كوش الجديدة صفحة أركامانى لقضايا تاريخ السودان الحديث والمعاصر
مملكة تقلي ... نشأتها واضمحلالها (1)
د. عمر مصطفى شركيان
طلب الاذن من كاتب البحث للنشر قبل بثه على شبكة الانترنت وقد ظهر البحث أيضاً فى الزميلة سودانايل فى وقت متزامن
ميلاد العائلة المالكة والمكوك الأوائل
ذروة المملكة... ناصر وآدم أم دبالو
تقلي إبان حكم المهدية (1882-1898م)
تقلي في عهد الحكم البريطاني-المصري (1898-1956م)
ديناميكية الحياة السياسية فى منطقة تقلي، كما هي الحال فى جبال النوبة، أثبتت عدائها للمركزية وتأسيس الدولة. حاملين الثقافة السياسية المنتشرة فى وادي النيل السوداني، دافع جباليو تقلي عن حكمهم الذاتي ضد الولاء السياسي؛ كما لم تستطع أية قوة خارجية أن تبرم حلفاً محلياً مع أي من حكام تقلي (2).
تاريخ السودان، الذى تغتال فيه الحقيقة اغتيالاً، كُتب مبتوراً من كل المعالم والسمات الأساسية التى صنعت حوادث هذا البلد، وصاغت مصائر أهله فى الأمصار والسبلان. ولو دُونت الحوادث التاريخية حسبما وقعت، ونظر الرواة التاريخيون الى المصادر الموثوقة، ببصائرهم لا بقلوبهم، لذُهِل الناس لفرط ما رأوه من همم كانت مصروفة، وفنون مبذولة، وتقنيات شتى كانت معمولة بها فى حكم دويلاتهم، وتسيير شؤونهم وأمورهم. ونحن إذ ندون وقائع تجاربهم حتى نشيد بها، وندعوا الى اعتناقها إن كانت ناجحة؛ ونحذر منها وننذر إن كانت إخفاقاً. ومن هذه الدويلات والممالك نذكر مملكة تقلي.
تطلق تسمية جبال تقلى، والتي يبلغ ارتفاعها 5,000 قدم فوق سطح البحر، على مساحة قدرها 40 ميلاً مربعاً. وتضم فى محورها التلال التى تشمل، فيما تشمل، قرى كراية، والهوي، وتاسي وجولية. وتمتد هذه السلاسل الجبلية شرقاً لتندمج مع الهضاب الشمالية-الشرقية التى تعلو 3,000 قدم فوق سطح البحر، وتنتهي فى الجبال الصخرية المعروفة بجبال أم طلحة، 35 ميلاً صوب الشرق.
تتعدد الروايات عن أصل سكان المنطقة، وقد أوردت جانيت جي إيوالد رواية هى – فى واقع الأمر- أقرب الى الأسطورة منها الى الحقيقة. ذكرت جانيت أن أقوام من الفونج المسلمين يدعون (كونياب) سكنوا أبودوم التى تبعد مسافة 10 أميال من جبل تقلي. وفى يوم من الأيام، وبينما كانوا يمارسون حرفة الصيد، جرحوا تيتلاً وطاردوه حتى عثروا على مساكن (لابوجاب) فى قلب تقلي، وهم قوم عراة وغير مسلمين. وقد أُعجب (لابوجاب) بملابس (كونياب)، وطلب زعيم الأول من مجموعة الصيادين (المونياب) أن يستقروا فى تقلي ليعلموهم زراعة القطن ونسج الملبوسات. وقد قبل (الكونياب) الدعوة على الرغم من أنهم ظلوا على اتصال مستمر مع ذويهم فى أبودوم؛ كما أنهم لم يتدخلوا فى معتقدات (لابوجاب) الدينية مثل تقديم الفتيات قرباناً لحية فى بئر لضمان الهطول المبكر للأمطار. وهناك قول أنهم ينتمون الى قبيلة السقارنج: الرجل منها سقراناوي والمرأة سقرناوية، والى هذه القبيلة تنتمي خيرة - والدة إسماعيل صاحب الربابة من الشيخ مكي الدقلاشي الذى تكلم فى المهد (3).
من جانب آخر، تقول القصص الشعبية إنه زهاء 400 عام مضت حط فقير متجول من الجعليين الموجودين على النيل قرب مصب نهر عطبرة، واستقر فى هذه التلال، وبدأ فى مزاولة النشاط الديني الذى سرعان ما انقلب سياسياً. وبهذه الطريقة، ولأسباب أخرى سنوردها فى هذا البحث، أوغل نفسه فى بلاط الحكم وأمسى يمارس السيادة والريادة فى هذه المملكة العريقة التى اشتهرت فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فى وسط السودان. وقد ذكر المؤرخون أن تسعة عشر حفيداً تعاقبوا على حكم المملكة دونما انقطاع: من ابن هذا الشيخ الجعلي، جيلي أبو جريدة، حتى المك آدم النيل جيلي. وقد انتشر الإسلام فى المنطقة بفضل هذا الفقير، حيث تجد فى كل قرية مسيداً (4) تم تأسيسه بواسطة المسلمين الأوائل ومازال قائماً حتى يومنا هذا. توجد بالمنطقة أغلب الطرق الصوفية، لكن معظمهم من تابعي الشريف يوسف الهندي. هذه المملكة، التى امتدت من خور أبوحبل شمالاً حتى تلودي جنوباً، كانت ذات شأوٍ وشأنٍ عظيمين: وقد اعترفت بها قبائل العرب التى كانت تدخل المنطقة فى كل فينة وأخرى. ولا غرو فى أنها تحدت، بنجاح منقطع النظير، الحكومة التركية-المصرية لسنين عددا.
بتشجيع الهجرة والاستيطان فى تقلي خلال السنوات الأولى من الحكم، استطاع هؤلاء الحكام الوافدون أن يغيروا ديانة أهل المنطقة، وأسلوب حياتهم سيما أنهم قد أدخلوا ارتداء العمامة وقولة "الله يطول عمرك". وبذا تحول جزء من النوبا الذين كانوا يؤمنون بالآلهة المحلية، فى هذه المنطقة، الى مسلمين، وتركوا ما كان آباؤهم يعبدون من كريم المعتقدات الأفريقية. ونتيجة المصاهرة والتزاوج مع سكان المنطقة الأوائل ظهر خليط من المجموعة التى تقطن المنطقة. أما سكان الكيجاكجة، جنوب-غرب تقلي، فيمثلون العنصر الصافي من سكان المنطقة الأصليين. كحال كل القبائل العربية فى السودان، تدعي العائلة المالكة أنهم ينتمون الى الجعليين- نسبة لإبراهيم جعل. يوجد، كذلك، بالمنطقة أحفاد الفونج، وأجناس من دارفور فى غرب السودان، والعرب الذين يشملون: البديرية والجوامعة وكل فروع الكواهلة وكنانة.
وكأي نظام ملكي، فإن نظام الحكم فى هذه المملكة كان وراثياً؛ وللمك مطلق الحرية فى تصريف أمور البلاد والعباد، يعاونه فى ذلك شخصين من أقربائه والذين يُسمح لأحدهما، وهو الجندي، بمقابلة المك فى أية ساعة من ساعات النهار أو الليل. وكل من عزم أن يقابل المك عليه أن يقابل الجندي أولاً، وهو كذلك المسؤول عن المكوكية فى جنوب المملكة: جزيتهم وهداياهم تُسلم للمك عن طريقه. أما المعاون الثاني فيسمى سكراوي، ولا يتمتع بقدرٍ كبيرٍ من الصلاحيات كتلك الممنوحة للجندي، لكنه هو المسؤول عن الجزء الشمالي والشرقي من المملكة. فى بعض الأحيان يتم تعيين الوزير؛ وشاغل هذا المنصب يكون دائماً من مقربي المك. كما أن مهمة اختيار مك جديد، إذا كان هناك أكثر من مرشح واحد، تقع على عاتق الجندي.
بعد مرور ما يقارب الأربعة قرون، أصبحت العائلة المالكة أرستقراطية لا يستطيع أحد أن يتطاول عليها، ولم يخل نظام الحكم من القسوة المفرطة. وقد قيل ان زبانية المك ناصر كانوا يلقون بالمعارضين السياسيين فى دوكة حجرية تحتوي على زيت ساخن بعد ما تصل درجة الغليان وذلك بعد منتصف النهار، أي فى وقت الهجيرة. ونتيجة لهذا الرعب، هرب كثيرون من رعايا المك الى خارج المملكة، وقد سكن أفراد منهم فى مدينة الدلنج فى ريفي شمال الجبال.
قبل أربعة قرون، كان سكان الجبال الشمالية-الشرقية يتكونون من عنصر عرقي واحد؛ وكانوا يتمركزون فى ثلاث مناطق: تيرمي فى أم طلحة، وجبال الكيجاكجة، وتقلي نفسها. كان القوم يعبدون الآلهة الطبيعية وهم لها عاكفون، ويعيشون حياة غير معقدة تحت السيطرة الوراثية للمشايخ فى دارهم التى تقع فى تقلارو- بالقرب من قرية الهوي- وكانوا يُعرفون باسم الهمج، هكذا تقول الأساطير القديمة. وبما أن دماء السكان الأوائل قد ذابت واختلطت مع العناصر التى وفدت الى هذه المنطقة من كل فج عميق، إلا أنها مازالت باقية لدى مواطني جبال الكيجاكجة، الذين احتفظوا بنقاء حسبهم ونسبهم.
على الرغم من دخول الكيجاكجة الى الإسلام أفواجاً خلال الثلاثمائة عام الماضية، فإنهم مازالوا يتمسكون ببعض عاداتهم وتقاليدهم القديمة، ولم تتغير طريقة حياتهم اليومية كثيراً (5) كما تجدهم يمارسون حرفة زراعة الذرة على سطوح الجبال باستخدام الحشاشة الخشبية؛ ويقومون بتربية الماشية؛ ونادراً ما كان القوم يغامرون بالابتعاد عن جبالهم. القليلون منهم كانوا يتحدثون اللغة العربية، حيث أنه فى تقلي قلما تجد اللغة المحلية فى الاستعمال وربما أصبحت نسياً منسياً. أما عُمدتهم أو الجندي فينحدر من جنادي تقلي القديم الذي كان من الملازمين الوارثين للشيوخ الحاكمين، واستمر المنصب حتى خلال فترة حكم المكوك "الجعليين".
إن إقامة أهالي تقلارو فى هذه الجبال الصخرية، والحصون المنيعة تعكس الطبيعة الحربية التى كانت تميز القوم. وكان تسليحهم يشتمل على الحراب والسكاكين والحجارة. إذ يبدو أن المملكة لم تتخوف من أعدائها فى الشمال القصي أو الغرب البعيد، لكن أعداءها الفعليون كانوا قاطني المجتمعات المجاورة. مهما بُذِل من الاجتهاد، فمن الصعب جداً تعقب جذور سكان المنطقة الأولين. لكن هناك الكثير من أوجه التشابه بين الكيجاكجة والكواليب، الشئ الذى قد يدعم فرضية وجود سلالة مشتركة. لكن الكيجاكجة اعتنقوا الإسلام، وفضل الكواليب البقاء على معتقداتهم الأفريقية، وقد تنصر جزء منهم عندما دخل التبشير المسيحي الى المنطقة إبان الحكم البريطاني-المصري فى السودان (1898-1956م). ان إجراء البحوث المكثفة على سكان تُكم، وترجوك، وتقوي- الذين اتخذوا الإسلام ديناً لهم - وكذلك النوبة فى جنوب المنطقة قد يساعد فى اكتشاف التباين بين الكيجاكجة والكواليب.
المؤكد، ولا ريب فيه، أنه منذ القرن السادس عشر بعد الميلاد عاش فى تقلي أناس كانوا يسبحون باسم الله عن طريق سنن الكون؛ ولهم ملامح نوباوية مميزة؛ ولم يتم التزاوج والتمازج بينهم وبين الأجانب. هذه المجموعة البشرية كونت النواة لمملكة تقلي التى نحن بصدد الحديث عنها. مما سبق يتضح أنه قبل أن تنتقل مقاليد السلطة الى الحكام الوافدين، كانت بالمنطقة أنظمة حكم سياسية واجتماعية؛ وكل مافعلته السلطة الاستيطانية هو تطوير النظام السائد حينذاك وإضافة شئ من الارستقراطية كثير، والاستبداد والتنكر على بعض العادات والتقاليد الموروثة، وادخال الإسلام عقيدة فى المنطقة.
ميلاد العائلة المالكة والمكوك الأوائل
تقول الروايات القديمة أن شخصاً يدعى محمد الجعلي حضر من الشمال فى العام 1530م، وطاب به المقام ونال احترام أهل المنطقة الكرام، وطفق تدريجياً فى تأسيس العائلة المالكة (6). بيد أن المعلومات عن خلفية الرجل تكاد تكون شحيحة لدرجة العدم. فربما كان ذلك الجعلي من الذين انتشروا فى الأرض ينشرون الإسلام بعد تأسيس سلطنة الفونج فى سنار فى العام 1504م؛ وربما كان من المنبوذين اجتماعياً فى موطنه النيلي، أو من الهاربين من العدالة، أو ربما كان من الرحالة الهواة الذين يضربون فى الأرض يبتغون فضلاً من الله ومرضاته. لم يكن هذا الشيخ الوافد حاملاً بين جنبيه آمالاً عراضاً وطموحات تفوق واقعه بكثير. كل ما يُعرف عن محمد الجعلي هذا هو أنه كان فقيراً بائساً وعلى قدرٍ كبيرٍ من التزهد. وقد وصل الجعلي ورفيق دربٍ له يدعى أبوحايمة (قد تكون هذه كنيته نسبة للحوم والترحال)، بعد التيه فى الأمصار، الى تقلارو- التى كانت تحوي قرى الهوي وكراية. ومن هنا عثر عليهما الجبليون التقلاويون وقادوهم الى كابر- كابر، مك المنطقة. وعندما مثلا أمام المك، شرعا فى تقديم مبادرات الصداقة. أما المك، الذى أُعجب بمظهرهما النسكي، فقد رحب بهما وأكرم مثواهما فى غاية الحفاوة. بعد أن عُوملا معاملة حسنة واطمأنت عليهما قلوب الناس، طفق الزاهدان يعلمان القوم أصول الإسلام، بدءاً بإقامة شعائر الصلاة مع الإبقاء على طقوسهم الدنيوية. ومنذ ذلك التاريخ أصبحت عقيدة الإسلام تدخل فى نفوس الناس.
يدعي الجعليون فى السودان أنهم ينتمون الى إبراهيم جعل. وبما أن شرف الانتماء الى العروبة وتبني الهُويَّة العروبية ناجم من الشعور بالفخر والاعتزاز، رأت العائلة المالكة فى تقلي، والنباطاب- العشيرة السائدة فى البجة- بني عامر، وسلاطين الفور وملوك ودَّاي فى تشاد أن يتقمصوا العنصر العربي، ويستجعلونه دماً سارياً فى شرايينهم. إذن، من هو إبراهيم جعل هذا الذى يتشرف كل من ينتمي اليه، حقاً كان أم كذباً، ويحرث ثمار ذلك الادعاء فى الحياة الدنيا؟ يقول هولت: "إن دراسة سلالة إبراهيم جعل تشير الى أنه حفيد العباس، عم الرسول صلى الله عليه وسلم" (7). وقد كتب ماكمايكل أن تشبه سقارنج أو مكوك تقلي، أو سلاطين الفور، ومملكة ودَّاي بإبراهيم جعل يعود الى التملق (8).
مهما يكن من أصل الجعليين، فقد رأى محمد الجعلي الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً، أو هكذا شُبه له، حتى أصبح له موطأ قدم فى المنطقة. ولم يمض وقت طويل حتى بات واحداً من الذين يُشار إليهم بالبنان فى المملكة. ومن ثم وهبه كابر- كابر ابنته ليتزوجها؛ وانجبت له ابناً سموه أبوجريدة- نسبة لأن عظام ذراعه كانت ملتحمة سوياً بدلاً من أن تكون متفرقة. هكذا شب الطفل وورث العقيدة من والده وآزره فى نشر الدعوة الإسلامية فى المناطق المجاورة. وليس صحيحاً ادعاء بعض الباحثين أن الإسلام والثقافة العربية قد عرفا طريقهما الى هذه المنطقة منذ فترة طويلة قبل قيام مملكة تقلي فى القرن السادس عشر الميلادي (9).
عندما توفى كابر- كابر، اجتمع كبار القوم واختاروا حفيده أبوجريدة، الذى كان فى مقتبل عمره، ليحل محل كابر- كابر مكاً لتقلي. وفى الوقت نفسه أعادوا تسمية أبوجريدة وأضافوا اسم "جيلي"؛ اقراراً بحقيقة أنه نتاج دم أجنبي، وليس منحدراً من الخط الوراثي للعرش. وقد حدثني محدثي، وهو من مواطني المنطقة، أن أصل الكلمة يعود الى تحريف عبارة الاستفهام العربي "جاء ليه؟" (لماذا أتى؟) لقد ورث جيلي أبوجريدة الحكم على أساس وراثي لجهة الأم، ولكن ما أن مات أبوجريدة إلا وانتقلت الوراثة الى جهة الأب: أي، على النظام العربي، وهذا ما تم لدى اختلاط العرب بالنوبيين فى شمال السودان فى القرن السابع الميلادي.
وهكذا، أي، فى العام 1560م تقريباً، تم تأسيس الأسرة الحاكمة فى تقلي ممثلة فى شخص جيلي أبوجريدة. وبنسب متفاوتة فى الشهرة، حكم أبناء أبوجريدة الوارثون وتمتعوا بصلاحيات واسعة. لقد اشتملت المملكة التى ورثها جيلي أبوجريدة على تلال تقلي والكيجاكجة التى كانت تقع تحت نفوذ جده.
ما هي الانجازات التي تمت فى عهد جيلي أبوجريدة؟ جيلي أبوجريدة، الذى كان يتمتع بشخصية فريدة، أكمل نشر الإسلام الذى بدأ فى عهد والده، وعمل على توسيع نفوذه بجلب مستوطنين الى المملكة حتى يسهموا فى بسط السلطة. شيد لنفسه مسجداً، ونقل عاصمته من قرية تقلارو، وبنى حوشه فى الهوي، التى تبعد مسافة قدرها نصف ميل شمالاً. فى داخل هذا الحوش توجد فولة قيل انها حفرت فى عهده. لقد حكم طويلاً وبعد موته دُفن فى حوشه، الذى أصبح فيما بعد بمثابة المقبرة الملكية. خلف أبوجريدة ابنه صابو، الذى انتقل من الهوي الى تعودم، التى تقع على بعد 30 ميلاً صوب الغرب. هناك استمر فى نشر الإسلام وتوسيع مملكته؛ وقد نقل عصا السلطة الى ابنيه جيلي عمارة وعمر أبوشهيرة، وحفيده جيلي عون الله، الذين حكموا المملكة على التوالي. فلما أتته المنية تم دفنه فى حوش أبوجريدة فى الهوي، الذى أصبح مقبرة أقاربهم ووزرائهم.
كان الإسلام هو العامل الأساس فى تكوين وبقاء هذه المملكة: لأنه وبحجة نشر الإسلام تم توسيع رقعة السلطنة، وباسم الإسلام تم دخول اللغة العربية- لغة القرآن- وسيطرة التعريب على جميع أوجه نشاطات الحياة فى المنطقة. وتحت دعاوى الإسلام تم فتح أبواب المملكة لرجال الدين والتجار والمغامرين من خارج الدويلة. عاصرت المملكة العصر الذهبي لدخول العرب السودان والتبشير الإسلامي. ولا غرو أن ملوك الفونج تكفلوا برعاية رجالات الدين وأرسل بعضهم من سنار الى جميع أصقاع السودان لنشر الدعوة؛ وهكذا وفد جزء منهم الى تقلي. وكان من أعظم من حضروا الى تقلي بغرض التبشير والتجارة حسن ودحسونة، وتاج الدين البهاري فى القرن السابع عشر الميلادي. وقد جمع هؤلاء الدعاة الإسلاميون بين المكسب الروحي من جهة والمادي من جهة أُخرى، وقليل منهم قلما أوعظتهم ضمائرهم من الجمع بين الأثنين. وكان مك تقلي يخصص منطقة يقطنها السكان الذين هم على دين آبائهم لأحد المبشرين كحقل لممارسة نشاطه التبشيري والتجاري؛ وفى المقابل يدفع المبشر قدراً مقدوراً من أرباحه للمك. وكثيراً ما يختار بعض من هؤلاء المبشرين الإقامة الدائمة فى المنطقة، وعليهم، إذن، الاعتراف بسلطة السلطان ودفع جزية دورية ثمناً لحمايتهم، ويمسوا معاهدين مستأمنين ما أوفوا بالعهد. بهذه الكيفية استطاع مكوك تقلي نشر الدعوة المحمدية، وتوسيع نطاق سلطتهم، واخضاع أكثر من جبل إليهم. كما تزوج المستوطنون من السكان المحليين، وانجبوا خليطاً وهجيناً من العائلات والأفراد. لم تك جميع هجرات العرب الى تقلي من أجل تلاوة الصحف المطهرة وإقامة الصلاة، بل كان أغلبهم قد قصدوا المنطقة مبتغين تجارة العاج والرقيق؛ وكان بعضهم من الهاربين من العدالة فى سلطنة سنار. وقد أسهم كلهم، بتمازجهم العرقي هذا، علي تعزيز سلطة المكوك حتى أصبح نفوذهم فى منتصف القرن السابع عشر هو الوحيد السائد فى الجبال الشمالية-الشرقية. كان ملوك سنار يقومون بتعيين المهاجرين من الفونج مكوكاً على جبال رشاد، وتقوي وقدير. وأخيراً أصبحت قدير وتقوي أعظم مقاطعتين للفونج وقتئذٍ.
عند وفاة جيلي عون الله، أصبح ابنه جيلي أبوقرون خليفته؛ وقد حكم أبوقرون فى الفترة ما بين 1640- 1665م. ونسبة لمركز سلطنة تقلي الإستراتيجي- بحكم موقعها الجغرافي بين سلطنتي سنار والفور- حاول سلطان سنار أن يكسب ود مملكة تقلي ليعمل الأثنان معاً على الحد من نفوذ الفور (10). فتزوج أبوقرون الأميرة عجائب أم شيلة، ابنة السلطان الرباط بن بادي عاهل الفونج، التي جاءت الي تقلي وفى رفقتها حاشية كبيرة، واستقرت فى حوش بلولة. ومن هؤلاء السدنة نشأت طبقة الفونج فى تقلي وبلولة (11). على الرغم من العلاقات الطيبة التي ازدهرت بين الفونج وتقلي فى عهد أبي قرون، فإن الملك بادي الثاني- المعروف ببادي أبودقن- قد شن حملة عسكرية ضد تقلي وأجبرهم على دفع جزية سنوية لأجلٍ غير مسمى. وبذلك نجد أن الأواصر الحميمة التى تُوجت بالمصاهرة قد أمست هباءً منثوراً عندما أصبحت العلاقات السياسية فى خطر محدق. إن التنافس بين سلطنتي الفور والفونج على تقلي قد أدى الى تفاقم الوضع واضرام نار الفتنة. لم يستطع مؤرخو السودان تحديد عام العدوان وعدد القتلى والجرحى والأسرى وحجم الغنائم لدى الطرفين، وذلك لعدم وجود سجلات تاريخية.
على أي حال، يعزى سبب نشوب الحرب الى أن عصبة من جماعة المك أبو قرون قد أساءت معاملة أحد أصدقاء الملك أبودقن الخلصاء، حيث اعترض سبيله ونُهبت بضاعته؛ ولم يتوقف أبوقرون عند هذا الحد، بل تأبط شراً وتحدى الملك بادي شخصياً. من المعروف أن مكوك تقلي كانوا يفرضون ضريبة العبور على كل من يعبر مملكتهم، إلا أنه من غير المؤكد أن صديق بادي هذا قد دفع الرسوم أم أنه طغى وتجبر؟ ومما يُحكى عن التحام الجيشين أن "القتال كان يستعر بينهما نهاراً، وفى المساء يخلد كل فريق الى هدنة ريثما يقبل الصباح. غير أن مك تقلي كان يرسل موائد العشاء حافلة الى الجيش الغازي كل ليلة، لأنهم ضيوفه، ماداموا مقيمين داخل أرضه، وإن أبدوا العداوة والبغضاء. ولما علم سلطان الفونج بحقيقة الأمر، انسحب من ميدان القتال، منهياً الحرب من جانب واحد، آسفاً على ما كان، وخجلاً من مقاتلة قوم، على هذا الحظ العظيم من النبل، يصدون العدو الغازي فى النهار، ويكرمون وفادته فى الليل، مثل الصندل الذى يعطر الفأس، كلما أمعنت فى تمزيقه وتهشيمه" (12).
كان للمك جيلي أبوقرون ابنين من الأميرة عجائب. ذينك الإبنان قد تعاقبا على حكم المملكة. إن الأميرة نفسها قد أمد الله فى عمرها وقامت بدور هام فى أحداث القرن الثامن عشر كما سنرى لاحقاً. بهذه الهزيمة أمست تقلي مقاطعة تابعة لمملكة الفونج، ولكن سرعان ما عادت المياه الى مجاريها، ورجعت العلاقات الطيبة القديمة؛ وأصبحت تقلي ترسل محملاً مستقلاً للحجاز كدليل على استقلاليتها.
انتقل جيلي أبوقرون الى جوار ربه ودفن جثمانه في كراية. ثم خلفه ابنه الكبير محمد الذى أطال الله عمره فى الحكم، وقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب؛ وإن وجود أجيال كثيرة ينتمون إليه حالياً دليل على كثرة أبنائه. أعظم مافعله المك محمد هو أنه شيد العاصمة الملكية فى تاسي؛ وعند وفاته أصبح شقيقه عمر أبوزنتر مكاً. ومما يُحكى عن أبي زنتر هذا أنه طاغية كان وقاسي القلب، وقد بات ممقوتاً من أغلب أفراد رعيته: حتى والدته كرهته، ولم يرضها حكمه التعسفي، وحبذت أن تنتقل السلطة الى حفيدها إسماعيل، ابن المك محمد، الذى كان يافعاً يومئذٍ. ولكي تتخلص الوالدة من ابنها الطاغية، المك أبوزنتر، مكرت مكراً كُباراً. أعدت الوالدة، هكذا تقول الرواية، طعاماً لأبي زنتر، وأخفت فى داخله سكيناً حادة، وما أن وجد المك أبوزنتر هذا الخنجر حتى صاح صيحة ملكية وجلت منها النفوس وبلغت القلوب الحناجر. وتحت تأثير هذا الغضب المروع المفزع، أعدم ثلاثين من خدمه. هذه المذبحة أشعلت شرارة الثورة التى كانت تغلي ببطء منذ زمن بعيد، سيما أن التقلاويين كانوا يدركون كيف ولج الخنجر فى الطعام. طُرِد عمر وسدنته، وأُعلِن إسماعيل مكاً على تقلي. على أيٍ، لا توجد معلومات أخرى تمكننا من التعرف على الظروف التى استطاع بها إسماعيل أن يكون محبوباً أكثر من عمه عمر، واستحقاقه مزية الاصطفاء. لكن العذاب البئيس الذى كان يعانيه القوم من أبي زنتر، وعصارة ماتعرضوا له فى حياتهم، وحصيلة تجربتهم قد أجبرهم على القبول بأي من أفراد الأسرة مكاً عليهم، مهما كانت قلة خبرته وصغر سنه. بعد معارك متقطعة فر المك المخلوع، عمر أبوزنتر، الى سنار ليبحث عن الدعم العسكري لمواجهة أعدائه فى تقلي. فعل هذا عملاً بوصية والدته نفسها. وفى الوقت نفسه بعثت الوالدة هى الأخرى برسالة سرية الى ملك الفونج، الذى كان يمت إليها بصلة القرابة، طالبة منه عدم السماح لأبي زنتر بالعودة الى تقلي، واذا استطاب له الأمر، عليه أن يقتله.
وصل أبوزنتر وأتباعه الى سنار فى وقتٍ كان يواجه فيه الملك بادي الأحمر، ملك الفونج، مشكلة أمنية فى جهة قصية من مملكته. ظن الأحمر أن عمراً، بدلاً من أن يُقتَل فى المدينة بدون مبرر مقنع، قد يلقي حتفه اذا بُعِث به لتركيع هؤلاء القوم الخارجين عن السلطة المركزية فى سنار؛ ومن ثم أُسند إليه هذه المهمة. كان هذا هو شرط التمويل الحربي الذى قطعه الأحمر على أبي زنتر وقتما يرجع من المعركة منتصراً. أما عمر، الذى حسب أن فرص نجاحه ضئيلة، فقد قبل التحدي وهزم العصاة ولم يذر على الأرض من الخارجين دياراً. عاد عمر يطالب بوعده، فأمره الأحمر أن يعود الى تقلي ومعه رسالة وعد بالمساعدة؛ وقد وصى الأحمر ربان المركب، الذين كانوا في رفقة المك المخلوع المخدوع، أن يغرقوا المركب فى النيل الأبيض. وهكذا فعلوا، وغرق أبوزنتر ومجموعته، عدا شخصان نجيا من الموت ليحملا النبأ العظيم الي تقلي، أو كما تقول الفرنجة (They survived to tell the tale).
أما المك إسماعيل، الذى اعتلى العرش فى العام 1705م وهو ما يزال فى مرحلة الطفولة- كما سبقت الإشارة الى ذلك- عاش حتى بلغ من العمر عتياً. فبالإضافة الى عمره المديد وحكمه السديد، كان إسماعيل طيب القلب، نزيهاً كان ومتجرداً. وذكر فى الكتاب إسماعيل انه كان ملمَّاً بعلوم الشريعة. ففى العهد "الإسماعيلي" بلغت حدود المملكة تكم وترجوك غرباً، وأم طلحة شرقاً، وخور أبوحبل أو النيل الأبيض شمالاً. والجدير بالذكر أنه فى تلك الفترة، كانت جبال الكيجاكجة تُحكم بواسطة أحفاد المك الزيبق أو توراي. إن أحفاد الأخير كانوا ينتمون الى الأسرة المالكة عن طريق نسبهم الى المك صابو، ثاني ملوك تقلي. أما رشاد وتقوي، على صعيدٍ آخر، فكانتا تحت سيطرة المهاجرين من الفونج بعد أن فوضهم أحد مكوك تقلي الأوائل على القيام بهذا الدور. لم تلبث رشاد وتقوي تحت نفوذ مكوك تقلي كثيراً، وسرعان ما نالتا قدراً من الحكم الذاتي، واكتفتا بإرسال هدايا رمزية لكل مك من مكوك تقلي لحظة اعتلائه العرش، حيث تمثلت هذه الهدايا فى جلد الكودو، وقطعتين من ثوب ناعم، وعشرة قطع من ثوب دمور؛ وكذلك الرقيق الذى اشتدت حملات القبض عليهم فى عهد المك ناصر.
صوب جنوب-غرب المملكة، كانت تقيم بعض قبائل النوبة الذين كانوا يخضعون لكريم المعتقدات الأفريقية، ويتبعون بصورة غير مباشرة، أو بطريقة ما، الى تقلي. هذه القبائل هي: الكواليب، الليري، هيبان، وشواي؛ وربما كذلك عطورو. كل هذه المناطق، ما عدا عطورو، تقع بين تقلي وشيبون، حيث كانت توجد مناجم الذهب. ولما كانت تقلي، التى كانت تسيطر على مناجم شيبون ومندي فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ترسل حملات عسكرية لاستجلاب الذهب، كانت هذه الغارات تحكم قبضتها على القبائل التى تقع فى خط سيرهم؛ وتفرض عليهم جزية معلومة غالباً ما كانت هذه الجزية فى شكل الرقيق. ومن هنا نستنتج أن الذهب، كعامل اقتصادي حيوي، قد قام بدور فعال فى الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية فى مملكة تقلي. أما مقاطعة قدير، جنوب المملكة، فقد توارث على حكمها أسباط المهاجرين من الفونج كما كان الحال فى رشاد وتقوي. وبما أن مكوكهم كانوا شبه مستقلين فإنهم كانوا يدفعون جزية أو هدايا لمكوك تقلي، وتعيين مكوكهم مشروط بموافقة مكوك تقلي. والجدير بالذكر أن النوبة فى كاو، وفنجور، وورني، وكلوقي- الذين أخرجهم الكواهلة من ديارهم بغير حق- وتيرا، وتلودي؛ وربما شرق مورو قد اعترفوا بسيادة مكوك قدير وكذلك، بطريقة غير مباشرة، بتقلي. امتداداً لعادات وتقاليد الفونج، كان مكوك قدير، ورشاد، وتقوي يرتدون التاج الملكي ذا القرنين. هذا التاج، الذى كان يقره مك تقلي وبموجب مرسوم ملكي، كان على درجات متفاوتة فى الجودة والشكل: تخصص الدرجة الأولى للمكوك المذكورين سلفاً، أما الدرجات الأخرى فكانت لاشخاص أقل رتبة، مثل مكوك الكيجاكجة والكدرو. هناك بعض التكهنات بأن سكان الكدرو والداير، غرب وشمال-غرب المملكة، كانوا يتبعون للمك إسماعيل "التقلاوي". تلك هي حدود مملكة تقلي قبل الهجرات الجماعية للعرب، التي بدأت فى أواخر عهد المك إسماعيل واستمرت حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.
توفى المك إسماعيل فى العام 1773م بعد ما بلغ أرذل العمر، ودُفِن جوار قبر والده فى تاسي. خلفه ابنه أبكر الذى عاصر عهد الهمج فى سنار، ومن ثم استقلت تقلي من ربقة استعمار الفونج لها. نتيجة لهذا الاستقلال، نمت عظمة مملكة تقلي داخلياً وخارجياً. توفى المك أبكر فى العام 1814م ومازال أبناؤه عمر، وأحمد، وناصر صغاراً فى السن؛ ولهذا حاول أخوه المريود الاستيلاء على السلطة. ونسبة لرداءة خلق المريود، الذى لم يأبه على الرغم من السخط الجماهيري الذى كان يتمتع به، امتنع الجندي والمستشارون أن يضعوا أمور المملكة والرعية فى يده. واُختير عمر ليخلف والده على أن يعمل عجلون- أخ المك أبكر- نائباً لأبن أخيه، المك عمر. وقد قيل عن عجلون هذا أنه كان رجلاً عال الاتزان، وبنى النظام على مستو رفيع من الرضا الشعبي، ورعى ابن أخيه حتى بلغ أشده واستوى علي عرشه، وزوجه، ثم استقال. فى عهد المك عمر أرسل محمد علي باشا- الوالي التركي فى مصر- ابنه إسماعيل لغزو السودان فى العام 1820م، للقضاء على مملكة سنار. مات المك عمر فى سنٍ مبكرة فى العام 1827م، ولم يحتر عمه عجلون كثيراً فى البحث عن الخليفة، بل تحرك سريعاً لتنصيب أحمد- شقيق المك عمر- مكاً حتى يفوت الفرصة على المريود الذى كان ينتظر فى الأجنحة، وطالما عاش على أمل أن يكون مكاً على تقلي فى يوم ما.
فى عهد المك أحمد، الضعيف نسبياً، استطاع الأتراك للمرة الأولى والأخيرة التوغل فى المملكة؛ حيث قاد خورشيد باشا- الذى أصبح حاكماً عاماً للسودان فى الفترة ما بين 1826-1837م - حملة الى تقلي. وقد حُكي أن أحمد باشا زار تقلي فى العام 1840م. لكن تظل المعلومات شحيحة الى درجة العدم عن النفوذ التركي-المصري فى المملكة. وإذا افترضنا أن اتفاقاً للسلام قد أُبرم بين الأتراك-المصريين والنوبة، فإننا نظل نفتقد نص يبين بنود هذا الصلح. كان الشئ المتوقع أن يقبل الأتراك-المصريون على اتفاق أشبه باتفاقية "البقط" المشؤومة التى عُقِدت بين النوبة بقيادة ملكهم، قاليدروت، والعرب تحت إمرة عبدالله بن أبي السرح فى العام 652م، وخاصة أن الأتراك المصريين غزوا السودان من أجل المال والرجال.
فى العام 1843م استطاع مريود، العم الشرير الذى لم يزل يختمر حقداً على أبناء أخيه المك أبكر، فى الخفاء تجنيد أشرار تقلي لمساعدته فى تنفيذ مؤامرة اغتصاب السلطة. وقد نجح فى قتل أحد أقارب المك أحمد، والوزير المنصور، واغتال المك أحمد كذلك، واستولى على الحكم بقوة السلاح. حاول ناصر، الذى كان سئ السمعة هو الآخر، نزع السلطة من عمه مريود وفشل فشلاً ذريعاً. ذهب ناصر الى الخرطوم يتوسل الى الباشاوات والبكاوات الأتراك لمعاونته لاسترداد حقه المسلوب، على أن يدفع ناصر فى المقابل، عند استعادة ملكه، جزية سنوية من الرقيق والعاج؛ ووعد بأن يكون القسط الأول 12 ألفاً من العبيد، وتحت دعاوي الانخراط فى الجندية. ابتهج الأتراك-المصريون، الذين لم يفلحوا أساساً فى إخضاع تقلي، فضلاً عن أن الطلب الذى هو فى الحقيقة من ضمن أهداف احتلالهم للسودان، ومنحوا ناصراً قوة عسكرية استطاع بفضلها أن يعيد عرشه ويقتل مريود. كتب اسكيراك لوشر يقول:"إن مصطفى باشا، حاكم كردفان يومئذٍ، قبض على ناصر. وقد وعد الأخير باحتلال تقلي إذا وضعت تحت إمرته سرية من المشاة، ووقتما يستتب له الأمر، سيدفع جزية مقدارها 4 آلاف من العبيد. وحينما أفلح فى استعادة الملك المغصوب وقتل أخيه، ذبح كل الضباط الذين كانوا معه فى الحملة، وأسكن الجنود السود فى تقلي، ورفض دفع الجزية". إن ظاهرة التماس العون والمدد من الأجانب لحسم الصراعات السياسية الداخلية هى سمة من سمات تاريخ السودان؛ فقد استعان ملوك النوبة فى شمال السودان بحكام مصر المماليك فى نزاعاتهم السلطوية حتى أدت هذه التدخلات الى انهيار المملكة، كما استعان أمراء الميرفاب بمحمد علي باشا فى مصر ضد أخوته فى السلطنة فى وادي النيل فى شمال السودان. لذلك ليس من المدهش ذهاب ناصر للأتراك-المصريين فى مدينة الخرطوم مستنجداً بهم.
ذروة المملكة... ناصر وآدم أم دبالو
أشرنا سلفاً كيف أصبح ناصر بن المك أبكر عاهلاً لتقلي فى العام 1844م، وكيف أن أسلوب البطش والتنكيل بالأعداء قد تضاعف فى عهده. وفى خلال الأربعين عام، عقب توليه الحكم، شهدت المملكة توسعاً هائلاً- عن طريق الدماء والدمار- وبلغت أعلى أوجها. فلم تهدأ الأحوال إلا فى عهد خليفة المك ناصر، وتبدد ذلك السلام بعد مجئ المهدية. تميز ناصر بالقسوة المفرطة، وكان ذا بأسٍ شديدٍ، وفعال لما يريد. ومما يُحكى عنه أنه كان ذات يوم يقضي بين الناس فى ديوانه، ويضحك بصوتٍ صاخب. وانه لفى هذه الحالة، وإذا طائر ذو حظ نحس يمر ويردد صوت ناصر. عندما رأى القوم مكهم وقد اشتاط غضباً، أوجس كل من حوله خيفة؛ ومن ثَم أمر ناصر بإحضار ذلك الطائر اللعين. وعلى الفور تفرق القوم جرياً وراء الطائر من جبلٍ الى آخر، حتى تم القبض عليه، وجئ به أمامه، وقام ناصر شخصياً بسمل عيون الطائر، ثم أطلق سراحه مرة أخرى. وكذلك ما يُحكى عن انتقامه قصة الصائغ الكردفاني. إذ يُروى أن صائغاً بالأبيض كان يقوم بعمله وعندما سئل عما يفعل؟ رد الصائغ بتهكم انه يصنع خاتماً لأنف المك ناصر اللعين، وظن أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، ثم ذهب الى أهله يتمطى. بيد أن ناصراً قد سمع بهذا الخبر عن طريق جواسيسه المنتشرين فى أرجاء المعمورة، وعمل جاهداً على استدراج الصائغ الى تقلي بحجة صناعة له فيها. وعند حضور الصائغ، أمره ناصر أن يغلي فضة؛ وعندما فرغ من ذلك، سأله الصائغ ماذا هو فاعل بهذه الفضة المغلية؟ أجاب ناصر: إنها لصناعة خاتم لأنفك! وعلى التو انقض جلاديه على الصائغ، وقام المك ناصر شخصيا بصب الفضة السائلة فى أنفه حتى لقي مصرعه.
كان ناصر شجاعاً، صنديداً كان ثمة طاغية؛ وكان يعاقب الزناة بصورة وحشية. وحينما نكث عن وعده، ورفض إرسال الرقيق الى السلطات التركية، أُرسِلت إليه حملة بواسطة عثمان بك، حيث مُنيت الحملة بهزيمة ساحقة، ولم تعاود الحكومة إيفاد قوة أخرى. كان المك ناصر ذكياً ملماً بفنون السياسة والحكم، وقد استخدم سياسة "فرق تسد" بمهارة بارعة فى إدارة المملكة. ومن مكائده، أنه سمح لقبيلة الهبانية بمهاجمة سنادرة: لكن الأخيرة، تحت قيادة شيخهم هارون، استطاعوا بعصيهم فقط هزيمة البقارة، الذين كانوا مسلحين بالحراب وعلى ظهور خيولهم أتوا. كان ناصر قلما يوجد فى تاسي؛ حيث كان دائماً على رأس قوة غائرة على القبائل المجاورة: يضرب عليهم خراجاً يحملونه له كل عام، ويجمع الرقيق، ويسب الماكرين. وحينما يكون فى تاسي، يقضي جل نهاره جاثياً على صخرة فوق قمة جبل شالوكدوك: يلاحظ حركة العباد، ويراقب كل من لا يعمل فى الحقل، أو الذى يحدق الى نساء غيره شهوة؛ وعندما ينزل فى المساء، يقضي بين الناس بحق أو بغير حق. ولربما توهم واهمون بأن مملكة تقلي كانت إسلامية تحكم بما أنزل الله. وقد يندهش البعض كيف كان الرعية عل الدوام يذكرون بعضهم بعضاً بأحد الجناة الذى أتهم فى قضية القتل، واختار الجاني- بمحض غباوته- الاحتكام الى شرع الله فأُعدم. فلم يكن لطف المكوك هو الدافع الأساس فى الاحجام عن تطبيق حدود الله فحسب، بل كانت الدية التى تدفع الى الخزينة العامة تمثل ثروة مالية لا يمكن الاستعاضة عنها بقتل النفس. وقيل ان ناصراً كان ممقوتاً لمحاولاته أسلمة المجتمع التقلاوي، وإضفاء الطابع الديني على الحياة العامة فى كافة أرجاء المملكة.
بدأ تسلط المك ناصر يزداد بين عشية وضحاها، وكان ينافسه فى طغيانه وجبروته ابنه الأكبر المدعو المؤمن، الذى لم يأمن القوم من شره. وقد تضاعف فساده واستبداده عندما عينه والده مكاً على بلولة وأم طلحة. إذ لم يك بمقدور القوم تحمل تجاوزاته الكثيرة حتى اختطف المؤمن خطيبة أحد رعاياه عشية يوم الزفاف، وأصبحت هذه الفعلة القشة التى قصمت ظهر البعير. لم يسر تصرف المؤمن المواطنين الذين رأوا مفارقات شتى فى ادعاءات الوالد وضلالات النجل. وكيف يغض ناصر الطرف عن هذه الجريمة الاجتماعية طالما كان يصب على الذين يزنون بأبصارهم سوط عذاب؟ اجتمع عقلاء القوم واجمعوا على كلمة سواء: على أن يتخلصوا من المك ناصر، ويبايعوا ابن أخيه آدم، الذى أصبح يعرف فيما بعد بآدم أم دبالو، مكاً لهم، وقرروا أن يكون ذلك يوم قنصة المك، فى ذلك اليوم الموعود خرج المك وأعوانه للصيد، فنفذ القوم ما خططوا له. ولما علم المواطنون بخبر استيلاء آدم على السلطة، جاء أهل المدينة يستبشرون. عندما أدرك ناصر أنه زُهِق من منصبه، جمع أتباعه وهرب الى الصريف، حيث مكث فيه عاماً كاملاً دون مضايقة أو تحرش من آدم، وأخيراً طرده سكان المنطقة، ومنه ذهب شمالاً واستقر فى أبودوم لمدة عامين آخرين. وحينما علم بأن آدم يعد العدة للهجوم عليه، فر الى السلطات التركية-المصرية للمرة الثانية طالباً المساعدة. ولم تنخدع الحكومة التركية مرة أخرى، كما لم تحاسبه بأثر رجعي على عدم وفائه بوعده فى الماضي، بل اكتفت بمنحه قطعة أرض في معفوق على النيل الأبيض، حيث أقام فيها واستمر في اضطهاده للناس حتى أخذته المنية.
ومن جانب آخر، هرب المؤمن الى طريفي فى الجبال الواقعة غرب تقلي، وعاش فيها حتى مماته؛ أما شقيقه الصغير، الفحل، فقد حاول قيادة المقاومة المسلحة ضد حكام تقلي بعد سنوات قليلة من سقوط نظام والده لكنه مُني بهزيمة ساحقة وقُتل. تولى آدم الحكم فى العام 1859م وعمل على بسط العدل، واطلاق الحريات العامة الى حدٍ ما. وفى عهده سمح لكل من رشاد، وتقوي، وقدير أن تصبح مكوكية مستقلة؛ وحول العاصمة من تاسي الى كراية؛ وازدهرت التجارة بين تقلي والأبيض، ومن خلال الأخيرة مع مصر عن طريق درب الأربعين.
تقلي إبان حكم المهدية (1882-1898م)
فى العام الثاني والعشرين من حكم المك آدم أم دبالو نزل محمد أحمد المهدي فى قدير، عملاً بمشورة عبدالله التعايشي وإخوته، الذين نصحوا المهدي بالابتعاد عن سلطات الخرطوم. ولئلا يظن أتباعه أن هذه الهجرة المزعومة ما هى إلا فرار من الحكومة التركية-المصرية، أعلن المهدي لأنصاره أنه تلقى رسالة إلهية بالهجرة المهدوية الى جبل ماسة، ومن هناك سوف ينتظر تعليمات ربانية أخرى. وبما أن المهدي يفترض أن يكون قد أتى من جبل ماسة فى شمال أفريقيا، غير أن المهدي السياسي المحنك لم يتردد لحظة واحدة فى تسمية جبل قدير باسم جبل ماسة، حتى يحقق واحداً من شروط المهدية الرئيسة. مهما يكن من أمر الادعاء المهدوي، فعلى الفور طلب المهدي المساعدة من المك آدم، الذى كانت عداوته للحكومة التركية-المصرية غير خافية على أحد. أما آدم - العليم بأمور السياسة والساسة- فقد وافق على مبايعة المهدي والتعهد بعدم التعرض له، أو الوقوف فى طريقه، على ألا يعتدي المهدي على تقلي وقتما تنجح ثورته. أما الاشتراك مع المهدي فى الحرب العلنية ضد السلطات التركية، فقد رفض آدم الاذعان لهذا الطلب، واكتفى باغداق المهدي بالكرم الفياض والتأييد المعنوي. كان يرى علماء آدم، أي، مستشاريه وعلى رأسهم القاضي ميرغني ود تميم، غير ذلك. فقد نصحوه بقتل المهدي لأنه ليس بمهدي حقيقي. "وإذا قتلته فسوف لن تكون مسؤولاً عن فعلتك هذه أمام الله"، هكذا استنصحهم آدم ونصحوه. بل أصروا أن الواجب الإلهي يتطلب قتل مثل هؤلاء الرجال الدجالين. لكن آدم رفض الخضوع لهذه الاستشارة، بل أرسل ابنه عمر مع المهدي الى قدير للانخراط فى المهدية. وقد تعمق عمر في المهدية، وبات يحتل مكاناً مرموقاً تحت قيادة الخليفة عبدالله التعايشي.
لم يفقد المهدي الأمل فى الحصول على المساعدة من المك آدم. وفى الأعوام الأولى للثورة، أرسل رسالة الى آدم طالباً منه المال والمدد؛ ولكن آدم، بناءً على وصية العلماء، رفض الامتثال للطلب. بعد سقوط الأبيض، دعا المهدي آدم لزيارته. فى هذه المرة، على الرغم من نصيحة علمائه بعدم الذهاب، قرر آدم قبول الدعوة، ولم يفلح معه اصرار القاضي ميرغني الذى كان يلهث وراءه، وباخعاً نفسه عليه حسرات لعله يثنيه عن عزمه، ولكن هيهات. كانت المفاجأة الكبرى عندما وصل آدم وحاشيته الى الأبيض ليجد نفسه وأقرباءه سجناء فى يد المهدي، فندم ندماً شديداً على ثقته فى المهدي، ولات حين مندم. أما القاضي ميرغني، الذى تفجر غضباً وطفق يسب المهدي ويصفه بأنه محتال ومخادع، فقد أُعدِم على الفور. أدرك آدم أنه أحسن الظن بالمهدي دون أن يقرأ الغيب، فكان جزاءه جزاء سنمار. فعندما اتهمه آدم بأنه نقض العهد الذى كان بينه وبين تقلي، كان المهدي ذكياً فى رده، وقال انه لم يهاجم تقلي. لكن هل امتنع خليفة المهدي- من بعده- من مهاجمة تقلي؟ بالطبع لا وسوف نرى كيف أمست تقلي مسرحاً للعمليات العسكرية ومصيداً للرقيق فى عهد الخليفة عبدالله التعايشي. توفى آدم فى الحبس مصفداً بالأغلال وموثقاً بالحبال فى شبشة فى دار الجمع خلال زحف المهدي نحو الخرطوم. أما أبنائه، الجيلي، والطاهر، وأبوفلج الذين كانوا مع والدهم فى الحبس، فقد استطاعوا أن يفروا من الاعتقال. فى تقلي نفسها كان آدم قد خلف وراءه ابنيه، علي أبوزنيت والزيبق، ليديرا شؤون المملكة فى غيابه. لكن تشاجر الأخوان، فأخذ علي يسيطر على غرب المملكة، بينما بقي الزيبق فى تقلي. وقد قيل ان أخوهما الطيب كان مسؤولاً على أم طلحة. لدى سماع خبر وفاة والده، أعلن علي نفسه مكاً على تقلي، ودخل فى معارك ضارية مع أخويه. منذ تلك اللحظة بدأت مملكة تقلي تشهد تصدعاً داخلياً، وكان هذا الصراع الأسري يمثل البذرة الأولى للانهيار والتفتت.
بعد وفاة المهدي فى 22 يونيو من العام 1885م، أرسل الخليفة عبدالله التعايشي عمراً، ابن المك آدم، الى تقلي ليأتيه بدعم أهله. لكن عمراً قد قُوبِل بالغضب العارم من أخوانه لأنه هجر والده فى تقلي وفى الأسر وانضم الى الدراويش، وتمرغ فى المهدية. أقفل عمر راجعاً الى الخليفة وهو يحمل رسالة تحدي من تقلي. فى هذه الأثناء، ابتعث الخليفة قوة عسكرية تحت قيادة حمدان أبوعنجة والنور عنقرة فى فبراير 1885م، ثم لحقهما يونس الدكيم لإخضاع تقلي، أي بعد سقوط الخرطوم مباشرة. وقد قامت هذه القوة بمجازر بشعة، حيث قُتِل 7 آلاف شخص فى منطقة سنادرة وحدها، وأُسِرت أعداد كبيرة من المواطنين. وقد ذُبح كل من له صلة رحم بالأسرة المالكة، ولم ينج من هذه المذابح لا الطفل الصغير ولا الشيخ الكبير. وفى هذه المعارك قُتل كل من الزيبق والطيب، واستطاع علي أبوزنيت أن يهرب بجلده. شملت حملات النور عنقرة كذلك أولاد حميد وكنانة فى جنوب شرقي تقلي؛ تنزع الناس كأنهم أعجاز نخلٍ منقعر. فرق حمدان (من قبيلة المنضلة) الناس فى بطون الأودية والكهوف وغنم ماشيتهم وأُحرق غلالهم وبيوتهم؛ ثم دخل بلاد الكواليب فاستولى على جميع ما ملكت أيديهم من غلال ومواش مع 300 رأس من الرقيق و120 بندقية (13). وتوغل أبوعنجة فى قدير، وهزم مكها بوش، ويحكى أن البشر والقردة فروا جميعاً صوب مورنج، أما لماذا امتنع حمدان عن مهاجمة رشاد، فقد قيل انه أخذ معه قرون فيلة، ابنة المك عبدالرحمن- مك رشاد، خليلة حتى لا يدمِّر رشاد.
بدأ الصراع الثقافي واضحاً في المهدية بين من يدينون بالإسلام ومن لا يدينون به وقد تحملت عبء هذا الصراع القبائل الزنجية التى تسكن جنوب خط عرض 13. وتنفيذاً لتعليمات المهدي بعد تعيينه أميراً على الكدرو والمندل والنيمانج وكل الجبال الواقعة غرب تقلي، قام عمر بشن هجمات على البعثة المسيحية ومخفر أمامي تركي- مصري فى الدلنج. لا مراء أن المهدي قد استغل العامل الديني كأداة رئيسة فى تأجيج نار الثورة الشعبية التى اجتاحت السودان عصرئذٍ، وقد استفاد من خبرات الخليفة عبدالله التعايشي - الذى ورث هو الآخر العلم الديني من والده الذى كان فقيهاً. وقد علمنا أن الخليفة عبدالله التعايشي، حين وقع أسيراً فى يد الزبير باشا رحمة فى دارفور، حاول تحبيب فكرة المهدي الى الزبير الذى رفض الأمر بشدة وزجره ثم هجره هجراً ملياً، وما أن لاحت لعبدالله الفرصة مع محمد أحمد حتى نالت الفكرة اعجابه وبدأ فى استثمارها دينياً وسياسياً. فسجلات التاريخ مليئة برجال ابتغوا السلطة، وبدأوا تدريجياً بأخذ القيادة فى كثير من الجماعات، مطلقين على أنفسهم ألقاباً طنانة. لقد أراد البعض أن يكونوا قادة دينيين ورجال سياسة على السواء. وسنحت لهم الفرصة المناسبة لتحقيق مآربهم حين حدثت تجاوزات اجتماعية وسياسية فى حق الشعوب المغلوبة على أمرها. فقد نظم بعض رجال الدين، الذين امتهنوا السياسة، حملات تؤيد المساواة العرقية وإلغاء الرق وأموراً مشابهة، فلقوا- فى سبيل تلك الحملات- الاستحسان عند الناس، وفى ذكراهم بقوا. وبما أن المهدي قد انتفض ضد الفساد الخلقي فى المجتمع السوداني وسياسات الحكومة التركية-المصرية، غير أنه لم يفعل شيئاً ضد ممارسة الرق، الذى هو أكبر جريمة أخلاقية فى تاريخ الحضارة الإنسانية، بل تحالف المهدي مع النخاسين الذين ارتأوا فى سياسات الحكومة الجديدة ضد علاقات الرق تهديداُ لمصالحهم التجارية. ومن هؤلاء التجار الياس باشا- حاكم كردفان السابق- وابنه عمر فى الأبيض، وعثمان دقنة فى شرق السودان وآخرين ممن تحالفوا معه ضد النظام وسدنته؛ ومن أولئك السدنة نذكر: عبدالله ود دفع الله وأخوه أحمد بك دفع الله فى الأبيض.
فلندع أمر المهدي جانباً ونعود الى الصراع السياسي حول السلطة فى مملكة تقلي. فقد استطاع علي أبوزنيت أن يعيد تأسيس مركزه فى كندورو، وبدأ فى تكريم كل من صمد معه فى هذا النضال الطويل، مثل النيل إدريس، الذى أصبح فيما بعد عمدة موريب. هاجم إبراهيم الخليل قرى تقوي، وأجزاء من جبال الكيجاكجة، وكذلك أولاد حميد فى مية فى العام 1892م. لو اعتزم الخليل هذا محاربة تقلي، لوجدها مفككة وآيلة للسقوط، وذلك للتشتت الذى أصاب أحفاد العائلة المالكة، فتفرق الأخوة، وسادت الخلافات، ودخلت المملكة فى صراع داخلي مستميت أصبح يهدد استقلاليتها وبقائها ككيان سياسي كان مستقلاً حيناً من الدهر وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. هرب جيلي، شقيق علي أبوزنيت، من معتقله فى القضارف فى العام 1891م، وتم تعيينه وزيراً لأخيه المك. كان علي مستبداً لدرجة تفوق استبداد المك ناصر؛ أما جيلي، الذى كان يحظى بتأييد شعبي واسع، كان يرى نفسه أنه المك الشرعي، ولذلك قرر علي أن يقتله. احتدم النزاع حول السلطة شديداً، وفى ذلك تنافس المتنافسون. وبلغت الفتنة مداها عندما جاء أحد الحوازمة الرواوقة- يدعى ناصر- هارباً من الدراويش، وطالباً حق اللجوء السياسي فى تقلي. لم يجد علي حرجاً من أن يتهم هذا المتضرع بأنه جاسوس المهدية، وحكم عليه بالإعدام. أما ابن المتوسل، فقد جرى الى بيت جيلي يستغيثه من بطش علي وعصبته، ووعده جيلي بأنه فى أيدي أمينة؛ ولكن ما أن عسعس الليل إلا وذهب عملاء علي الى بيت جيلي، وأخذوا الطفل وقتلوه. كان ذلك فى العام 1892م. بهذه الواقعة، توهم جيلي أن علياً ينوي قتله إذا وجد فرصة سانحة. لذلك، وكان قد جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى فقال له "إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج إني لك من الناصحين"، اتفق جيلي مع أتباعه أن يلتقوه فى بلولة، ومن ثم فروا الى تاسي. وقد لحقه متطوعون من تقلي فى بلولة، تحت قيادة الفكي الحسن من الكواهلة، وبايعوه مكاً على تقلي. أرسل علي قوة من الجيش يقودها الفكي عبدالكريم، شيخ شريحة من الكواهلة، ليقاتل جيلي فى بلولة. انضم عبدالكريم وجنوده الى جيلي، وشرعوا فى أداء فروض الولاء والطاعة، وبعث عبدالكريم بخطاب الى علي يحدثه فيه أنه هُزِم فى المعركة، وقبض عليه أسيراً.
لم يمض وقت طويل حتى أصبح جيلي على رأس قوة كبيرة من المحاربين، وخاصة عندما أرسل أخوه أبوفلج ليجند أولاد حميد. تحرك جيلي نحو تقلي والتقى مع علي فى طريفي، وعلى الرغم من هذه القوة، هُزِم جيلي وتقهقر صوب الجنوب الى تدقل فى جبال الكيجاكجة، حيث وصلته تعزيزات من الذين هجروا علياً، والعائدين من المهدية، وقاتل علياً وانتصر عليه، وهرب الأخير. جمع علي قوة متعددة الجنسيات من تقوي، والضباب، حتى الكواليب، وبات يقود حرب العصابات ضد جيلي: يهلك الحرث والنسل فى المناطق الواقعة فى غرب وشمال المملكة. أخيراً جاءت المسرحية الى نهايتها فى العام 1896م عندما عزز جيلي موقفه العسكري بالعائدين من الدراويش الذين هجروا الخليفة حينما لاح على الأفق كتشنر وجنوده البريطانيون-المصريون والسودانيون الذين التحقوا بالقوات الغازية، وأمست هزيمة الأنصار قاب قوسين أو أدنى. وبعد المعركة الفاصلة بين الأخوين، هُزِم علي واستقر فى جبل الداير، وبذلك انفرد جيلي بالسلطة: يقيم الحق، ويسوس الخلق، ويرعى العباد، ويراعي البلاد. حاول البريطانيون إعادة الاعتبار الى علي، وجعلوه مسؤولاً على جبال تكم وطيشان- غربي جبال تقلي- وضمت هذه المنطقة لاحقاً وديلكة والموريب. عاش فيها علي حتى مات فى العام 1922م، وخلفه ابنه أبكر. أما جيلي، الذي وقع اتفاقية السلام مع الخليفة عبداللَّه التعايشي، رجع ونقض ذلك العهد؛ ربما قد تعلم من الخطأ الذى وقع فيه والده مع المهدي. وعندما هرب الخليفة الى أبودوم بعد معركة كرري بأم درمان، رفض جيلي توفير الحماية له؛ وأمر وكيله عبداللَّه جودات- الذى سبق أن عمل ملازماً فى الحرس الخاص للخليفة فى أم درمان وهرب الي تقلي مع عدد من الجهادية- أن يطرده من تقلي. طُرِد الخليفة من بلولة، ومنها الى قدير، حيث اختبأ فيها حتى خرج أخيراً ليلاقي ربه فى معركة أم دبيكرات.
فى العام 1899م عينت السلطات البريطانية-المصرية مأموراً فى كراية، ولكن جيلي- الذى كتب الى حاكم كردفان بالأبيض يشكره على هذا التعيين- بات يتجاهل هذا المأمور، وطفق يقوم بتصريف أمور العباد والبلاد كما كان من قبل. وقد تواطأ مع حركة الشريف محمد الأمين فى تقلي فى العام 1903م، وعند القبض على الأمين وشنقه علناً فى الأبيض، وسجن أتباعه، أُخذ جيلي للمساءلة الجنائية. وحينما أبلغ السلطات البريطانية-المصرية أن الأمين قد خدعه، تم إطلاق سراحه. توفى جيلي فى العام 1916م بعدما تقلص نفوذه وأصبح محدوداً للغاية، وخلفه ابنه أبكر الذى عاش حتى العام 1921م، ليتولى العرش من بعده أخوه آدم النيل جيلي.
تقلي في عهد الحكم البريطاني-المصري (1898-1956م)
عند اعتلاء المك آدم جيلي- المك التاسع عشر- العرش فى العام 1921م كان السودان قد دخل مرحلة جديدة من تاريخه الحديث، وذلك من خلال الغزو البريطاني-المصري للبلاد فى الثاني من سبتمبر العام 1898م، وشرعت السلطة الجديدة فى عملية تجميع أشلاء المملكة ومحاولة انعاش الحكم الوراثي المتهالك. لقد أضفى النظام الثنائي على أجهزة الحكم القديمة طابعاً تجديدياً، ولذلك نجد أن تقلي أصبحت جزءاً من مجلس ريفي المنطقة فى يناير 1947م. جاءت فكرة رتق أجزاء المملكة فى الأول من أبريل 1931م، وذلك عقب إلغاء مديرية جبال النوبة وإضافة تلودي الى منطقة الجبال الشرقية. شهدت المملكة تطورات إدارية أخرى، فقد اختار المك أدم آبار كُتُري عاصمة جديدة له فى العام 1929م بدلاً من كراية فى جبال كيجاكجة، ورفض استخدام اسم كُتُري وأطلق اسم العباسية على العاصمة. كان للعاصمة الجديدة موقعاً استراتيجياً هاماً، فضلاً عن كونها مركز تجاري واقتصاديً فى غاية الأهمية. فنجدها مصدراً للمياه، وبها طرق اتصالات جيدة بين الشرق والجنوب، وقريبة من السكة حديد فى أم روابة، كما أكسبها فتح طريق رشاد-العباسية فى العام نفسه وضعاً خاصاً؛ ثم انشاء محكمة تقلي تحت نفوذ المك، ومنحه سلطات قضائية واسعة.
وفى العام 1930م أصبحت عموديتي الكواهلة وكنانة فى بلولة وأبوجريس وأم طلحة فى الشرق تحت سلطات المك القضائية، وارتفع تعداد السكان بإضافة 4,100 مواطن الى المملكة. وفى العام 1932م أُدمجت الموريب وتكم (تعدادهما حينئذٍ 3,300 نسمة) الى المملكة، وكذلك ترجوك وتقوي (2,500 نسمة) فى العام التالي. باتت تقلي- باستثناء رشاد- يحدها من الغرب الحوازمة بناظرهم الزبير، ومن الجنوب أولاد حميد وكنانة تحت إدارة الناظر راضي كمبال، الذى أمسى وكيلاً للمك فى مدينة أبو جبيهة. بحلول العام 1934م ارتفعت ميزانية المنطقة الى 1,265 جنيهاً إسترلينياً. وفى العام 1935م امتد نفوذ تقلي القضائي الى رشاد (7,800 نسمة)، وكذلك أولاد حميد وكنانة والكواهلة فى كلوقي بناظرهم محمد (13,200 نسمة). بلغت مساحة رقعة المملكة بعد ترميمها 1,200 ميلاً مربعاً، وتعداد سكانها ما يربو على 47,000 نسمة، وقفزت ميزانيتها الى 3,500 جنيهاً إسترلينياً. أصبح السكان خليطاً من العرب، والنوبة المسلمين فى رشاد، والنوبة غير المسلمين فى كاو-نيارو، وقبائل تعود أصولها الى نيجيريا (الفلاتة). وبحلول العام 1937م انضم ناظر الليري الى المنطقة، وفى العام 1943م ارتفعت الميزانية بإضافة 1,600 جنيهاً إسترلينياً إليها من العموديات الأربع، وبعد عامين انضمت عمودية تلودي وبلغت الميزانية 15,000 جنيهاً إسترلينياً وتعداد السكان 140,000 نسمة.
تم تقسيم المملكة الى إدارتين وتجزئة هاتين الإدارتين الى 7 أقسام:
(1) الإدارة الشمالية: وتضم 3 أقسام هى: تقلي، والحوازمة، ورشاد (مجموعة تقوي وترجوك). وتقع تحت إدارة شقيق المك- الشيخ حاج الطاهر جيلي.
(2) الإدارة الجنوبية: وتشمل 4 أقسام هى: أولاد حميد- كنانة، والكواهلة فى كلوقي، والليري، وعمودية تلودي. ويدير شؤونها الناظر راضي كمبال.
حينما عزم المك الاستقالة فى العام 1946م ليعتزل العمل العام ويركن الى حياته الخاصة، رفض الإداريون ذلك لأن ابنه كان لايزال يافعاً وليس بمقدوره أن يرث الحكم. أما النظام السياسي الذى أصبح سائداً فى المنطقة منذ الأول من يناير 1947م فقد كان يعرف بمجلس ريفي المنطقة، ويتكون من ممثلي القبائل الذين يعينهم محافظ المديرية، وثلاثة أعضاء يمثلون المصالح الخارجية- يتم تعيينهم عن طريق المحافظ كذلك- ثم الممثل التجاري- الذى ينتخبه رجال المال والأعمال فى الأسواق الرئيسة فى العباسية ورشاد وتلودي. وجد المك آدم فرصة مواتية لرفض رئاسة هذا المجلس الموقر، فما كان من المجلس إلا أن انتخب شقيقه الشيخ حاج الطاهر جيلي رئيساً للمجلس، على الأقل، خلال الثلاث سنوات الأولى من تأسيس المجلس.
من سرد الوقائع التاريخية أعلاه للأحداث السياسية والاجتماعية التى قامت عليها مملكة تقلي، نجد أن المملكة كانت مستقلة أيما استقلال. واستطاع رعايا المملكة أن ينجوا من نير الضرائب الباهظة، التى كانت سمة العهد التركي-المصري فى السودان (1821-1885م). بناءً على هذا، رفض المك آدم أم دبالو دفع الضرائب حين أوفد الياس باشا- حاكم كردفان يومئذٍ- رسله من مقره فى الأبيض الى المك "التقلاوي". فماذا كان رد المك آدم لرسل الياس؟ قال لهم المك آدم: "إني لأدفع فقط قيمة البضائع التى أشتريها من التجار، لكنني لن أدفع لهم الضرائب". وفى تلك الأثناء، أرسل المك آدم رسالة الى الأبيض مستفسراً مستنكراً عما حدث للأتراك والبيض؟ هل لقوا مصرعهم أجمعون أبتعون حتى باتت الحكومة تعين التجار "الجلابة" من الجعليين والدناقلة والشايقية فى وظائف عليا دون اعطائها لرجال ذوي شأن عظيم؟ فكان هذا الاستهجان كافياً بأن تعفى السلطات حاكم كردفان، الياس باشا، ومساعده، عبدالرحمن بن نجا، من منصبيهما حين رأت أنهما لا يحُظيان بتقدير وتوقير من قبل الناس. بيد أن للإعفاء دواعي أخرى تتمثل فى التنافس السياسي والتجاري لتجار الرقيق فى الأبيض والنتائج التى أفرزها هذا الصراع المحموم، بخاصة إذا أدركنا حقيقة أن أحد أسباب غزو محمد علي باشا للسودان كان من أجل الحصول على الرجال الأقوياء (الرقيق) لتحديث جيشه، فضلاً عن جمع المال لتوسيع نفوذ الإمبراطورية العثمانية. ولاشباع رغبة السلطة الملحة ومصالحهم الشخصية، استخدم جباة الضرائب من الأتراك والشايقية والعساكر (الباشبزق) سبلاً وحشية، وانتشر أسلوب الرشوة والمحسوبية، وهو ما نجت منه مملكة تقلي بفضل استقلالها.
يقولون دائماً ان التاريخ يكتبه المنتصرون، وهكذا الحال بالنسبة لتاريخ السودان (History is written by victors). فالذين دونوا تاريخ هذا البلد هم أولئك الذين تربعوا على عرش السلطة فى الخرطوم سواء علينا البريطانيون-المصريون، الأجانب الذين خدموا الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية فى السودان، أم الأقلية الحاكمة التى ورثت السلطة من المستعمرين. على أيٍ، هذه لمحات وقبسات من حضارة سادت ثم بادت، وقد إرتأينا أنه من الضروري تسليط الأضواء عليها لإزالة الضباب الذى ظل ضارباً عليها حيناً من الدهر، إما بسبب جهالة الجهلاء، أو تحريف المغالين، أو انتحال المبطلين. ولكن ثمة أسئلة تظل فى حاجة الى أجوبة؛ نذكر على سبيل المثال الحاجة الى الدراسة الاثنية واللغوية عن سكان تقلي وعلاقتهم بقبائل النوبا الأخرى؛ وكذلك العلائق التي ربما ربطتهم بممالك النوبة القديمة على ضفاف نهر النيل قبل دخول العرب الى السودان. وهذا يعني الانغماس فى دراسة رسائل ومخطوطات الرحالة الذين زاروا السودان والمنطقة وكذلك إجراء بحث ميداني مع بعض كبار تقلي، فضلاً عن القيام بحفريات فى المنطقة. فهل نحن فاعلون؟
(1) أنظر الدكتور يوسف فضل حسن، مقدمة فى تاريخ الممالك الإسلامية السودانية فى السودان الشرقي (1450-1821م)، الدار السودانية للكتب، الخرطوم.
(2) Ewald, J J, Soldiers, Traders and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley (1700-1885), USA, 1990.
(3) أنظر محمد بن النور بن ضيف الله: كتاب الطبقات في الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء فى السودان، تحقيق الدكتور يوسف فضل حسن، الخرطوم، 1971م.
(4) المسيد عبارة عن مسجد خصوصي ومدرسة لتعليم القرآن والحديث.
(5) بالإضافة الى الشهادة، التى هى ركن من أركان الإسلام الخمسة، نجد أن البديات يمارسون بعض الطقوس والعادات التى تُعد فى بعض الأوساط الدينية بدعة منافية للتعاليم الإسلامية. وتشمل هذه العادات التوسل الى الخالق تحت شجرة الهجليج، وتقديم القربان للبارئ على قمم الجبال، وهذا هو إسلام أهل السودان الذى فيه تمتزج الخرافة بالعقيدة والتقاليد بالعبادات.
(6) Elles, R S, The Kingdom of Tegali, Sudan Notes and Records, Vol XVIII, Part I, 1935.
(7) Holt, P M, A Modern History of the Sudan: From Funj Sultanate to the Present Day, London, 1961; Slatin Pasha, R C, Fire and Sword in the Sudan: A Personal Narrative of Fighting and Serving the Dervishes (1879-1895), London, 1897.
ينسب الجعليون أنفسهم الى جدهم العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم فى شبه الجزيرة العربية. وانَّهم بهذا النسب لفخورون، وانهم لينظرون بشئ من السخرية والازدراء للدناقلة، الذين يعدونهم منحدرين من العبد دنقل. وحسب الأسطورة، فإن دنقل– بالرغم من أنه كان عبداً– فقد صعد الى مرتبة حاكم مملكة النوبة، وكان يدفع الجزية لبهنيسا، القس القبطي، الذى كان مسؤولاً عن المنطقة الواقعة بين صرص والدبة. وقد شيد دنقل مدينة دنقلا، التى باتت تحمل اسمه، وسرعان ما بدأ مواطنو هذه المنطقة يُعرفون بالدناقلة. بالرغم من أنهم امتزجوا وتصاهروا مع العرب والمواطنين المحليين، وهم كذلك يصرون على أنهم عرب، إلا أنهم لم يسلموا من تهمة العبودية والتمييز العنصري من قبل الجعليين.
(8) MacMichael, H A, A History of the Arabs in the Sudan, Vol 1, Cambridge, 1922.
للتعرف على أصل اسم (جعل) أنظر مقال على حليب بعنوان الأصل الزنجي لأسماء المدن السودانية.. المعاني والأبعاد، سودانايل، 7/5/2003م.
(9) أنظر سراج الدين عبدالغفار عمر، تاريخ الصراع فى جبال النوبا (الفترة 1984-1996م)، الخرطوم، 1996م.
(10) الدكتور شوقي الجمل، تاريخ سودان وادي النيل: حضاراته وعلاقته بمصر من أقدم العصور للوقت الحاضر، الجزء الأول، القاهرة، 1996م؛ أنظر صحيفة "الخرطوم": 12/9/1995م – العدد 986.
(11) Ibrahim, A U M, The Dilemma of the British Rule in the Nuba Mountains (1898-1947), Khartoum University Press, 1985.
(12) أحمد محمد البدوي، مجلة "الحوار": أكتوبر 1993م، العدد الثالث، السنة الأولى.
(13) عوض عبد الهادي العطا، تاريخ كردفان السياسي فى المهدية (1881-1899م)، الخرطوم، 1973م.
(14) Kenrick, J W, The Kingdom of Tegali, Sudan Notes and Records, Vol XXXIX, Part II, 1948.
الكتاب الكلاسيكيون│إصدارات جديدة فى علم الدراسات السودانية│الببليوغرافيا│معرض الآثار السودانية│كوش الجديدة│الصفحة الرئيسة