرية راقصة درامية، أي، رقصاً شعبياً فيه تفاعل جماعي بالحركات يؤدى في دورات الحياة. وتحتفل الكثير من القبائل في مختلف أنحاء العالم بدورات الحياة عن طريق الرقص (الزواج، والوفاة، والختان، والانتقال من حالة المرض إلى الصحة). ومن الأهداف العلاجية لهذا الرقص الدرامي طرد الأرواح الشريرة أو علاج نفسي عن طريق رقصات هستيرية مزيفة أو حركات جمبازية.
يمكن تصنيف الطقوس إلى نوعين أساسيين: طقوس تتعلق بتجديد الحياة بالخصب والنماء، وطقوس تطهيرية تهدف إلى تطهير حياة الفرد من الأشباح والذنوب. فالإنسان يسعى لمحو الزمن الحسي ليعيش في الزمن الأسطوري من خلال الاحتفالات، بهذا المعنى يجوز لنا تصنيف الزار ممارسة شعائرية ضمن الطقوس التطهيرية، ذلك أن الزار يتميز بكونه نشاطاً يقوم على الرقص، والإثارة الانفعالية، وتقديم الأضاحي استرضاءً للأسياد وأملاً في عودتهم.
يرجع كراب (إلكسندر كراب،1967:464-465) جذور الممارسات الطقسية بصورة عامة لعلة سيكولوجية؛ فيتحدث عن الشعائر الطقسية الراقصة التى كان البدائي يقيمها لتحقيق النجاح في اصطياد الحيوانات بتقليد حركات الأخيرة، أو لانماء الزرع ووفرته، أو من أجل غايات أسمى: كتوهم البعض بأن الأجرام السماوية في ارتعاش حركتها تحتاج لشيء من التشجيع حتى لا تتباطأ حركتها، أو قد تقام لطرد الأرواح الشريرة درءاً للأمراض. ويستشهد كراب بالعديد من النماذج الاثنوغرافية مثل الفكرة الكامنة في قفز الشباب عالياً وهم يرقصون أثناء بذر الكتان، الفكرة التى مؤداها أن الكتان سيصل طولا يبلغ ارتفاع قفزاتهم، أو مثل اللعنات التى صبها أنبياء بني إسرائيل على الممارسات الطقسية الراقصة؛ لتطهير الديانة من تلك الرقصات التى أدت إلى سقوط عاصمتهم وتدمير الهيكل، ومثل الإكليريوس المسيحي الذى حاول إقصاء الرقص فباءت محاولاته بالفشل.
وإذا سلطنا الأضواء من منظور تاريخي على الممارسات الطقسية الروحانية فإن أركون داروول (أركون داروول،1993) يرى بأن بدايتها يمكن تتبعها في الهند، أو على الأقل في المكان والزمان الذى بدأ فيه الكهنة ممارساتهم التى تأسست على قاعدة الأساطير الهندوسية. أما الطقوس ذات الطبيعة الحركية العنيفة المتميزة بحدة الانفعال فينسبها داروول إلى طقوس تدريب المنتسبين إلى سلك الكهانة في مصر القديمة، التى تشمل ضرب الصنج والتوتر ودرجة محددة من الاجهاد، وتناول نوع معين من الطعام، بالإضافة إلى مواقف مثيرة للرعب. كما كانت هناك عوامل أخرى مثل تجرع شراب منوم وحكم رمزي بالموت ثمَّ الدوران في دائرة*. عموماً يمكن تحديد ثلاث مراحل لتدريب المنتسبين إلى سلك الكهانة: المرحلة الأولى، تمثل التهيئة العقلية، وذلك بزراعة التعاليم الدينية عبر تلاوة التراتيل (مرحلة ايحائية تتسم بالتواصل والتكرار). والمرحلة الثانية، التهيئة البدنية وذلك باضعاف البدن عبر الصيام، وتعريضه للحرارة والبرودة ومختلف تقلبات الطقس والرعب. والمرحلة الثالثة الوصول إلى حالة الاسترخاء عبر الأنغام ورائحة العطور.
ويحدد أركون هدف الطقوس في تحرير الفرد من الروابط الأخلاقية، وتعتمد في ذلك على الاعتقاد والممارسة الجماعية عبر الإرادة الموحدة. ونجد في الممارسة الطقسية للزار نماذج كثيرة لتحقيق التحرر من الروابط الأخلاقية كمثال: خيط "لولية الحبشية" الذى يمثل رمزاً للمجون. وفي مختلف الخيوط نجد وقعاً للممارسة الجماعية سنداً تنتمي إليه الذات المقهورة. وفي حالة إجراء مقارنة هذه الممارسات في الزار مع ممارسات بعض الجماعات السرية؛ فإن المرء يتوقع ظهور نتائج جد مذهلة، مثال ذلك: جماعة المتسوطين·؛ أو جماعة الغنوصية¨ الذين يزعمون بأن داخل كل رجل وامرأة دافعاً غير مشبع، لا يجد منفذاً للتعبير على نحو طبيعى لعدم وجود وسائل اجتماعية يمكن من خلالها تحقيق الإشباع. فالغنوصي يعتقد أن الهياج والإثارة يؤديان إلى تحرر العقل من أغلال الجسد، ومنهم من يعتقد بأن الصوم والتأمل قد يؤديان إلى النتيجة ذاتها (أركون،1993:54). وكذلك الأمر بالنسبة لمختلف أتباع النزعات الإشراقية التى تمثل حشداً من التيارات الفلسفية والدينية والصوفية: مثل المذهب الأفلاطوني وامتداداته في الفلسفة العقلية، وما خلفه من اتجاهات صوفية وروحية. وكان ابن سينا قد وضع نظرية الإشراق، فتحدث عن الرياضة والعبادة: "ثمَّ إذا بلغت به الإرادة والرياضة حد ما عنته خلصات من اطلاع نور الحق لذيذة، كأنها بروق تومض إليه ثمَّ تخمد عنه، ثمَّ إنه تكثر عليه الغواشي إذا أمعن فى الارتياض". كذلك نجد شيخ الإشراق الأعظم السهرودى يتجاوز ابن سينا في الرؤية الروحية الذهولية حيث يدعي بأنها فتحت أمامه أبواب العالم الروحاني الذى تحقق منه بالمشاهدة "ومن لم يصدق هذا فعليه بالرياضيات الروحية، فعساه يفوز بخطفة تريه النور الساطع في عالم الجبروت"(الموسوعة العربية الفلسفية، م.1 ، 1988:125-127).
وهكذا يتضح أن استخدام الرياضة سواء جسمانية أو روحية مصحوبة بممارسات شاع استخدامها منذ القدم حتى يصل الممارس درجة فقدان الوعى، وهو ما سبق أن أكد عليه عالم النفس وليام سارجنت من هيمنة هذه الممارسة، حيث أشار إلى "أن هناك مسارات نهائية كثيرة التباين للضغوط التى تتعرض لها كل الحيوانات، على الرغم من اختلاف الاستجابات المزاجية، هذا، شريطة استمرارية الضغوط والتوترات لفترة طويلة" (William Sargant,1971:77-101). ربما يحدث الشيء نفسه للإنسان، فعنف الممارسة والجهد المبذول ومداومة الرقص لمدى زمني لا بدَّ وأن يحطم أكثر الأمزجة قوة وصلابة. وقد أشارت الملاحظة المباشرة خلال حفلات الزار التى حضرتها الباحثة إلى أن أعراض التعب الخارجية تأخذ في الظهور على الممارسات لتلك الحركات التعبيرية العنيفة، وتمثلت تلك الأعراض الخارجية في تصبب العرق بغزارة، وتلاحق التنفس وسطحيته، والتغير في تعبيرات الوجه الذى بدت عليه علامات التشتت وعدم التركيز (للمزيد انظر آمال النور،1997). وتعتقد الباحثة أن تفسير ذلك مرتبط بعملية التكيف، أو الاخضاع الشرطي التى تقوم على المبادئ الوظيفية في التحولات الدينية وفي العلاج النفسى الجمعي والتي تشمل خلق وتطبيق الخوف والقلق والصراع؛ وصولاً بالشخص إلى درجة الحيرة والارتباك مما يؤدي إلى زيادة قوة الإيحاء وتمزق السلوك القديم. وهو ما نجد له انعكاساً في علم النفس في عملية التطهير المعروفة "بالكاثارسيز" catharsis، أي، غسل العقل الذى اتبعه جماعة الكاثار*.
مجمل القول أن هذه الشعائر الطقسية تمثل بقايا ممارسات وعادات قديمة، انتشرت شرقاً وغرباً ونجد لها ظلالاً في الطقوس الاحتفالية للزار، وتتسم عموماً بانفعالات مشحونة أو استثارة للوجدانيات المفعمة بالقلق والخوف والتوتر، مصحوبة بالايقاع والارهاق البدني مما يؤدي إلى تشويش العقل، إنهم ممارسون خذلتهم معرفتهم وادراكهم وعجزهم، ويقعون في حبائل الايحاء والتنويم ويدخلون في غيبوبة مصطنعة، ويضحون أداة طيعة قابلة للبرمجة إذا جاز لنا استخدام لغة العصر.
2 – 1 – 2 الزار وطبيعته
الزار هو نوع من أنواع الحالات غير الطبيعية التى تعتري الفرد من بني الإنسان، والتى تستوجب المعالجة وفق طقوس معينة. وتهدف المعالجة بالزار إلى تخليص الفرد المصاب بحالة جسمانية أو نفسية غير طبيعية. تتمحور الفكرة القابعة في جوهر العلاج بالزار حول الاعتقاد بأن الفضاء الكونى ملئ بالأرواح، وتكمن النقطة المركزية في مفهوم الأرواح، وفق طقوس الزار؛ فتعد تلك الأرواح بمثابة قوة خفية، يتوجب على البشر مهابتها واحترامها وتبجيلها، ولايجوز بحال من الأحوال الربط بين أرواح الزار والشياطين. وتنتج إصابة الفرد بحالة غير طبيعية بفعل حلول* روح من تلك الأرواح في بدنه، بحيث يصبح الفرد غير مسئول عن كل ما يصدر عنه من أفعال وحركات. وبما أن الأرواح تمثل قوة خارقة غير طبيعية فإنه لا بدَّ من التعامل معها برهبة واحترام وتقديس، ومن ثمَّ يهدف العلاج بالزار إلى استرضاء الروح التى حلت في بدن الفرد، بحيث تهدأ بفعل الاستجابة إلى مطالبها مما يجعل "الملبوس"، طبقاً لمفاهيم الزار، يعود إلى حالته الطبيعية.
يسود لدى البعض في السودان اعتقاد بإمكانية تلبس الجن والشياطين المذكورين في القرآن الكريم جسم الإنسان، لكنهم يعتقدون في الآن نفسه بإمكانية تلبس الإنسان بأرواح أخرى مثل "روح القرينة" أو "روح القرين" وهى أرواح تتلبس، وفق الاعتقاد السائد، غير المتزوجين، وتمنعهم من الزواج، ويمكن أن تسبب لهم الأذى في حالة إذا ما تزوجوا. كذلك هناك اعتقاد في روح "أم الصبيان" التى تمثل روح امرأة تكره الأطفال وتؤذيهم، كما تتسبب في حالات اجهاض للجنين وأمراض أخرى. أيضاً هناك اعتقاد في أرواح أخرى هى "أرواح الزار" (الدستور أو الريح الأحمر). هذا وكان عباس أحمد قد قسم الأرواح إلى قسمين: ريح أحمر وريح أسود، وهو ما يمثل في اعتقاده تقسيماً رئيساً لعالم الأرواح الأرضية. ويقصد "بالريح الأسود" مجموعة أرواح الجن والشياطين التى يعتقد (في المعتقد الشعبى) بأنها إذا مست شخصاً أصابته بحالة من الجنون لايعالج منها إلا بالنجاح في اخراج تلك الأرواح من جسد المريض. أما "الريح الأحمر" فيقصد به مجموعة الأرواح الأخرى خلافاً للجن والشياطين، التى حين تمس إنساناً ما تسبب له الاختلال أو القلق النفسي الذي لا يرقى إلى درجة فقدان العقل (عباس أحمد،1996:114).
وتطلق تسمية زار أو دستور أو الريح الأحمر في المعتقد الشعبي السوداني على نوع المرض الذى يستوجب المعالجة عبر طقوس الزار. ويتمركز الاعتقاد في الزار في وجود قوة خفية (أرواح) قادرة على أن تمارس الحلول في الفرد رجلاً كان أم امرأة مطالبة إياه بالاستجابة إلى مطالب محددة ارضاءً لها، وبمجرد اكتمال عملية الحلول تلك تتغير الحالة الطبيعية للفرد وتتبدل طريقة حديثه وتنحرف تصرفاته. وهكذا يعتقد بأن الفرد أصبح مسلوب الارادة، وأن شخصية الروح تلبسته بحيث يصبح المصاب متصفاً بالقلق والاضطراب والخوف والتردد. ولدى ظهور أعراض مثل هذه الحالة غير الطبيعية فإنه لا مناص، وفق المعتقد الشعبي، من معالجة الفرد من خلال اقامة حفل للزار.
يتجلى في السودان وجود شكلين مختلفين لطقوس التلبس بالأرواح، يتم التعبير عنهما من خلال مصطلحي "زار بوريا" و "زار طمبورة". والممارسون لزار بوريا من النساء، وهو الشكل الأكثر شيوعاً في العاصمة القومية. أما زار طمبورة فإنه خاص بطبقات خاصة من الرقيق المعتوق وأحفادهم، ويتميز بكثافة عدد الرجال بين الممارسين. ويمكن إبراز الاختلافات بين الشكلين في النقاط الآتية:
1- اختلاف الأدوات الموسيقية الرئيسة المستخدمة في الطقوس، الربابة بالنسبة لزار طمبورة، والدلوكة بالنسبة لزار بوريا؛
2- يكون الممارسون الأساسيون في زار طمبورة من الرجال، وذلك لصعوبة ممارسة طقوسه بالنسبة للنساء؛
3- على الشخص المتلبّس زار طمبورة أن يمارس الرقص وهو يرتدي حزاماً من عظام الأغنام والودع والخرز، وعليه أن يهزه ويخشخشه أثناء الرقص؛
4- لغة زار بوريا هى العربية، في حين تكون لغة زار طمبورة غير عربية؛ 5- زار طمبورة أكثر سخونة في ايقاعاته، والمرض الذى يجلبه أكثر قساوة من زار بوريا.
2 – 1 - 3 الممارسة الاحتفالية الراقصة وانفعالاتها بوصفها سلوكاً تعبيرياً رمزياً
* السلوك الطقسي
تنطلق دراسة السلوك الطقسي في الممارسة الاحتفالية للزار من مفهوم تكاملي للسلوك، أي، سلوكاً كلياً، يختل فيه الماضي، والخبرات المكتسبة عبر التنشئة الاجتماعية واحتكاكات الكائن السابقة واللاحقة مع المحيط وتدامجه مع هذا الوسط الذى يعيش فيه بكليته، وحيث يتخذ اتجاهاً خاصاً في الاستجابة للوسط الاجتماعي والثقافي، أي، للوضع بكامله مكانة هامة. بالتالي يصبح السلوك بهذا المعنى نتاجاً للتفاعلات المتبادلة بين الكائن والمحيط، وتصبح الاستجابات بمثابة استجابات كلية متفاعلة يجابه بها الواقع. إنه وفقاً لتعريف دانيل لاغاش Lagache فإن "السلوك هو مجموع العمليات الفسيولوجية والحركية والعقلية التى يستجيب من خلالها الكائن على مثيرات البيئة التى يوجد فيها؛ بهدف تحقيق إمكانية التوتر وتفريغه والذى يكون من جهة مصدراً في انهيار التوازن في نظامه، ومن ناحية أخرى دافعاً لتحريكه واستجابته (الموسوعة الفلسفية العربية، م.1، 1986: 488).
وفي
تعريف أيزنك Eysenk
فإن "السلوك
يمكن تحليله
إلى ثلاثة
مكونات رئيسة،
فمن جانب
لدينا
المنبهات
التى يتعرض لها
الكائن والتى
تدفعه
للاستجابة.
وقد تأتي هذه
المنبهات من
الخارج*
وقد تأتي من
داخل الجسم
نفسه، أي، قد
تأتى من ألياف
العضلات
الموجودة في
أطرافنا حتى
نعي عن طريقها
تموضع هذه
الأطراف.
ولدينا من
الناحية
الأخرى
الاستجابات
التى يعطيها
الكائن وهذه
قد تكون
عقلية، أي،
حركات الجسم
الناجمة عن
انقباض
العضلات
وارتخائها أو
غدية، ويمكن
أن تصدر عن
الجهاز
العصبي
المستغل (السمبتاوي
أو
الباراسمبتاوي)
أو ما يسمى
بالنشاط العقلي
الذى يمكن أن
يحسب
كاستجابة؛
رغم أننا في
هذه الحالة
ندخل في مصاعب
عندما نحاول
تسجيل
الاستجابة
بأية وسيلة
موضوعية. وبين
المنبه والاستجابة
لدينا الكائن
الحي." ومن
ثمَّ فإن الشخصية
السلوكية
وفقاً
لايزنك يمكن
صياغتها في
شكل المعادلة
التالية
"الشخصية
السلوكية=
الشخصية
التكوينية × البيئة"
(ايزنك،1969:20).
فالممارسة الطقسية تقوم دعاماتها على البنية الأساسية لشخصية المريضة التى هي نتاج لثقافتها. فللثقافة ماضٍ ولها مستقبل من المنظور السوسيوسيكولوجي، أي، أن لها شقاً موروثاً وشقاً مكتسباً يكتسبه الفرد من الأنماط الثقافية والمؤسسات؛ طالما أنه وخلال مراحل النمو تتراكم بنيات فوقية معقدة هى حصيلة التفاعلات، وتتحكم في بنية الشخصية السلوكية.
ووفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي فإن السلوك يتحدد بأهدافه، فالسلوك يتصف بالاتجاهية، حيث يستجيب الفرد للسلوك الذى تعلمه والذى يرى فيه طرقاً للإشباع في مواقف معينة، ويرتبط كل فرد ببعض موضوعات الأهداف وفقاً لنظرية التعلم الاجتماعي والظروف الداخلية المعينة. ويرى القائلون بهذه النظرية وفي مقدمتهم جوليان روتر (جوليان روتر وآخرون،1989:108) أن السلوك المنحرف يحضع لمبادئ التعلم الاجتماعي.
وقد اتضح للباحثة من خلال دراسة ميدانية سابقة أجرتها في ولاية الخرطوم (آمال النور،1997:20) أن المريضات الممارسات لطقوس الزار يستندن على أهدافهن لتحقيق إشباع، أو لخفض التوتر الذى يتملكهن من خلال الممارسة الحركية ذات الطابع التفريغي وعبر الانفعال استرضاءً للأسياد (طلب العفو والرضاء) وصولاً لنيل الصفح والأمان. وقد توصلت الباحثة في دراستها المشار إليها أن هذا النوع من الذهنية تمتد جذوره إلى حقبات من التاريخ الماضى، وينتشر لا في السودان فحسب وإنما في العديد من الدول العربية والأفريقية المجاورة. وكان مكسيم رودنسون قد أشار إلى أن مركب الزار نال انتشاراً واسعاً في منطقة تمتد من شمال أفريقيا إلى شمال شرق أفريقيا وساحلها الشرقى والشرق الأوسط (انظر: Constantinides,P.M. 1991: 1). كما أن الباحثة في دراستها السابقة لظاهرة الزار ودلالة اللفظ وتطوره لاحظت التأثير المتبادل المستمر للأفكار والسمات الثقافية والدينية (المسيحية والإسلامية والمعتقدات الأفريقية التقليدية). وترتبط الذهنية المميزة للشخصية السلوكية للمريضات الممارسات لطقوس الزار ببقايا فكر أنيمي، ينطلق من القناعة بوجود حالات غير طبيعية تعتري الفرد، ويستوجب علاجها اتباع اجراءات تتخذ من الاعتقاد في وجود قوة خفية (الأرواح) - يمكنها أن تتلبس الإنسان، ولا يتم علاجها إلا من خلال التعامل مع تلك القوة الخفية بوصفها ذواتاً لا بدَّ من استرضائها - شرطاً مسبقاً للعلاج وعودة الملبوس إلى حالته الطبيعية. وكانت الباحثة قد لاحظت، من خلال دراستها الميدانية المشار إليها، مدى تجذر هذه القناعات الأنيمية الجذور في ذهنية المريضات الممارسات للزار. وهو ما يذكرنا بقول جيمس فريزر "لا يستطيع البدائي التفرقة بين الطبيعي وفوق الطبيعي، فكل شيء في عالمه يشخص" (American Encyclopedia, vol.26.1966: 160- 162). ويقول ليفي بريل "الناس الذين نسميهم بالبدائيين خطأ، والذين هم بعيدين عنا وجدوا قريبين منا في آن معاً" (ليفي بريل، د.ت.: 5) ويذهب مالينوفسكي إلى أن "البدائي يعيش في عالم من الصوفية والشعائر" (مالينوفسكي،1995:22).
ينعكس التجسيد الفعلي للذهنية الأنيمية في السحر·، ومن ثمَّ فالزار ظاهرة ترتبط بهذا المعنى بالسحر بمفهوم ابن خلدون*. والممارسة الطقسية متوارثة عبر التنشئة الاجتماعية. وكانت الدراسة الميدانية التى أجرتها الباحثة المشار إليها قد أكدت على أن 70% من أفراد عينة الدراسة قد أكّدن أن ممارسة الزار لا تتعارض مع معتقدهن الديني، كما أكد 68.3% أنهن ينتمين إلى أسر لها تقاليد راسخة في العلاج بالزار.
لقد اكتسبت ظاهرة الزار في العاصمة القومية صفة العادة الشعبية، وانتقلت من جيل إلى جيل عبر التنشئة الاجتماعية في مجتمع تقليدي دونما تضامن آلي، ويسيطر عليها عقل جمعي وفق دوركايم·. وإذا ما نظرنا إلى الزار من واقع التعريف الذى يقدمه كرش Krech وكرتشييلدCrutchield للخرافة بوصفها تتسم بالبعد عن الواقع الموضوعي وتجد شيوعاً وسط العديد من أفراد المجتمع مع افتقارها للعلية المنطقية (Krech and Crutchield,1946: 90) فإننا لن نبالغ في حالة ربطنا له بالخرافة.
يوجد ترابط وظيفي بين ظاهرة الزار والتراث الثقافي، فالزار بوصفه أحد عناصر المعتقد الشعبي يتأثر، من خلال العناصر الثقافية والاجتماعية التى يتعايش معها، ويتدعم وتعمل هذه العناصر على استمراريته والابقاء عليه. إن تشبع الوسط الاجتماعي بالمعتقدات السحرية، وتواتر الحكايات والأفكار المتعلقة بها، وما يستند إليها من ممارسات فكرية، فضلاً عما يذكر عن الجن في النصوص الدينية*، يؤدي إلى أن يكون الفرد حاملاً لذلك التراث غير قادر على الفكاك منه. اضافة فإن ظاهرة الزار، إذا ما اتفقنا مع الرأي القائل بكونها وافدة إلى السودان من إثيوبيا أو غرب أفريقيا، ستكون حاملة لبصمات تراثية لمجتمعات الأصل التى وفدت منها. قد يتضح ذلك في شكل الممارسة وفي شخوصها وفي التنوع العرقي المعبر عنه. ويرى طه بعشر بأن "القبائل الكوشية بعد اعتناقها المسيحية والإسلام توقفت عن الاعتقاد في الزار كإله للسماء وأخضعت ظاهرة الزار لتحولات وفقاً للمعتقدين الجديدين" (Baasher,1988). كما وأن تريمنجهام كان قد أشار في دراسته عن الإسلام في السودان إلى أنه "كما واستوعبت الديانة المسيحية في نظامها العديد من الديانات الوثنية والاحتفالات الموسيقية، كذلك امتص الإسلام كل المعتقدات والعادات الخاصة بأتباعه الجدد والتى استحال استئصالها" (تريمنجهام،2001:161). إذن، فقد تم الالتحام في الأداء الشعائري بين القديم الأصلي والجديد الوافد بعد شحن الأول بالأساطير والحكايات والصيغ والعبارات الإسلامية. كانت تلك بمثابة عملية توفيقية بين الموروث القديم والجديد الإسلامي، رخصة اجازة دينية وتقبلاً للممارسة. وكان التيجاني الماحي قد المح إلى أن هناك اعتقاد بأن الزار هو نوع من الجن يمتلكه الملك سليمان الذى نجح في تطويعه فقط عن طريق الغناء والرقص (التيجاني الماحي،1949:11). ويشير كنيدي الذى درس ظاهرة الزار في جنوب مصر إلى وجود بقايا فرعونية وقبطية إلى جانب ممارسات إسلامية شعبية في طقوس الزار Kennedy,1967:186.
استمرت ممارسة الزار رغم محاربة البعض من رجالات الدين الذين اتكأوا على قوله تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" (سورة الاسراء:82). كما واتخذوا من وصف الرازي للسحر بأنه "مختص بكل أمر يخفى سببه،ويتخيل على غير حقيقته، ويجري في مجرى التمويه والخيال"* تبريراً للقول ببطلان الزار. أما في التأملات الخلدونية العميقة في مكنون السحر الذى يدعي ابن خلدون أنه شاهده بأم عينه "من يشير إلى كساء أو جلد ويتكلم عليه في سره فإذا هو مقطوع متحزق ويشير إلى بطون الغنم كذلك في مراعيها فإذا أحشاؤها ساقطة من بطونها"(انظر: مصطفى غالب،1985:14).
إذا أقمنا تناظراً بين شعائر الزار بوصفه طقساً علاجياً من جانب وتاريخ تطور المعالجة النفسية من جانب آخر فإن الكثير من التقنيات العلاجية القديمة تجد استخداماً لها في طقوس الزار. فالمعالجات القديمة اعتمدت السحر قاعدة لها، ولجأت إلى مفاهيم التطهر والتوبة من الآثام والاغتسال. هكذا يقول أنبياء اليهود وحكماؤهم بأن يهوة قد أعطاهم القدرة على شفاء الأمراض ويمارسون المعالجات عبرالتطهر من النوب والآثام. كذلك يحدثنا الانجيل عن مداواة السيد المسيح للمرضى وأنه أبرأ الأكمة والبرص. وتؤكد الفلسفة الإسلامية على أن النفوس القوية الشريفة تقترب من العالم الروحاني، فالمعالجة تنبع من النفس العارفة الواثقة، أي، من قدرة المعالج. ويعترف الاشراقيون بتأثير النفوس المستعلية في العناصر الكونية بعد الرياضة والاستعداد. في هذا الصدد يقول ابن سينا في كتاب الشفاء "وكثيراً ما تؤثر النفس في بدن آخر كما يؤثر في بدن نفسه تأثير العين العانية والوهم العامل، بل النفس إذا كانت قوية شريفة شبيهة بالمبادئ العليا أطاعها العنصر الذى في العالم وانفصل عنها ووجد في العنصر ما يتصور فيها" (مصطفى غالب،1985:39). يمكن الاستنتاج من أفكار ابن سينا هذه أن الوهم والايمان لهما تأثير في "بدن النفس" إلى جانب تأثير النفس التقية الشريفة العارفة في الأبدان الأخرى، انه الايحاء و الوهم بعينه. ويقول الغزالي في هذا السياق "وقد يتعدى أثر بعض النفوس إلى بدن آخر قد تفسد الروح بالتوهم وتقتل الإنسان بالوهم" (مصطفى غالب،1985:4).
ويشير طه بعشر (Baasher,1975:566) إلى أنه وفي بدايات القرن الرابع عشر بدأ زحف الممارسات السحرية والخرافية إلى الخدمات الطبية، كما تم التلاقح بين الثقافة الإسلامية والثقافات الآسيوية والأفريقية. من هذا الارث العلاجي اشتقت الكثير من العناصر العلاجية في طقوس الزار من تطهير، واغتسال، ومسامحة، ورضاء الأسياد، وسلطان الشيخة المعالجة وقوته تأثيرها، وقوة الإرادة، والقدرة على الاستهواء، والتذود بالبركة عبر وسائط سواء رموز أو كلمات أو لبس أو ممارسة راقصة طلباً لرضاء الأسياد.
لقد شهدت ممارسة طقوس الزار في السودان تأرجحاً بين المنع والسماح بها. كان المنع دوماً مصاحباً للدولة الدينية فقد حظرت الممارسة في المهدية، لكنها عاودت الظهور بعد زوال الدولة المهدية، أيضاً جاء الحظر مجدداً مع عهد الانقاذ لكنه هذه المرة حظر رهين بوجوب استخراج تصريح من اللجان الشعبية التى تشترط الالتزام ببعض القيود في الممارسة من منع لشرب الدم والخمر وما إلى ذلك. وقد لاحظت الباحثة التوجه إلى كتابة آيات قرآنية على الجدران الداخلية لمكان اقامة الحفل، كما وصارت الممارسة تتوقف في أوقات الصلاة. لكن مع كل ذلك تظل ممارسة الزار باقية مظهرة قدرة على التكيف مع التغيرات الاجتماعية بل ويشير عدد من الأطباء النفسيين إلى جدواها مع أن طه بعشر يصفها بأنها فن في طريقه إلى الزوال (Baasher,1988)، لكن سوزان كينيون تشير إلى أن ممارسة الزار ظاهرة خاضعة للتحديث (Kenyon Susan,1995)، فى حين يرى حريز بأن الزار تحول إلى نوع من المنتدى (Hurriez,1988). اللافت للانتباه أنها لم تعد ظاهرة للفقيرات من النساء ولغير المتعلمات بل أصابت عدواها أعداداً كبيرة من المتعلمات اللوائي يعانين من الاحساس بمحدودية دورهن في الحياة الاجتماعية (Saunders,1977 ; Zubaydah,1991).
الجدير بالذكر أن الدراسة الميدانية المشار إليها؛ قد أظهرت أن نسبة عالية من المتعلمات بلغت 40% من أفراد العينة، وكلهن مسلمات ويتفهمن موقف الإسلام من مثل هذه الطقوس، لكن يبدو أن الذهنية الخرافية ظلت تهيمن على تفكيرهن، بحيث يستسلمن بسهولة لفكرة الزار بمجرد حدوث الأزمات. ويمكن تفسير ذلك من خلال قول ليفي بريل بأن "العادة الفعلية لا تختفي دفعة واحدة أمام عادة أخرى تحاول أن تحل محلها، بل تبقى العادتان معاً زمناً طويلاً دون أن يشعر الفرد بتضاربهما، وقد يحدث ألا تصل العادة الجديدة إلى محو العادة القديمة محواً تاماً" (ليفي بريل، د.ت.:148).
وكان تايلور قد عزى بقاء السحر إلى أربعة أسباب أوردها ريموند فيرث:
أولاً: أن قسماً من الحقائق المرجوة من السحر إما بسبب آخر غير السحر أو بسبب ما يفعله الساحر أو بفعل الأدوية المستخدمة؛
ثانياً: استعمال الخديعة؛
ثالثاً: الحالات التى ينجح فيها السحر يحسب لها حساب أكثر من الحالات التى يفشل فيها؛
رابعاً: الاعتقاد بوجود أشياء تتعلق بمفعول السحر الذى يخلق لنفسه دفاعات ضد الهجمات التى توجه إليه.
ويرى ريموند فيرث أن السبب في توزيع السحر والأشكال الأخرى في مختلف المجتمعات هو عدم استطاعة علم الإنسان أو علم النفس تفسير ذلك بصورة واضحة حتى الآن (ريموند فيرث، 1989:120-121).
أما عن علماء النفس فقد أشار وليام جيمس لدى وصفه لمنطقة اللا وعي أو محتوياتها التى تؤثر في السلوك، إلى أنه "يتضح لنا أنها المنطقة الأكبر لدينا، أنها مقر الخفايا وهى التى تحتوي أي شيء عابر غير مسجل أو غير ملاحظ، فهى تحتوي، على سبيل المثال، على الذكريات المنسية، وايعازاتنا، وخيالاتنا، ومتاعبنا، وحدسنا، ورغباتنا، وما نحب وما نكره... وخرافاتنا وقناعاتنا واعتقاداتنا، وكل ما هو غير عقلانى نجده فيها" (Gustav Jahoda,1969: 53).
أما السحر في نظرية فرويد فهو بمثابة مرض نفسي، يصيب بعض الأشخاص في يعض المجتمعات، ويرى فيه فرويد نوعاً من الارتداد إلى الفكر البدائي أو إلى مرحلة طفولية، فيكون بهذا الشكل عرضاً نكوصياً. هذا في حين أن يونج بنظرته للنفس الإنسانية وحدة متكاملة من الشعور (الوعي) واللا شعور (اللا وعي) يرجع السحر إلى اللا شعور الذى يحتوي على أنواع من الكبت النفسي، بجانب القدرة والقوة الدافعة للإنسان للتكيف مع حياته بوجه عام، وهى القوة التى تفجر قوة التخيل وتنظمها على نحو ما يظهر من أشكال في التعبير الشعبي. ونجد ذلك جلياً في قول يونج بأن اللا شعور "يتكون من عنصرين: الطبقة السطحية التى أسميها اللا شعور الفردي personal conscious وهى طبقة تستند على طبقة أخرى أكثر عمقاً، لا تنتمي إلى التجربة الشخصية، ولا يكتسبها الشخص بل هى فطرية موروثة، وهذه الأخيرة سميتها اللا شعور الجمعي collective unconscious. تم اختياري لكلمة "جمعي" لأن هذا الجزء من اللا شعور ليس فردياً بل عالمي، ويعكس القوى النفسية الشخصية وبالتالي فإن محتويات الأخيرة وأنماط سلوكها موجودة عند جميع الأفراد" (Jung,C.G.,1969: 43). ويستمر يونج متناولاً محتويات اللاوعي بشقيه الجمعي والفردي فيقول بأن "أغلب مكونات اللا شعور الشخصي هى العقد التى كانت في الوعى والتى تم كبتها ونسيانها، لكن محتويات اللا وعي الجمعي ما كانت أبداً في الوعي وبالتالي فإن الفرد لم يكتسبها وإنما يرجع وجودها كلياً إلى الوراثة. ومكونات اللا وعي الجمعي فهى الأنماط العتيقة archetype التى تحتوي على المعرفة التقليدية (المكتسبة عن طريق الخبرة) البدائية، القبلية التى لها صلة بالأنماط البدائية التى ما عادت جزءاً من محتويات اللا شعور؛ بل تحولت إلى معادلة شعورية تم توريثها بصورة عمومية وفقاً للتقاليد وفي شكل دروس خاصة معدة لفئة بعينها esoteric teaching وهذه الأخيرة هى وسيلة مثالية للتعبير عن انتقال المحتويات الجماعية المأخوذة أصلاً من اللا شعور" (5Jung,C.G.,1969:).
أما فيما يتعلق بالأرواح والأشباح فإن مصدرها في نظر يونج يكمن في اللا وعي الجمعي "إنها مركبات اللا وعي الجمعي التى تظهر حينما يفقد الفرد اتصاله بالواقع وهي بالتالي إما فنتازيا مرّضية أو أفكار مبهمة" (Jung,C.G., 1956: 515).
ويشير جوستاف جاهودا في كتابه عن سيكولوجية الخرافة إلى أنه بالرغم من الاختلافات بين آراء كل من فرويد ويونج بشأن الخرافة فإننا نجد أن هناك ما يجمعهما، إذ يرى كلاهما أن المعتقدات والممارسات الخرافية مغروسة في لا وعي العمليات العقلية unconscious mental processes وأن الخرافة ليست شيئاً من الماضي لا وجود لها سوى عند الأقل تعليماً من الناس. الواقع أن الخرافة تعد جزءاً ورزمةً من التركيبة العقلية لكل فرد وتجنح للظهور على السطح في حالات خاصة. ويرى جاهودا أن هذه النظريات تمت صياغتها من واقع تاريخ الحالات العلاجية لمرضاهما. فوق كل ذلك أكدَّ كل من فرويد ويونج على عنصر الانفعال في الخرافة وهو ما يساعد في تفهمنا لحقيقة أننا عندما نواجه الشخص الخرافى بمعلومات منافية أو مناقضة دائماً ما يظهر القليل من التغير (69 :Gustav Jahoda,1969).
الحقيقة أن الخرافة والاعتقاد يتم ترسخهما في البنية العقلية للمريضات الممارسات للزار، وهو ما أثبتته الدراسة الميدانية المشار إليها، والتى أجرتها الباحثة في وقت سابق. من الناحية النظرية فإن تفسير ذلك يكمن طبقاً لـ جاهودا في أنه "إذا كانت الخرافة نتيجة خطأ في الادراك أو الذاكرة أو الحكم فإن اصلاحه يكون ممكناً؛ ولكن الناس لا يهجرون مثل هذه الأخطاء بسهولة بفعل مناقشة عقلانية. إذا كانت الخرافة قد صممت بفعل ضغوط اجتماعية فإننا نتوقع زوالها بانتهاء الضغوط المسببة لها، ولكن هناك أفراد يتمسكون بقوة بخرافاتهم، ويبدو وكأن لها جذور في بنية شخصياتهم" (Gustav Jahoda,1969).
ففي مجتمعنا السوداني المتنوع والمتعدد الأعراق والثقافات تخضع الشخصية لبيئة يشكلها هذا الواقع الذي يعج بتيارات ثقافية أفريقية وعربية متمازجة. وقد ينطبق على السودان ما قاله الباحث النيجيرى نكيتيا.. "وضعنا الثقافي معقد ويتميز أساساً بالثنائية، القديم والجديد، أفريقين وغير أفريقيين، فالثنائية تجري خلال تنظيم مجتمعنا. هناك الأميون وغير الأميون، المتعلمون وغير المتعلمون، الريفيون والحضريون، جماعات صناعية وما قبل صناعية، هذه خلاصة البنية الثقافية الاجتماعية، نرى انعكاساتها في عالمنا مع صراعاتنا وتوترنا" (Nketia,J.H.K.,1964). المتأمل لتضاريس الخارطة الثقافية السودانية يلاحظ التنوع والتعدد الاثني والثقافي، ويلاحظ التمازج بين المحلي والوافد منذ الحضارات السابقة لوصول المسيحية والإسلام*، ويلاحظ استحواذ الثقافة العربية الإسلامية بنصيب الأسد وتوسع الهجرات في كل الاتجاهات. وإذا أمعنا النظر "في خيوط الزار" نجد خيط الدراويش والأولياء الصالحين، ونلاحظ تأثر الزار بالطرق الصوفية· أو العكس. ويرى المستشرق لويس غاردية أن التصوف حتى القرن الحادي عشر الميلادي لم يتميز بالطابع الاحتفالي الراقص، المصحوب بالايقاع والطبول والدفوف. ولقد كانت المولولية (الدراويش ورقصهم في حلقات الذكر)، التى أسسها مولانا جلال الدين الرومي، إحدى الطرق الأكتر شهرة (لويس غاردية،1992:261-262). وهنا تسعفنا الذاكرة بقول الرومي: "من يدري قدرات الرقص يفنى في الذات، لأنه يدرك كيف يؤدي الرقص إلى الفناء". اختلطت الصوفية بممارسات أخرى كما يقول لويس غارديه.. "بدأت الطرق الصوفية بالبحث عن أحوال روحية بأي ثمَّن، فأصيبت بعدوى الأرواحيةanimism الأفريقية أو تصاب بعدوى الشامانية¨، ويوغا الجسد، والتنترية الهندوسية·. وفي بعض الأحيان تعد وسيلة صالحة لبلوغ نشوة الغيبوبة" (لويس غارديه،1992:261-262). ولعلّ هذا ماحدث للصوفية الوافدة للسودان، وامتزاجها بالمحلي لتكون مركباً جديداً من الممارسة التي امتزجت بالممارسات ذات الأصل الأفريقي (الايقاع بالدفوف والنوّبة والطار). نجد حضوراً لتلك الايقاعات في طقوس الزار خاصة في خيوط الأولياء والأشراف.
وقد ذكر الجوهري (محمد الجوهرى، 1980 "مادة زار") أن احتفال الزار في مصر يسمى أحياناً ذكراً أو حضرة*، تأكيداً على أن هذا الاحتفال لا تمارس فيه عادات أو رقصات تتعارض مع الدين الإسلامي. أما في السودان فيؤكد الباحث شمس الدين السنوسي "أن الطبقات الوافدة من العرب للسودان لم تك من الطبقات الثرية، لذا احتك المتصوفة بعامة الناس وعرفوا عاداتهم وتقاليدهم، ودخلوا إلى القلوب بالتسامح وتزاوجوا معهم؛ مما أدى إلى التزاوج الطبيعي بين الشريعة والأعراف التي انحدرت من المعتقدات التقليدية والمسيحية .. ولم يكتفوا بالصلاة بل استحدثوا إضافات للعبادة مثل الايقاع والحركات التعبيرية، وهم نفر تنقصهم الثقافة الدينية العميقة لذا وجدوا التجاوب" (شمش الدين السنوسي 1998:31-45).
جانب آخر نلاحظ فيه التشابه بين الممارسة الطقسية للزار والممارسة الصوفية، وهي التركيز على الارادة وتأجج العواطف. يذكر أبو العلاء العفيفي (1948:3-8) أن الصوفية اعتبرت الإرادة لا العقل جوهر الإلهية، فالإرادة هي نقطة البداية والنهاية، وبها يتم التقرب إلى الله، فالصوفي يقول" أنا أريد إذن أنا موجود"، فالصوفية هي مظهر من مظاهر الإرادة والوجدان، وليست من أعمال العقل الواعي، فاتحاد الإرادة الإنسانية مع العاطفة يؤدي إلى تجاوز عالم الحس والعقل، فالعاطفة تقوم بدور له خطورته في التجربة الصوفية، وإليها ترجع مظاهر الاستغراق والشمول والفناء، ويصفها أبو العلاء بكونها "قوة إذا أشرق فيها نور الايمان وصفت من غشاوتها، انعكس عليها العلم الإلهي وانكشف ما فيها". والتركيز على الارادة والعاطفة في طقوس الزار تجسده تأثيرات الشيخة على شل إرادة المريضة، وجعلها كالعجينة القابلة للتشكيل، وذلك باستعانتها بكل الأجواء الطقسية وما تحويه من تأجيج لعواطف المريضة بكل الوسائل المتاحة: من ايحاء وايقاع وبخور وغناء حتى تصل بها إلى حالات فقدان الوعي. ومما يؤكد على علاقة الممارسة الطقسية للزار بالصوفية؛ أننا نجد في المناطق من السودان التى لا يسود فيها المعتقد الإسلامي ممارسات يطغى عليها الطابع الأرواحي، مثل الكجور· التي تقام فيه الاحتفالات الطقسية ذات الطبيعة الراقصة؛ إما لوضع البذور والحصاد أو لدرء الأمراض. نوجز القول بأن التمازج الثقافي يبدو جلياً للعيان في تنوع المادة المستخدمة والحلي، ويبدو التنوع الاثني في خيوط العرب، والتكارير، والنوبة، والزرق، والحبش، ويتجلى التنوع الديني في خيوط النصارى والدراويش.
معلوم أن الشخصية هى (عموماً) جملة الصفات العقلية والجسمية والانفعالية والاجتماعية؛ التى تميز الشخص عن غيره وفقاً للتعريف الشائع للشخصية، بوصفها التنظيم الدينامي الذى يكمن داخل الفرد والذى ينظم كل الأجهزة الجسمية التى تملي على الفرد طابعه الخاص في التكيف مع السلوك والتفكير. قياساً بهذا التعريف من الممكن الاقرار بما يعرف بالشخصية القومية، التى تنطبع بالطابع القومي الذى يمثل في رأي كل من "انجلش وانجلش" الخصائص الشخصية الثابتة نسبياً والأكثر وجوداً وانتشاراً في أمة بعينها (English & English,1958).
ما من شك أن ممارسة الزار تخضع لتنظيم دينامي، له خصائصه ودوافعه النفسية والجسمانية والفسيولوجية، ولها طابعها القومي المميز لبنية الشخصية في بيئتها. وتعتقد الباحثة أن بنية المريضات الممارسات لطقوس الزار لا تبعد كثيراً عن الخصائص التى وصف بها فرج عبدالقادر الشخصية العربية، التى قسمها إلى خصائص ذات طابع انفعالي وأخرى ذات طابع فكري، مشيراً بالأولى إلى السمات والخصائص التى يسود فيها الجانب العاطفي والوجداني، المتصف بالحرارة والحدة والتغلب، وأيضاً بالتوحد بالمعتدي وتبني خصائصه ومحاكاته (فرج طه،1992:60-65). كل هذه الخصائص تجد وقعاً لها في شخوص خيوط الزار. وقد أوضحت الدراسة الميدانية التى أجرتها الباحثة، المشار إليها سابقاً، أن الممارسة للزار تتوحد شخصيتها بالمعتدي، وذلك عبر تقمصها لشخوص سلطوية مثل الباشا، والخواجة، ومنليك ملك الحبشة، والحكيمباشا. كما تتقمص شخصيات ذات طابع يتسم بالعنف، تعبيراً عن واقع المريضة المأزوم مثل خيط الزرق، وخيط نمر الكندو. ويصف فرج طه الشخصية العربية بوحدة المشاعر وقوة الروابط، وهو ما يمكن ملاحظته في طقوس الزار الجماعية. أما الخصائص ذات الطابع الفكري فإن فرج طه يصفها بسيادة التفكير الغيبي والأمية وسيطرة العقل الأسير*، فحياة الفرد في المجتمعات التقليدية مليئة بالتناقض والالتباس، فمن جهة هناك تطرف في الرفض إلى درجة ممارسة العنف، ومن جهة أخرى هناك الاستسلام الذى يصل عند البعض إلى درجة الاعتماد على التمائم والتعاويذ وتوسيط الأولياء، ومن جهة ثالثة نجد الحاجة إلى العلم باللجوء إلى الأطباء جنباً إلى جنب مع الرجوع إلى القديم التقليدي. إنه التأرجح بين الموروث والمكتسب، أو بكلمات أخرى نكوص الذات إلى جذورها، كأحد أساليب تعويض عدم كفاية التنظيم الراهن لهذه الذات في عصر الاتصالات والمعلومات، وعلى حد تعبير فرج طه "يتحول الفرد من خلال آليات دفاعه إلى رافض؛ يهدف تجنب الاعتراف بكونه مرفوضاً" (فرج طه،1992:60-65).
إن النظام الاجتماعي تحركه صراعات جماعية لا واعية، ويعد اللا وعي عنصراً أساسياً في فهم العوالم الغيبية وتفسيرها (على زيعور،1982:11) فاللاوعي الاجتماعي والغيبي عوامل ذات تأثير على التربية وسلوكيات الفرد، والإنسان ليس فرداً فحسب بل هو مجموعة علاقات اجتماعية وروحية، وكلما كانت تلك العلاقات صحية تميز الفرد بصحة نفسية. ويشير زيعور إلى أن الذهنية المشبعة بالخرافة واللا سببية مهيأة لتقبل الايمان بالفرد، كما أنها تعزز الانفعالية في السلوك والأحكام، ولا توجد عوامل كافية تعمل على تعزيز التفكير الموضوعي، وتنظيم العلاقات في بنى وأنساق بدقة وإحكام وعقلانية بمعزل عن الذاتيات والرغائب، وبتجرد عن الانفعالات والاعتقاد في الخرافة والسحر. كما يشير زيعور إلى أن اللغة المحكية المملؤة بالتعابير غير العلمية المشحونة بالانفعالات تقود الكلام، فاللا وعي يعيق معرفتنا بأنفسنا "أننا لا نقول أن اللا وعي موروث بيولوجي.. إنه مرتبط بالمؤسسات، ويتوازى معها ويتشكل موروثاً اجتماعياً مؤسسياً، ويترافق مع تقلبات العائلة عبر التنشئة الاجتماعية والتوريث اللغوي والتعبيراتي المتنوع والخطاب وكثافات التواصل والتوصيل" (على زيعور،1982:11).
جانب آخر يتمحور حول التربية في المجتمع السودانى، فهى (إن جاز القول)، تربية قامعة للنساء. ويشار بالقمع في علم النفس إلى الاستبعاد المؤقت الإرادي للدوافع من حيز الشعور، أو هو ضبط النفس بمنع الدوافع أو الانفعالات من التعبير عن نفسها تعبيراً صريحاً، وهو عملية لا شعورية يتحكم فيها العقل. وينتقل القمع ويعدي (تماهي المظلوم في ظالمه) فالأب متسلط، والأخ الأكبر يقمع ويستبد، تدفعه الأم إلى ممارسة المزيد من التسلط والاعتداء. فالمرأة في مجتمعنا هى الأم الحنون، وهي الزوجة المطيعة التى يسكن إليها الزوج ويألف وهي الموؤدة جالبة العار، الناقصة عقلاً وديناً، المخلوقة من أضلع الرجل. فهى بهذا المعنى تعاني من صراع أدوارها، وهو ما يتم التعبير عنه، (كما لاحظت الباحثة) في خيوط الزار التى تعكس الصراع والتمرد على الأوضاع. ولعلّ ذلك ناتج عن التأثير الأفريقى على الممارسة الطقسية للزار. وكان الأنثروبولوجي ماكس كلوكمان قد تحدث عن الطقوس الأفريقية بوصفها جزءاً من العادات، وكان قد ألمح إلى أن الطقوس تقل في المجتمعات الأفريقية المسلمة. وأشار إلى أن الطقوس الأفريقية تنظم في معظم الحالات لعرض التمرد والاحتجاج، وتؤكد على الصراع بين الممارسين لتلك الطقوس. ويعطي مثالاً بالزوجة في مجتمع الزولو بوصفها (المباركة) blessing a و(الخطرة) danger a في آن معاً، حاملة لقوة الشر حين تأتيها العادة الشهرية، فتصبح شراً يهدد المحاصيل والأبقار والمحاربين بوسائل فوق طبيعية بتحولها إلى ساحرة تؤذى الآخرين، وحاملة لقوة الخير بانجابها الأطفال. فالطقوس الأفريقية في اعتقاده ليست سوى احتجاج مستباح ويشجع عليه (Max Gluckman,1973).
ويمكن تفسير السلوك الطقسي بوصفه تمرداً واحتجاجاً على الوضع القائم، تمرداً له شرعيته وفقاً للعادات والتقاليد. هكذا نجد أن المجتمع والجبلة الخاصة بالمرأة يتحكمان كلاهما في سلوك المرأة، ويفرضان عليها أن تكبت العدوان في دواخلها. ومن ثمَّ يجوز عد الممارسة التعبيرية في طقوس الزار ضرباً من النشاط الهادف إلى إبراز ذلك التمرد (عودة المكبوت) والغوص في أعماق ذكريات قابعة في اللاوعي ومعاناة من القواهر، علها تجد تفريغاً في هوامات هلاسية إرضاءً لرغباتها.
* الرمزية من منظور التحليل النفسى
إن الرمزية من منظور التحليل النفسى بمعناها الواسع "هى أسلوب من التصوير غير المباشر والمجازى لفكرة أو صراع أو رغبة لا واعية، بهذا المعنى يمكننا عد كل تكوين بديل رمزى" (Encyclopedia Americana 1966: 161- 162). ووفقاً لهذا التعريف يجوز عد ممارسة الزار تعبيراً رمزياً لرغبات أو مأزم معين، يرتبط في ذهن المريضة الممارسة بذكريات كامنة في اللا وعى لديها، كما قد تكون نتاج حتمية ترابطية تجسد حدثاً يرتبط بمسببات المرض. فالرمز هنا رغم تجليه عنصراً أبكماً لا واعياً. لا يستطيع المرء صياغة تداعياته ويحيله إلى حقل المرمز "حقل الهوامات" بتعبير فرويد، أو "حقل النماذج الأثرية لللا وعى الجماعى" بتعبير يونج.
يرى فرويد في الرمز تمثيلاً لمواد مكبوتة لا شعورية في العادة، فالحلم ليس سوى تعبير أو نزعة لم يتم الإفصاح عنها. وعد بعض أنماط السلوك (زلة اللسان، والتماهى، والتسامى) رموزاً لامور يريد المريض التستر عليها. فلعلَّ الممارسة الطقسية تمثل من هذا المنطلق أموراً مكبوتة يتم التعبير عنها في التماهى والتسامى من خلال الهروب والرقص التعبيرى والحركات الوجدانية، التى ربما تشير إلى حالات نفسية فاعلة.
ويؤيد جوستاف يونج فرويد في كون للأحلام رموز ولكنه يعطى من جانبه للأحلام مضامين ليست بالضرورة أن تكون جنسية. فالأحلام في رأي يونج تمثل الحياة الاجتماعية للجماعة، ويرجعها من ثمَّ إلى اللا وعى الجماعى معرفاً الرمز بوصفه "مصطلحاً أو اسماً أو صورةً يمكن أن تكون مألوفة في الحياة اليومية، وتتميز بمعنى ضمنى إلى جانب معناها الواضح المباشر، وينطوي على أشياء مبهمة غير معروفة أو مخفية. فالمعنى الضمنى يعنى أن للصورة أو الكلمة مظهراً لاواعياً يصعب تعريفه أو شرحه بدقة ... وحينما يحاول العقل استكشافه يقوده ذلك إلى أفكار خارج حدود العقل" (Jung,C.G.et al. 1978: 3-4). ويؤكد يونج أن هناك ادراكاً واعياً ولاواعياً للواقع. فالتعامل مع ظاهرة حقيقية (أصوات، منظر الخ.) يمكننا من ترجمة الظاهرة من عالم الواقع إلى عالم العقل، وتتحول في العقل إلى أحداث نفسية، طبيعتها النهائية غير معروفة طالما أن النفس لا تدرك مادتها النفسانية. بالتالي فإن كل تجربة تحتوى على عدد غير محد من العوامل غير المعروفة.
ويقسم يونج (Jung,C.G.et al.1978: 82- 83) الرموز إلى نوعين: طبيعية وثقافية، الطبيعية منها هى التى تشتق من مشتقات اللا وعي، وتمثل عدداً من الأنماط البدائية وتصوراتها؛ والثقافية منها هى التى تستخدم لتعبر عن الحقائق الأزلية، وهى التى لازالت تستخدم في معظم الديانات، والتى تم اخضاعها لتحولات كثيرة لتغدو خيالات جماعية تتقبلها المجتمعات المتحضرة، وتثير عاطفة عميقة لدى بعض الأفراد وتعد عاملاً نفسانياً. هذا ويعد يونج النوع الأخير هذا مهماً للبناء العقلى ويؤدى كبتها أو اهمالها إلى اختفاء طاقتها في اللا وعي حيث تنشط وتزدهر وتتكثف بشدة لتجد تجلياً لها في الرغبات أو في الميول اللا واعية، التى قد تجد فرصة للتعبير عن نفسها أو الخمود. إن هذه الميول هى التى تشكل وجوداً دائماً وكامناً ومدمراً (الظل) للعقل الواعى. وهذه الأخيرة يمكن في حالة كبتها وعدم اتاحة الفرصة لها لممارسة تأثير ايجابى وأن تتحول إلى شياطين. ولعلَّ الممارسة الطقوسية للزار تمثل شكلاً من أشكال اتاحة الفرصة لتفريغ تلك الميول، وهو ما اصطلح يونج على تسميته "القنوات الانسيابية للطاقة energy canalisation". وفي هذا الصدد يرى كالفن وآخرون أن الرمز بالنسبة ليونج هو أكثر من مجرد اخفاء أو خداع للرمز، فالرموز هى تحولات لدوافع بدائية، إنها قنوات انسيابية لتفريغ الغرائز اللبيدية بقيم روحية وثقافية. فالرقص، مثلاً، ليس بديلاً لنشاط جنسى بل يعنى شيئاً أكثر من ذلك (Calvin et al., 1973: 115).
فرق ارنست جونز بين الرمزية بمعناها الواسع والذى يمكن أن يعنى، في تصوره، كل التطور الثقافي؛ وبين الرمزية الحقيقية التى تنهض على أساس صراع نفسي تبادلي بين النوازع الكامنة والنوازع المكبوتة. ما يتم كبته هو ما يتخذ لنفسه شكلاً رمزياً، وهو الذى يحتاج إلى ترميز. والترميز عملية لاشعورية تشير إلى أن ما تم كبته يظل خارج اطار التسامي. فالبدائل الباقية في الحلم والأعراض المرضية هى أمثلة لكيفية صياغة الرمز. ولا تفهم الرمزية الحقيقية بالرجوع إلى النواميس والتقاليد الاجتماعية بل في ضوء تجربة الشخص نفسه (عبدالمنعم حنفي،1994:864).
ويحاول هليجارد (Hilgard et al., 1971: 270-271) تبيان الفرق بين الإثارة الرمزية والإثارة العادية. فالإثارة الرمزية ينتج عنها، في اعتقاده، استجابات ملائمة لإثارات أخرى لا تنتمى إليها بصلة (مثل كلمة السم التى ترمز للخطر الذى نفهمه بالمعنى ولا يوجد في الكلمة). وقد قسم هليجارد المعنى الرمزى إلى فئتين: معنى ذو دلالة وهو الذى يحدد شيئاً ما يمكن الاشارة إليه؛ ومعان تحتوى على مضمون إضافي وهى التى ترافق المعنى الدلالي لكثير من الكلمات التى تتضمن معان عاطفية تستخدم عموماً للتعبير عن نوع من التقييم أو الأفضلية وتختلف من فرد إلى آخر. واستخدم هليجارد قياس التفاضل السيمانطيقى*، ووجد أن المعنى الإضافي يستخدم وفقاً لأبعاد ثلاثة: بعد تقييمى، وبعد نشاطي، وبعد للقوة. هكذا يمكن للرمز، وفقاً لهليجارد، أن يحمل معاني إضافية خلافاً لمعناه المباشر، وهو معنى له أبعاده التى يمكن تفسيره على ضوئها من حيث القيمة والنشاط والقوة.
ويرى بعض العلماء النفسيين أن هناك إمكانية للترميز من خلال حركة الجسم التى يتم تخزينها في سنوات الطفولة الأولى، تجريةً قد تطفو إلى السطح من غياهب اللا وعي وتشاهد في حركة الجسد، وهى ترمز لما عرف فقط جسدياً، رغم صعوبة اخضاعها للتحليل. من أهم هؤلاء العلماء كان كلاين، وويني كوت، وميلنر والذين قاموا بوصف المظهر الجسمي لعملية خلق الرمز الذى يسهم بدوره في نمو الأنا وتكامله (Klein,1930 ; Winnicott,1951 ; Milner,1952). فقد أشار كلاين إلى أن السعة التواصلية للترميز تبدأ في التكون من خلال الاحتكاكات وعلاقة الطفل بأمه وبجسمه. فالخيالات التى يحسها البدن في تلك الفترة هى تمثيلات للغرائز الطبيعية. وأبان اولانوف (Ulanov,1985) أن يونج وأيضاً كلاين قد أكدا على القوة الكامنة في الخيال الطفلي التى تصاحب الطفل منذ مولده، ويعتقدان بأن جذور الحياة النفسية تغرس في التجربة الجسمية.
أما ويني كوت (Winnicott,1975) فقد افترض أن الواقع الداخلي للطفل ينمو من خلال تعقدات الخيال غير المعقدة وذلك من خلال العلاقة بالجسم وأحاسيسه ووظائفه (الذات الجسمية). ورأى أن التدعيم المستمر للذات الجسمية يتم من خلال علاقة الطفل بأمه مما يساعد في خلق صورة جسمية آمنة لنمو احساس بالهُويَّة، كما وأشار ويني كوت (Winnicott,1971) إلى أن هنالك عوامل كثيرة يبدو أنها تسهم في اكتساب القدرة على استخدام التعبير الرمزي والاحساس بالاحتواء والحماية مما يتيح الفرصة لتشكيل العالم الرمزي الذى تترابط فيه الصورة والاحساس والعواطف. ويقترح كوت (Winnicott,1986) في ذات السياق بأن الخوف من التمزق الذى يعاني منه الفرد البالغ هو خوف من النكوص لحالة التمزق وعدم التكامل التى مر بتجربتها لكونها تجربة تم حملها جسدياً في الذاكرة البدنية.
ركز سيجال (Segal,1991) على أن الرموز لا تمارس سيطرة على السعة التواصلية فحسب بل على التواصل مع الآخرين أيضاً، وتشكل أساس التفكير اللغوي سواء للسلوك الظاهر أو للتحويل أو لنتاجات اللا وعي مثل الأحلام والخيال النشط. فالتحليل في هذه الحالة يسعى لفهم المعنى الرمزي وتماثله مع البعد العاطفي للعقدة التى يراد تحليلها.
وافترض كل من نيوتن وردفيران (Newton and Redferan,1977) بأن العلاقة بين الأنا والأنت التى تنمو بين الأم وابنها والاحتكاك بينهما هى بمثابة مرحلة تحضيرية لنمو العلاقة بين الأنا واللا وعي، بالتالي تمهد الأرضية لبروز النشاط الرمزي. بالنسبة للطفل الناشئ فإن السلوك والتجربة يتأثران ويتحددان بأفكار الأنماط البدائية.
تتميز طقوس الزار بالغموض والضبابية إذ أنها تنبنى على الاتصال الرمزي والسلوك المستتر للتعبير عن الصراع مع الأرواح (الأسياد). وكان وليام هاولز، عند دراسته للطقوس الشامانية، قد وصف ممارسات فيها قدر من التشابه بالممارسات المميزة للزار وذكر أن "السلوك الرمزي في ممارسات الشامانية يعد نوعاً من اكمال نسق الأفكار والرموز للموقف ذاته وهو ما يعنى سد الفجوة أو الثغرة في حياة هؤلاء الممارسين بما يمكن من القضاء على الوهم والهم والقلق الذى ينتاب حياة الممارسين" (وليام هاولز،1965:330).
تبدأ الرمزية في طقوس الزار بقدسية الزمان حيث يتم طقس "قفل العلب"· في 27 رجب من خلال احتفال يعرف بـ "الرجبية" ويستمر التوقف عن ممارسة الزار إلى ما بعد عيد رمضان، ويجري طقس قفل العلب عادة بمنزل شيخة الزار مع دعوة كافة مرضاها. أما قدسية المكان فتتجلى في التقليد السائد الخاص باقامة احتفالات الزار في أماكن محددة مثل منزل الشيخة أو منزل المريضة أو منزل احدى صديقات المريضة شريطة أن تكون الصديقة من الممارسات للزار. هذا ويتم تزيين المكان بالكثير من الرموز الخاصة بالزار (نقوش آيات من القرآن، بعض الرسومات المتنوعة الخ.).
* الممارسة الطقسية سلوك تعبيري رمزي
التعبيرية الرمزية في اللغة الشائعة عملية ترجمة جوهر معين بجوهر آخر، يكون طابعه قابلاً للملاحظة. ويهم هذه الدراسة تعريف التعبير من منظور علم العادات والأخلاق. تشير موسوعة علم النفس إلى أن النشاطات التعبيرية ايماءات، وطقوس، وأوضاع جسمية تسمى بالحركات التفريغية التى "تمارس وظيفة الاشارة في اطار النشاطات الاجتماعية لجنس معين، وقد تُنظم هذه السلوكيات في أنظمة حقيقية تحمل دلالات متميزة، ويمكن بالتالي تحليلها رموزاً للاتصال ... من ثمَّ يمكن عد السلوكيات التعبيرية وقائع اتصال غير كلامي، ويحلل الدور الذى تقوم به في مختلف أشكال تفاعل جماعة ما" (رولان دوران وفرنسوا يارد،1997:451-453).
وتحمل الممارسة التعبيرية في طياتها أنماطاً مختلفة من الرمزية، كما يجوز عدها رموز اتصال غير ناطقة، فهناك اللون، واللحن، والايقاع، واللبس، والحركة، والأضحية، والمائدة (الميز في لغة الزار)، والحلى، وفرقة الزار بقيادة الشيخة المعالجة. وفي المنظور السيكولوجي العام فإن معظم المدارس تطلق، على حد تعبير رولان دوران وفرنسوا يارد، مصطلح التعبيرية الرمزية على "المظاهر القابلة للادراك في الانفعالات أو الحالات الداخلية الأخرى (ايماءات، واستعدادات جسمية، وبكاء، وصراخ، وارتجاف..الخ). وتوصف هذه التصرفات بحسبانها مؤشرات تعكس حالة إما عاطفية كامنة (توتر، احباط)، وإما سمة معينة للشخصية. هذا في حين أن علم النفس الترابطي يرى في التعبير الرمزي استجابة ناتجة عن إثارة نتيجة التقلصات العضلية المأمورة من قبل إثارات الجهاز العصبى، فحدة الانفعال قد تترجم بإثارة ذات حدة نسبية تنتج التقلص العضلي وبالتالي السلوك التعبيري" (رولان دوران وفرنسوا يارد، 1979).
يهم الدراسة التعبير الذى يتجلى عبر الحركات والانفعالات التى تتخذ من الجسد مسرحاً لها، وذلك من خلال ممارسة الرقص المصحوب بالايقاعات. ويقصد بالتعبير الجسدى "مجموعة تقنيات الجسد التى تكون بشكل عام جماعية وتستند إلى فكرة. ومن المهم تحرير القوى والتصرفات المقموعة بفعل الضغط الاجتماعي، بخاصة الدين، والتى يفترض بأنها مخبأة في الجسد وهذه التقنيات نجد لها انتشاراً في الأوساط النفسية والعلاجية والتربوية* " (رولان دوران وفرنسوا يارد،1997).
أكدت أبحاث كثيرة على أن أشكال التعبير عن الانفعالات هى شمولية، وأن الذى يتغير مع الثقافة هو فقط قواعد اطلاقها وإدارتها (رولان دوران وفرنسوا يارد،1997). ولقد برهن مورغان وآخرون على أن الفعل الخلاق الذى يحرك التعبير المطاوع للمرضى الفعليين يمكن أن يبلغ أحياناً مستوىً فنياً يغني التحقيقات في علم النفس المرضي، ويحث الاتجاه نحو الشفاء. كما أن أفكار الظواهريين والمحللين النفسانيين حول علاقة الفن بالحالة النفسية قد قادت الأطباء النفسيين وعلماء النفس إلى تخصيص أماكن يستطيع فيها مرضاهم الاهتمام بالفنون (رولان دوران وفرنسوا يارد،1997). واستناداً على ما سبق يمكننا القول بأن الممارسة الحركية في الأجواء الاحتفالية لطقوس الزار هى تلك السلوكيات التى تحمل دلالة رمزية متميزة، ويمكن التعامل معها كوقائع اتصال غير كلامى، وتعكس حالة نفسية سواء من منظور علم العادات أو علم النفس الترابطي؛ أي، أن لها ارتباطات شرطية في ذهنية المريضة الممارسة، كما أنها قد تحمل معاني ضمنية ... إنها ليست صيحات انفعال أو حركات عشوائية صادرة فقط عن موجودات، بل هى هوامات حافلة بنسق رمزي ابتدعه كائن في مجال أوسع من مجال اللغة. ولعل عباس العقاد كان محقاً في قوله "الفن تعبير نلحظ فيه البواعث قبل أن نلحظ فيه الغايات".. ويستطرد قائلاً "للحياة مظهران لا ينفصلان: تأثير من الخارج إلى الداخل هو الحس، ورد من الداخل إلى الخارج هو التعبير" (زكريا إبراهيم، 1966: 313). فالممارسة التعبيرية الراقصة الرمزية والاحساس بكل ما تحويه الأجواء الطقسية المادية المدعومة باعتقادها في هذه الممارسة وفاعليتها ويمكن عدها علائق نفس تحيل العوائق إلى وسائط تحرر، واطلاق مخيلة إلى حدود لانهائية.
أما إذا سلطنا المزيد من الأضواء على هذه التعبيرات وتنوعاتها فنجد بوتقة من التنوع الثقافى الاجتماعي، فهناك خيوط بنات الحبش، والأولياء الصالحين، والعرب، والنوبة، والتكاريير، والنصارى، والخواجة ... الخ. (آمال النور،1997:229-257) فللممارسة أشكالها التعبيرية المختلفة حيث نجد نماذج للتماهي والاحتماء بالأولياء الصالحين والتوحد مع شخوصهم والتدثر بملابسهم وتقمص أدوارهم ..." فالتماهي هو عملية نفسية يمثل بواسطتها مظاهر أو خصائص أو صفات شخص آخر، ويتحول كلياً تبعاً لنموذجه" (جان لابلانش وبونتاليس،1997). هكذا نجد المريضة الممارسة للزار تتماهى مع "لولية الحبشية" التى تجسد روح العاهرة في استباحتها للمحرم في تصرفاتها ... و تؤسس الممارسة في هذا الخيط قاعدة انتهاك المحرم والتحرر من الغرائز المكبوتة ... ممارسة يطفح بها الجسد في توسعه إلى الخارج. ولعلَّ ذلك يمثل الافلات من محتويات اللا وعى وسيطرة الأنا .. "عودة المكبوت". فالحركات في هذا الخيط تتسم بنوع من التعري والمجون والخلاعة، وتتميز موسيقاه وايقاعاته بالخفة التى تمنح المريضة الممارسة الفرصة للتعبير عن الكبت والحرمان الجنسى بافراغها لانفعالاتها من خلال الأجواء الأخاذة في مجتمع نسائى صرف، يساعد على تعطيل الضوابط الخلقية ويستبعد الاحساس بالاثم ... تتعطل "الأنا الأعلى" للمريضة الممارسة للزار لتحل محلها شخصية الشيخة المتسامحة، التى تبيح لها التخلص من القيود الاجتماعية والتزمت، حاثة لها باستعراض مفاتن جسدها وافراغ انفعالاتها بحرية كاملة، هكذا تندفع الممارسة في تدعيم احساسها بجسدها والتفكير فيه، محاولة التخلص من التسلط المفروض على هذا الجسد، أي، كما يقول عباس مكى: "كان جسد المرأة ولازال مادة غنية للتشريع وتحديد الممنوع والمسموح من تحركات الجسم وتعبيراته ومتطلباته، تبعاً لأنماط مقبولة اجتماعياً، أي، تبعاً لأنماط مصلحة المتسلط الذى يمتلك هذا الجسد" (عباس مكي،1947:117). والحقيقة أن خيط "لولية الحبشية" يقارب وصف مصطفى حجازي بأنه "عندما يفلت الجسد ويعبر عن طاقاته ورغباته بحرية يفلت الإنسان من التسلط والقهر" (مصطفى حجازي، 1989:225).
كذلك نرى في طقوس الزار شكلاً من أشكال التماهي مع المعتدي وهو ما ينعكس في تقمص المريضة الممارسة للأدوار السلطوية (الحكيمباشا، والباشا، ومنليك ملك الحبشة، والخواجة .. الخ.) ففي هذا النوع من الخيوط تتسم الحركات الراقصة بتعبيرات تعكس السلوكيات العنجهية لأمثال تلك الشخصيات السلطوية، ويتجاوب الجمهور مع المريضة بالوقوف محيياً لها وهى تتحرك راقصة في استعلاء وخيلاء. لا شك أن ممارسة هذا النوع من خيوط الزار ترتبط بفرضية الحرمان والتعويض، التى تقوم على مبدأ أن التمييز الجنسي ضد النساء يولد الحاجة والقابلية للتعويض في هذه الانفعالات والتقمص. وأن تمتع الرجال بالأدوار الاجتماعية الحياتية خارج نطاق البيت- لا بدَّ أن يواكبه التعويض في الأدوار الطقسية عند النساء برفضهن دورهن الأنثوى. إن التماهي بالمعتدي يتميز "بمحاكاة شخصية المعتدى وتبنى خصائصه، وبمحاكاة عدوانه يحيل نفسه من الشخص موضع التهديد إلى الشخص مصدر التهديد" (آنا فرويد،1972:119). وتقارب خيوط الزار هذه طقوس الزولو، التى وصفها ماكس كلوكمان، حيث تقوم المرأة بعكس أدوارها وتقوم بأعمال الرجال. ويفسر كلوكمان ذلك بأنه تمرد مسموح به ومستباح، ويعبر عن التمرد والصراع والاحتجاج كما سبقت الاشارة إليه (Max Gluckman: 1973: 112). ويمكن النظر إلي ممارسة الزار سلوكاً دفاعياً لا شعورياً، يصبح شعورياً في لحظة الممارسة التى تخدرها قوة الالحاح الايحائية، سلوكاً صادراً عن مكبوتات. ويعرف لابلانش الكبت بأنه عمليةً يرمي الشخص من خلالها دفع التصورات (أفكار، وصور، وذكريات) المرتبطة بالنزوة إلى اللا وعى وأن يبقيها فيه (جان لابلانش وبونتاليس،1997:416). وللكبت أضرار منها انشطار الشخصية أو اللجوء لأساليب ملتوية لتخفيف التوتر، وهو عملية غير اقتصادية فيها تبديد للطاقة .. إنه أحداث مكبوتة مشحونة بانفعالات قوية تقسر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر الصادر بفعل عقد ومكبوتات. من خصائص السلوك المكبوت السلوك القهرى* والاستحواذي وهما وجهان لعملة واحدة، أي، سلوك يحدث رغم إرادة الفرد، وهو سلوك شاذ ورمزي ينجم عن كبت الدوافع والمنع من التعبير الصريح؛ مما يجعل الفرد يلجأ للتعبير بصورة رمزية "لأن عملية الترميز تتيح للمكبوت أن يتملص من الرقابة" (جان لابلانش وبونتاليس،1997:271).
ويلاحظ في الممارسة التعبيرية أنماطاً من السلوك العدواني بنوعيه: ايذاء الذات (المازوشية) وايذاء الآخرين (السادية)، وكان كرافت ايبنغ Kraftt Ebing قد عرَّف السادية بأنها تطلق على الاحساس بلذة الحواس حتى الشبق، وهو احساس ناجم عن عمليات التحقير والاذلال والعقاب والقسوة التى تمارس على شخص آخر، كما تطلق هذه التسمية على القيام بأفعال تلائم هذه الرغبة. أما المازوشية فقد رأى فيها فهى الوجه المعاكس، ففي حين تبقى السادية إحداث الألم والعنف فإن المازوشية تهدف إلى تحمل الألم، وتصبو لأن تكون ضحية أعمال عنف، فالمازوشي تتسلط عليه فكرة أن يكون خاضعاً كلياً لإرادة كائن آخر، فكرة أن يُحسب فرداً حقيراً مهاناً. وفي حالة السادية والمازوشية تترافق هذه الصور بشعور النشوة، ويتغذى المصاب بأحد هذين المرضين بأحلامه هذه، وغالباً ما يسعى لتحقيقها، وقد يحدث أن يجتمع هذان الانحرافان لدى نفس الشخص لدرجة يصعب معها تصنيف الحالة (فاوستو أنطونيني،1989:71). في خيوط الزار نلاحظ نموذجاً لكل من السادية والمازوشية، ففي خيط الزرق على سبيل المثال نجد تجلياً للسلوك المازوشي، حيث تتسم حركات هذا الخيط بالعنف والقسوة وايذاء النفس، وتصاحبه أدوات تعبر عن طابعه المرتبط بالعنف (سكاكين، وفؤوس، وحراب، ونار .. الخ). ومن أكثر رقصات هذا الخيط عنفاً رقصة الغرزة، حيث تجلس المريضة أثناء الممارسة أرضاً جاثية على ركبتيها في وضع أشبه بالركوع، وتتمايل بعنف إلى الأمام وإلى الوراء ويمنة ويسرة ضاربة كوعها الأيمن تارة والأيسر تارة أخرى بصخرة مطروحة أمامها حتى يسيل الدم من الكوعين. كذلك من رقصات هذا الخيط رقصة تقوم فيها المريضة بضرب نفسها بسوط من الجلد، أو بحمل جمرات متقدة تقلبها في كفيها. وتعكس هذه الحركات في خيط الزرق معاناة المريضة الحادة، التى تبلغ بها درجة الحاق الأذى بنفسها بصورة مازوشية. أما في خيط نمر الكندو فنجد تجلياً للسلوك السادي حيث تتدثر المريضة بجلد النمر المتوحش، وتقوم بملاحقة الصغار الموجودين بالحفل وتعضهم. إن العدوان سواء على الذات أو على الآخرين هو استجابة، يرد بها المرء على الخيبة، والحرمان بمهاجمة مصدر الخيبة أو لعله عدوان يمثل اسقاطاً لغريزة الموت (وفقاً لمدرسة التحليل النفسى)، أوعدواناً تتجلى من خلاله "إرادة القوة والسيطرة على الغير" (آدلر). كما يجوز تفسيره بوصفه طاقة تنشد التفريغ الكامل للفيض الإثاري إحداثاً للتوازن (الجشطالتيون).
ونلاحظ في طقوس الزار شكلاً من أشكال التعبير عن النرجسية ينعكس في الخيط المسمى "بخيط البنات" الذى تتميز بعض رقصاته بطابع الرقصات الشعبية، التى تتسم حركاتها بالنظرة النرجسية من خلال معايشة الممارسة، وهى ترقص لجسدها وذاتها، فالزار يتيح لها استعراض جمالها ورشاقتها وملابسها وزينتها.. "إن أفكار الراقصة تتعدى التفكير في الجنس؛ إذ تحتاج إلى فضاء أكبر عند الرقص منه عند المشي، وبالتالي فإن اسقاط الذات في الفضاء يصبح أكثر صعوبة، بحيث يؤدي الرقص إلى تغيير صورة الجسم .. هذا التغيير يمثل في حد ذاته هدفاً علاجياً" (آني ريشكو،1990:43-44). وهناك في طقوس الزار من الممارسات ما يعكس الخوف من المرض أو الموت، وهو ما يجد انعكاساً له في الخيط المسمى بخيط التربى*، فالمريضة التى تشكو من رؤية الأموات في أحلامها قد ينتابها الخوف من الموت ... "فالخوف المرضي هو الخوف الذى يعتري المرء، ويتبدى على صورة الخشية من الموت ورهبة الفناء" (أسعد رزق، 1993:119).
إن الممارسة التعبيرية للزار تحتوى على عدد من الخيوط المرتبط كل منها بمرض بعينه، من ثمَّ فإن الباحثة قد لاحظت أن بعض المريضات الممارسات يتوهمن المرض ارتباطاً بالأعراض التى يصيب بها الخيط المحدد. قد يكون هذا، في اعتقاد الباحثة، نوع من توهم المرض الهجاسي hypochondria الذى هو ضرب من الوسواس الذى يستحوذ على الإنسان، ويولد عنده قلقاً بالغاً على صحته بحيث يعتقد واهماً معاناة ألم أو مرض معين، ويصل به الوهم درجة المبالغة في خطورة الألم أو المرض الوهمي، فهو موسوس بالمرض (أسعد رزق،1992:89).
* السلوك الهستيري
ينعكس السلوك الهستيرى في طقوس الزار في الخوف من الأرواح، الذى يعتري المريضة التى تصاب بحالة من الهياج والانفعال، يصل بها إلى درجة الغيبوبة. يمكن تفسير اللجوء للسلوك الهستيري ميكانيزماً دفاعياً، وهو ما يرى فيه جيلفورد (جيلفورد،1975:672) نتاجاً لوجود عدة استجابات تنزع إلى تعويض، أو نتاجاً لصراع، ويتم استخدام الميكانيزم الدفاعي لأجل التوافق والتكيف. من المعروف أن الهستيريا تمارس تأثيراً على الحواس والحساسية الحشوية وعلى الجهاز الحركى، وتؤدي أحياناً إلى تفكك في نظام الشخصية ويذهب بعض العلماء إلى تفسير الأرواح تفسيراً علمياً، حيث يرجعونه إلى انشطارات ذهنية جزئية (تعدد شخصيات، وخيالات، وأوهام، وتصورات ذهنية مصاحبة) تسيطر على ذهن المريض المرهق جسدياً بفعل الطقوس، وتؤدي به إلى نوع من الهلوسة. فالمريض المنهك الغارق في الصخب الطقوسي تعتريه أوهام من صنع العقل ذاته، تمثل مخرجاً لمحتويات اللاشعور. تصور الهلوسة حاجات المريض النفسية ودوافعه ورغباته، وتحدث في اللحظات التى يضعف فيها الانتباه. وقد صور "سادلر" الهلوسة والتوهم بأنها مرحلة متصلة بالخيال (وإن كانت مستقلة بذاتها) وتعد وسيلة للعقل البشري! ولا شك أن هناك مجموعة من الناس لديهم ملكة فياضة من التوهم؛ حتى أصبحت شخصياتهم منفصلة عن الواقع، وهذا موجود بالفعل بين مختلي الأعصاب والهستيريين وغيرهم من الذين يمارسون الطقوس الروحية (سادلر، 1964:33).
يمكننا تفسير السلوك الصادر في هذه الممارسات بأنه نابع عن دوافع وحاجات نفسية واجتماعية، أو تفسيره وفقاً لمدرسة التحليل النفسى "مبدأ اللذة والألم"، بينما نرى الجشطالتيون يقولون بأن الكائن الحي يميل إلى الاحتفاظ بحالة من التوازن في علاقته بالبيئة المادية والاجتماعية، فإذا اختل التوازن بحالة من التوتر سارع الفرد بنوع من السلوك الظاهر لاستعادة التوازن (مثال السلوك الهستيري واستدرار العطف).
ومن النتائج التى توصلت إليها الباحثة في أطروحتها للماجستير عد الرقص والانفعال في الحركات التعبيرية وسيلتبن دفاعيتين (أو توافق هروبي). ويتم ذلك من خلال عملية التفريغ عبر الحركات والانفعال، اللذين يمكن عدهما بمثابة تطهير لنفسية المريضة. إن الانفعال الناتج عن ممارسة الطقوس يشتمل على جانب معرفى، ذلك أن التغيرات الفسيولوجية لا تتسبب وحدها في الانفعال فإنه يحتاج إلى تقييم معرفي لوضعية المثير. تبدأ المعرفة بالادراك والتقييم ونتيجة هذا التقييم يحدث الانفعال، ويكون التعبير في أنماط الانفعال عبر استجابات فسيولوجية، تتبع الميل الذى تشعر به المريضة الممارسة للطقوس، ويمثل هذا الجانب الادراكي والمعرفي والقييمى لدى المريضة الممارسة؛ لاعتقادها في إمكانية استدراج الروح التى تلبستها سعياً لارضائها وعقد أواصر السلام والوئام معها. ومن ثمَّ فإن هذه الطقوس تمثل بالنسبة للمريضة استراتيجية رئيسة لتأمين ذاتها، ودرءاً للخطر الذى يتهددها وابعاداً لخوفها الدائم.
وتحتوي الممارسات التعبيرية أيضاً على علائم النقلة والطرح بمعاناة المريضة التى تتقبلها الشيخة المعالجة، ونعلم أن هذا المصطلح يعني "العملية التى تتجسد بواسطتها الرغبات اللا واعية من خلال انصبابها على بعض الموضوعات، فمن اطار نمط من العلاقة التى تقوم مع هذه الموضوعات وأبرزها العلاقة التحليلية" (جان لابلانش وبونتاليس،1979:574). وقد دعمت هذه الفرضية اليزابيث موسون بقولها: "أما الطقوس الممارسة في المس الشيطاني، مثلاً الزار، فنلاحظ أن لهذه العلاجات مفعولاً تطهيرياً وكذلك نلاحظ علائم النقلة التى يمكن مشاهدتها تحدث في أشرطة الفيديو" (اليزابيث موسون،1992:79-80). خلاصة القول فإن المريضة قد تستعيد توازنها، وذلك من خلال اسقاطها للتشنجات أثناء رقصها الهستيري الطابع في الأجواء الاحتفالية ذات السياق الرمزي.
* السياق الرمزي للمارسة الطقسية
الممارسة الاحتفالية الراقصة كفن نجدها مفعمة بالرمزية التعبيرية المتنوعة، بكل ما تحويه من فنون سواء في اختلاف المادة المستخدمة أو أسلوب التعبير والموضوعات التى تعبر عنها تلك الطقوس أو في هدفها. ولعلَّ هذا يرجع للتأثير الأفريقي في معظم الطقوس، عبر عن ذلك ني يارتلى بقوله: "تشكل الفنون التقليدية جزءاً من الحياة اليومية للأفريقي فهو يغني ويرقص ويمسرح أفراحه وأحزانه، ويعبر عن مشاعره الدفينة بمهابة في أزيائه وألوانها وأنماطها المختلفة وبكثير من الرمزية. (وبجانب هذا اشباع الحاجة الاجتماعية للدعم الجماعي)" (F.Nii-Yartley,1989: 57- 58). أو قول فينا شارما: "تكمن روح المرح في الاحتفال الذى يمثل مظهراً خارجياً للعادات أو العبادات، وهو المصدر الأول لحرية الإنسان ومناعته في المجتمع. وفي الاحتفال والوليمة هما انعكاس لتناغم أساسي وجوهري مع العالم، إنهما جزءان ضروريان وأساسيان لوجود الإنسان... في قلب الاحتفال تكمن المعرفة والقبول والغرابة.. فالمجتمعات التقليدية خصصت مساحة معينة للأداء الطقوسي للتضحية والوليمة" (Veena Sharma,1988: 67- 74).
إن الأداء الطقوسي مفعم بالرمزية، ذلك من حيث الزمان والمكان، الملابس والحلى، الايقاع، والبخور، والحركة، والضحية وشخوص خيوط الزار. ووفقاً لما جاء في الموسوعة الفلسفية العربية أنه "يمكن للسلوك التعبيرى أن يكون رمزياً، وهذا ما نجده عند البدائيين، وإلا كيف نفهم مضمون صلواتهم وخرافاتهم وتصرفاتهم وممارساتهم الدينية والاجتماعية إذا لم نر فيها التعبير الرمزي. الرمز هو مشاركة لما هو مقدس وأداة وصل بما يحمل من أبعاد دينية واثنولوجية وله ارتباط بالثقافة البدائية من خلال الارتباط بين الخرافة والأسطورة، وله وظيفة محددة لفهم العوالم ويوصف، بأنه أداة يمارس بها السحر الذى هدفه قهر القوة الكونية" (الموسوعة الفلسفية العربية،م.1،1980:460-61). ولايختلف تعريف الموسوعة البريطانية الجديدة عن التعريف السابق، إذ نجد أنها تؤكد على أن نقل المفاهيم يتم عبر التصورات المرئية السمعية والحركية، ويتم استخدامها من قبل جميع الأديان، كما أنها تتميز بجدلية في اخفاء المعرفة واظهارها ... وأن التعبيرات الدينية والارتباطات التفسيرية في مختلف أشكال العلامات والايماءات والأصوات تقوم بدور مهم في عملية الادراك الانعكاسى الرمزى. أما عن منبع العملية الترميزية فتحددها الموسوعة بأنها توجد في عالم الوعي واللا وعى للتجربة والفكر، وفي الادراكين الحسي والحدسي وفي الخيال. فالاحساس والعمليات الفسيولوجية تشارك في تشكيل البنية الرمزية (New Encyclopedia Britanica,1973-74:900-905).
وترى الباحثة أن الرمزية في الممارسة الطقسية لا تبتعد كثيراً عن التعرفين المذكورين أعلاه. فإن أشكال العلامات والايماءات والأصوات والألوان والمواد المستخدمة قد يكون لها دور فاعل في عملية الادراك الانعكاسى الرمزي في طقوس الزار، وتعد وسيلة غير ناطقة للتعبير كما أن لها علاقة بعالم المقدس وبالفنون، كما لها وظيفة سيكولوجية.
أما عن الرمز نوعاً من النشاط الإنسانى فإنه يمثل اتجاهاً يجد تجلياً له في فلسفة ارنست كاسيرير وتلميذته سوزان لانجر، حيث يركز الأول تعريفه للإنسان بوصفه حيواناً خالقاً للرموز عاداً النطق اصطلاحاً ناقصاً لا نستطيع من خلاله تفهم أشكال تعقد الحضارة الإنسانية قائلاً بأنه: "علينا تعريف الإنسان حيواناً رمزياً، ولا نستطيع عن طريق العقل إدراك العالم الأسطوري ... فبين الجهاز المستقبل وجهاز التأثير نجد عند الإنسان حلقة ثالثة نسميها الانعكاس الرمزى" (كاسيرير، مقال في الإنسان: أنظر الموسوعة الفلسفية العربية،1988:626-7). من ثمَّ يجوز القول بأنه وفقاً لكاسيرير يعيش الإنسان في البعد الرمزي متجاوزاً عالمه المادي، وما الممارسة الطقسية سوى جزء من عالم ذلك البعد الرمزي. والإنسان يغرق نفسه في خيوط متشابكة من الرمزية يتجاوزها الرمز، رغم بنيته المادية الحسية، مشيراً إلى معانٍ أخرى. في هذا الخصوص تشير سوزان لانجر إلى أن عالم المعنى أكثر اتساعاً من عالم اللغة، أي، أنه توجد مجالات لا يمكن قياسها على أساس المنطق اللغوي مثل: الفنون والأساطير والأحلام، عادة اياها رموزاً حافلة بشتى المعانى. فالرمز، على حد تعبيرها، له معنى خاص يستمد من تأمل الرمز والانفعال به. هكذا تخلص للقول "بأن معرفة الذات والقدرة على استبصار شتى مراحل الحياة ومظاهر العقل إنما ينطلقان من الخيال الفنى" (Langer S.K.,1963: 10 ).
ويعترف عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا ليفى شتراوس بأن العلاقات الثقافية الإنسانية تقوم على أنظمة رمزية حيث يشير إلى أنه يعد أية ثقافة هى "مجموعة أنظمة رمزية، يحتل فيها الصدارة كل من اللغة وقواعد القرابة والعلاقات الاقتصادية والفن والعلم والدين" (الموسوعة العربية الفلسفية، م1988:626-627).
* أنماط الرمزية التعبيرية
يمكن التفرقة بين ثلاثة أشكال تمثل أنماطاً رمزية حددتها الموسوعة البريطانية: رموز مرئية، والفعل الرمزي الممسرح في العبادة، والرموز اللغوية. تتمثل الرموز المرئية لدى العديد من الجماعات في الألوان التى تحمل معاني مختلفة، حيث يعبر اللون الأبيض، مثلاً، عن الفرح أو الحزن أو الموت وهى أحاسيس متناقضة. وللأحمر أيضاً معان رمزية متعددة فهو يرمز للطقوس والقساوسة وللحياة والموت. وترتبط الألوان في الديانة المسيحية بالمقدس، في حين أنها ارتبطت في ديانة المايا بالاتجاهات الجغرافية، حيث رمزوا للشرق باللون الأحمر وللغرب بالأسود وللشمال بالأبيض والجنوب بالأصفر (New Encyclopedia Britanica,1973). أما لدى قدماء المصريين فقد ارتبطت الألوان بالسلالات البشرية، حيث صوروا أنفسهم باللون الأحمر، وصوروا الشعوب التى تعيش إلى الشرق منهم باللون الأصفر، وصوروا أهل المناطق الواقعة إلى الشمال منهم باللون الأبيض، وأبقوا على اللون الأسود لتصوير الشعوب المجاورة لهم من الجنوب (Gossett Thomas,F.,1964: 4).
يتميز الزار عموماً بكثرة أنماط الرمزية التعبيرية، المعبر عنها في الألوان والحركة والأزياء والحلي والأغاني والايقاع والأضحية وأنواع الطعام. يحتل اللون في طقوس الزار مساحة واسعة: حيث نجد أن اللون الأحمر هو لون رداء روح "لولية الحبشية" ولون دم الأضحية حتى أن الزار نفسه تطلق عليه تسمية "الريح الأحمر" وينعكس في الطبول المزخرفة بالحناء. واللون الأزرق الغامق هو لون ملابس الأسياد "الزرق"، واللون الأزرق هو لون رداء "الدراويش" الخ. فاللون هنا كأنما يجسد لغة اجتماعية يفهمها الممارسون للطقوس، لغة تتشابك وتتفاعل في بنيتهم النفسية ولها رمزيتها. وقد يكون من المحتمل أن هذا الارتباط المحدد بين لون الأزياء والأسياد يجد تفسيراً في ارتباط الأزياء لدى الشامان، حيث ترتبط بمنظور العلاقة مع المقدس. فلكل خيط في الزار رداء يناسبه، ومن ثمَّ ترتدي الممارسة أشكالاً مختلفة من الأزياء والألوان طبقاً للخيط. وحركياً يتجلى الفعل الرمزي في الممارسة الحركية التعبيرية الراقصة؛ الذى يمثل نشاطاً وانفعالاً جماعياً لا شعورياً وله لغته الرمزية. يقول صفوت كمال (1979) في ذلك إن أشكال الممارسات الطقسية هى التى تعطينا التصور والتجسيد المادي والقدرة الشاعرة للإنسان البدائي؛ في إدراك وجوده وابداعاته في تخيل أشكال القوى التى تحيط به. ففي المجتمعات التقليدية لا يميز الإنسان بين شخصه وجسده فبين الإنسان والعالم والآخرين يسود النسيج نفسه بألوان مختلفة، لا تغير في شيء من اللحمة المشتركة. وقد عبر عن ذلك ديفيد روبرتون قائلاً: "الجسد بناء رمزي وليس حقيقة في ذاتها من هنا منشأ عدد لا يحصى من التصورات التي تسعى إعطائه معنى وسبباً لها طابعها الغريب والمتناقض من مجتمع لآخر" (ديفيد روبرتون،1997:5). وقد أشارت الموسوعة البريطانية إلى أن الاشارات والحركات تقوم بدور مهم في الطقوس الدينية والسلوك الديني وتشتق معناها من منظور علاقتها بالمقدس، فالرقص المقدس يؤدى في خطوط مستقيمة أو دوائر، وقد يحتوي على الحجل والقفز وحركات الأيدي (فالرقص بالأيدي والأصابع على سيبل المثال له معنى رمزي محدد في الهند وبعض الدول الآسيوية الأخرى، وله تنظيم صارم). ويشيع استخدام الأيادي في كثير من الشعائر والممارسات الطقسية، فلمس المقدس والتحلي به وفقاً لقانون صارم ينفذ بدقة، والاشارات المصاحبة في الصلوات والتضرعات نجد نماذج لها في الديانة الهندوسية، وممارسة اليوغا البوذية فالخبط والضرب والضغط والتلويح يمكن عدها اشارات رمزية، فالمصلي حين يرفع يديه باتجاه عالم المقدس ويسجد فإنه يتصل بالعالم السفلي وهذا هو أول معنى للسجود، والانحناء يمثل الاحترام، والجلوس يمثل الاستقبال والقبول للمقدس، هذه الأوضاع جميعها توجد في التأمل البوذي. هنا يمكننا القول أن الحركات التى تحتوي عليها الممارسة الطقسية هى بقايا ممارسات قديمة في ديانات وشعائر. ففي خيوط الزار نلاحظ كثيراً من هذه الحركات، فالدوران والتحرك في خطوط، والتمايل مع العنف في الحركة، وحرراة الايقاع، كلها لها دلالتها الرمزية لاسترضاء الأسياد في مختلف الخيوط. فالممارسة الطقسية يمكن تشبيهها بالأحلام من حيث أن كليهما يمثل لحظات التحرر الإنساني، التي تختفي فيها قوانين الزمان والمكان ويعبر الإنسان عن نفسه بشكل تلقائي. إنها ربما تمثل نوعاً من اللغة الرمزية التى تعبر عن التجربة الإنسانية بشكل عام، إنها هروب يوتوبي من واقع تقبع فيه سلطة تحول دون تحقيق الرغبات، وتحول الدوافع إلى أهداف رمزية، أو ربما، هى تفريغ للطاقة. إنه توافق انهزامي أو، ربما هو رقص كما عرفه لويس الفيلد وآخرون (Lois Ellfeldt & Eleanor Mctheny,1958: 246) على أنه نوع من الفنون غير اللفظية التى تعمد إلى ترميز المفاهيم في حركات. فالرقص في الممارسة الحركية هو تعبير حركي هادف يمثل، على حد تعبير ايكمان عدة ظواهر إذ هو سلوك غير لغوي ووسيلة اتصال غير لغوية باستخدام لغة الجسد (Paul Ekman,1977). وقد اعتمدت جودث حنا فكرة ايكمان باعتبار الرقص تعبيراً حركياً كوسيلة اتصال، بالتالي فإنه يمثل ميكانيزماً يبيح حدوداً مشتركة بين الفرد والجماعة، ومن ثمَّ فهو لغة طبيعية إدراكية ذات معان داخلية وخارجية، إنه تنظيم للحركات الفيزيقية إلى جانب القواعد المترابطة التى تواجه الأداء في مواقع اجتماعية مختلفة. ويشير عبد الحميد يونس إلى أن الرقص يعد سلوكاً اجتماعياً أو لغة جسدية ورمزاً للشعور ووسيلة أكثر فاعلية مقارنة باللغة في الكشف عن الحاجات أو الرغبات. فالحركات الراقصة تصبح رموزاً نمطية مقننة، كما أن بعض أعضاء المجتمع الواحد قد يفهمون أن هذه الرموز مقصود بها تمثيل للخبرات في العالم الخارجى. ويضيف أن الحركة والايقاع اللذين يستهدفان غايات دينية أو سحرية ونفعية هما أسبق تاريخياً من اللغة، وأنه يمكن من خلال الدراما التى تتوسل بالايماء والاشارة والحركة والايقاع والكلمة إلى جانب تشكيل المادة - تتبع أشكال متنوعة للفنون التى تحتوي في داخلها على وسائل للتعبير متعددة، فالدراما هى من أعرق الفنون وأكثرها ارتباطاً بنفسية الجماعات (عبدالحميد يونس،1972). التعبير الدرامي المصحوب بالانفعالات هو جوهر الممارسة الطقسية في الزار، وهذه الاستجابة الانفعالية الغامرة المدعومة بالاعتقاد وصفها مالينوفسكي بأنها تمثل استجابات الإنسان الطبيعية في مثل هذا الموقف وتقوم على آلية نفسية فسيولوجية عادة لأنها تُحدث ما يمكن تسميته، في اعتقاده، بالتعبيرات الانفعالية الممتدة في الفعل والكلمة (مالينوفسكي، 1995).
وهناك جانب آخر في الممارسة الطقسية يتمثل في الرمزية اللغوية التى تحتوى على الايقاع والصوت والكلمة، والتى يمكن أن يكون لها معنى في البنية الأساسية للعملية الترميزية، فهناك ايقاعات محددة وأغنيات معينة لكل خيط من خيوط الزار تتناغم مع الرقص الطقوسى. وقد لاحظت الباحثة في الدراسة الميدانية التى أجرتها (آمال النور، 1997) بمحافظة الخرطوم أن حوالي 78% من عينة البحث يزداد حماسهن لممارسة الرقص الطقوسى بمجرد سماعهن للايقاع، مما يقود للاستنتاج بأن تلك الايقاعات والأغاني تحمل دلالة رمزية ترتبط في ذهنية الممارسات بالرقص والتفاعل النفسي ليس في طقوس الزار فحسب وإنما في حفلات الأعراس أيضاً. كما لاحظت الباحثة وجود علاقة جوهرية بين اللحن وتركيبه وبين الأغنية ودورها الرئيس في مناجاة أرواح الأسياد من خلال الخيوط المختلفة المتلاحقة تباعاً، على سبيل المثال "خيط الدراويش" الذى يغلب عليه الطابع الديني وذكر الأولياء والصالحين في عبارات قصيرة متكررة أقرب إلى الذكر الصوفى:
"الله الله ياشيخ محمد
وحد الله ياشيخ محمد"
أو مثل
"يالله يابيومي داوي العيان
يابيومى ليلك برهان"
(للنص الكامل للخيوط المختلفة يمكن الرجوع إلى: آمال النور،1997:257)
وتتشابه بعض خيوط البنات مع خيط الدراويش من حيث التكرار:
"ياعيشة المغربية
وحاة أبوكي حنيّ عليَّ
ياعيشة المغربية
وحاة أبوكى زيلى العليَّ"
ولوحظ أن تلك الخيوط تحمل قدراً من الطرب والمتعة، وتمنح الممارسات فرصة التماهي واستعراض مفاتنهن، بينما نجد أن ايقاع خيط لولي الحبشية يتسم بسرعة الايقاعات التى تتيح للممارسة اطلاق العنان لحركات جسمها بصورة فيها شيء من الخلاعة واستعراض مفاتن الجسم؛ بينما نجد في خيوط الزرق التى تتميز بعنف الايقاعات التعبيرية المعتمدة أساساً على الطبول، وتعبر عن المعاناة أكثر من كونها تعبيراً عن النشوة والابتهاج، دافعة بالممارسة إلى افراغ انفعالاتها بقدر فيه شيء من العنف والوحشية والعدوانية. إن فهم موسيقى الزار وايقاعاته وأغانيه يكون ممكناً من خلال العلاقة الوثيقة بين الثقافة والحالة النفسية المضطربة، التى يرى التيجانى الماحى وجود ارتباط لها بالتجارب الأولى لتكوين الشخصية، وهى المراحل الهامة لتكوين الأجزاء الوظيفية للشخصية، حيث فيها أثر للأنماط التقليدية وغيرها أساساً من أسس الدفاع الرئيسة للشخصية (التيجاني الماحي،1949). وقد أسهم فيلا سواندى (Fela Swande,1970) في دراسة دور الموسيقى في المجتمعات التقليدية مشيراً إلى ارتباطها بطقوس وعادات اجتماعية، وتنتظم المادة الخام للأصوات فيها في شكل بنية لها معنى ومقبولة عموماً في مجتمعها، وترتبط تلك الأنماط بنظرة المجتمع المعني بالعالم وبتجاربه. فالموسيقى التقليدية، في اعتقاده، يمكن تحليلها سيكولوجياً فقط عبر دلالاتها الرمزية.
ويمكن أن يكون للأصوات تأثير روحي ووجداني ومن ثمَّ استخدامها وسيلة للاتصال بعالم المقدس. فنغمة محددة يمكنها مخاطبة وعي المقدس، ويتم ذلك عبر الطبول والايقاعات الأخرى. وتشير الموسوعة البريطانية إلى أن أدوات الايقاع يمكن أن يكون لها معنىً رمزي من خلال أشكالها وخاماتها، ودللت على ذلك بذكرها مثالاً من جماعة "اويتوتو" في كولومبيا الذين يعتقدون بأن أرواح أسلافهم موجودة في الطبول. فالعلاقة بين الأفكار الدينية أو الاعتقادية والموسيقى لها أهمية خاصة، حين تتخلل كلمات الايقاع الموسيقي؛ وذلك بتدعيمها للمقدس. وقد شاع استخدام ذلك في المسيحية في القرون الوسطى والحديثة، وكذلك لدى أصحاب الطرق الصوفية من المسلمين. فالكلمة تقوى وتكتسب قيمة ومعنى حينما يصحبها ايقاع وهو ما سبق أن أكد عليه كل من اتلسون وكانتريل في استعراضهما مؤخراً للدراسات المتعلقة بطبيعة الإدراك الحسي، وأشارا إلى أن المدركات الحسية يمكن أن تتحول إلى رموز (Ittleson,W.H. & Hadley Cantril,1954).
والكلمة المنظومة أوالصيغ السحرية نجد لها وجوداً في طقوس الزار، ولها فاعليتها ورمزيتها. وكان ماليونوفيسكي قد ذكر أن الكلمة المنظومة هي دائما قلب الممارسة الطقسية وحددها بثلاث عناصر ترتبط بالفاعلية السحرية وهي: 1- المؤثرات الصوتية، 2- استخدام الكلمات التي تناشد أو تصف أو تأمر بالهدف المرغوب، 3- هناك عنصر في كل تعويذة (ويقصد بها الاشارات الميثولوجية) (مالينوفسكي،1995:78-79). الكلمة المنظومة مثل (دستور يا سيادي، والعفو والرضا) هي مناداة للأسياد ممزوجة بالايقاع، وما تحويه من إشارات ميثولوجية لمناداة تلك الأرواح حتى تنال عفوها ورضاها. والفكرة في هذه المناداة ربما تعبر عن الكلمة الملزمة أو الرابطة بين البشر والقوى الخفية، وتعبر عن الهيمنة التي تدفع بالممارسة لأداء رقصاتها لخوفها من المستور, ميثاق يتضمن قواعد سلوكية معينة لارضاء الأسياد. وكان أحمد رشدي صالح قد قام بتفسيرها وفقاً للمفهوم الشعبي عبر ثلاثة تناولات: أولاً، مجتمع الأولياء أو الجان كما تصورها المأثورات الشعبية وتداخل العلاقة بينهم وبين المجتمع البشري؛ ثانياً، مسألة اجتياز الهوة بين هذين المجتمعين؛ ثالثاً، تسخير تلك القوة الخفية بواسطة الكلمة الأدبية (أحمد رشدي،1971:140-41).
هكذا نجد أن المعتقد الشعبي يرسم شخوص هذا المجتمع الخفي، شخوص لهم صفات البشر عامة ولهم النوازع البشرية من تسامح وغضب يحبون ويكرهون، كائنات خلقها تصورهم، لذا فإنهم يتوسلون إليها بالكلمة والايقاع والرقص تعبيراً عن فكرة الميثاق بين البشر والقوة الخفية والخوف منÂ المستور .. إنها وفقاً لجوليان روتر .. "دوافع لاشعورية لها قدرة على الهروب من خلال الرمزية في الأحلام وفي الأعراض المرضية، وفي الخيالات وفي أساليب أخرى" (جوليان روتر وآخرون،1989:104)؛ أو وفقاً لتعبير يونج البدائي يخاف من الانفعالات التي تخرج عن نطاق سيطرته؛ لأ نها تحطم الوعي، وبالتالي، يتعرض لحالات الامتلاك، وكل نضال الإنسان ليس سوى محاولة لتماسك وعيه، وهذا هو غرض الطقس أو العقيدة اللذان يمثلان سدوداً وجدراناً للحماية من مخاطر اللا وعي" (Jung et al.1978: 22).
وتوجد انطباعات حسية تمارس تأثيراً على وجدان الممارسة، ويفعم بالرمزية مثل بخور الزار، فالبخور يترك انطباعاً ذهنياً وله ارتباطه الشرطي مما يحفزها على الممارسة والتجاوب الوجداني، مستندة على اعتقادها في استرضاء الأسياد بهذه الروائح، فاستخدام الروائح النفاذة قد شاع منذ القدم لمواجهة التأثيرات الشيطانية السحرية. ويقول كراب (1967) في هذا الصدد: إن استخدام الروائح النفاذة القوية هي ذرائع وقائية جيدة. وقد يكون هذا الأمر في اعتقاده هو ما قد يفسر لنا الدور الذي ينهض به نبات التوم في معارك جنوبي أوروبا. و "يعد البخور في مصر القديمة عتبات توصل للآلهة" (الموسوعة الفلسفية العربية،م.1،1980:460-62), ولازلنا نجد استخدام البخور في الطقوس الدينية، وفي السودان على وجه الخصوص نجد أنواعاً مختلفة للبخور منها بخور الزار، وبخور العين، وبخور العروس، وبخورالطلح...الخ.
وقد لاحظت الباحثة في دراستها الميدانية (آمال النور،1997: أنظر "نتائج الدراسة") أن 84% من عينة البحث أكدنَّ بأنهن يشعرن بالراحة النفسية باستنشاق رائحة البخور، ويلجأ 74% منهن لاستخدامه كلما شعرن بالضيق أو المرض. وتتفق هذه النتائج مع ما أشار إليه أحمد عكاشة من أن الشم من الحواس التي تمكن الإنسان أن يستبدل الأشياء بما يشير إليها من امارات وعلامات، وضمن ثنايا هذه الحاسة تنبثق تباشير السلوك التكيفي، سلوك الاستعداد، والتوقع، والرؤيا. ومن اتجاهات الرقي السيكولوجي الانتقال من استخدام الأشياء لاستخدام رموزها ( أحمد عكاشة، 1980:78). ويمكن القول بأن للبخور انطباع حسي ودلالة رمزية؛ فالشيخة تبدأ معالجتها بتشخيص نوعية الأسياد عن طريق حرق أنواع عدة من البخور، وهو ما يرمز إلى قوة الشيخة في استدعائها لأرواح الأسياد، و يمثل وسيلة اتصال. فبإحراقها للبخور تستنفر ظهور روح "السيد" كما يبدأ طقس الزار بإحراق البخور وبه ينتهي في آخر الطقوس المعروف بقفل العلب. وجه آخر للرمزية نشاهده في طقوس الزار، ألا وهو الضحية ومائدة الزار، أو ما يسمى بلغة الزار "الميز" وما تحويه من أطعمة لها رمزيتها ومأكولات وافدة على المائدة السودانية التقليدية مثل الديك الرومي، والزيتون، والجبن الرومي، وبعض المشروبات الكحولية. فسر البعض بأن الضحية تتوحد بالألهة ومن ثمَّ الاعتقاد في قدسية لحمها. ويرى آخرون فيها هدية أو رشوة للآلهة أو الأرواح، بينما يرى بعض آخر أنها بديل أو فداء لمن يقدم الضحية. ويذهب البعض في تفسيرها على أنها تمثيل رمزي للاثمَّ. كل هذه التفسيرات المتعددة قد تصدق جزئياً أو كلياً ولكنها قد لا تصل إلى لب المشكلة (